الحضارة الإسلامية دفعت إلى هذا، منها اهتمام العرب وأسلافهم العتيق بالتجارة وحساب الأنصبة والأرباح في البضائع والبيوع، ثم نظام المواريث الإسلامي، وأيضًا تعاظم جحافل الجيوش الجرارة وتوزيع رواتبها وغنائمها وحساب نفقاتها، ثم الرخاء الاقتصادي والتراكم المالي الذي تلا تكوين الإمبراطورية الإسلامية، ومشاكل حساب أنظمة الجزية والخراج والضرائب والزكاة، هذا فضلًا عن مشاكل عمليات المساحة وتقسيم الأراضي وتشييد المدن" [1] ."
وعن الفلك فنجد تحديد مواقيت الصلاة والشعائر والأعياد الدينية تدفع الإسلاميين إلى اهتمام مكثف بالفلك، لاسيما وأن البيئة الصحراوية دفعتهم إلى الاعتماد على التقويم القمري بصعوباته في تحديد التواريخ سلفًا، وفي الوقت نفسه اهتموا بالتقويم الشمسي في الأمصار الزراعية التي دانت لهم من أجل تحديد أوقات جباية الجزية والضرائب والزكاة وفقًا لمواسم الحصاد، والمحصلة أن المسلمين استطاعوا تطوير علم حساب المثلثات، وتصنيع آلات فلكية لتعيين المواقيت والاتجاهات، وكانت من أدوات اكتشاف الأمريكتين وإثبات كروية الأرض، كل ذلك بتطبيقهم لتوجيهات القرآن الكريم الداعية لشحذ الهمم في سبيل الارتقاء بالبحث العلمي.
واستعمل القرآن العلم في معرفة مختلف مظاهر الطبيعة من الماء والسماء والثمرات والجبال والناس والدواب والأنعام واختلاف ألوانها: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} فاطر: (27،28) ، قال فيها الإمام القرطبي:"هذه الرؤية رؤية القلب والعلم، أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل ... ويشير السياق هنا إلى علماء هذه الأشياء المذكورة ونظامها، فازداد هؤلاء العلماء بهذا العلم يقينًا، وأثمر ذلك رهبة وخشية من عظمته، وعجيب إتقانه، واختلاف ألوان موجوداته، فهو علم وذوق لهذا الجمال في الألوان أيضًا" [2] .
واستعمل العلم في القرآن في تعليم الشعر، قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} يس: (69) ، وفي تعليم البيان والقدرة اللغوية في قوله سبحانه: خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3)
(1) فلسفة العلم في القرن العشرين-يمنى الخولي. ديسمبر 2000 .. سلسلة عالم المعرفة. العدد 264. الكويت
(2) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) -أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي -تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش-دار الكتب المصرية - القاهرة-الطبعة الثانية: 1384 هـ - 1964 م- (14/ 341)