أولا: العلة السببية العقلية:
وهي العلة التي تقتضي معلولها إقتضاءا عقليا، أي أنها إذا حصلت فلا بد لمعلولها أن يحصل معها حصولا ضروريًا، ودليل هذا الحصول هو دليل عقلي محض، بمعنى كونه مما فطر الله عقول الناس عليه. ويُمثَّل لهذه العلة: بالحركة التي إذا قامت بمحلٍّ ما فهي علةٌ لكونه مُتَحرِّكا، ويمثِّل لها كذلك بحركة الإصبع التي هي علة لحركة الخاتم الموجود فيها. وهذا النوع من العلة السببية لا دورَ ولا مجالَ له في الفقه وأصوله، وإنما استعمله المتكلمون ـ لا سيَّما متقدمي الأشاعرة ـ في إثبات بعض الصفات لله تعالى عن طريق العقل، فاتِّصاف ذات الله تعالى بالعلم هو علة كونه عالما، وبهذا أثبتوا له صفتين: العلم، والعالِمِيَّة. أما المعتزلة فقد أنكروا صفة العلم وأثبتوا صفة العالِمِيَّة فقط، فالله تعالى عندهم عالم بذاته لا بصفة أخرى زائدة على الذات هي العلم، وقد ردُّوا على دليل التعليل بأنه خاص بالحوادث والممكنات، أمَّا ما كان واجبَ الوجود فلا يحتاج إلى علة كما هو الحال في صفة الوجود له تعالى فهو موجود بذاته ولا علة سبَّبت كونه موجودا، وكذلك هو عالم بذاته من غير علة لكونه عالما، لأن العلم واجب الوجود له وما كان واجب الوجود فلا يحتاج إلى علة، أما في حق البشر فالعلم علة لكون العالم عالما، لأن العلم ليس واجب الوجود للبشر بل هو حادثٌ وممكنٌ من الممكنات، فاحتاج كون العالم عالما إلى علة وهي العلم، وبهذا يختلف البشر لأنهم محدثون عن الخالق لأنه قديم. وأيًَّا ما كان الأمر فالبحث في هذه المسألة هو بحثٌ كلاميٌّ صِرْف لا ينبغي إدراجه في أصول الفقه.
ثانيا: العلة السببية الطبيعية:
وهي العلة التي تقتضي معلولها اقتضاء عاديا، والمقصود بالعادي العادات والقوانين والسنن التي خلق الله تعالى الكون عليها، فوجود الغيم الرطب الهابط علة لوجود المطر، وملامسة النار علة للاحتراق فيها، ووجود النار علة لوجود الدخان، وإمرار السكين على اللحم علة لحصول القطع، ورمي السهم على حيوان أو إنسان علة لقتله، وهكذا ... . فالذي عَرَّفنا بوجود الترابط بين العلة والمعلول في هذه الأمثلة ليس هو العقل المحض، وإنما هو الاختبار المتكرِّر لأحداث الطبيعة، وقد كان يمكن عقلا أن يكون الأمر بخلاف ذلك لو أن الله تعالى خلق الكون على قوانين أخرى، كما هو الحال في الآخرة مثلا، وكما هو الحال في المعجزات الخارقة