مجموعة من العلماء الذين اطلعوا على التوراة ودرسوها دراسة فاحصة، وكتبوا في ذلك بين مطول ومتوسط ومختصر، في بيان التناقض والاضطراب الحاصل فيها [1] .
أما استدلالهم بآيات الكتاب الكريم المادحة للتوراة، فهو لذلك الحق الذي بقي فيها - وأعني الصفة والحكم - فاليهود ما استطاعوا إليهما سبيلا، لأن كلام الله تعالى إذا قصد به قيام الحجة، فالتحريف ممتنع لارتباطه بها من حيث التأثير، أما قبل أن يصير في مقام الحجة، فغير ممتنع تحريفه كلامه، إذن فمناط الامتناع ليس للعجز أو شيء منه، وإنما لوصف آخر عارض وهو قيام الحجة به.
أما استدلالهم بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، فهو من أقوى وأصح ما استدل به القائلون بتحريف المعنى فقط، ولكن سياق الحديث يفيد خلاف ما يصرح به، بحيث أن قوله رضي الله عليه (وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى، ولكنهم يحرفونه، يتأولونه على غير تأويله) ، ليس من كلامه، بدلالة نفي ابن حجر لذلك، ثم لمخالفته تفاسير له لآيات تصب في نفس الموضوع، وفي مقابل ما صح من الآثار المروية عنه رضي الله عنه في بيان التحريف، وأنها جاءت متظارفة جميعها على التحريف اللفظي.
كان هذا جوابا، بل تخريجا لإشكالين علميين، هما من العلمية بمكان، إذ لهما تحكم معرفي على الساحة الدينية والثقافية، سواء على مستوى تحقيق الانسجام النظري أو الانسجام العملي بينهما وبين الواقع المعاش فيه.
وأولهما هو صعوبة إيجاد توافق بين القول بتحريف التوراة معنى، وبين حديثه صلى الله عليه وسلم: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم و لا تكذبوهم و قولوا آمنا بالله و كتبه و رسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم و إن كان باطلا لم تصدقوهم.) [2] ، فالحديث شهد على تحريف المعنى والمبنى معا، فالحق هو ما بقي في التوراة من نور، والباطل ما لحقها من زيادة ونقصان، حتى أصبح المسلم لا يدرى ما حدثوه به أهو من الحق أم من الباطل، والتوجيه الذي جاء به صلى الله عليه وسلم هو لزوم سبيل"المحايدين"فلا تصديق خشية الإيمان بالباطل، و لا تكذيب خشية الكفر بالحق.
أما الثاني، فهو ما هو المسوغ لإنزال كتاب ناسخ ومهيمن ومصدق وهو القرآن، على كتاب منسوخ وهو التوراة أو الإنجيل، إذا كان هذا الكتاب المنسوخ غير محرف اللفظ وما زال صالحا للتدين به؟!!! وهذا بطلانه أبين من إبطاله، وفساده أوضح من إفساده.
(1) - على سبيل الذكر لا الحصر: ابن حزم الأندلسي، وابن القيم، والإمام الغزالي، وإمام الحرمين الجويني، ورحمة الله الهندي ... ناهيك عن الدراسات الغربية التي أثبت التحريف الحاصل فيها.
(2) - مسند الإمام أحمد. حديث أبي نملة الأنصاري رضي الله تعالى عنه. رقم: 16774.