الكَشْف عن ـ أو استنباط ـ الوصف المتضمَّن يَمُرُّ بمرحلتين:
الأولى: التعرُّف على الغرض من الحكم ـ وهو ما يسمى بتخريج المناط عند الأصوليين ـ ولمعرفة الغرض من الحكم مسالك متعدِّدَة مبحوثة عند الأصوليين، أهمها: نص الشارع على الغرض (صراحة أو إيماء) ، ثم المناسبة، وذلك عن طريق التأمل العميق في متعلق الحكم التكليفي ـ وهو الفعل البشري الذي نيط به الحكم ـ وذلك بقصد الوقوف عقلا، وبقدر الإمكان، على المفاسد والمصالح ـ المتعدِّدة والمختلطة ـ المترتبة على هذا الفعل، فإذا وجدنا أنَّ الشارع قد نهى عن هذا الفعل استنتجنا أن الشارع قد قصد دفع مفاسد هذا الفعل، ودفع هذه المفاسد هو الغرض من تشريع هذا الحكم، وإذا وجدنا أن الشارع قد أمر بهذا الفعل استنتجنا أن الشارع قد قصد جلب مصالح هذا الفعل، وجلب هذه المصالح هو الغرض من تشريع هذا الحكم. فالمناسبة تستلزم نظرين مزدوجين من المجتهد أحدهما: إلى نوع الحكم المُنَاط بالفعل، وهذا نظر شرعي. والثاني: نظر إلى المصالح والمفاسد المترتبة على الفعل في مواقع الوجود، وهذا نظر عقلي.
والمرحلة الثانية: تنقيح (( متعلق الحكم ) )بعزل وإقصاء جميع الأوصاف الطردية غير المؤثرة، وهي الأوصاف التي لا مدخل لها شرعا أو عقلا في ترتُّب المفاسد أو المصالح على تشريع الحكم أي في تحقيق الغرض من الحكم الذي وقفنا عليه في الخطوة الأولى. فإذا تم لنا هذا التنقيح فما بقي فهو الوصف المتضمَّن، وهو الوصف المؤثِّر في الحكم، أي الذي يؤدي ربط الحكم به بالذات إلى تحقيق غرض الشارع من هذا الحكم.
فلو أردنا أن نمثِّل لذلك بحكم تحريم الخمر، ففي البداية يلزمنا التساؤل لماذا حرم الله الخمر؟ أو ما هو الغرض من تحريم الخمر؟ أو بعبارة ثالثة ما هي المفاسد المترتبة على شرب الخمر حتى دعا ذلك الشارعَ إلى تحريمها؟ وفي هذا المقام يمكننا تَعْدادُ مفاسدَ كثيرةٍ للخمر، كالصَّدِّ عن ذكر الله وتضييع العبادات وإهمال الواجبات وارتكاب الموبقات. لكنَّا بالتَّأمُّل نجد أنَّ هذه المفاسد في جملتها تتوقَّف على مفسدة أوليِّة هي حصول السكر، فحصول السكر هو المدخل لكل أو جل مفاسد الخمر، وهو الذي جعل الخمر تنفردُ بالتحريم عن أيِّ شَرَابٍ آخرَ كالعَصيرِ مثلا. هذه هي الخطوة الأولى لمعرفة الوصف المتضمَّن في متعلق الحكم، وهي استنباط أو معرفة