بعد أن عرَّفنا السبب وشرحنا هذا التعريف آن الأوان أن نبيِّنَ المنطِق التشريعي الذي يقوم عليه وجوده، والمقصود بذلك الإجابة عن السؤال: لماذا أوقف الشارع الأحكامَ على أسباب؟
ونجيب بالقول: يمكننا تصوُّر الهدفين التاليين لهذا الأمر:
الأول: هدف علاجي:
حيث يمثِّل عددٌ من الأسباب ـ أو ينطوي على ـ مشكلةٍ تحتاج إلى حل، فيقدِّمُ الحكمُ الشرعيُّ جانبا من هذا الحل. فالزنا مثلا مشكلة يترتب عليها الكثير من المفاسد الاجتماعية، ومن هنا جاء الحكم بوجوب الحد على الزاني زجرا له ولغيره عن الزنا وتقليلا منه. وكذا السفر ينطوي على مشقَّةٍ تحصل للصائم فجاء الشارع بالحل وهو إباحة الإفطار مع وجوب القضاء وهكذا.
والثاني: هدف تعريفي تنظيمي:
وهذا يمكن تَصَوُّره في أسباب العبادات، فقد رَبَطَ الشارع هذه العبادات بأسبابٍ وقتية معينة، ضبطا لهذه العبادات وتوزيعا لها على الأوقات لكي تحقِّق الغاية منها وهي تحصيل تقوى الله تعالى وذكره في القلوب وإعلان الخضوع له على الدوام. وهذا لا ينفي وجود مناسبات ظاهرة أو خفية من تخصيص بعض الأوقات بهذه العبادات.
وكذا يمكن تصوُّرُه في العقود كالبيع، والإيقاعات كالطلاق ونحوها من الأسباب التي تهدف إلى تنظيم التعاملات بين الناس بالكشف الصَّريح عن إراداتهم الكامنة في نفوسهم، والتي تعبِّر عن حاجاتهم إلى حصول آثار تلك المعاملات وتيك الإيقاعات.
وتمشيا مع هذا الهدف التعريفي التنظيمي فإن الشارع يَعْمَدُ غالبا إلى ربط الأحكام بأسباب ظاهرة منضبطة خصوصا إذا كانت المصالح التي تنطوي عليها هذه الأسباب خَفِيَّةً أو مُضطَّربة.
ج. أقسام العلة السببية بحسب طبيعتها:
تنقسم العلة السببية بحسب طبيعتها إلى ثلاثة أنواع: عقلية وطبيعية وجعلية (وضعية) . وفيما يأتي بيانٌ لهذه العلل: