الصفحة 11 من 69

• وبالتَّعميم وُسِّعت (( العِلَّةُ ) )لتكون بمعنى السَّبَب، سواءٌ أكان مما يُعتذر به أم لا، كما في قولهم: (( فعلتُ كذا لِعِلَّة كذا ) )، أي لسبب ذلك، وكما جاء في حديث عائشة: (( فكان عبد الرحمن يَضْرِب رِجْلي بِعِلَّة الراحلة ) ) [1] أَي بسببها، يُظْهِر أَنَّه يضرب جَنْب البعير برِجْله وإِنما يَضْرِبُ رِجْلي.

ومن العِلَّةِ بمعنى السَّبَب أخذ الفقهاء والأصوليون اصطلاح العلة، بمعنى السَّبب المقتضي للحكم الشرعي أو الغرض الذي لأجله شرع الحكم، وهذا نوع تخصيص لعموم لفظ السبب.

وبهذا الذي قررناه، بما يتمشَّى مع قوانين التطور اللغوي، من المعاني الحِسِّيَّة إلى المعاني المجرَّدة، ومن الحقيقية إلى المجازية، ومن الخاصَّة إلى العامَّة، وبالعكس، فنحن نخالف من قال من الأصوليين بأن علة الحكم الشرعي (( مأخوذةٌ في اللغة من العلة التي هي المرض، لأنَّ لهذه العلة تأثيرَ بيانِ الحُكْم كتأثير العِلَّة في ذات المريض، ... أو لأنَّها ناقلة لحكم الأصل إلى الفرع، كالانتِقال بالعِلَّة من الصِّحة إلى المرض ) ) [2] .

ونخالف كذلك من قال بأنها (( مأخوذةٌ من العَلَل بعد النَّهَل، لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر، ولأنَّ الحكم يتكرر بوجودها ) ) [3] .

ونؤكِّد ما قاله بعضهم من أنها مأخوذةٌ مباشرةً من تعبيرهم بها (( عَمَّا لأجْل ذلك يُقْدَمُ على الفِعْل أو يُمْنعُ منه، يُقال: فَعَلَ الفِعْلَ لِعِلَّةِ كَيْت، أو لم يَفْعَل الفِعْلَ لِعِلَّةِ كَيْت ) ) [4] .

ثانيا: العلَّة اصْطِلاحا:

بعد النظر في مجمل تعريفات الأصوليين للعلة، ثم الاستقراء والتحري لإطلاقات واستعمالات لفظ (( العلة ) )في مجاري كلام الفقهاء والأصوليين، فقد وجدتُّها تَرِدُ عندهم في ثلاثةِ مفاهيمَ متباينةٍ في كثير من الخصائص. وهذه المفاهيم هي:

• أولا: السَّبَب الذي يترتَّب عليه الحكمُ في حقِّ المكلَّف. كشرب الخمر الذي يَتَرتَّب عليه حكم وجوب جلد الشارب علينا، والسَّفر في رمضان

(1) مسلم، الصحيح، ج 2، ص 870.

(2) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 2، ص 140.

(3) الزركشي، البحر المحيط، ج 7، ص 143.

(4) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت