الصفحة 47 من 69

الغرض من الحكم. وفي الخطوة الثانية نُنقِّح متعلق الحكم ذاته بقصد الوصول إلى الوصف الدقيق الذي يترتب على إناطة الحكم به تحقيق غرض الشارع بدفع السكر. فمتعلق حكم تحريم الخمر هو الفعل البشري شرب الخمر، فيا ترى هل هذا المتعلق بكامل أوصافه وأجزائه استدعى حكم التحريم؟ أم أنَّ هناك أوصافًا طردية غيرَ مؤثِّرة لا مدخل لها في جلب المفاسد يمكن فصلها من هذا المتعلق وعزلها عنه؟ لا شك أنه توجد أوصافٌ من هذا القبيل، فمثلا وصف الشرب غير مؤثر، إذا لو كان للشرب مدخلٌ في التحريم لكان كل شرب محرَّما حتى شرب الماء أو شرب العصير، ولكان أيضا تناول المواد المسكرة عن غير طريق الفم، كالحقن مثلا، جائزًا لأنه لا يُسمَّى شربا، وإذن فالشُّرب نفسُهُ بوصفه عملية إدخالٍ لِسائلٍ ما عن طريق الفم يمكن عزله من المتعلق. فإذا عزلناه بقي لنا وصفٌ آخر هو الخمر. وهذا الوصف أيضا يمكن تحليله وتفتيته إلى أوصاف أخرى منها، مثلا، السيولة والنَّكهة والشِّدة والرائحة، وبالإمكان عزل الأوصاف الثلاثة: السيولة والنكهة والرائحة لأنها لا مدخل لها في إحداث السكر، حيث يمكن أن توجد هذه الأوصاف الثلاثة ولا يحدث السكر، وقد يوجد السكر في بعض الأحيان من غير تواجد هذه الصفات، فلم يبق إلا وصف الشِّدة، حيث وجد أن عصير العنب إذا لم يشتد فإنه لا يسكر، وإذا اشتد فإنه يسكر، وما دام الإسكار يدور مع هذا الوصف وجودا وعدما، فثبت كونه العلة بمعنى الوصف المتضمن في متعلق الحكم بحيث يترتب على ربط الحكم به تحقيق غرض الشارع من الحكم وهو هاهنا دفع السكر.

ج. استقلال الوصف المُتَضَمَّن عن السبب والغرض:

قد يقال: يُفهم من خلال التأمُّل في كلام بعض الأصوليين أنهم يعدون الوصف المتضمن سببا، فمثلا يضرب الآمدي الشِّدَّة التي في النبيذ مثالا على السبب المناسب للحكم [1] ، ويؤخذ من كلام الغزالي عند حديثه عن القياس في الأسباب بأن الوصف المتضمَّن في السبب كـ (( إيلاج فرجٍ في فرج حرام ) )المتضمَّن في الزنا، يُعدُّ السبب الحقيقي لوجوب حدِّ الزنا، وبهذا يمكن القول بإيجاب اللواط للحد لأن هذا الوصف (( إيلاج فرجٍ في فرج حرام ) )مُتَضمَّنٌ فيه [2] . هذا من جهة،

(1) الآمدي، الإحكام، ج 1، ص 172.

(2) الغزالي، المستصفى، ص 330، ص 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت