الصفحة 51 من 69

ب. وجه الشَّبَه بين العِلَل الثلاث:

القاسم المشترك الأكبر بينها هو تَحْصيلُها أو اقتضاؤها للحكم. فالحكم معلولٌ (نتيجة) لهذه العلل من حيثيَّاتٍ مختلفة. فمثلا:

• نقول في العلة السببية:

السفر اقتضى إباحة الفطر للمسافر في نهار رمضان.

• ونقول في العلة الغرضية:

دفع المشقة اقتضى إباحة الفطر للمسافر في نهار رمضان.

• ونقول في العلة بمعنى الوصف المتضمَّن:

المشقة التي يشتمل عليها السفر اقتضت إباحة الفطر للمسافر في نهار رمضان.

وتحصيل هذه العِلَل للحُكْم هو الذي جعلها تستحقُّ اسم العلة؛ لأن العِلِّيَّة ما هي إلا علاقة بين شيئين أحدهما مُنتِجٌ أو مُحَصِّلٌ للآخر، فيُقَال للمنتِج عِلَّة وللناتِجِ مَعْلول. فالسَّبَب والغَرَض والوَصف المُتَضَمَّن كل ذلك منتِجٌ ومُقْتَضٍ ومُحَصِّلٌ للحكم باعتبارات مختلفة، فاستحقَّ أن يُلقَّبَ بـ (( العلة ) )، ومن هنا جرى تعبير الأصوليين عن هذه المفاهيم المتباينة بلفظٍ واحد، وجرى بحثها في سياق واحد دون التفريق بين كلٍّ منها في كثير الأحيان.

فإن قيل: تعليل الحكم الواحد بأكثر من علة في الوقت نفسه مختَلَفٌ فيه أصوليا، والراجح بطلانه عقلا؛ لأن العلة الأولى إذا حصَّلَتِ الحكمَ فلا أثر للعلة الثانية، لأن الفَرْض أن العلة الأولى هي التي حصَّلت الحكم، فلو اعتبرنا بأن العلة الثانية تُحَصِّل الحكم في الوقت نفسه فسيكون هذا من قبيل تحصيل الحاصل، وهو باطل عقلا فكذا ما أدَّى إليه. وعليه فإذا كان السفر هو المحصِّل لحكم الإباحة فلا يصح أن يكون دفعُ المشقة ولا المشقةُ محصِّلين لهذا الحكم، لأنه حاصل أصلا. فإذا تقرَّر هذا فلا يصح القول بأن كل واحدةٍ من العِلل الثَّلاث مُحصِّلةٌ للحكم كما سلف بيانه.

فالجواب هو أن المحصِّل الأصلي والعلة المُوجِدة للحكم هي إرادة الشارع لهذا الحكم، والتي أفصح عنها خطابه الكريم بهذا الحكم. وهذه الإرادة إنما تحقَّقَت بدافعٍ من العلة الغرضية والتي تتمثَّل بقصده، سبحانَه، دفْعَ المشقَّةِ عن المسافر. وعليه فالعلة الغرضية هي علة الإرادة، والإرادة بدورها هي علة الخطاب، والخطاب هو علة وجود الحكم. وذلك على النحو التالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت