ولبيان هذا، كان لابد له من توطئة، هي أن كل شيء في هذا الكون، إنما يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، والأمر في هذه الشؤون الإلهية يكون على حالين لا ثالث لهما، منها ما هو كوني، ومنها ما هو شرعي.
فقضاء الله تعالى يكون كونيا وشرعيا، فأما (القضاء الكوني، ففي قوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات في يومين} [1] .
والقضاء الديني الشرعي، في قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [2] .
(وكذلك الأمر الإلهي، فـ) ـالكوني، في قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [3] . وكذا قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} [4] ...
والأمر الشرعي في قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [5] ، وقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [6] .) [7] .
إذن فالتأمل في هذه القضية، تبين لي منها أن القرآن الكريم محكوم بهذه الثنائية: ثنائية الكوني والشرعي.
فالحفظ الكوني يتجلى في الوعد الإلهي للمسلمين بحفظ القرآن الكريم، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [8] ، بخلاف الكتب السابقة التي أوكل الله تعالى حفظها لأهلها، فقال تعالى: {والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله} [9] ، وهذا شبيه بحفظه تعالى للكون وما يجري فيه وفق سنن أودعها فيه، وشبيه بحفظه الحق من أن يعلو عليه الباطل.
(1) - سورة فصلت. الآية 12.
(2) - سورة الإسراء. الآية 23.
(3) - سورة يس. الآية 82.
(4) - سورة الإسراء. الآية 16.
(5) - سورة النحل. الآية 90.
(6) - سورة النساء. الآية 57.
(7) - شرح العقيدة الطحاوية. على ابن على بن أبي العز الدمشقي. حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه وقدم له: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، شعيب الأرنئوط. مؤسسة الرسالة. لبنان. ط 2. الإصدار الثاني. 1420 هـ / 1999 م. ج 2. ص: 677.
(8) - سورة الحجر. الآية 9.
(9) - سورة المائدة. الآية 46.