الصفحة 17 من 69

والمتكلِّمون في مباحثهم الكلامية يطلقون السبب ويريدون به التام وليس النَّاقص بينما الفقهاء كثيرا ما يطلقونه ويقصدون به النَّاقص. ولأجل هذا الاختلاف في الاستعمال الاصطلاحي جرى خلاف لفظيٌّ في عدد من المسائل الأصولية المتعلقة بالعلة، أهمها مسألة (( تخصيص العلة ) ). فبعض من كان ميَّالا إلى الاصطلاح الكلامي قال: لا يجوز تخصيص العلة. ومعنى ذلك أنه لا يجوز أن تُوجد العلة ـ يقصد التامَّة ـ ثم لا يوجد معها حكمها. وبعض من كان ميَّالًا إلى الاصطلاح الفقهي قال: يجوز تخصيص العلة. ومعنى ذلك أنه يجوز أن تُوجد العلة ـ يقصد النَّاقصة ـ ولا يوجد معها حكمها، وذلك في حالة عدم توافر شرط من الشروط أو وجود مانع من الموانع. فالقائلون بجواز تخصيص العلة يقصدون بذلك العلة النَّاقصة، وقولهُم هذا صحيح، والقائلون بعدم جواز تخصيص العلة يقصدون بذلك العلة التامَّة وكلامهم أيضًا صحيح. وعليه فالخلاف بين الفريقين لفظيٌّ لا أكثر انبنى على الخلاف في مفهوم العلة [1] .

قولنا: في حقِّ المكلَّف:

أي أن حصول الحكم هو في حق المكلفين ليقوموا بامتثال هذا الحكم. وهذا القيد بالغ الأهمية في هذا المقام، لأنه يعكس فَرْقا أساسيًَّا بين العلة بمعنى السبب والعلة بمعنى الغرض، فالعلة بمعنى الغرض ـ على العكس من العلة السببية ـ إنما تعني الوصف الذي اقتضى الحكم في حقِّ الشارع لا في حق المكلف. وهذا يتضح بالمثال: فقولنا: السَّفر هو سبب يقتضي إباحة الفطر أي اقتضاه ودعا إليه في حقنا لأنه يعني أنه يجوز لنا، نحن المكلفين، أن نفطر إذا ما حصل السفر، فكأنَّ السفر هو علامةٌ موضوعةٌ لنا لكي نطبِّق الحكم عند وجودها. أما قولنا: دفع المشقة علةٌ اقتضت إباحة الإفطار عند السفر، فهو في حقِّ الشَّارع، فكأنَّا نقول: إنَّ معنى دفع المشقة هو الذي دعا الشارع وبعثه إلى تشريع حكم إباحة الإفطار عند السفر.

(1) هذا جانب واحد من جوانب الخلاف في مسألة تخصيص العلة أو النقض، وثمة جوانب من هذه القضية يُتَصوَّرُ فيها الخلاف المعنوي، ولسنا هنا بصدد بيانها. وللمزيد من التفصيل في مسألة النقض ووجه الخلاف فيها. انظر: شلبي، تعليل الأحكام، ص 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت