ومنهم من ادعى المعارضة لأجل المعارضة، وكما يقول أهل الأدب صناعة، ظنا منه القدرة بعد تمكنه من صنوف الأدب،، وما بلغه من شأو في نظم القصائد، ونثر الألفاظ، حتى أمسى الكلام سيد أعماله، ونصيره في منتدياتهم، فحصلت له القناعة بأن الإتيان بسورة واحدة وجيزة، هو من اليسر بمكان.
وعدد هؤلاء القوم يماثل عدد المتنبئين، أو يربو عنهم قليلا، ولنرى من خلال معارضاتهم حجم المهزلة الأدبية، فأولهم النضر بن الحارث الذي تعلم في العراق شيئا من أساطير الفرس وحكايات ملوك العجم، ليقص منها على الناس فيلهيهم عن سماع القرآن الكريم، إلا أن ذلك لم يدم طويلا، فقد سأمت قريش أحاديثه فتفرقت عنه.
ومنهم أحمد بن الحسين الكوفي الشاعر المعروف بالمتنبي، الذي ادعى النبوة في قوم أجلاف بالبادية، وزعم أنه أوحي له، وعليه فإذا (كانت حماقات مسيلمة قد جازت على أهل اليمامة والقرآن لم يزل غضا طريا ونور الوحي مشرق على الأرض بعد، فكيف بالمتنبئ في بادية السماوة وقوم من بني كلب وهل عرف الناس نبيا بغير وحي ولا قرآن؟) [1] .
أما باقي الطبقة الأدبية، فإننا نجد كل من أبي الحسن عبدالله بن المقفع الفارسي وهو من أبصر الناس باستحالة المعارضة، ثم إنه كان متهما في دينه، فتهيأت نسبة المعارضة إليه.
أما أبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الرواندي، فالثابت أن كل كتبه في الاعتراض على القرآن لا معارضته، ثم إن العلماء أجابوا عن كل كفرياته، وبينوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة.
ولعل آخرهم هو أبو العلاء المعري، وتلك ولا ريب فرية عليه أراده بها عدو حاذق، لأن الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه كما قال الرافعي.
وينتقل بنا المعطى الجغرافي، لنحل بالمغرب، وبالضبط في قبيلة برغواطة، هذه الأخيرة سيكون لها شأن مهم ومتداول عند أصحاب التاريخ والفكر، من حيث ذلك الحدث الذي ارتبط بها، إذ كلما ذكرت وإلا ذكر معها الدين الجديد الذي نادى به القائم بأمرها.
إنه صالح بن طريف مدعي الوحي والنبوة، جاء بقرآن في ثمانين سورة كلها منسوبة إلى أسماء النبيئين، أولها سورة أيوب، وآخرها سورة يونس، وفيها سورة فرعون، وسورة الديك، وسورة الجراد، وسورة
(1) - إعجاز القرآن والبلاغة النبوية. مرجع سابق. ص: 184.