الصفحة 48 من 69

ومن جهة أخرى، ذهب البعض إلى أن قول الأصوليين بأن المشقة علة لإباحة الفطر في السفر، مؤوَّلٌ بأن المقصود هو دفع المشقة لا المشقة ذاتها [1] ، وبهذا يعود الوصف المتضمَّن إلى الغرض لأن دفع المشقة هو الغرض من الحكم.

فإذا تقرر ما مضى، فلا حاجة لإفراد الوصف المتضمن على أنه إطلاق مستقلٌّ للعلة بل هو آيلٌ إما إلى السبب وإما إلى الغرض.

فالجواب، هو أنَّا مع إقرارنا بأنه لا مُشَاحَّة في الاصطلاح إذا فُهِم المعنى إلا أنَّا نميل إلى إخراج الوصف المتضمَّن عن السبب، من حيث إن السبب منصوصٌ أو مَقيسٌ على المنصوص، أما الوصف المتضمَّن فمستنبط، ولأنَّ الأصوليين أطبقوا على التفرقة بين المشقة وبين السفر المقتضي لإباحة الفطر في رمضان، واصفين المشقة بأنها الحكمة والسَّفر بأنه السبب. وأما ما قاله الغزالي عن الوصف المتضمن بأنه السبب الحقيقي فلم أجده صرح بذلك، كما فَعَل صاحب الروضة [2] ، وإنما قال الغزالي بأنه يتبين بعد السبر أن مناطَ الحكم هو (( إيلاج فرجٍ في فرج حرام ) )، وليس السَّبَبَ الذي اشتمل على هذا الوصف الذي هو الزنا، فَوَصَفَ الغزاليُّ الوصفَ المتضمَّنَ بأنه مناطٌ لا سبب. ولفظُ المناط أعمُّ من السبب، فلا غضاضة في إطلاقه على الوصف المتضمن.

أما تأويل المشقة بدفعها فهو تأويل سائغ لكنه إن استقام مع بعض الأوصاف المتضمَّنة فلا يستقيم مع البعض الآخر، فمثلا لا يُستساغ القول بأن المقصود بقولهم (( الشدة المتضمنة في الخمر هي علة التحريم ) )هو دفع الشدة، وكذا لا يستساغ القول بأن المقصود بقولهم (( الثمنية هي علة تحريم بيع الذهب متفاضلا ) )بأن المقصود هو دفع الثمنية، وكذلك كل الأوصاف المتضمنة غير المناسبة للحكم لا يمكن تأويلها بالغرض لأن الغرض مناسب دائما بخلاف الوصف المتضمن، الذي قد يكون مناسبا وقد لا يكون.

وعليه فإطلاق العلة على الوصف المتضمن هو إطلاق مستقلٌّ، حيث تنفرد العلة بهذا المعنى عن الإطلاقين السابقين بخصائص تجعلها جديرةً بهذا الاستقلال.

(1) الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص 16.

(2) ابن قدامة، روضة الناظر، ص 337. وتُعد الروضة تلخيصا للمستصفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت