الصفحة 12 من 28

"أو يخرجوك"، وهي وسائل قديمة حديثة، لكن يأتي تثبيت الله لرسوله صلى الله عليه وسلم"ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، ففيها عظة لكل مؤمن بالله تعالى ما دام على الحق أن يثبت عليه، فإن مكر له الخلق، فإن الخالق حاميه من كل شر.

إذن بهذه الأسباب الذاتية (الحفظ الشرعي) ، وغير الذاتية (الحفظ الكوني) بقي القرآن الكريم محفوظا، فلم يصبه الاختراق الذي أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند.

وهذه القضية هي الأصل المعتمد بيانه وتفصيل القول فيه، والله المستعان.

لما زعم الذين كفروا أن القرآن ليس من عند الله تعالى، تحداهم بالمعارضة بمثل القرآن، في أسلوبٍ عامٍّ يتناولهم ويتناول غيرهم من الإنس والجنّ، تحدِّيًا لا طاقة لهم به، قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرا} [1] ،ولما لم يقدروا، هون عليهم الطلب إلى عشر سور مثله مفتريات، (لا يلتزمون فيها الحكمة ولا الحقيقة، وليس إلا النظم والأسلوب، وهم أهل الله ولن تضيق أساطيرهم وعلومهم أن تسعها عشر سور ... ) [2] ، فقال تعالى: {أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنَّما أنزل بعلم الله} ،ولما لم يفلحوا مرة أخرى، استفزهم بسورةٍ واحدةٍ منه في قوله: {أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورةٍ مثله} ، وكرَّر هذا التحدِّي في قوله: {وإن كنتم في ريبٍ ممَّا نزَّلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله} ، (فقطع لهم أنهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلا من الله، ولا يقولها عربي في العرب أبدا، وقد سمعوها واستقرت فيهم ودارت الألسنة، وعرفوا أنها تنفي عنهم الدهر نفيا وتعجزهم آخر الأبد فما فعلوا، ولا طمعوا قط أن يفعلوا.) [3] .

ولما رأوا أنهم انقطعت بهم السبل إلى المعارضة، مع وجود الدواعي لها، وانتفاء الموانع لها، جاؤوا إلى المحاربة عن طريق سبيلين:

سبيل اللجوء إلى حمل السلاح ومقارعة السيف بالسيف، وهذه دلالة على أن القوم قد أعجزتهم قوة المنطق، فلجئوا إلى منطق القوة، وشتان بين الأمرين.

أما السبيل الثاني فهو أنهم انصرفوا عن توهم حجته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من قبيل: ساحر، وشاعر، ومجنون، ورجل يكتتب أساطير الأولين، وإنما يعلمه بشر وأمثال ذلك مما هو أشهر من

(1) - سورة الإسراء. الآية 88.

(2) - إعجاز القران والبلاغة النبوية. مصطفى صادق الرافعي. دار الكتاب العربي. بيروت. 1410 هـ / 1990 م. ص: 169.

(3) - نفسه. ص: 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت