أن يذكر، وهذا من باب نقل المعركة من ميدانها الصحيح إلى ميدان لا يجاريهم فيه الشرفاء، وذلك بالتنقيص والشتيمة والرمي بكل معيب، أي حرب المصطلحات، تلك الحرب القديمة الحديثة.
رغم هذه الهزيمة النفسية التي لحقت بالعرب في حربهم مع القرآن الكريم، فإن التاريخ لا يخلو من قوم، اشرأبت أعناقهم للإتيان بمثله، ولو في أقصر سورة منه.
والبحث التاريخي أوجد لنا طائفتين، إحداهما تختلف عن الأخرى في المقصد من هذه المعارضة، ولكنهما تتفقان في ضرورة التحدي والمعارضة قصد إثبات الذات المنهزمة سلفا.
فمنهم من ادعى النبوة، نحو الأب الروحي مسيلمة، وسجاح، وطليحة بن خويلد، فكانت دعواه عارية حتى جاء قومه بشذرات من الخرف، ملفقة مفتراة، عن طريق السرقة من القرآن، أسلوبا وموضوعا، وما هي إلا كلمات قليلة قيلت على سبيل الوحي وهي إلى الكهانة والسجع أقرب، أو أنها لا تخرج عن (أل) [1] ، زعم كل واحد منهم أنها أوحيت إليه، وأنها هي المعتمد والمعول في قبول نبوته، فكان له أتباع من قومه فقط، ولم يشايعه غيرهم، وذلك لتحكم العادة والتعصب فبهم، من حيث مقاربة من قارب جنسهم بين العرب ومباعد من باعدهم [2] .
وإذا كان أشياعهم هم من بني جلدتهم وقبيلتهم، فإن المتأمل فيما زعموا أنه قرآن لهم، لا يخرج عن سجع الكهان، حتى أن مواضيعه لا تخرج عن بيئتهم وطباعهم.
ولكن ما جاء به مسيلمة يفسر من مبتلى بمرض الرياسة والحلم بالجاه، أوضح من حكايتها عن صدورها عمن يريد قيادة الناس من الكفر إلى النور، وإخراجهم من أوحال الشرك إلى نور التوحيد، أو مِنْ مَنْ يريد التحرر من أحكام الشرع الإسلامي، كما نراه عند اجتماع الكذبة والمنحرفين عن الجادة، وأعني هنا اجتماع مسيلمة مع سجاح وقصة دخوله عليها، وهي أشهر من أن تذكر.
(1) - هذا هو قول الصديق رضي الله عنه لما سمع هذا الهراء:"ويحكم أين كان يذهب بعقولكم إن هذا الكلام لم يخرج من أل".
(2) - (قال سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال أين مسيلمة فقال مه رسول الله فقال لا حتى أراه فلما جاء قال أنت مسيلمة فقال نعم قال من يأتيك قال رجس قال أفي نور أو في ظلمة فقال في ظلمة فقال أشهد أنك كذاب وان محمدا صادق ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر واتبعه هذا الأعرابي الجلف لعنه الله حتى قتل معه يوم عقربا لا رحمه الله) ، البداية والنهاية. مرجع سابق. ص:331.
(ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان طليحة قد تنبأ واستطار أمره في بعض قبائل من العرب، وكان بين غطفان وأسد حلف في الجاهلية، قام عيينة بن حصن في غطفان فقال: إني مجدد الحلف الذي بيننا في القديم ومتابع طلحة، والله لأن أتبع نبيا من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبيا من قريش) ، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية. مرجع سابق. ص: 173.