الصفحة 20 من 69

لقوانين الطبيعة. وهذا ما تختلف به هذه العلة عن العلة العقلية، وفرق آخر هو أن هذه العلة قد تقتضي معلولها قطعا، كما هو الحال في ملامسة النار الخشب الجاف فهي علة لاحتراقه، وقد تقتضيه ظَنَّا كما هو الحال في نزول المطر لعلة وجود الغيم الهابط، فقد ينزل المطر، وهو الغالب وقد لا ينزل. وقد أكثر المتكلمون الكلام على العلاقة بين مثل هذه العلل ومعلولاتها، فذهب الأشاعرة إلى أن هذه العلل ليست مؤثرة بذاتها بل المؤثر فعلا هو الله تعالى فهو الذي يخلق المعلول عقب وجود العلة، وذهب المعتزلة إلى أن هذه العلل هي قوى أودعها الله تعالى في الأشياء، وأن المعلول يصدر عن هذه القوى، فالإحراق هو قوة أودعها الله تعالى في النار، وعنها بذاتها ينتج الاحتراق.

أما الفقهاء فقد احتاجوا إلى التعمُّق بعض الشيء في بحث مثل هذه العلل عندما تكلموا عن المباشر والمتسبِّب في حكم الضَّمَان. حيث ذكروا بأنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب فالضمان على المباشر، فمن ألقى إنسانا من مكان عال، وتلقَّاه آخرُ بسيفه، فالمتلقي هو المباشر للقتل دون المُرْدِي، وبالتالي يقع عليه الضمان. ومن فتح باب القفص لعصفور ثم جاء من هَيَّج هذا العصفور حتى طار فالمباشر هو المهيِّج دون الفاتح وهكذا، فكأنَّ المهيِّج هو علة طيران العصفور، وفتح القفص ليس هو العلة بل هو شرط في ذلك، وكذلك التلقي بالسيف هو علة القتل أما الإلقاء فقد كان شرطا في حصوله.

ثالثا: العلة السببية الجعلية:

وهي التي تكون بجعل جاعل ووضع واضع، وليس هناك اقتضاءٌ عقليٌّ أو طبيعيٌّ بين العلة والمعلول فيها. ومثالها: من الواقع المُعَاش: علل العقوبات التعزيرية كمخالفات قوانين السير إذ أن هذه المخالفات أسبابٌ لعقوبات اصْطَلحت عليها المجتمعات البشرية. وكمخالفات الأنظمة التعليمية فضبط الطالب في حالة غِشٍّ مثلا سببٌ لرسوبه في الامتحان وهكذا. وعلل الأحكام المبحوثة في الفقه والأصول هي من هذا النوع لأنها من وضع الشارع الحكيم وجعله. فالذي عَيَّن الدلوك سببا لوجوب الظهر والسفر سببا لإباحة الفطر هو الشارع الحكيم سبحانه، لا العقل ولا العادة. وهذا النوع من العلة السببية هو بالذات موضوع بحثنا في الفقه وأصوله، ويجدر بنا أن لا نخلط بينه وبين النوعيين السابقين من العلل السببية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت