نتائج البحث عن (إلاَّ) 50 نتيجة

إلا: الأزهري: إلا تكون استثناء، وتكون حرف جزاء أَصلها إن لا ، وهما معاً لا يُمالان لأَنهما من الأَدواتِ والأَدواتُ لا تُمالُ مثل حتى وأَما وأَلا وإذا ، لا يجوز في شيء منها الإمالة أَلف ليست بأَسماء، وكذلك إلى وعلى ولَدَى الإمالة فيها غير جائزة. وقال سيبويه: أَلق إلى وعلى منقلبتان من واوين لأَن الأَلفات لا تكون فيها الإِمالة، قال: ولو سمي به رجل قيل في تثنيته أَلَوانِ وعَلَوانِ ، فإذا اتصل به المضمر قلبته فقلت إلَيْكَ وْعَلَيْكَ ، وبعض العرب يتركه على حاله فيقول إلاك وعَلاك ؛ قال ابن بري عند قول الجوهريّ لأَنَّ الأَلفات لا يكون فيها الإِمالة، قال : صوبه لأَن أَلِفَيْهِما والأَلِفُ في الحروف أَصل وليست بمنقلبة عن ياء ولا واو ولا زائدة، وإنما قال سيبويه أَلف إلى وعلى منقلبتان عن واو إذا سميت بهما وخرجا من الحرفية إلى الاسمية، قال: وقد وَهِمَ الجوهري فيما حكاه عنه، فإذا سميت بها لَحِقَت بالأَسماء فجُعِلَتْ الأَلف فيها منقلبة عن الياء وعن الواو نحو بَلَى وإلى وعلى، فما سُمِع فيه الإمالة يثنى بالياء نحو بَلَى، تقول فيها بَلَيانِ، وما لم يُسمع فيه الإمالة ثني بالواو نحو إلى وعلى، تقول في تثنيتهما اسمين إلَوانِ وعَلَوانِ . قال الأَزهري: وأَما مَتَى وأَنَّى فيجوز فيهما الإمالة لأَنهما مَحَلاَّنِ والمحالُّ أَسماء ، قال: وبَلَى يجوز فيها الإمالة لأَنها ياء زيدت في بل، قال: وهذا كله قول حذاق النحويين ، فأَما إلا التي أَصلها إنْ فإنها تلي الأَفعال المُسْتَقْبَلَة فتجزمها ، من ذلك قوله عز وجل: إلا تَفْعَلوه تَكُنْ فِتنة في الأرض وفساد كبير ؛ فَجَزْمُ تفعلوه وتكن بإلاَّ كما تفعل إن التي هي أُمّ الجزاء وهي في بابها . الجوهري: وأَما إلا فهي حرف استثناء يُستثنى بها على خمسة أَوجه: بعد الإيجاب وبعد النفي والمُفَرَّغِ والمُقَدَّمِ والمُنْقَطِع؛ قال ابن بري: هذه عبارة سيئة، قال: وصوابها أَن يقول الاستثناء بإلاَّ يكون بعد الإيجاب وبعد النفي متصلاً ومنقطعاً ومُقَدَّماً ومؤخراً، وإلا في جميع ذلك مُسَلِّطة للعامل ناصِبة أَو مُفَرَّغة غير مُسَلِّطة، وتكون هي وما بعدها نعتاً أَو بدلاً؛ قال الجوهري فتكون في الاستثناء المنقطع بمعنى لكن لأَن المُسْتَثْنَى من غير جنس المُسْتَثْنَى منه، وقد يُوصفُ بإلاَّ ، فإن وصَفْتَ بها جَعلْتها وما بعدها في موضع غير وأَتبعت الاسم بعدها ما قبله في الإعراب فقلت جاءني القومُ إلا زيدٌ ، كقوله تعالى: لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا ؛ وقال عمرو بن معديكرب : وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أَخُوه، * لَعَمْرُ أَبِيكَ إلاَّ الفَرْقدانِ كأَنه قال: غير الفَرْقَدَيْنِ. قال ابن بري: ذكر الآمِدي في المؤتَلِف والمُخْتَلِف أَنّ هذا البيت لحضرمي بن عامر ؛ وقبله : وكلُّ قَرينةٍ قُرِنَتْ بأُخْرَى ، وإن ضَنَّت، بها سَيفَرَّقانِ قال: وأَصل إلاَّ الاستثناء والصفةُ عارضةٌ ، وأصل غير صفةٌ والاستثناء عارضٌ ؛ وقد تكون إلاَّ بمنزلة الواو في العطف كقول المخبل : وأَرَى لها داراً بأَغْدِرةِ الـ سِّيدان لم يَدْرُسْ لها رَسْمُ إلاَّ رَماداً هامداً دَفَعَتْ ، عنه الرِّياحَ ، خَوالِدٌ سُحَمُ يريد: أَرَى لها داراً ورَماداً ؛ وآخر بيت في هذه القصيدة : إنَّي وجَدْتُ الأَمْرَ أَرْشَدُه تَقْوَى الإلهِ ، وشَرُّه الإِثْمُ قال الأزهري: أَما إلاَّ التي هي للإستثناء فإنها تكون بمعنى غَيْر ، وتكون بمعنى سِوَى ، وتكون بمعنى لَكِن ، وتكون بمعنى لَمّا ، وتكون بمعنى الاستثناء المَحْضِ . وقال أبو العباس ثعلب: إذا اسْتَثْنَيْتَ بإلاَّ من كلام ليس في أَوّله جَحْدٌ فانصب ما بعد إلا، وإذا استثنيت بها من كلام أَوّلُه جحد فارفع ما بعدها ، وهذا أَكثر كلام العرب وعليه العمل ؛ من ذلك قوله عز وجل: فشَرِبُوا منه إلاَّ قَلِيلاً منهم ؛ فنصب لأَنه لا جحد في أَوّله ؛ وقال جل ثناؤه: ما فعَلُوه إلاَّ قَليلٌ منهم؛ فرفع لأن في أَوّله الجحد ، وقس عليهما ما شاكلهما ؛ وأَما قول الشاعر : وكلُّ أَخ مفارقه أَخوه، * لعَمر أَبيك إلا الفرقدان فإن الفراء قال: الكلام في هذا البيت في معنى جحد ولذلك رفع بإلا كأَنه قال ما أَحَدٌ إلا مُفارِقُه أَخُوه إلا الفَرْقَدانِ فجعلها مُتَرْجِماً عن قوله ما أَحَدٌ ؛ قال لبيد : لو كانَ غَيْرِي ، سُلَيْمَى ، اليومَ غَّيْرَه وَقْعُ الحوادِثِ إلا الصَّارِمُ الذَّكَرُ جعله الخليل بدلاً من معنى الكلام كأَنه قال: ما أَحد إلا يتغير من وقع الحوادث إلاّ الصارمُ الذكَرُ، فإلاَّ ههنا بمعنى غير، كأَنه قال غيري وغيرُ الصارمِ الذَّكرِ. وقال الفراء في قوله عز وجل: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا ، قال: إلا في هذا الموضع بمنزلة سوى كأَنك قلت لو كان فيهما آلهةٌ سِوَى الله لفَسَدَنا ، قال أَبو منصور: وقال غيره من النحويين معناه ما فيهما آلهةٌ إلا اللهُ ، ولو كان فيهما سِوَي الله لفسدنا ، وقال الفراء: رَفْعُه على نِيَّةِ الوصل لا الانْقطاع من أوّل الكلام، وأما قوله تعالى: لئلاّ يكونَ للناس عليكم حُجَّةٌ إلاَّ الذين ظلموا منهم فلا تَخْشَوْهُم ؛ قال الفراء: قال معناه إلاّ الذين ظلموا فإنه لا حجة لهم فلا تَخْشَوْهُم، وهذا كقولك في الكلام الناس كلُّهم لك حامدُون إلاَّ الظالِمَ لك المعتدي، فإن ذلك لا يُعتدُّ بتركه الحمد لموضع العداوة، وكذلك الظالم لا حجة له وقد سمي ظالماً ؛ قال أَبو منصور: وهذا صحيح، والذي ذهب إليه الزجاج فقال بعدما ذكر قول أَبي عبيدة والأَخفش: القول عندي في هذ واضح، المعنى لئلاَّ يكونَ للناس عليكم حجةٌ إلاَّ من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول ما لَكَ عليَِّ حجةٌ إلاَّ الطلمُ وإلاَّ أن تَظْلِمَني، المعنى ما لك عليَّ حجةٌ البتة ولكنك تَظلِمُني، وما لك عليَّ حجةٌ إلاَّ ظُلمي، وإنما سَمَّى ظلمه هنا حجة لأن المحتج به سماه حجةً، وحُجَّتُه داحضة عند الله ، قال الله تعالى: حُجَّتهم داحضةٌ عند ربهم ؛ فقد سميت حجةً إلاَّ أَنها حجةُ مُبْطِل، فليست بحجة موجبة حقًّا، قال: وهذا بيان شافٍ إن شاء الله تعالى. وأَما قوله تعالى: لا يَذُوقُون فيها الموتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولى، وكذلك قوله تعالى: ولا تَنْكِحوُا ما نَكَح آباؤكم من النساء إلاَّ ما قد سَلَفَ ؛ أَراد سوى ما قد سلف . وأَما قوله تعالى: فلولا كانت قريةٌ آمَنَتْ فنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ؛ فمعناه فهَلاَّ كانت قريةٌ أَي أَهلُ قرية آمنُوا ، والمعنى معنى النفي أَي فما كانت قريةٌ آمنوا عند نزول العذاب بهم فنفعها إيمانها ، ثم قال: إلا قومَ يونسَ ، استثناء ليس من الأَوّل كأَنه قال: لكن قومُ يُونُسَ لمَّا آمنُوا انقطعوا من سائر الأُمم الذين لم يَنْفَعْهم إيمانُهم عند نزول العذاب بهم ؛ ومثله قول النابغة : عَيّتْ جَواباً ، وما بالرَّبْع من أَحدٍ إلاَّ أَواريَّ لأْياً ما أُبَيِّنُها (* قوله «عَيَّت جواباً إلخ هو عجز بيت صدره: وقفتُ فيها أَصَيلاناً أُسائلها . وقوله: إلا الأَواريّ إلخ هو صدر بيت عجزه: والنُؤيَ كالحَوضِ في المظلومةِ الجَلَدِ .) فنصَب أَواريَّ على الانقطاع من الأَوّل ، قال: وهذا قول الفراء وغيره من حذاق النحويين ، قال: وأَجازوا الرفع في مثل هذا ، وإن كان المستثنى ليس من الأوّل وكان أَوّله منفيًّا يجعلونه كالبدل ؛ ومن ذلك قول الشاعر: وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ إلا اليَعافِيرُ وإلاَّ العِيسُ ليست اليَعافيرُ والعِيسُ من الأنِيس فرفَعَها ، ووجْهُ الكلام فيها النَّصبُ. قال ابن سلام: سأَلت سيبويه عن قوله تعالى: فلولا كانت قريةٌ آمَنَتْ فنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قَومَ يُونُسَ ، على أَيّ شيء نصب؟ قال إذا كان معنى قوله إلاَّ لكنْ نُصب ، قال الفراء: نُصب إلا قومَ يونس لأَنهم منقطعون مما قبل إذ لم يكونوا من جِنْسه ولا من شَكْله ، كأَن قومَ يونس منقطعون من قَوْمِ غيره من الأَنبياء ، قال: وأَمَّا إلاَّ بمعنى لمَّا فمِثل قول الله عز وجل: إنْ كللٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ ؛ وهي في قراءة عبد الله إنْ كُلُّهم لمَّا كذَّبَ الرُّسُلَ، وتقول: أَسأَلُك باللهِ إلاَّ أَعْطَيْتَني ولَمَّا أَعطيتني بمعنى واحد. وقال أَبو العباس ثعلب: وحرف من الاستثناء تَرفع به العربُ وتَنْصِبُ لغتان فصيحتان، وهو قولك أَتاني إخْوَتُك إلاَّ أن يكون زيداً وزيدٌ، فمن نَصب أَراد إلاَّ أَن يكون الأَمْرُ زيداً ، ومن رفع به جعل كان ههنا تامة مكتفية عن الخبر باسمها، كما تقول كان الأَمر، كانت القصة. وسئل أَبو العباس عن حقيقة الاستثناء إذا وقع بإلا مكرّراً مرتين أَو ثلاثاً أَو أَربعاً فقال : الأَوّل حَطٌّ، والثاني زيادةٌ ، والثالث حَطٌّ، والرابع زيادة، إلا أَن تجعل بعض إلاَّ إذا جُزْت الأَوّل بمعنى الأوّل فيكون ذلك الاستثناء زيادة لا غير ، قال: وأَما قول أَبي عبيدة في إلاَّ الأُولى إنها تكون بمعنى الواو فهو خطاً عند الحذاق. وفي حديث أنس، رضي الله عنه: أَن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال أَما إنَّ (*قوله «أما إن» في النهاية: ألا ان.) كلَّ بناءٍ وَبالٌ على صاحبه إلاَّ ما لا إلاَّ ما لا (* قوله «إلا ما لا إلخ» هي في النهاية بدون تكرار.) أَي إلاَّ ما لا بُدَّ منه للإنسان من الكِنّ الذي تقُوم به الحياة.
إلاّ
: (}إلاَّ) ،بالكسْرِ والتَّشْديدِ: (للإسْتِثْناءِ) ، وتكونُ حَرْفَ جَزاءٍ أَصْلُها إنْ لَا، وهُما مَعًا لَا يُمالانِ لأنَّهما مِن الأدواتِ حَقًّا.
قالَ الجَوْهرِي: يُسْتَثْنى بهَا على خَمْسِةِ أَوجُهٍ: بعْدَ الإيجابِ، وبعْدَ النَّفْي، والمُفَرَّغ، والمُقَدَّمِ، والمُنْقَطِع، فتكونُ فِي الاسْتِثْناءِ المُنْقَطِع بمعْنى لَكِن لأنَّ المُسْتَثْنَى مِن غَيْر جِنْسِ المُسْتَثْنَى مِنْهُ، انتَهَى.
فمثالُ الإيجابِ: قَوْله تَعَالَى: {{فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاّ قَليلاً}} ، (ونَصْبُ مَا بعْدَها بهَا) . قَالَ شيْخُنا: نَصْبُ المُسْتَثْنى بإلاّ هُوَ الأصَحّ مِن أقْوالٍ ثمانِيَةٍ كَمَا فِي التّسْهيلِ وشُرُوحِه.
ومِثالُ النَّفْي: قَوْله تَعَالَى: {{مَا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُم}} ، (ورَفْعُ مَا بعْدَها على أَنَّه بَدَلُ بَعْضٍ) ؛ فَفِي هَذِه الآيةِ وقعَ فِي كَلامٍ غَيْر مُوجَب، والتَّقْديرُ إلاَّ ناسٌ قَليلٌ، أَي إلاَّ نَاسا قَلِيلا، فإلاَّ حَرْفُالاسْتِثْناء، وقَليلٌ بَدَلٌ، والمُبْدَلُ مِنْهُ هُوَ الْوَاو، وَلَو كانَ فِي كَلامٍ مُوجَب لم يَجزِ البَدَل لفَسادِ المَعْنى، وإنَّما يختارُ البَدَل لعَدَمِ فَسَادِ المَعْنى حينَئِذٍ، وَإِذا جعلَ بَدَلا كانَ إعْرابه كإعْرابِ المُبْدَل فَلَا يحتاجُ إِلَى تَكَلّفٍ، وَإِذا كانَ مُسْتَثْنى كانَ مَنْصوباً فيحتاجُ إِلَى تَكَلّف، وَهُوَ تَشْبِيههٌ بالمَفْعولِ بِهِ مِن حيثُ أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْهُمَا فُضْلَةٌ واقِعةٌ بعْدَ كَلامٍ تامَ، ثمَّ إنَّ غيرَ المُوجبِ قد يكونُ اسْتِفْهاماً ونَهْياً، وَهَذَا الاسْتِفْهام يلزمُ أَن يكونَ على سَبِيلِ الإنْكارِ مِثالُه قَوْله تَعَالَى: {{ومَنْ يَغْفر الذُّنوبَ إلاَّ ااُ}} ؛ ومِثالُ النَّهْي: لَا يَقُمْ أَحَد إلاَّ أَحَد؛ قالَهُ الرِّضِيُّ.
(وتكونُ) إلاَّ (صِفَةً بمنْزِلَةِ غَيْر فيُوصَفُ بهَا وبتاليها) أَو بهما، (جَمْعٌ مُنْكَرٌ أَو شِبْهُه) . اعْلَم أنَّ أَصْلَ إلاَّ أَنْ يكونَ للإسْتِثْناء، وأَصْلَ غَيْر أنْ يكونَ صفَةً تابعَةً لمَا قَبْله فِي الإعْراب، وَقد يَجْعلُونَ إلاَّ صِفَة حملا على غَيْر إِذا امْتَنَعَ الإسْتِثْناء، وذلكَ إِذا كانتْ إلاَّ تابعَةً لجَمْعٍ مَنْكورٍ غَيْر مَحْصُورٍ، (نَحْو) قولهِ تَعَالَى: {{لَو كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلاَّ ااُ لَفَسَدَتَا}} ، فقَوْلُه إلاَّ تابِعَة لقَوْلهِ آلِهَةٌ، وقوْلُه: إلاَّ اللهاُ صفَةٌ لقوْلهِ آلِهَةٌ، تَقْديرُ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ غَيْر الله لَفَسَدَتَا، لأنَّ الجَمْعَ المَنْكور غَيْرُ مَحْصُورٍ يُحْتَمل أَن يَتناوَلَ ثلاثَةً فَقَط، وَلم يكن المُسْتَثْنَى مِن جُمْلةِ الثَّلاثةِ حينَئِذٍ لعَدَمِ إفادَتِه التَّعْمِيم والاسْتِغْراق، ولأنَّه لَو جُعِلت إلاَّ للإسْتِثْناء لكانَ الله مُسْتَثْنى دَاخِلا فِي المُسْتَثْنى مِنْهُ وَهُوَ آلِهَة،فخَرَجَا مِنْهَا! بإلاَّ، فيَلْزمُ وُجُود الآلِهَة وَهُوَ كُفْرٌ، فَإِذا امْتَنَعَ الاسْتِثْناءُ جُعِلَت إلاَّ للصِّفَة كغَيْر، كَمَا جُعِل غَيْر للاسْتِثْناءِ حملا على إلاَّ. (و) كَذَا فِي (قولهِ) ، أَي الشَّاعر، وَهُوَ ذُو الرُّمّة، وَهُوَ مِثالٌ للجَمْع شبه الْمُنكر:
(أُنِيخَتْ فأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ (قَليلٌ بهَا الأصْواتُ إلاَّ بُغامُها) فإنَّ تَعْريفَ الأصْواتِ تَعْريفُ الجنْسِ، كَمَا مَرَّ ذلكَ للمصنِّفِ فِي (ال ل) .
وَقَالَ الجَوْهرِي: وَقد يُوصَفُ بإلاَّ، فإنْ وَصَفْت بهَا جَعَلْتها وَمَا بعْدَها فِي مَوْضِع غَيْر وأتْبَعْتَ الاسْمَ بعْدَها مَا قَبْلَه فِي الإعْرابِ فقُلْتَ: جاءَني القَوْمُ إلاَّ زيْدٌ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {{لَو كانَ فِيهَا آلِهَةٌ إلاَّ ااُ لَفَسَدَتَا}} ؛ وقالَ عَمْرُو بنُ مَعْدِيكرب:
وكلُّ أَخٍ مفارِقَة أَخُوه
لَعَمْرُ أَبِيكَ إلاَّ الفَرْقدانِكأَنَّه قالَ غَيْر الفَرقَدَيْن. وأَصْلُ إلاَّ الاسْتِثْناءُ والصِّفَةُ عارِضَةٌ، وأَصْلُ غَيْر صِفَةٌ والاسْتِثْناء عارِضٌ.
(و) قد (تكونُ) إلاَّ (عاطِفَةً بمنْزِلَةِ الواوِ) كَقَوْلِه تَعَالَى: {{لئَلاَّ يكونَ للنَّاسِ عَلَيْكُم حُجَّةً إلاَّ الذينَ ظَلَمُوا}} ؛ وَقَوله تَعَالَى: {{لَا يخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلاَّ مَنْ ظَلَمَ}} ؛ ثمَّ بدل حسنا بعدسوء، (أَي: وَلَا الَّذين ظَلَمُوا) وَلَا مَنْ ظَلَم؛ وأَنْشَدَ الجَوْهرِي:
وأَرَى لَهَا دَارا بأَغْدِرةِ السِّي
دانِ لم يَدْرُسْ لَهَا رَسْمُإلاَّ رَماداً هامِداً دَفَعَتْ
عَنهُ الرِّياحَ خَوالِدٌ سُحْمُوقد ذَكَرَ المصنِّفُ إلاَّ وأَحْكامَها فِي تَرْكيبِ (ال ل) ، ومَرَّ الكَلامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ.
(وزائدَةٍ: حَراجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إِلاَّ مُناخَةً على الْخَسْف أَو نَرْمِي بهَا تلَداً خَفْرَا) .
وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
المُسْتَثْنَى المُفَرَّغُ الَّذِي يَجِيءُ بعْدَ إلاَّ فِي كَلامِ غَيْر مُوجَب إِذا كانَ المُسْتَثْنى مِنْهُ غَيْر مَذْكُور نَحْو: مَا جاءَني إلاَّ زيْدٌ، ويُعْرَبُ المُسْتَثْنى على حَسَبِ مُقْتَضى العَوامِل؛ وسُمِّي مُفَرّغاً لأنَّه فرَّغَ العامِلَ عَن العَمَلِ فيمَا قَبْل إلاَّ، أَو لتَفْريغِ العَامِل عَن المَعْمولِ للمُسْتَثْنى، وَإِذا كانَ المُسْتَثْنى ليسَ مِن الأوَّل وكانَ أَوَّله مَنْفياً يَجْعَلُونَه كالبَدَلِ؛ وَمن ذلكَ قولُ الشَّاعر:
وبَلْدةٍ ليسَ بهَا أَنِيسٌ
إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العِيسُوأَمَّا قولهُ تَعَالَى: {{إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ}} ؛ فقالَ الفرَّاء: نُصِب لأنَّهم مُنْقطِعُونَ ممَّا قَبْل.
وتأْتي إلاَّ بمعْنَى لمَّا كَقَوْلِه تَعَالَى: {{إنْ كلّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلُ}} ، وَهِي فِي قَراءَةِ عبدِ اللهاِ: إنْ كُلُّهم لمَّا كذَّبَ الرُّسُلَ. كَمَا إنَّ تأْتي بمعْنَى إلاَّ فِي قولهِ تَعَالَى: {{إِن كّل نَفْسٍ لمَا عَلَيْهَا حافِظ}} .
وَقَالَ ثَعْلب: حَرْفٌ مِن الاسْتِثْناءِ تَرْفَع بِهِ العَرَبُ وتَنْصبِ، لُغتانِ فَصِيحتانِ، وَهُوَ قَوْلك: أَتانِي إخْوتُك إلاَّ أَنْ يكونَ زيْداً وزيدٌ، فمَنْ نَصَبَ أَرادَ إلاَّ أنْ يكونَ الأمْرُ زيدا، ومَنْ رَفَعَ جعلَ كانَ تامَّةً مُكْتَفِيَةً عَن الجزاءِ باسْمِها وسُئِلَ ثَعْلب عَن حَقيقَةِ الاسْتِثْناء إِذا وَقَع بإلاَّ مكرَّراً مَرَّتَيْن أَو ثَلَاثًا أَو أَرْبعاً فَقَالَ: الأوَّل حَطٌّ، والثَّاني زيادَةٌ، والثَّالثُ حَطٌّ، والَّرابعُ زيادَةٌ، إلاَّ أَنْ تجعلَ بعضَ إلاَّ إِذا جُزْت الأوَّل بمعْنَى الأوَّل فيكونُ ذلكَ الاسْتِثْناء زِيادَةٌ لَا غَيْر،قَالَ: وأَمَّا قولُ أَبي عبيدَةَ فِي إلاَّ الأُولى أنّها تكونُ بمعْنَى الواوِ فَهُوَ خَطَأٌ عنْدَ الحذَّاقِ.
إلاّ: إلاّ: استثناء، كقولك: ما رأيت أحداً إلاّ زيداً. ويكونُ إيجاباً لشيء يؤكّده، فيكون معناها معنى (لكن) كقولك: زيد إليّ غير وادٍّ إلاّ أنّي آخذ بالفَضْل، وقال :

وجارة البيتِ أَراها مَحْرَما...كما براها اللَّه، إلاّ أنّما

مكارمُ السَّعْي لمن تكرمافأوجب المعنى بأن أراد ان يقول: وجارة البيت أراها محرما: أنما مكارم السعي لمن تكرّم...وتقول: شَتَمَني زيد إلاّ أني عفوت عنه، تُريد: ولكنْ عَفَوْت عنه، وهذه التي في الاستئناف والتّوكيد ممالة. وأمّا قوله: وإِلاّ فلا، فإِنّها لا تُمالُ، لأنّها من كلمتين شتّى، ألا ترى إلى قوله: وإلا يَعْلُ. معناه: وإنْ لَمْ.
إلامَ [كلمة وظيفيَّة]: أداة استفهام مركّبة من حرف الجرّ (إلى) و (ما) الاستفهاميّة، وقد حذفت ألفها لدخول حرف الجرّ عليها (انظر: م ا - ما).
(الإلاف) الْأمان والعهد يُؤْخَذ لتأمين خُرُوج التُّجَّار من أَرض إِلَى أَرض
(الإلاق) الْبَرْق الْكَاذِب الَّذِي لَا مطر مَعَه وَيُقَال رجل إلاق كذوب خداع متلون
(إِلَّا)أَدَاة اسْتثِْنَاء مثل كل شَيْء ينقص بالانفاق إِلَّا الْعلم
(الإلاهيات) كل مَا يتَعَلَّق بِذَات الْإِلَه وَصِفَاته
إلاّ: بمعنى إن للتأكيد، ففي زيشر (11: 676): حوشوا الهوى عني إلا الهوى يجرح. وقد تفسر بتقدير محذوف: ما هو إلا، وما يكون إلا. وتستعمل مفردة للتأكيد يقال: تعرفني! والجواب: إلا أي أكيداً، يقيناً. وكذلك معنى وإلا أو فإلا في مثل قولهم: فإن لم يفعل فإلا سرت إليه، أي إن لم يفعل وفاني أسير إليه (فالتون 69 وانظر 31، الفخري 372). وفي رياض النفوس (98و): إن لم تنصرف وإلا فقأت عينك الأخرى، أي فقأت غينك الأخرى بكل تأكيد.
وفي ألف ليلة (برسل، 9: 340): إذا لم تقلعي وإلا قتلتك، أي قتلتك بكل تأكيد. انظر أيضا في مادة درك.
وفي زيشر (20: 487): ولولا خوف الإطالة وإلا ذكرت جميع أسماء الكتب. أي لذكرت بكل تأكيد، وتعني إلا وأيضاً، بكل تأكيد، ففي النص الذي ذكره كرتاس كما جاء في مخطوطة ليدن: وكل ما وصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمراء الزمان إلا وقد نسب إليهم.
إلا أنّ: غير أنَّ، لكن. (معجم الادريسي، معجم البلاذري، بوشر) وكذلك معنى إِلا وحدها (المقري 1: 154، بوشر). وكذلك معنى إلا و (كوزج مختار 89)، وفي ابن البيطار (1: 48): وإذا بخر بجلده مكان لم يبق فيه شيء من السباع إلا ويهرب منه (المقري 1: 829) راجع عن إلا بمعنى لكن تعليقاتي في الجريدة الآسيوية 1826، 2: 210.
إلا أن: لكن، يقال: إن كذبوا إلا أنهم يخافوا من اليمين، أي لكنهم، غير أنهم (بوشر).
وإلا: بمعنى أو (انظر تعليقاتي في الجريدة الآسيوية 1869، 2: 185).
وإِلافَ: بمعنى إذ ذاك، عند ذلك، حينئذ (فليشر في المقري 2: 824، بريست 206).
إلا تستعمل في جملة منفية بمعنى حتى، ففي ابن عبد الملك (162و): فلم يكن إلا عن قريب ووصل كتاب لابن حسون بأن يفعل الخ.
ماذا وإلا: وإلا (بوشر).
إلاّ وي: من يعتقد بوجود الله وينكر الوحي (بوشر).
إ ل ا: إلَّا حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ نَحْوُ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَزَيْدًا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ الْقَوْمِ وَقَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِثْنَاءِ بِمَعْنَى لَكِنْ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ مَا رَأَيْت الْقَوْمَ إلَّا حِمَارًا فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا لَكِنَّ حِمَارًا رَأَيْته وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {{قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}} [الشورى: 23] إذْ لَوْ كَانَتْ لِلِاسْتِثْنَاءِ لَكَانَتْ الْمَوَدَّةُ مَسْئُولَةً أَجْرًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَعْنَى لَكِنْ افْعَلُوا الْمَوَدَّةَ لِلْقُرْبَى فِيكُمْ وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {{لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا}} [البقرة: 150] فَمَعْنَاهُ وَاَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْضًا لَا يَكُونُ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِإلَّا الْفَرْقَدَانِأَيْ وَالْفَرْقَدَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا تَكُونُ إلَّا حَرْفَ عَطْفٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ خَاصَّةً وَحُمِلَتْ إلَّا عَلَى غَيْرٍ فِي الصِّفَةِ إذْ كَانَتْ تَابِعَةً لِجَمْعٍ مُنَكَّرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ نَحْوُ {{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ}} [الأنبياء: 22] أَيْ غَيْرُ اللَّهِ.
  • إِلاَّ
الجذر: إ ل ل ا

مثال: الإسلام- وإن قلل من أغراض الشعر- إلاّ أنه لم يحاربه
الرأي: مرفوضة
السبب: لاستخدام إلا في غير موضعها.

الصواب والرتبة: -الإسلام- وإن قلل من أغراض الشعر- لم يحاربه [فصيحة]-الإسلام وإن قلل من أغراض الشعر فإنه لم يحاربه [فصيحة]-الإسلام وإن قلل من أغراض الشعر إلاّ أنه لم يحاربه [صحيحة]
التعليق: لا وجه لإقحام أداة الاستثناء (إلا) هنا، فالأسلوب يبدأ باسم، هو مبتدأ، يليه جملة شرطية تقع خبرًا في المثال الأول ومعترضة بينه وبين الخبر في المثال الثاني، وجواب الشرط محذوف لدلالة الخبر عليه. أما المثال الثالث فيمكن تصحيحه على دلالة «إلا» على معنى الاستدراك، فكأنه قيل: لكنه لم يحاربه.
  • إلا
(إلا) : قال الفريابي في تفسيره: (حدثنا سفيان عن ابن نجيح عن مجاهد في قوله) إلا ولا ذمة (. قال الإل الله تعالى، قال ابن جنى في المحتسب:) قالوا الإل بالنبطية اسم الله تعالى (.
إلاَّ: للاِسْتِثناءِ: {{فَشَرِبُوا منه إلاَّ قَليلاً}} .ونَصْبُ ما بعدَها بها: {{ما فَعَلوهُ إلاَّ قَليلٌ منهم}} ورَفْعُ ما بعدَها على أنَّهُ بَدَلُ بَعْضٍ. وتكونُ صِفَةً بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ، فَيُوصفُ بها وبِتالِيها جَمْعٌ مُنَكَّرٌ أو شِبْهُهُ، نحوُ: {{لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا}} وقولُه:أُنِيخَتْ فألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ...قَليلٌ بها الأصْواتُ إلاَّ بُغامُهاوتكونُ عاطِفَةً بِمَنْزِلَةِ الواوِ: {{لِئَلاَّ يكونَ للناسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الذينَ ظَلَمُوا}} ، {{لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلاَّ مَنْ ظَلَمَ}} ، أي: ولا الذين ظَلَمُوا، وزائدَةً:حَراجيجُ ما تَنْفَكُّ إلاَّ مُناخَةً...على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بَلَدًا قَفْرَا
  • إلا
إلاَّ لها استعمالات: قال في سورة الصافات:
{{إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ}} .وقال فيها أيضاً:{{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}} .أي لقد ضلَّ قبلهم أكثر الأولين إلاّ ... .
إِلاَّ واحدًاالجذر: و ح د

مثال: مَا تَكَلَّم إِلاَّ واحِدًاالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -ما تكلَّم إلاّ واحِدٌ [فصيحة] التعليق: كلمة «واحد» فاعل للفعل «تكلّم»، والجملة من قبيل الاستثناء المفرغ، ولهذا أعرب «واحد» حسب موقعه في الجملة.
إِلاَّ يومين فَقَطْالجذر: ف ق ط

مثال: لَمْ يجلس معنا إلاّ يومين فَقطالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال فقط بعد أدوات الاستثاء، وهو حشو.

الصواب والرتبة: -لم يجلس معنا إلاَّ يومين [فصيحة]-لم يجلس معنا إلاَّ يومين فَقط [فصيحة] التعليق: ذكرت المعاجم أن كلمة «فقط» تأتي بمعنى «فَحَسْب»، وتأتي بمعنى «لاغير» إذا اقترنت بالعدد. وقد خطأ بعض اللغويين استعمالها بعد الاستثناء؛ لأنه يدل على المعنى بدونها، ولكن يمكن تصويب الاستعمال المرفوض على أنها لتأكيد الاستثناء، وقد مثَّل الجوهري للكلمة بقوله: «مارأيته إلا مرة واحدة فقط»، فجمع بين مؤكدين، الوصف بـ «واحدة»، وزيادة «فقط»؛ والمعنى تام بدونهما.
اللَّهم إِلاَّالجذر: ا ل ل ا هـ

مثال: هذا ما أرفضه اللهم إلاّ في الضرورةالرأي: ضعيفة عند بعضهمالسبب: لصَرْفها إلى غير الدعاء ومجيئها زائدة في أسلوب الاستثناء.

الصواب والرتبة: -هذا ما أرفضه إلاّ في الضرورة [فصيحة]-هذا ما أرفضه اللهم إلاّ في الضرورة [صحيحة] التعليق: يكثر استخدام «اللهم» في الدعاء، وقد تجيء بعدها «إلا» فتكون للإيذان بندرة المستثنى كما في المثال الثاني.
رَغْمَ .. إلاَّ أنَّه .. الجذر: ر غ م

مثال: رغم خطورة الموقف إلاّ أنه ما زال من الممكن تجنب الحربالرأي: مرفوضةالسبب: لاستخدام «رغم» بدون أن يسبقها حرف جر، ومجيء «إلا» في جوابها.

الصواب والرتبة: -بالرَّغم من خطورة الموقف فإنه ما زال من الممكن تجنب الحرب [فصيحة]-على الرَّغم من خطورة الموقف فإنه ما زال من الممكن تجنب الحرب [فصيحة]-برغمِ خطورة الموقف فإنه ما زال من الممكن تجنب الحرب [صحيحة]-رغمًا عن خطورة الموقف فإنه ما زال من الممكن تجنب الحرب [صحيحة]-رغمَ خطورة الموقف فإنه ما زال من الممكن تجنب الحرب [صحيحة] التعليق: صحَّح مجمع اللغة المصري المثالين الأخيرين إما على تقدير حرف جر، أو على اعتبار المصدر حالاًَ على سبيل المبالغة. كما اعتبر المجمع استخدام «عن» مكان «من» من قبيل نيابة حروف الجر بعضها عن بعض.

لا يَفْصلها إلاَّ طبقةً

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

لا يَفْصلها إلاَّ طبقةًالجذر: ط ب ق

مثال: لا يَفْصِلها عن طبقات الأرض إلاّ طبقةً واحدةالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -لا يفصلها عن طبقات الأرض إلاّ طبقةٌ واحدة [فصيحة] التعليق: كلمة «طبقة» فاعل للفعل «يفصل» والجملة من قبيل الاستثناء المفرغ.

لا يَقْدر إلاَّ القادرين

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

لا يَقْدر إلاَّ القادرينالجذر: ق د ر

مثال: لا يَقْدِر على التفوق إلاّ القادرينالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -لا يقدر على التفوق إلاّ القادرون [فصيحة] التعليق: كلمة «القادرون» فاعل للفعل «يقدر»، والاستثناء في الجملة مفرغ، فيعرب ما بعد «إلا» حسب موقعه في الجملة.
لا يهمّنا إلاّ أمرًاالجذر: أ م ر

مثال: لا يهمنا من المسألة الحاضرة إلاّ أمرًا واحدًاالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -لا يهمّنا من المسألة الحاضرة إلاّ أمرٌ واحدٌ [فصيحة] التعليق: كلمة «أمر» فاعل للفعل «يهمّ»، والاستثناء هنا مفرغ، ولهذا أعربت «أمر» حسب موقعها في الجملة.

لَمْ يُجْرَح إلاّ شخصين

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

لَمْ يُجْرَح إلاّ شخصينالجذر: ش خ ص

مثال: لَمْ يُجْرَح في الحادث إلاّ شخصينالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -لم يُجْرَح في الحادث إلاّ شخصان [فصيحة] التعليق: كلمة «شخصان» نائب فاعل للفعل «يجرح» المبني للمجهول، والاستثناء في الجملة مفرغ.
لَمْ يعد إلاّ الشرعيةَالجذر: ش ر ع

مثال: لَمْ يعد أمام اللبنانيين إلاّ الشرعيَّةَ الدوليَّةالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -لم يعد أمام اللبنانيين إلاّ الشرعيَّةُ الدوليَّة [فصيحة] التعليق: كلمة «الشرعية» فاعل للفعل «يعد» لأن الاستثناء في الجملة مفرغ، ولهذا تعرب «الشرعية» حسب موقعها في الجملة.

مَا إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحًا

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

مَا إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحًاالجذر: ص ح ح

مثال: مَا إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحًا لهَذَا العمل غير الأخلاقيّالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -ما إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحٌ لهذا العمل غير الأخلاقيّ [فصيحة] التعليق: كلمة «تصحيح» خبر المبتدأ «إطلاق»، ولا تأثير لـ «ما» النافية لانتقاض نفي الخبر بـ «إلا».

اقْتِران الماضي بالواو بعد «إلاّ»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اقْتِران الماضي بالواو بعد «إلاّ»

مثال: لَمْ يترك سؤالاً إلاّ وسألهالرأي: مرفوضةالسبب: لمجيء الماضي بعد «إلاّ» مقترنًا بالواو.

الصواب والرتبة: -لم يترك سؤالاً إلاّ سأله [فصيحة]-لم يترك سؤالاً إلاّ وسأله [فصيحة] التعليق: (انظر: مَجِيء الماضي بعد «إلاّ» مقترنًا بالواو).
زيادة الواو بعد «إلاّ»

مثال: ما من أحد إلاّ وله طمعٌ أو حسدٌالرأي: مرفوضةالسبب: لزيادة الواو بعد «إلاّ».

الصواب والرتبة: -ما من أحد إلاّ له طمعٌ أو حسدٌ [فصيحة]-ما من أحد إلاّ وله طمعٌ أو حسدٌ [صحيحة] التعليق: جملة «له طمع» تقع صفة لـ «أحد»، وقد سُبقت جملة الصفة بالواو، وهذه الواو يسميها النحاة «واو اللصوق»، وهي واو زائدة تلتصق بجملة النعت لتقوي دلالتها على النعت، وتزيد التصاقها بالمنعوت، ومن أمثلتها في القرآن الكريم: {{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ}} الحجر/4، وقد اختلف النحاة حول زيادة هذه الواو، فقال بعضهم: إنها سماعية، وقال آخرون -ومنهم الزمخشري- بقياسِيَّتها، ويجوز أن تكون الواو هنا للحال، وقد جاءت جملة الحال من النكرة لوجود مسوّغ، وهو سبقها بالنفي، وقد أجاز أبو حيّان وغيره مجيء الحال من النكرة قياسًا.

مَجِيء «إلاّ» لإفادة التخيير

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

مَجِيء «إلاّ» لإفادة التخييرالأمثلة: 1 - أَتُرِيد كذا وإلاّ كذا 2 - خذ كذا وإلاّ كذاالرأي: مرفوضةالسبب: لظنهم أن مجيء إلا للتخيير غير سائغ في الفصيح.

الصواب والرتبة:1 - أتريد كذا وإلاّ كذا [فصيحة]2 - خذ كذا وإلاّ كذا [فصيحة] التعليق: «إلا» في المثال الأول تفيد معنى «أم» وفي المثال الثاني تفيد معنى «أو» وكلاهما للتخيير، وهو جائز في الفصيح.

مَجِيء الماضي بعد «إلاّ» مقترنًا بالواو

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

مَجِيء الماضي بعد «إلاّ» مقترنًا بالواوالأمثلة: 1 - لَمْ يترك سؤالاً إلاّ وسأله 2 - لَمْ يترك مدرسة إلاّ وذهب إليها 3 - ما أحسنت إليه إلاّ وأساء إليك 4 - ما ارتقى سُلَّم الخطابة إلاّ وسحر الألباب 5 - ما اعتلى منبر الخطابة إلاّ وفتن العقول 6 - ما تكلَّم الخطيب إلاّ وقال صوابًا 7 - ما دخلت الدار إلاّ ورأيته نائمًا 8 - ما مرّ به طير إلاّ وفزع 9 - ما من أحدٍ إلاّ وبكى 10 - ما نبحه كلب إلاّ وجزع 11 - ما نعق ناعق إلاّ وتبعهالرأي: مرفوضةالسبب: لمجيء الماضي بعد «إلاّ» مقترنًا بالواو.

الصواب والرتبة:1 - لم يترك سؤالاً إلاّ سأله [فصيحة]-لم يترك سؤالاً إلاّ وسأله [فصيحة]2 - لم يترك مدرسة إلاّ ذهب إليها [فصيحة]-لم يترك مدرسة إلاّ وذهب إليها [فصيحة]3 - ما أحسنت إليه إلاّ أساء إليك [فصيحة]-ما أحسنت إليه إلاّ وأساء إليك [فصيحة]4 - ما ارتقى سُلَّم الخطابة إلاّ سحر الألباب [فصيحة]-ما ارتقى سُلَّم الخطابة إلاّ وسحر الألباب [فصيحة]5 - ما اعتلى منبر الخطابة إلاّ فتن العقول [فصيحة]-ما اعتلى منبر الخطابة إلاّ وفتن العقول [فصيحة]6 - ما تكلَّم الخطيبُ إلاّ قال صوابًا [فصيحة]-ما تكلَّم الخطيبُ إلاّ وقال صوابًا [فصيحة]7 - ما دخلت الدار إلاّ رأيته نائمًا [فصيحة]-ما دخلت الدار إلاّ ورأيته نائمًا [فصيحة]8 - ما مرّ به طير إلاّ فَزِع [فصيحة]-ما مرّ به طير إلاّ وفَزِع [فصيحة]9 - ما من أحد إلاّ بكى [فصيحة]-ما من أحد إلاّ وبكى [فصيحة]10 - ما نبحه كلب إلاّ جَزع [فصيحة]-ما نبحه كلب إلاّ وجَزع [فصيحة]11 - ما نعق ناعق إلاّ تبعه [فصيحة]-ما نعق ناعق إلاّ وتبعه [فصيحة] التعليق: اختلفت آراء القدماء والمحدثين حول صواب وقوع الواو بعد إلا، كما في الأمثلة المرفوضة، والصحيح أن وجودها وحذفها سواء في الاستخدام، وقد ذكر ذلك الرضيّ في شرحه على الكافية، وسوَّى بينه وبين حذفها، والكفوي في الكليات، وربط ذلك بإرادة التأكيد إذا كان مضمون الجملة في محل الرد والإنكار، والدليل على صواب الوجهين قول زهير:نعم امرأ هرم لم تعر نائبة إلاّ وكان لمرتاع بها وزرًاوقول ابن زريق البغدادي:ما آب من سفر إلا وأزعجه عزم على سفر بالرغم يزمعهوما جاء في نهج البلاغة: «لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا ودخله الظَّلَمة».

وُقُوع الضمير المتّصل بعد «إلاّ»

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

وُقُوع الضمير المتّصل بعد «إلاّ»

مثال: جَاءني الأصدقاء إلاَّكالرأي: مرفوضةالسبب: لوقوع الضمير المتصل بعد «إلا».

الصواب والرتبة: -جاءني الأصدقاء إلاّ إياك [فصيحة]-جاءني الأصدقاء إلاَّك [صحيحة] التعليق: الشائع وقوع الضمير المنفصل بعد «إلا»، ويجوز على قلة وقوع الضمير المتصل، كما في قول الشاعر:فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ألا يجاورنا إلاّك ديّاروقد جعله بعض النحاة مقيسًا.

تنبيه الأواه، لفضل لا إله إلا الله

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تنبيه الأواه، لفضل لا إله إلا الله
للشيخ: محمد البكري.
المتوفى: سنة 994، أربع وتسعين وتسعمائة.
أوله: (الحمد لله على نعمته بلا إله إلا الله... الخ).
مختصر.
مشتمل على: اثنتين وتسعين حديثا.

بَاب الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت إِلَّا نكدا

المخصص

أَبُو حنيفَة الزهاد - الَّتِي تسيل من أدنى مطر وَلَا تمرع وَقد تقدم أَنَّهَا الَّتِي لَا تسيل إِلَّا من مطرٍ كثيرٍ وَرجل زهد - قَلِيل الْخَيْر ضيق الْخلق قَالَ وَقَالَ بعض الْأَعْرَاب أصابتنا بِالْمثلِ مثل القوائم حَيْثُ انْدفع الرمث فِيهَا تقتير وَهِي على ذَلِك تقصد وَتوسع الرماث والتلعة الزهيدة فَلَمَّا كُنَّا حذاء الْحفر أَصَابَنَا ضرسٌ جود مَلأ كل إخاد وَقد تقدم تَفْسِير جَمِيع هَذِه الْحُرُوف وَالْجهَاد - الغليظة الَّتِي لَا تكَاد تنْبت وَإِن مطرَت وَهِي إِلَى الاسْتوَاء والعزاز نَحْو ذَلِك والفدفد - من ألائم الأَرْض فِيهِ ارْتِفَاع واستواء تتوقد الشَّمْس فِي حصاه والصحراء من الْجِهَاد - قَليلَة الشّجر قَليلَة النَّبَات ذَات حَصى وفيهَا اسْتِوَاء والمعزاء والأمعز وَالْجمع الْمعز والأماعز - كل هَذَا إِلَى الصلابة وَكَثْرَة الْحَصَى وَقلة النبت وَكَذَلِكَ الْمُتُون مستوية غِلَاظ وَقيل هِيَ أغْلظ من الأمعز وَإِذا كَانَ الْمَكَان قَلِيل النبت من طباعه رديئه فَهُوَ - الْجحْد النكد وَقد يخففان فَيُقَال جحد ونكد وَمِنْه قَوْلهم فِي الدُّعَاء على الانسان بقلة الْخَيْر نكداً لَهُ وجحداً ابْن السّكيت أرضٌ قِطْعَة وَهِي - الَّتِي بهَا نقاط من الكلا ابْن دُرَيْد فِيهَا نبذ من النبت أَبُو حنيفَة الأَرْض الْعَجْفَاء مثل المهزولة وَمِنْه قَول الرائد وجدت أَرضًا عجفاء وشجراً أعشم - أَي قد شَارف اليبس والبيود الْأَصْمَعِي أرضق حشاةٌ - سَوْدَاء قَليلَة الْخَيْر والغضراء - أرضٌ لَا ينْبت فِيهَا النّخل حَتَّى تحفر وأعلاها كذان أَبيض وَقد تقدم أَنَّهَا الأَرْض الطّيبَة العلكة فَكَأَنَّهُ ضد

‏<br> بلال بن مالك المزني، بعثه رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ إلى بني كنانة فأشعروا به فلم يصب منهم إلا فرسًا واحدًا، وذلك في سنة خمس من الهجرة.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب

صفة الوجه "قال عند قوله تعالى {كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون وكذلك أهل السموات إلا ما شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا" ¬

الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة

6 - صفة الإتيان والمجيء: "قال عند قوله تعالى: {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}} [البقرة: 210.
يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}} يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال تعالى: {{وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}} كما قال تعالى: {{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (*) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (*) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}} [الفجر: 21 - 23.
وقال: {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ}} الآية.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ها هنا، حديث الصور بطوله من أوله. عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - وهو حديث مشهور، وساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمّد - ﷺ - فإذا جاؤوا إليه، قال: أنا لها، أنا لها، فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق السماء وينزل من فيها من الملائكة ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال: وينزل الجبار عزَّ وجلَّ في ظلل من الغمام
¬__________
(¬1) تفسير ابن كثير: (3/ 536).
(¬2) تفسير ابن كثير: (4/ 272).

والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت سبحان ذي العزة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه سبحانه أبدًا أبدًا (¬1)، ثم ذكر حديثًا رواه ابن مردويه ثم ذكر عن أبي العالية، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، والملائكة يقول والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}} والملائكة في ظلل من الغمام، هي قبله {{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا}} (¬2).
وقال عند قوله تعالى: {{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (*) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}}.
يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق، محمّد - ﷺ -، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدًا بعد واحد، فكل يقول لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمّد - ﷺ - فيقول: أنا لها، فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعة، وهي المقام المحمود، كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا (¬3).
التعليق:
هذه التفسيرات التي ذكرها الإمام ابن كثير في تفسير سورة البقرة، وفي سورة الفجر، صريحة بأن الشيخ ابن كثير يثبت صفة المجيء والإتيان، ولا سيما أنه أكد ذلك بما نقله عن الإمام ابن جرير في ذكره لحديث الصور، وهو صريح في هذه الصفة، لا يحتمل التأويل، فرحمة الله عليه رحمة واسعة"
.
7 - تفسير الكرسي: "قال عند قوله تعالى: {{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}} الآية. قال بعد سياق الأقوال والآثار، وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين، أن الكرسي عندهم، هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير، ويقال له الأطلس، وقد رد ذلك عليهم آخرون، وروى ابن جرير من طريق جبير عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش، والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر والله أعلم (¬4).
¬__________
(¬1) قال أحمد شاكر في تعليقه على ابن جرير: هذا الحديث ضعيف من جهتين، من جهة إسماعيل بن رافع ضعيف جدًّا، ومن جهة الرجل المبهم في السند، انظر الجزء الرابع (ص 268).
(¬2) تفسير ابن كثير (1/ 248).
(¬3) تفسير ابن كثير: (4/ 510).
(¬4) المصدر نفسه: (1/ 210).

التعليق:
والصواب ما صح عن ابن عباس وغيره، أن الكرسي موضع القدمين وفيه إثبات الصفة لله تعالى، لأن هذا لا يقال من قبل الرأي على أنه قد روي مرفوعًا عند أبي الشيخ في العظمة"
.
8 - صفة المحبة: "قال عند قوله تعالى: {{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}} [البقرة: 205. وقوله تعالى: {{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}} أي لا يحب من هذه صفاته، ولا من يصدر منه ذلك (¬1).
وقال عند قوله تعالى: {{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}} [آل عمران: 31 - 32.
هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر، حتى يتبع الشريعة المحمدية، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (¬2).
ولهذا قال: {{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء، ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب وقال الحسن البصري، وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: {{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}} (¬3).
التعليق:
الحافظ ابن كثير يثبت صفة المحبة على ما هو ظاهر من تفسيراته لآيات المحبة، فقد فسرها على ظاهرها، ولم يؤول شيئًا منها جزاه الله خيرًا"
.
9 - صفة اليد: "قال عند قوله تعالى: {{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}} [الزمر: 67 قال هم الكفار، الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حق قدره، وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف" (¬4).
10 - صفة الفوقية: "قال عند قوله تعالى: {{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}} [الأنعام: 18 أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله، وكبريائه، وعظمته، وعلوه، وقدرته، على الأشياء واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت
¬__________
(¬1) تفسير ابن كثير: (1/ 347).
(¬2) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية (3/ 1344).
(¬3) تفسير ابن كثير: (1/ 358).
(¬4) تفسير ابن كثير: (4/ 62).

قهره وحكمه (¬1).
التعليق:
وهذه الآية من أدلة العلو لله تعالى، وكان ينبغي للحافظ ابن كثير أن يبين ذلك بيانًا شافيًا، وإن كان أشار إلى ذلك إشارة خفيفة في تفسير الآية فرحمة الله عليه"
.
11 - إثبات الرؤية: "قال عند قوله تعالى: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}} [الأنعام: 103.
فيه أقوال للأئمة من السلف، أحدها لا ندركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - من غير طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "
من زعم أن محمدًا أبصر ربه فقد كذب". وفي رواية "على الله فإن الله تعالى قال: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}} " رواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق، ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه، وخالفها ابن عباس فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمّد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول: في قوله: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}} قال: هذا في الدنيا.
وذكر أبي عن هشام بن عبد الله أنه قال: نحو ذلك، وقال آخرون: لا تدركه الأبصار، أي جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.
وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من الآية أنه لا يرى في الدنيا والآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دلّ عليه كتاب الله، وسنة رسوله.
فأما الكتاب فقوله تعالى: {{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (*) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}} [القيامة: 22 - 23، وقال تعالى عن الكافرين {{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}} قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى.
وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة وابن جرير وصهيب وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي - ﷺ - أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.
وقيل المراد بقوله {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}} أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة أنه قال ذلك وهذا غريب جدًّا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد الإدراك في معنى الرؤية والله أعلم.
وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو فقيل: معرفة الحقيقة،
¬__________
(¬1) المصدر نفسه: (2/ 126).

فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى، قال ابن علية في الآية: "
هذا في الدنيا" رواه ابن أبي حاتم.
وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من إحاطة العلم، عدم العلم، قال تعالى: {{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}} [طه: 110، وفي صحيح مسلم (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (¬1)، ولا يلزم من عدم الثناء، فكذلك هذا.
قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: لا تدركه الأبصار قال: ألست ترى السماء قال: بلى، قال: فكلها ترى وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في هذه الآية {{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}} وهو أعظم من أن تدركه الأبصار، ثم ذكر بقية الأقوال والآثار"
. (¬2)
12 - صفة العين: "قال عند قوله تعالى: {{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}} [هود: 37 (بأعيننا) أي بمرأى منا. (¬3)
قال عند قوله تعالى: {{وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي}} [طه: 39 قال أبو عمران الجوني تربى بعين الله، وقال قتادة: تغذى على عيني، وقال معمر بن المثنى: ولتصنع على عيني بحيث أرى، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني أجعله في بيت الملك لينعم ويترف وغذاؤه عندهم غذاء الملك فتلك الصنعة. (¬4)
التعليق:
وهذه الآيات من أعظم الأدلة على إثبات صفة العين لله تعالى، فكان ينبغي للحافظ ابن كثير أن يبين الصفة، ثم يذكر اللوازم التي هي الرؤية، والعلم، والحفظ والإدراك وغير ذلك من اللوازم"
.
13 - صفة المعية: "قال عند قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}} [الحديد: 4.
أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم، حيث كنتم، وأين كنتم؟ من بر، أو بحر، في الليل أو النهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم كما قال الله تعالى: {{أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}}
¬__________
(¬1) أخرجه مسلم في الصلاة: رقم الحديث (222).
(¬2) تفسير ابن كثير: (2/ 161).
(¬3) المصدر نفسه: (4/ 444).
(¬4) تفسير ابن كثير: (3/ 147).

[هود: 5، وقال تعالى: {{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}} [الرعد: 10. فلا إله غيره، ولا رب سواه وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (¬1).
وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن علقمة، حدثني أبي عن نصر بن علقمة عن أخيه عن عبد الرحمن بن عائذ، قال: قال عمر جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: زودني حكمة أعيش بها، فقال: (استح الله كما تستحي رجلا من صالح عشيرتك). هذا حديث غريب، وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن علوية العامرى مرفوعًا، (ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان إن عبد الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط، الهرمة، ولا الردية، ولا الشريطة، اللئيمة، ولا المريضة ولكن من أوسط أموالكم)، وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه. فقال: (يعلم أن الله معه حيث كان).
وقال نعيم بن حماد رحمه الله: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت) غريب وكان الإمام أحمد رحمه الله ينشد هذين البيتين:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفي عليه يغيب
وقال عند قوله تعالى: {{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}} [المجادلة: 7، وقوله: {{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ}} الآية. أي من سر ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، إلا هو معهم أينما كانوا، أي مطلع عليهم، يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له.
كما قال تعالى: {{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}} [التوبة: 78.
وقال تعالى: {{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ}} [الزخرف: 80.
ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية، معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن وسمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره، نافذ فيهم، فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه
¬__________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الإيمان (1/ 114 الفتح) ومسلم عن ابن عمر وأبي هريرة في الإيمان (1/ 27).

لا يغيب عنه من أمورهم شيء (¬1) "
أ. هـ.
وفاته: سنة (774 هـ) أربع وسبعين وسبعمائة.
من مصنفاته: "التفسير الكبير"، و"البداية والنهاية" وغير ذلك.

‫الاستشراق - متى ظهر الاستشراق؟ اختلف الباحثون في بداية وقت ظهور الاستشراق وتعود صعوبة تحديد الوقت إلى أن الأفكار تسير متغلغلة دون أن تحدد بزمن دقيق؛ إذ لا يمكن التحديد إلا بأمرين أحدهما أن يصرِّح به صاحب الفكرة الأساسي وثانيهما أن يتمَّ التحديد في وقت ظهور الفكرة عند انتشارها ومما قيل عن تحديد نشأة الاستشراق ¬‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫قيل: إنه ظهر في أيام الدولة الإسلامية في الأندلس حينما وفد إليها كثير من فرنسا وغيرها للتعلم. ....... وقيل: إنه ظهر في أيام الصليبيين وحروبهم مع المسلمين في بداية القرن الثامن عشر الميلادي بداية الاستعمار. وقيل: إنه ظهر في القرن الثاني الهجري، وأنه نشط في بلاد الشام في بدايته.‬
‫وإذا لاحظنا أن الاستشراق هو امتداد للتنصير، فلا يمنع أن يحدَّد ظهوره بالعصور الأولى للدولة الإسلامية، ولهذا أرجعه بعضهم إلى القرن الأول الهجري، إلا أنه كان على صورة غير نظامية، فإنه بدأ يكتمل بوجهه الجديد في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث أنشئت المدارس النظامية، وعقدت المؤتمرات، وفتحت المراكز والبعثات والجمعيات والمعاهد، وكان هذا بعد انتهاء الحروب الصليبية، ولا جدال في أن النصارى وقفوا ضد الإسلام من أول ظهوره، وكل رجال الكنيسة من البابوات وزعماء الدول الغربية ينظرون بحقد شديد إلى انتشار الإسلام وقوة المسلمين، حيث رأوا أخيرا أنه لا يمكن وقف المدِّ الإسلامي إلا بغزوه فكريا مع إبداء الصداقة للعرب، وغيرهم من المسلمين، في الوقت الذي يبذلون فيه غاية جهودهم لمقاومة الإسلام، والتصدي للمسلمين؛ لإطفاء نور الإسلام، وقد ظلَّ هذا التوجه للنصارى قائما في شكل صراع محتدم على طول تاريخ الغرب النصراني والشيوعي على حد سواء، حيث أدَّى ذلك إلى اختلاف العلماء في تحديد ظهور الاستشراق أول مرة، ولكنه بالتأكيد كان بعد قيام الحرب الصليبية والهزائم التي أُلحقت بالنصارى.‬
‫¬_________‬
(¬1) ((الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي)) ط ج 1 (ص: 697). وانظر ((أجنحة المكر الثلاثة)) (ص 120).‬

إلاَّ الاسْتِثْنَائِيّة

معجم القواعد العربية


حرْفٌ دونَ غيرها من أدَواتِ الاستثْناءِ (راجع: المستثنى). ولها ثلاثُ أحوال:
(1) وُجُوبُ نصب المُسْتَثْنَى بَعْدَها.
(2) إتْبَاعُه على البَدَليَّة.
(3) إعْرَابُ ما بَعدَهَا حَسْبَ العَوامِل وَهُو المُفَرَّغُ وهاكَ التفصيل:
(أ) وجُوبُ نصبِ ما بَعْدَها: له أحوالٌ ثلاثٌ:
الأُولَى: أنْ يكونَ المُسْتَثْنى مُتَّصلاً (المتصل: ما كانَ المُسْتَثْنى من جنس المستثنى منه، والمنقطع بخلافه). مُؤخَّراً. والكلامُ تامّاً (التَّام: ما ذُكِر فيه المُسْتَثْنى منه) مُوْجبَاً (المُوجِب: غير المنفي). نحو {{فَشَربُوا مِنْهُ إِلاَّ قَليلاً مِنْهُمْ}} (الآية "249" من سورة البقرة "2").
فقليلاً مستثنى من واو الجماعة في "وشربوا"، وخلا من النفيّ.
الثانية: أن يكون المستثنى منقطعاً والمنقطع ما لا يَكونُ المُسْتَثْنى مِنْ جِنْس المُسْتَثْنَى منه - سَوَاءٌ أَكَانَ مُوجباً نحو "اِشْتَغَلَ عُمّالُكَ إِلاَّ عُمَّالَ خَالِد". أوْ مَنْفِيّاً نحو قولِه تعالى: {{مَا لَكُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتّبَاعَ الظَّنِّ}} (الآية "156" من سورة النساء "4") فاتِّباعُ الظنِّ لَيْسَ مِنْ جنس العِلْم، سَوَاءٌ أمْكَنَ تَسَلُّط العامِل عليه كهذه الآية فإن الأصل: مالَكُمْ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّن، أَمْ لَمْ يُمْكِنْ تسلُّطُ العامِل عليه، نحو "ما نَفَع الأَحْمق إلاّ مَا ضَرَّ" إذ لا يُقَالُ: نَفَعَ الضُّرُّ.
الثالثة: أنْ يَتَقَدَّمَ المُسْتَثْنى على المستثنى مِنْه سَوَاءٌ أكانُ الكَلامُ مَنْفِيّاً كقول الكُمَيْت:
وَمَالِيَ إِلاَّ آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَمَالِيَ إلاَّ مَذْهَبَ الحقِّ مَذهَبُ
أم مُوجبَاً نحو "يَنْقُصُ - إلاَّ العلمَ - كلُّ شيءٍ بالإنْفَاقِ".
(ب) التَّبَعِيَّةُ على البَدَليَّة وذلكَ إذا كانَ الكَلامُ تامَّاً مَنْفِيّاً مُتَّصلاً، مُقَدَّماً فيه المُسْتَثْنَى منه (أي على الأصل). على أنه بدلُ بعضٍ نحو {{مَا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ}} (الآية "66" من سورة النساء "4"). و {{وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلاَّ امْرَأَتُك}} (الآية "81" من سورة هود "11") و "ما جَنَيْتُ الثَّمَرَ إلاَّ تُفَاحَةً".
ويجوزُ النَّصبُ في هذا على الاسْتِثْناءِ وسُمِعَ من العَربِ المَوْثُوقِ بعَرَبيَّته يقول: "مَا مَرَرْتُ بأحَدٍ إلاَّ زيداً" وقُرِئ به الآيتين (وقراءة الفتح في الآية الثانية أجود وأشهر) وإذا تَعَذَّرَ البدلُ على اللفظِ لِمَانِعٍ أُبْدِلَ على المَوْضِع، نحو "لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ" برفع لفظ الجَلاَلَةِ فلفْظُ الجلالة بَدَلُ من محلّ "لا" مع اسمها (وعند أبي حيان: لفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف العائد على اسم "لا" المقدر بـ "موجود") لا على اللفظ، لأنَّ "لا" الجِنْسِيَّةَ لا تعملُ في مَعرِفةٍ لأن البدلَ في نِيّةِ تَسلُّطِ عَامِلِ المُبْدَلِ منه عليه. ولا في موجبه ونحو "ما فيها من أحدٍ إلاَّ خالدٌ" بالرفع، فـ "خالد" بدل على المحل من أحَد، لأن "مِنْ" زَائدة في سياق النفي وهي لا تزاد في الإِيجاب.
(جـ) الاسْتِثْنَاء المُفرَّغُ: وهو الذي لا يُذْكَر فيه المُسْتَثْنى مِنْه، وحِينَئذٍ يكونُ المُسْتَثْنى على حَسَب ما يَقْضِيه العَامِلُ الذي قبله في التَّرْكيب، كما لو كانت "إلاَّ" غير موجودة، نحو "لا يَقَعُ في السُّوءِ إلاَّ فاعِلُه" "لا أَتَّبِعُ إلاَّ الحقَّ" و {{لاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ}} (الآية "43" من سورة فاطر "35"). وشرطُهُ كَوْنُ الكَلامِ مَنْفِيّاً كَما مُثِّل، أَوْ وَاقِعاً بعْدَ نَهْي نَحْو: {{وَلاَ تَقُولُوا على اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ}} (الآية "171" من سورة النساء "4") أَوْ الاسْتِفْهَام الإِنْكَارِي نحو: {{فَهَلْ يُهْلَكَ إلاَّ القَوْمُ الفَاسِقُون}} (الآية "35" من سورة الأحقاف "46").
(د) تَكَرُّرُ الاسْتِثْنَاء المُفرَّغِ: إذا تكرَّر المُسْتَثْنى المُفَرَّغ، وَجَبَ النَّصْبُ في الثَّاني، وذلكَ قولُكَ: "مَا أَتَاني إلاَّ زيدٌ إلا عمراً" فلا يجوز الرفع في عمروٍ، إن شئت قلتَ: "ما أَتَانِي إِلاَّ زَيْداً إِلاَّ عَمْروٌ" فتجعل الإِتْيَانَ لِعَمْروٍ، ويكونُ زَيْدٌ مُنْتَصِباً، فأنت في ذا بالخيار إنْ شِئتَ نَصبتَ الأَوَّلَ ورفَعْتَ الآخِرَ وإنْ شئتَ نصبتَ الآخِرَ ورفعتَ الأوَّلَ.
(هـ) حكم "إلاَّ" إذا تكررت:
إذا تَكَرَّرَتْ "إلاَّ" فهيَ على قسمين، إمّا مؤكَّدةٌ وإمَّ مؤسِّسَةٌ (المؤسسة: التي لها معنى أصلي). فالأولى حكمُها الإِلْغَاءُ عن العَمَل. وذلك إذا كان ما بَعْدَ "إلاَّ" الثَّانِيَةِ تَابِعاً لما بعدَ "إلاَّ" قَبْلَها وتُعْرَبُ: بَدَلاً، أو عطفَ بيان، أو نسَق "جاءَ الحُجَّجُ إلاَّ مُحَمَّداً إلاَّ أبَا عَبْد الله" فـ "أَبَا عبدِ اللَّهِ" بَدَلُ كلٍّ من محمدٍ و "ألاَّ" الثانية زائِدةٌ، لمُجَّردِ التَّأكِيد لأنَّ أبَا عبدِ الله هو محمَّدٌ ونحو "حضَرَ القومُ إلاَّ سعداً وإلاَّ سَعِيداً". فـ "سَعِيداً عطفٌ على سعدٍ، و "ألاَّ" الثانية لَغْوٌ، ومِن هذا قولُ أبي ذؤيب الهذلي:
هل الدَّهرُ إلاَّ لَيْلَةٌ ونَهَارُها ... وإلاَّ طُلُوعُ الشَّمسِ ثُمَّ غِيارُها
(غيارها: من غارت الشمس إذا غربت)
ونحو "
ما قَرَأَ إلاَّ محمَّدٌ إلاَّ أُسْتَاذُكَ" و "ما أصْلَحْتُ إلاَّ البيتَ إلاَّ سَقْفَه" "ما أَعْجَبَني إِلاَّ خَالِدٌ إلاَّ عِلْمُه" وقد اجْتَمَعَ العَطْفُ والبَدَلُ في قول الراجز:
مَالَكَ مِن شَيخِكَ إلاَّ عَمَلُهُ ... إلاَّ رَسِيمهُ وإلاَّ رَمَلُهْ
(الرَّسيم: نوعٌ من السَّيْر سريعٌ مُؤثِّر في الأرض، والرَّمَلُ: سَيْرٌ فوق المَشْي، ودُونَ العَدْوِ، فالرسيم والرمَل: تَفْسِيران لـ "عمله")
والثَّانية وهي المُؤسِّسةَ أي لقَصْد اسْتِثْنَاءٍ بعدَ اسْتِثْنَاء، فإنْ كان العاملُ الذي قبلَ "
إلاَّ" مُفرَّغاً شَغَلْتَ العامِلَ بِوَاحدٍ من المُسْتَثْنَيَات ونَصَبْتَ ما عَدَاه نحو "ما سَافَرَ إلاَّ عَلِيٌّ إلاَّ خَالِداً إلاَّ بَكْراً".
تَقَدُّم المُسْتَثْنى على المُسْتَثْنى منه:
كُلُّ ما تَقَدَّم من القَوَاعِدِ في المُستثنى في حال تأخُّرِه عن المُسْتَثْنى منه؛ أَمَّا إذا تَقَدَّمَ المُسْتَثْنى فإنه لا يكونُ إلاَّ مَنْصُوباً، ولو كان مَنْفياً، وذلك قولك: "
ما فيها إلاَّ أَباكَ أحدٌ". و "مالي إلا أبَاكَ صَدِيقٌ" وقال كعبُ بنُ مالك:
والناسُ ألْبٌ علينا فِيكَ ليسَ لنا ... إلاَّ السُّيوفَ وأَطرافَ القَنَا وَزَرُ
فإذا قلت: "
مالي إلاَّ زيداً صديقٌ وعمراً وعمروٌ" فأنْتَ بالخيار بَيْنَ النَّصب والرَّفع في المُسْتَثْنى الثَّانِي، ومِثْلُه "وَمَنْ لي إلاَّ أَبَاكَ صَدِيقٌ وزيداً وزيدٌ". أما النَّصْب فَعلى الكلامِ الأَول، وأمَّا الرفعُ فكأنه قال: وعمروٌ لي.
إلاَّ بِمَنْزِلَةِ مِثْل وَغَيْر ولا تكُونُ إلاَّ وصْفاً -: وَذَلِكَ قَوْلُك: "
لَو كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ إلاَّ زيدٌ لغُلِبْنا" والدَّليلُ على أنه وَصْفٌ أنَّكَ لو قلت: "لو كان مَعَنا إلاَّ زيدٌ لَهَلَكْنا" وأَنْت تُريد الاسْتثناء لكُنْتَ قد أَحَلْتَ - أي أَتَيْتَ مُحَالاً - ونظيرُ ذلكَ قولُه عزَّ وجل: {{لَوْ كَانَ فيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}} (الآية "22" من سورة الأنبياء "21").
ونظير ذلك في الشعر قول ذي الرُّمَّة:
أُيِيخَتْ فأَلْقَتْ بَلْدةً فوق بَلْدةٍ ... قليلٍ بها الأَصْواتُ إلاَّ بُغَامُها
(البَلْدة الأولى: ما يقع على الأرض من صدرها إذا بركت، والثانية: الأرض. البُغام: أصلُه للظَّبي فاسْتَعَارَهُ للنَّاقَة)
كأنه قال: قَليلٌ بها الأَصْواتُ غيرُ بُغَامِهَا، - على أن إلاَّ صِفةٌ بمعنى غير - ومثل ذلك قولُه تعالى: {{لاَ يَسْتَوي القاعدون من المؤمنين غَيْرُ أُولِي الضَّرَر" (الآية "95" من سورة النساء "21") فلو كان موضع غير: إلاَّ، لَمَا اخْتَلَفَ المَعْنَى.
فلا يجوزُ في "إلاَّ" في قوله تعالى: {لو كَانَ فِيهِما آلهة إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا}}
أنْ تَكُونَ للاستثناءِ من جِهَةِ المعنى إذ التقديرُ حينئذٍ: لو كانَ فيهما آلِهةٌ ليسَ فيهمُ اللَّهُ لَفَسَدَتَا، وذلك يَقْتَضِي: أنْ لوْ كانَ فيهما آلِهَةٌ فيهمُ اللَّهُ لم تَفْسُدَا ويَسْتَحيلُ أن يُرادَ ذلكَ البَتَّةَ، هذا مِنْ جِهَةِ المَعْنى.
وَلاَ يَجوزُ من جِهَةِ اللفظ، لأنَّ آلِهةً جمعٌ مُنَكَّرٌ في الإثبات فلا عمومَ له، ولا يَصِحُّ الاستثناءُ منه فلو قُلتَ "قامَ رِجالٌ إلاَّ زَيْداً" لم يصحَّ اتفاقاً.
ومثال المعرَّفِ الشَّبيهِ بالمُنكَّرِ قَوْلُ ذي الرُّمَّة وقد تقدم قبل قليل:
أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوقَ بَلْدَةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلاَّ بُغَامُها
فإنَّ تَعْريفَ الأَصْواتِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ومِثالُ شِبهِ الجَمْع قولُ لَبيد:
لو كانَ غَيْرِي - سُلَيْمى - الدهرَ غَيَّرَهُ ... وَقْعُ الحَوَادِثِ إلاَّ الصَّارمُ الذَّكرُ
(وقبله:
فقلتُ ليسَ بياضُ الرَأْسِ عن كبَرٍ ... لو تَعْلَمين، وعندَ العَالِم الخَبَرُ)

فـ "إلاَّ الصَّارمُ" صفة لغيري.
ومثله قولُ الشاعر وهو حضرمي بن عامر أو عمرو بن معد يكرب:
وكلُّ أخٍ مُفَارِقُه أَخُوه ... لَعَمْرُ أبِيكَ إلا الفَرْقَدَانِ
كأنه قال غيرُ الفَرْقَدين.


متى دَخَلْت على ما يَقْبلُ التَّوقِيت تُجعَلُ غايةُ نحو {{لا يَزال بُنْيَانُهُم الذي بَنَوا رِيْبةً في قُلوبِهِم إلاَّ أنْ تَقَطَّع قُلُوبُهُمْ}} (الآية "110" من سورة التوبة "9") أي حتَّى، دلَّ عليهِ قِرَاءَةُ "إلى أَنْ تَقَطَّع". ومَتَى دَخَلَتْ على ما لا يَقْبَلُ التَّوقِيت - وهو أنْ يكونَ فِعْلاً لا يَمْتَدّ - نحو "لا أبرَحُ إلاَّ أنْ يَقدَمَ خَالِدٌ" تَجعلُ شَرْطاً بمَنزلَةِ "إن" لِما بينَ الغايةِ والشرطِ من المناسَبَةِ وهي أنَّ حُكْمَ ما بَعدَ كلٍّ مُنهما يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْله.

اللَّهُمَّ إلاَّ أن يَكونَ كَذا

معجم القواعد العربية

الشَّائع استعمال "اللَّهُمَّ" في الدُّعاء، والميمُ فيها عِوَضٌ عَن حَرْفِ النِّداءِ، تَعْظِيماً وتَفْخِيماً، كما مرَّ قَرِيباً، ولذلك لا يُوصَفُ، ثُمَّ إنَّهُم قَد يأْتُون بـ "اللهم" قبل الاسْتِثناء، إذا كان الاستِثناء نادِراً غريباً، كأنَّهم لِنُدُورِهِ اسْتَظْهَرُوا باللَّهِ في إثباتِ وُجُودِهِ، وهُو كثيرٌ في كلامِ الفصَحَاءِ. والغَرَضُ أنَّ المُسْتَثْنَى مُسْتَعَانٌ باللَّهِ تعالى في تَحْقِيقِه تَنبيهاً على نُدْرَتِه وأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالاسْتِثْنَاءِ إلاَّ بعدَ التَّفْويضِ للَّهِ تعالى.

لَيْسَ غَيْرُ وليس إلاَّ

معجم القواعد العربية

إذا وَقَعَ بعد "لَيْسَ" "غير" وعُلِم المضافُ إليه جاز ذكْرُه، نحو "أخَذْتُ عَشْرَةَ كُتُب ليسَ غَيْرُها" (برفع غيرها اسماً والخبر محذوف أي ليس غيرها مأخوذاً، أو بالنصب على حذف الاسم أي ليس المأخوذ غيرها) ، وجاز حَذْفُهُ لَفظاً، فَيُضَم بغَيرِ تَنْوين فتقول: "دَعَوْتُ ثَلاَثَةً ليس غيرُ" على أَنَّها ضَمَّةُ بناء لأنها كـ "قَبْلُ" في الإبهام، فهي اسم ليسَ أو خبرها،
ومثلُها: لَيْسَ إلاَّ - كما يقول سيبويه - كأنَّه يقول: ليسَ إلاَّ ذاك، ولكنهم حَذَفُوا ذَاك تَخْفِيفاً واكتِفَاءً بعِلْم المُخَاطَب، وكِلاَهُما مَحْذوفُ الخَبَر، التَّقدير: ليسَ إلاَّ ذاكَ حَاضِراً.

إذا التقى الجيشان فيحرم الفرار من الزحف إلا في حالتين

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* إذا التقى الجيشان فيحرم الفرار من الزحف إلا في حالتين:
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال/15 - 16).
قولهم (لا أعلم - أو لا نعلم - إلا خيراً) من ألفاظ التعديل عند علماء الجرح والتعديل ، وإن اختُلف في تعيين مرتبتها ، والظاهر أنها تعني في الأصل التوثيق المطلق ؛ ومما يرفع من مكانة هذه الكلمة أن رسول الله ﷺ قالها في زوجه عائشة وفي صفوان بن المعطل ، وقالها أسامة بن زيد ، وأم المؤمنين زينب بنت جحش في عائشة أيضاً ، رضي الله عنهم جميعاً(1).
قال عبد الله بن يوسف الجديع في (التحرير) (1/576-578 ): (أما عبارة " لا أعلم به بأساً " ، فهذه وقعت في كلام أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة ، منهم: صالح بن نبهان مولى التوأمة قبل أن يختلط ، وعبد الله بن شريك ، والمختار بن فلفل ، وداود بن صالح التمار، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وعمير بن سعيد النخعي ، وقيس بن طلق ؛ ولم يقلها في راو من هؤلاء إلا وهو إما ثقة وإما صدوق ، ليس فيهم من ينزل عن ذلك.
وشبيه به استعمال من جرت في قوله من سواه من النقاد ، كالذهبي من المتأخرين ، فإنه يقولها في رواة من المستورين أو من فوقهم.
ولو جاريتَ مجردَ دلالة اللفظ اللغوية ، لوجدت بينها وبين " لا بأس به " فرقاً ، وذلك شبيه بما حدث به عبد الله بن عون ، قال: قال ابن سيرين لرجل في شيء سأله عنه: " لا أعلم به بأساً " ، ثم قال له: " إني لم أقل لك: لا بأس به ، إنما قلت: لا أعلم به بأساً ".
قلت: لكن حين تبين لنا المراد بالتعديل بها في حق النقلة ، وعلمنا أن الناقد قد عنى التعديل ، لم يؤثر ما للفظ اللغوي من دلالة.
وأرى مثْلَها قولَ أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة: " لا أعلم إلا خيراً " ، فقد تتبعتها فوجدته لا يكاد يقولها إلا في ثقة أو صدوق ، وندر منه قولها في مجروح ينزل عن درجة الاعتبار ؛ وذلك كالذي نقل الميموني عن أحمد في الحكم بن عطية قال: " لا أعلم إلا خيراً " ، فقال له رجل: حدثني فلان عنه عن ثابت عن أنس ، قال: كان مهر أم سلمة متاعاً قيمته عشرة دراهم ، فأقبل أبو عبد الله يتعجب ، وقال: " هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون ، إنما كانوا يحفظون ، ونسبوا إلى الوهم ، أحدهم يسمع الشيء فيتوهم فيه "(2)
.
وكان أحمد بعد ذلك إذا سُئل عنه لينه ، كما قال له المرُّوذي: الحكم بن عطية ، كيف هو ؟ قال: البصري ؟ قلت: نعم ، الذي روى عن ثابت ، قال: " كان عندي ليس به بأس ، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير " وكأنه ضعفه(3).
قلت: وفي هذا من الفائدة دلالة على أنه قوله في الراوي: " لا أعلم إلا خيراً " تعديل يساوي قوله "ليس به بأس".
أما عن غير أحمد من سائر النقاد ، فندر استعمال هذه اللفظة [يعني: لا أعلم إلا خيراً] في كلامهم ).
(4) تهذيب التهذيب (1/468).
(5) العلل ، رواية المروذي (6).
__________
(1) ينظر (صحيح مسلم) / كتاب التوبة / باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف / حديث 56 ص 2133-2134 و2136.

لا أعلمه يُروى إلا من هذا الوجه

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

قال بعض الفضلاء المشاركين في (ملتقى أهل الحديث) وهو الشيخ سعيد بن محمد المري في مشاركة له كتبها في موضوع في الملتقى عنوانه (معنى قول حفاظ الحديث: لا يُعرف إلا من هذا الطريق):
(فقد كنت كتبت بُحيثاً في منهج البزار أيام الدراسة في الجامعة الأردنية، فوجدت حيث رأيت هذا الموضوع الذي طرحه الشيخ عبد الرحمن الفقيه أنه من المناسب أن أذكر مقطعاً من البحث لمناسبته للمقام دون التصرف فيه، علماً بأن كلام الأخوة حول الموضوع بصفة عامة يبعث على التفاؤل بإدراكنا أهل هذا العصر بعض ما عليه القوم----.
ما يستفاد من تنصيص البزار على التفردات:
الفائدة الأولى:
يستفاد من قوله: (لا أعلمه يروى إلا من هذا الوجه، أو إلا عن فلان، أو تفرد به فلان)
ونحو ذلك من العبارات عدمُ صحة ذلك الحديث في الغالب من طريق متابع للطريق التي ذكرها البزار، بحيث يكون ذلك الطريق دالاً على عدم صحة كلام البزار المتقدم، وإثبات مثل تلك المتابعة لا يكون بأي طريق وجدناه، بل لابد من التيقن من صحة تلك الطريق المتابعة وكونها تامةً، لأن البزار وغيره من الأئمة يقولون مثلاً: (لا نعلمه يروى عن فلان إلا من هذا الوجه)، وهم يريدون أنهم لا يعلمونه عن ذلك الراوي بوجه صالح، متصل، ولا ينفون علمهم بوجوده عنه بوجهٍ غير صالح، أو منقطعٍ، من ذلك أن الترمذي روى حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن بيع الولاء، ثم قال: "حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر…وقد روى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر…وهو وهم" ، فهذا الترمذي ينفي معرفته الحديثَ عن غير عبد الله بن دينار، مع علمه بوجوده عن نافع، إلا أنه لم يعتبر رواية نافع لكونها وهم من يحيى بن سليم، ومن ذلك ما يفعله البزار نفسه في مسنده في بعض الأحيان، حيث يروي حديثاً من أكثر من طريق ثم ينفي علمه إلا ببعضها، مثال ذلك:
فصل:
1- أن البزار روى حديثاً عن عمر من طريق المنهال بن بحر عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ثم قال: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه وحديث المنهال بن بحر عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر إنما يرويه الحفاظ الثقات عن هشام عن يحيى عن زيد بن أسلم عن عمر مرسلاً، وإنما يعرف هذا الحديث من حديث محمد بن أبي حميد ومحمد رجل من أهل المدينة، ليس بقوي، قد حدث عنه جماعة ثقات واحتملوا حديثه".
قال مقيده عفا الله عنه: فهذا البزار ينفي علمه بوجود وجهٍ غير ما ذكره لهذا الحديث عن عمر ثم هو يثبت طريقين آخرين عنه، وإنما لم يعتبر الطريق الأول لأنه منقطع، فإن زيد ابن أسلم لم يسمع من عمر، ولم يعتبر الثاني لأنه غير صالحٍ، فهو ينفي وجود طريق متصل صالح في الظاهر غير الذي ذكره، ومع ذلك فهو يضعف ذلك الطريق الذي ذكره، ويخطيء راويه المنهال بأمرين؛ الأول: أن الحفاظ يروونه عن يحيى مرسلاً، والثاني: أن الحديث إنما يعرف متصلاً من رواية رجل من طبقة يحيى بن أبي كثير، أعني محمد بن أبي حميد، وقد استغرب الحديث عليه، ومحمد بن أبي حميد ضعيف ، وشهرة الحديث عن ضعيف، وغرابته عن ثقة أو إمام كيحيى من القرائن القوية على عدم صحته عن ذلك الثقة، ولذلك أعله العقيلي بما أعله به البزار فقال: "وهذا الحديث إنما يعرف بمحمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم وليس بمحفوظ من حديث يحيى بن أبي كثير ولا يتابع منهالاً عليه أحد".
2- أن البزار روى في مسنده أربعة أحاديث كلها من طريق أبي العالية عن ابن عباس عن عمر، ثم قال عقب الأخير منها: "ولم يرو أبو العالية عن ابن عباس عن عمر إلا هذا الحديث" ، يعني بذلك الحديث الأول ؛ وهذا لا ينبغي حمله إلا على أنه لم يعد تلك الأحاديث محفوظة عن أبي العالية، إلا أن المحقق مع ذلك قد تعقبه بشيءٍ ليس خافياً عليه وهو تلك الأحاديث الثلاثة التي رواها، وإذا أردنا البحث في حال تلك الأحاديث الثلاثة التي لم يعتبرها البزار وجدناها غير محفوظةٍ عن أبي العالية، فهي لا تعدو أخطاءً من قبل رواتها، وإليك بيان ذلك:
فصل:الحديث الأول: قال البزار: "حدثنا محمد بن المثنى قال نا محمد بن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس، وحدثنا الحسن بن عرفة قال نا هشيم قال أنا منصور بن زاذان عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس قال شهد عندي رجال مرضيون فيهم عمر وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس" ثم قال: "وهذا الحديث قد رواه عن قتادة سعيد وشعبة وهشام وهمام وأبان ومنصور بن زاذان كل هؤلاء ذكره فاجتزينا بمن ذكرنا".
قال مقيده عفا الله عنه: كأن البزار بهذا التعقيب يريد أن يبين أن الحديث محفوظ عن قتادة، وقتادة تابعي جليل وأفراد التابعين مقبولة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ولذلك روى هذا الحديث الجماعة.
الحديث الثاني: قال البزار: "حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثني أبي قال نا هشيم وهمام عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن عمر (أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر)"، ثم قال: "ولا نعلم يروى هذا الحديث عن ابن عباس عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد روي عن علي وعن أبي سعيد وعن أبي هريرة وعن أنس وعن غيرهم أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر".
قال مقيده عفا الله عنه: ظني أن البزار رحمة الله عليه اعتبر هذا الحديث غير محفوظ مع صحة إسناده في الظاهر لقرائن كثيرة، منها؛
القرينة الأولى: أن هذا الحديث غريب يدل عليه قول البزار المتقدم، كما أن هذا لم يخرجه أحدٌ من الأئمة عن هشيم أو همام، ولا عن قتادة، ولا عن أبي العالية ولا عن ابن عباس، وهذا يدل على شدة غرابته، لأن التفرد عن مثل هؤلاء من الصعوبة بمكان، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
القرينة الثانية: أن الحديث مشهور من رواية أبي عبيد مولى ابن أزهر عن عمر أخرجه الأئمة من طريقه، ولو كان الحديث عند ابن عباس عن عمر لما تخلف أحد عن إخراجه لجلالة ابن عباس.
القرينة الثالثة: أنه لا يعرف لأبي العالية عن ابن عباس عن عمر إلا الحديث المتقدم في النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب.
الحديث الثالث: قال البزار: "حدثنا يحيى بن محمد بن السكن قال نا حبان بن هلال وأملاه علينا من كتابه عن همام عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن عمر (أن النبي ﷺ قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد الأقصى)، ثم قال: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه من هذا الإسناد، وهو خطأ أتى خطؤه من حبان لأن هذا الحديث إنما يرويه همام وغيره عن قتادة عن قزعة عن أبي سعيد".
قال مقيده عفا الله عنه: هذا الحديث واضح خطؤه، لمخالفة حبان لأصحاب همام وقتادة، ولبعض القرائن التي ستذكر في الحديث التالي.
الحديث الرابع: قال البزار: "
حدثنا أحمد بن المعلى الأدمي والجراح بن مخلد قالا نا خالد بن يزيد بن مسلم قال نا البراء بن يزيد الغنوي عن الحسن بن أبي الحسن قال حدثني أبو العالية الرياحي قال حدثني ابن عباس عن عمر بن الخطاب (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس أو تشرق وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وقال لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)"، ثم قال: "وهذا الحديث قد روى بعضه قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن عمر وهو أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر ـ وقد تقدمت روايته له ـ وأما لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر فلم يروه إلا البراء عن الحسن عن أبي العالية عن ابن عباس عن عمر، ولا نعلم أسند الحسن عن أبي العالية حديثاً إلا هذا الحديث، ولم يروه عنه إلا خالد بن يزيد، ولم يرو أبو العالية عن ابن عباس عن عمر إلا هذا الحديث ـ يعني الحديث الأول الذي هو جزءٌ من هذا الحديث ـ والبراء بن يزيد ليس بالقوي وقد احتمل حديثه وروى عنه جماعة".
قال مقيده عفا الله عنه: واضح من كلام البزار أنه لا يعتبر هذه الرواية صحيحة، لأنه ذكر عدداً من القرائن تدل على غلطها، وهي؛
القرينة الأولى: تفرد البراء بها عن الحسن البصري، والبراء ليس ممن يحتمل تفرده لاسيما عن مثل الحسن.
القرينة الثانية: تفرد خالد بن يزيد عن البراء بذلك، والتفرد إذا استمر من طبقة إلى طبقةٍ أحدث ذلك مزيد شكٍ عند الناقد.
القرينة الثالثة: أن الحسن لا تعرف له رواية عن أبي العالية وهذا مما يقوي جانب الخطإ فيمن تفرد بالرواية عنه.
القرينة الثالثة: أن أبا العالية لا يعرف له عن ابن عباس عن عمر إلا حديثاً واحداً، وهو الحديث الأول بدون زيادة).
وانظر (التفرد).

لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

قال ابن حبان في (المجروحين) (2/297) في محمد بن أيوب: (شيخ يضع الحديث على مالك---- ، لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً) ؛ وهي بمعنى العبارة التي بعدها ، فانظرها.

لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

هذه الكلمة يقولها ابن حبان في الوضاعين والمتهمين والساقطين ، أي في الرواة الذين لا يعتبر بهم ولا يستشهد بهم، فمراده هنا بالاعتبار التأمل والتدبر والنظر في بقية الإسناد وبقية طرق ذلك المتن لتعرف أحوال الرواة ؛ فلا يتوهمنَّ أحدٌ أن مراد ابن حبان بهذه العبارة أن الموصوف بها يكتب حديثه ليعتبر به، أي ليستشهد به(1) ؛ قال ابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) (2/170) (2): (عثمان بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أبو عمرو الأموي القرشي يروي عن مالك والليث بن سعد ، قال الأزدي: لا يُحتج بحديثه ، وقال ابن عدي: حدث بمناكير عن الثقات وله أحاديث موضوعات ، وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً).
__________
(1) انظر (يُكتب حديثه للاعتبار وينظر فيه).
لقد وُصف عدد من المحدثين بأنهم لا يروون عن الضعفاء أو بأنهم لا يروون إلا عن ثقة أو بأن شيوخهم ثقات أو أقوياء أو بنحو ذلك من العبارات.
وهذا جزء كنتُ كتبته فيمن وُصف بذلك وأقدم بين يدي ذكرهم ومناقشة ما ادي من ذلك في حقهم: طائفةً من أحكام هذه المسألة وبعض تفاصيلها(1).
1- ثبت عندي بالاستقراء الكافي أنه لا يصح الاعتماد على قول ناقد في راو غير صحابي انه لا يروي إلا عن ثقة لتوثيق جميع شيوخه توثيقاً تاماً(2). ومن استثنى أحداً من المحدثين لم يصب.
2- إن كون راو من الرواة لا يروي إلا عن ثقة إنما يكون ذلك على سبيل التغليب والظن الراجح، فلا يمنع أن يوجد بين شيوخه من هو ضعيف أو متروك أو مجهول.
3- إذا قال الناقد في راو أنه لا يروي إلا عن ثقة فإن كلامه هذا فيه من جهة تعيين الحاكم بالتوثيق ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون الحاكم بتوثيق شيوخ ذلك الراوي هو الراوي نفسه فيصرح أنه لا يروي إلا عن ثقة عنده.
الثاني: أن يكون الحاكم بتوثيق شيوخ ذلك الراوي هو ذلك الناقد نفسه؛ فيكون معنى عبارته أن ذلك الراوي لا يروي إلا عن ثقة عند ذلك الناقد.
الثالث: أن يكون الحاكم بالتوثيق ناقداً آخر ثم تبعه هذا الناقد؛ وهذا كما لو صرح الخطيب البغدادي مثلاً بأن يحيى القطان لا يروي إلا عن ثقة وهو تابع في هذا القول لأحمد بن حنبل مثلاً ومقلد له فيه فيكون معنى كلامه أن يحيى القطان لا يروي إلا عن ثقة عند الإمام أحمد.
ومعلوم أنه لا يلزم من توثيق ناقد لراو أن يكون ثقة عند غيره أيضاً.
وعلى الاحتمال الأول فإن من ينفرد بالرواية عنه من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة فإن ذلك التوثيق لا يقبل لأنه في أحسن أحواله بمثابة قوله (حدثني الثقة)؛ لكن قوله (حدثني الثقة) فيه تصريح بتوثيق شيخه في تلك الرواية، وأما قوله (حدثني فلان بن فلان) أي يسمس شيخه فأعلى وذلك من جهة كونه مجهولاً عندنا لا ضعيفاً وأخفض من جهة احتمال أن تلك القاعدة أغلبية فيها تساهل في مرتبة التوثيق وفيها تساهل حتى في بعض الضعفاء أحياناً، ففيها استثناءان اثنان.
4- إذا صرح راو أو ناقد في راو: بأنه لا يروي إلا عن ثقة؛ فكلمة ثقة تحتمل هنا أن يراد بها العدل الضابط التام الضبط، وتحتمل أن يراد بها كل مقبول في الجملة فتشمل مع رواة الأحاديث الصحيحة رواة الأحاديث الحسنة ومن قاربهم. وهذا هو الغالب من معنى هذه العبارة، أعني قولهم فلان لا يروي إلا عن ثقة.
قال المعلمي في (التنكيل) (ص586-587): « إن قول المحدث (رواه جماعة ثقات حفاظ) ثم يعدهم - لا يقتضي أن يكون كل من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده لقال (ثقة حافظ) 0000
ونحو هذا قول المحدث (شيوخي كلهم ثقات) أو (شيوخ فلان كلهم ثقات) فلا يلزم من هذا أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الاطلاق (هو ثقة)؛ وانما ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم (ثقات) فاللازم أنه ثقة في الجملة أي له حظ من الثقة.
وقد تقدم في القواعد أنهم ربما يتجوزون في كلمة (ثقة) فيطلقونها على من هو صالح في دينه وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك.
وهكذا قد يذكرون الرجل في جملة من أطلقوا أنهم ضعفاء وإنما اللازم أن له حظاً من الضعف كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيراً من الثقات الذين تكلم فيهم أيسر كلام »
.
5- اذا صرح الراوي بأنه لا يروي إلا عن ثقة فإن هذا القول منه يحمل على الأعم الأغلب فإنه قد يروي أحياناً عن بعض من يحتاج إلى الرواية عنه من الضعفاء(3)
وقد يغفل أحياناً عن شرطه، وقد يتساهل فيروي عن الضعيف ما هو عال عنده أو ما هو ثابت عنده من غير طريقه، وقد يكون شرطه هذا متأخراً عن بداية تحديثه، كأن يروي عن الثقات وغيرهم مدة من الزمن ثم يبدو له أن لا يروي إلا عن ثقة فيفعل ثم يصرح بشرطه فيقول: أنا لا أروي إلا عن ثقة من غير بيان لما سبق منه من منافاة هذا الشرط. وأيضاً قد يروي عمن يظنه ثقة ثم يتبين له مؤخراً أنه ليس كذلك فيمتنع عن الرواية عنه ولكن لا يبلغنا تصريحه بذلك الامتناع.
والحاصل أن هذه المسائل ونحوها مانعة من اطلاق التوثيق التام وتعميمه وموجبة لحمله على التغليب دون التعميم.
6- اذا روى من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة عمن صرح هو أو غيره بضعفه قدم ذلك التجريح القولي على هذا التعديل الضمني المدعى الا اذا قامت قرينة بينة على ضد ذلك.
قال المعلمي في التنكيل (ص660): « والحكم فيمن روى عنه أحد اولئك المحتاطين أن يبحث عنه فإن وجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبين أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية فلا تكون توثيقاً، وإن وجد أن غيره قد جرحه جرحاً أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجح الجرح، والا فظاهر روايته عنه التوثيق ».
7- اذا جهل الراوي أحد كبار النقاد وروى عنه من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة فالأصح التوقف والنظر إلى أن يحصل الوقوف على بيان ما يستحقه من حكم.
8- إن عدد من قيل أنهم لا يروون إلا عن ثقة قليل جداً بالنسبة لمجموع الرواة فهم لا يتجاوزون مئة بحال من الأحوال؛ قال المعلمي في التنكيل (ص376-377): « بل عامة المحدثين يكتبون عن كل أحد الا أن منهم أفراداً كانوا يتقون أن يرووا إلا عن ثقة، ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة كما مر في ترجمة الامام أحمد من نظره في كتب الواقدي ».
9- إذا ثبت أن الراوي كان لا يروي الا عن المقبولين الأقوياء، فذلك إنما يكون خاصاً بشيوخه لا يتعداهم إلى من فوقهم، فيجب قصر التقوية بتلك الروايات على شيوخه فيها؛ قال المعلمي في التنكيل في ترجمة أبي عبد الرحمن أحمد بن عبد الله (ص320-322): « في باب (الإمام ينهض بالركعتين) من (جامع الترمذي): (قال محمد بن اسماعيل [البخاري]: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه لأنه لا يُدْرَى صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً)؛ والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله: (لا أروي عنه) أي بواسطة، وقوله: (وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً) يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة؛ وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فلأَن لا يروي عنه بلا واسطة أولى، لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة ».
10- قد ادعى جماعة من المتأخرين في جماعة من الرواة بأنهم لا يروون إلا عن ثقة وأطلقوا ذلك مع أنهم قد ثبت أنهم يروون عن الثقة وغيره؛ فينبغي عدم الركون إلى التقليد في هذه الدعاوى الا ما كان منها صادراً من أهل العلم المتثبتين.
11- مما يوجب استثناء بعض شيوخ الراوي الموصوف بأنه لا يروي إلا عن ثقة أن نجد ذلك الشيخ مكثراً والقرائن قائمة على تمكن ذلك الراوي من الاكثار عنه ثم نجده يقتصر فيما يرويه عنه على أخبار يسيرة في الترغيب والترهيب ونحوهما أو يقل عنه جداً فيما عدا ذلك بشرط أن لا يتضح أن له في ذلك الاقلال عذراً غير ضعف ذلك الشيخ مسوغاً لاقلاله عنه.
فمن اشتهر عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة، وروى عن رجل مكثرٍ تكرر لقاؤه به وسماعه منه، حديثاً واحداً فإن الأصل في مثل هذه الحالة أن هذه الرواية تُقَويه تقويةً ناقصة غير معتمد عليها، فإنه يحتمل أنه لم يرو عنه ذلك الحديث لثقته عنده وإنما رواه لصحته عنده وثبوته من طريق أو طرق اخرى، أو لاشتهاره بالضعف، أو لرجائه أن يكون ثقة ولكنه خشي أن لا يكون كذلك فلم يكثر عنه، أو لأنه صدوق في نفسه وإن كان كثير الغلط فيما يرويه، أو لأن الحديث في فضائل الأعمال ونحوها مما جرت عادة كثير من المحدثين بالتساهل فيه، أو لأنه قوي في ذلك الشيخ لا مطلقاً، أو لأنه بين حاله ثم روى عنه ذلك الحديث الواحد على سبيل التعجب ونحوه أو رواه في المذاكرة، أو أنه لم يروه أصلاً وإنما أخطأ عليه بعض من دونه في السند.
والحاصل أن رواية حديث واحد عن رجل مضعف أو مجهول الحال أو فيه جهالة، من قبل محدث موصوف بأنه لا يروي إلا عن ثقة لا يكون مؤداها كمؤدى روايته أحاديث كثيرة عنه. والله أعلم.
12- إذا انفرد واحد من العلماء بتوثيق شيخ لشعبة مثلاً، وكان ذلك العالم قد صرح في مكان آخر بأن شعبة لا يروي إلا عن ثقة، فإن الأصح أن لا يعتد بذلك التوثيق اعتداداً كاملاً لقوة الاحتمال في أن يكون بنى هذا التوثيق على تلك القاعدة، وقد تقدم ما فيها.
13- إذا قال بعض النقاد في بعض الرواة: (ثقة، روى عنه مالك)، فهذه العبارة تشعر بأن مستند قائلها في توثيق من قالها فيه إنما هو رواية مالك عنه، ويزداد هذا الاحتمال قوة إذا كان لذلك الراوي تلامذة آخرون غير مالك، أو إذا لينه أو تكلم فيه بعض المحدثين أو إذا كان قائل هذه العبارة قد صرح بأن مالكاً لا يروي إلا عن ثقة؛ قال السيوطي في إسعاف المبطأ ص4: « قال ابو سعيد الأعرابي: كان يحيى بن معين يوثق الرجل لرواية مالك عنه، سئل عن غير واحد فقال: ثقة روى عنه مالك ».
14- من أوصى غيره بأن لا يأخذ الحديث إلا عن ثقة فهل تدل هذه الوصية على أن هذا الموصِي كان ممن لا يروي إلا عن ثقة ؟
الأرجح أنه لا يعد من هذا الضرب، ولا سيما إذا علمنا أن الوصية كانت في أواخر عمره أو دلت القرائن على ذلك، أو وجدنا الوصية محتملة أن يكون معناها: لا تقبلوا الحديث إلا عن ثقة أي لا تعملوا به وتحتجوا به الا إذا كان صحيحاً من رواية الثقات.
مثال ذلك: قول حمزة السهمي في تاريخ جرجان (ص485): « هود بن عبد الله الأنماطي جرجاني، وجدت في كتاب عمي أسهم بن إبراهيم السهمي حدثنا أبو العباس بن مملك حدثني هود بن عبد الله الأنماطي حدثني علي بن عبد الله وليس بالمديني عن الأصمعي عن قيس بن حكيم قال: قلت لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين: ما العقل؟ قال: حسن الرفق وترك العجلة وأن لا يحقر [كذا] المرء كلما ولج سمعه حتى يصححه وأن لا يحدث الرجل إلا عن ثقة».
ويدخل في هذا الباب نحو قول من قال: « لا ينبغي أن يحدث عن رسول الله ﷺ إلا الثقات »؛ ويلتحق به نحو قول عبد الله بن المبارك « لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه ».
15- من فوائد تصريحهم في الراوي بأنه لا يروي إلا عن ثقة إذا كان ذلك التصريح مقبولاً ولو في الجملة: أنه إذا كان في طبقة شيوخه شيخان يشتركان في الاسم والنسب وتجيء رواية له عن أحدهما مهملاً أي من غير بيان دال على تعيينه، وكان أحدهما عدلاً والآخر فاسقاً أو أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً كان ظاهر الحال أن المراد هو العدل أو الثقة دون صاحبه.
16- قال الذهبي في الموقظة (ص40): « فصل: ومن الثقات الذين لم يخرَّج لهم في الصحيحين خلق: منهم من صحح لهم الترمذي، وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي وابن حبان وغيرهما، ثم من لم يضعفهم أحد، واحتج هؤلاء المصنفون بروايتهم، وقد قيل في بعضهم: فلان ثقة، فلان صدوق، فلان لا بأس به، فلان ليس به بأس، فلان محله الصدق، فلان شيخ، فلان مستور، فلان روى عنه شعبة أو مالك أو يحيى وأمثال ذلك، كفلان حسن الحديث، فلان صالح الحديث، فلان صدوق إن شاء الله، فهذه العبارات كلها جيدة ليست مضعفة لحال الشيخ، نعم ولا مرقية لحديثه إلى درجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكنْ كثير ممن ذكرنا متجاذَب بين الاحتجاج به وعدمه ».
17- من كان لا يروي إلا عن ثقة فلا يلزم من ذلك أنه لا يكتب إلا عن ثقة، لأن هؤلاء المحتاطين كانوا يكتبون من أجل الاحتجاج أو الاستشهاد أو الاعتبار أو التفتيش، أو لعدم معرفة حال الراوي مع قيام الاحتمال عندهم على أن يتبين بعد النظر والسؤال أنه ثقة أو صدوق أو ممن يكتب حديثه عندهم.
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (1/381): « وذكر العقيلي بإسناد له عن الثوري قال: إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: أسمع الحديث من الرجل وأتخذه ديناً، وأسمع الحديث من الرجل أوقف حديثه، وأسمع الحديث من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته ».
18- بعض من كان لا يروي إلا عن ثقة كان ربما روى حديثاً واحداً أو شيئاً يسيراً من الأخبار الموقوفة ونحوها عن بعض الضعفاء الذين عرف ضعفهم واشتهر كلام الناس فيهم؛ قال الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص89-90): « إن الغالب على طريقة شعبة الرواية عن الثقات، وقد يروي عن جماعة من الضعفاء الذين اشتهر جرحهم والكلام فيهم الكلمة والشيء والحديث وأكثر من ذلك ». وانظر ترجمة شعبة من هذا الفصل.
19- من كان من النقاد متشدداً فليس في تشدده دلالة على أنه لا يروي إلا عن ثقة، وقد توهم ذلك بعض من تكلم في هذا الموضوع وهو استدلال غريب لا وجه له.
20- رواية الثقة أو الثقات عن رجل ليس تعديلاً له، ومن ادعى أنها تعديل فقد أخطأ خطأً بيناً بعيداً.
وربما استدل بعضهم بنحو قول ابن ابي حاتم في الجرح والتعديل (1/1/36): « سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة [أي لم يثبت انه ثقة] مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفاً بالضعف لم تقوه روايته عنه، واذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه ».
وقال ابن أبي حاتم هناك أيضاً: « سألت ابا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: إي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري! قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه».
وأقول: لا يستقيم حمل هذا الكلام على ظاهره فلم يزل الائمة ومنهم الرازيان يجهلون الرواة الذين لا يعرفون بضعف ولا قوة ولو روى عنهم جمع من الرواة؛ قال السخاوي في فتح المغيث (1/319-320) بعد كلام له: «على ان قول ابي حاتم في الرجل انه مجهول لا يريد به انه لم يرو عنه سوى واحد، بدليل انه قال في داود بن يزيد الثقفي(مجهول) مع انه قد روى عنه جماعة، ولذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك ان الرجل قد يكون مجهولا عند ابي حاتم ولو روى عنه جماعة ثقات، يعني انه مجهول الحال، وقد قال في عبد الرحيم بن كرم بعد ان عرَّفه برواية جماعة عنه انه مجهول، ونحوه قوله في زياد بن جارية التميمي الدمشقي: [شيخ مجهول] مع انه قيل في زياد هذا انه صحابي».
وقد قال أبو حاتم: (مجهول) في راو روى عنه تسعة ووثقه ابن معين، انظر ترجمته في (التحرير) (2/125)، وانظر أيضاً (التحرير) (3/10-11 و 45 و 310 و 315 و 336) وترجمة عيسى بن أبي رزين منه. وانظر تراجم احمد بن عاصم البلخي وبيان بن عمرو والحسين بن الحسن بن بشار والحكم بن عبد الله وعباس بن الحسين القنطري ومحمد بن الحكم المروزي في الفصل التاسع من (مقدمة الفتح)، وانظر (الجرح والتعديل) (1/2/527) و(تهذيب التهذيب) (2/255) ونكت ابن حجر (1/426).
وخلاصة الكلام وغايته أن كلمتي أبي حاتم وأبي زرعة لا تحملان على إطلاقهما، فلعلهما أرادا برواية الثقات رواية الأئمة النقاد أو رواية متثبتي الرواة ولعلهما كانا مع ذلك يشترطان في الرجل شروطاً مثل أن لا يغرب او يتفرد بما لا يحتمله شأنه ونحو ذلك.
وسواء صح هذا او لم يصح، فإن الصحيح الذي أقطع به هو أن كلام الرازيين هذا من المتشابه الذي ينبغي أن يرد الى المحكم المعروف الذي جرى عليه عملهما في كلامهما في الرواة، وما أكثره، ويؤيده أيضاً ما جرى عليه عمل المحققين من المحدثين، والله أعلم.
والآن أبدأ بذكر التراجم فدونكها:
ابراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الرازي
قال البرذعي في أسئلته لأبي زرعة زرعة الرازي (ص528): « وقال لي أبو زرعة في ابراهيم بن موسى: لم يكن في كتبه من الضعفاء(4) إلا رجلين: عبد العزيز بن أبان وأبو قتادة الحراني، ثم قال: كأنه قد جمع له الثقات ».
قلت: هذا مع كثرة ما في كتبه من الحديث، فقد قال المزي في تهذيب الكمال 2/220: « وقال صالح بن محمد الحافظ سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث ».
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/1/137): « سمعت أبا زرعة يقول: ابراهيم بن موسى أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة وأصح حديثاً منه، لا يحدث إلا من كتابه، لا أعلم أني كتبت عنه خمسين حديثا من حفظه ».
أقول: مقتضى هذه النقول الثلاثة أن ابراهيم بن موسى الرازي كان لا يكاد يحدث إلا عن ثقة، ولما كان أبو زرعة عارفاً به وهو معتدل في نقده فإني لا أستبعد أن يكون ابراهيم هذا من أولى المحدثين بأن يوصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة، ولعله أولى بذلك ممن اشتهروا به كمالك وشعبة ويحيى بن سعيد القطان.
إبراهيم بن يزيد النخعي
قال ابن عبد البر في التمهيد (1/30): « وأما الإرسال فكل من عرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك لم يحتج بما أرسله ، تابعياً كان أو من دونه، وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول ، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح ، وقالوا: مراسيل عطاء والحسن لا يحتج بها لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد ، وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية ».
أحمد بن حنبل
قال الحافظ أبو موسى المديني في (خصائص المسند) (ص21) بعد أن ذكر حديثاً ضرب عليه الإمام أحمد: « قد روى لابنه الحديث لكنه ضرب عليه في المسند لأنه أراد أن لا يكون في المسند إلا الثقات ويروي في غير المسند عمن ليس بذاك.
ذكر أبو العز بن كادس أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه ما تقول في حديث ربعي عن حذيفة ؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد ؟ قلت: يصح ؟ قال: لا الأحاديث بخلافه وقد رواه الخياط عن ربعي عن رجل لم يسموه؛ قال: قلت له: فقد ذكرته في "المسند"! ، فقال: قصدت في "المسند" الحديث المشهور ، وتركت الناس تحت ستر الله تعالى، ولو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه.
قال الشيخ الحافظ [أبو موسى]: وهذا ما أظنه يصح لأنه كلام متناقض لأنه يقول: لست أخالف ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو يقول في هذا الحديث بخلافه، وإن صح فلعله كان أولاً ثم أخرج منه ما ضعف لأني طلبته في المسند فلم أجده »
.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/80) في ثابت بن الوليد: « روى عنه أحمد وشيوخه ثقات ».
وقال فيه أيضاً (5/122): « ويقال مشايخ أحمد كلهم ثقات ».
وقال السبكي في (شفاء السقام) (ص10): « وأحمد رحمه الله لم يكن يروي إلا عن ثقة، وقد صرح الخصم بذلك(5) في الكتاب الذي صنفه في الرد على البكري ---- قال: إن القائلين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان ، منهم من لم يرو إلا عن ثقة عنده كمالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وكذلك البخاري وأمثاله ».
ولما قال المعلمي في (طليعة التنكيل) (ص23) في بعض الرواة: « ورواية الإمام أحمد عنه توثيق ، لما عرف من توقي أحمد » ، تعقبه الكوثري في (الترحيب) (ص320) فقال: « وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة ، رأي مبتكر وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة » ؛ فقال المعلمي في (التنكيل) (ص659-660): « وكون أحمد لا يروي إلا عن ثقة لم أقله ، وإنما قلت: ورواية الامام أحمد عنه توثيق ، لما عرف من توقي أحمد؛ ومع ذلك فقد نص ابن تيمية والسبكي في "شفاء السقام" على [أن] أحمد لا يروي إلا عن ثقة، وفي "تعجيل المنفعة " (ص15 و 19) وغيرهما ما حاصله أن عبد الله بن أحمد كان لا يكتب في حياة أبيه إلا عمن أذن له أبوه، وكان أبوه لا يأذن له بالكتابة إلا من(6) الثقات، ولم يكن أحمد ليترخص لنفسه ويشدد على ابنه ».
ثم أتم المعلمي ذلك المبحث بكلام نفيس جداً فانظره هناك.
وقال الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص18-19): « فإن قيل: قد روى الإمام أحمد بن حنبل عن موسى بن هلال وهو لا يروي إلا عن ثقة ، فالجواب أن يقال: رواية الإمام أحمد عن الثقات هو الغالب من فعله والأكثر من عمله كما هو المعروف من طريقة شعبة ومالك وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم ، وقد يروي الإمام أحمد قليلاً في بعض الأحيان عن جماعة نُسبوا إلى الضعف وقلة الضبط، وذلك على وجه الاعتبار والاستشهاد لا على طريق الاجتهاد(7) ، مثل روايته عن عامر بن صالح الزبيري و----(8) ونحوهم ممن اشتهر الكلام فيه ، وهكذا روايته عن موسى بن هلال إن صحت روايته عنه ».
وقال الحافظ ابن رجب في (شرح علل الترمذي) (1/371): « وقد رخص كثير من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها عن الضعفاء، منهم ابن مهدي وأحمد بن حنبل ----».
وانظر (النكت) لابن حجر (2/888) و(الكفاية) للخطيب (ص134).
وقال ابن حجر في (التقريب) في علي بن مجاهد بن مسلم: « متروك، وليس في شيوخ أحمد أضعف منه».
وقال عبد الله بن أحمد كما في (الضعفاء) للعقيلي ( 1/ 174 ): (سألت أبي عن ثابت بن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم ؟ فقال: روى عنه ابن أبي عروبة ، وحدثنا عنه معمر ، له أحاديث مناكير.
قلت له: تحدث عنه ؟ قال: نعم , قلت: أهو ضعيف ؟ قال: أنا أحدث عنه.
وقال ابن هانئ في (مسائله عن الإمام أحمد)
(2/238) (9): (قيل له: يحدث الرجلُ عن الضعفاء ، مثل عمرو بن مرزوق ، وعمرو بن حكام ، ومحمد بن معاوية ، وعلي بن الجعد ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ؟ قال أبو عبدالله: (لا يعجبني أن يحدث عن بعضهم ).
وانظر ما يأتي في حق أحمد في ترجمة علي بن المديني وما يأتي من كلام ابن رجب في ترجمة أبي زرعة الرازي.
إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي
قال ابن حجر في (التهذيب) (1/291) في ترجمته: « وقال العجلي: كان ثبتاً في الحديث وربما أرسل الشيء عن الشعبي ، وإذا وقف أخبر، وكان صاحب سنة، وكان حديثه نحو خمسمئة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة ».
وكلام العجلي هذا ورد في كتابه (الثقات) (1/224-225) ولكن دون لفظة (وكان لا يروي إلا عن ثقة)، والظاهر أنها من كلام العجلي لا من كلام ابن حجر نفسه، فإن كانت من كلام العجلي فلعل عدم ورودها في مطبوعة كتابه لا يقدح في ثبوتها عنه لأن ابن حجر معروف عنه تثبته فيما يحكيه عن غيره من العلماء، ولكن الذي لعله يمنع من الاعتماد عليها هو أن العجلي يتساهل كثيراً في توثيق القدماء ولا سيما التابعين وإسماعيل تابعي جل روايته عن كبارهم. وأيضاً روى ابن أبي حاتم في (المراسيل) (ص5) وابن أبي خيثمة في (تاريخه) - كما في (تهذيب التهذيب) (1/219) - عن يحيى بن سعيد قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء » ؛ زاد ابن أبي حاتم في روايته: « ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي ».
وذكر في الجرح والتعديل (3/2/130) قول أبيه في قرة العجلي: « مجهول لا أعلم روى عنه غير إسماعيل بن أبي خالد ».
وبهذه المسائل الثلاث وغيرها يتبين ضعف القول بأن اسماعيل بن أبي خالد لا يروي إلا عن ثقة.
أيوب السختياني
قال أبو داود في (مسائله) للإمام أحمد (ص210): « قلت لأحمد: أبو يزيد المدني ؟ قال: أي شيء يسأل عن رجل روى عنه أيوب ؟! ». وانظر (تحرير التقريب 4/297).
بقي بن مخلد
نقل أحمد بن يحيى الضبّي في (بغية الملتمس) (ص230) عن ابن حزم قال: « فمن مصنفات أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد: كتابه في تفسير القرآن، فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام مثله، لا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره.
ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة رضي الله عنهم ، فروى فيه عن ألف وثلاثمئة صاحب ونيف ، ثم رتَّب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام؛ فهو مصنَف ومسنَد ؛ وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبْله ، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله فيه في الحديث وجودة شيوخه ، فإنه يروي عن مئتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء وسائرهم أعلام مشاهير »
.
قلت: يظهر أن مستند القائلين ان بقي بن مخلد لا يروي إلا عن ثقة - ومنهم الحافظ ابن حجر - هو هذا الكلام الذي قاله ابن حزم ، أو ما نقله عن بقي نفسه مغلطاي إذ قال في (إكمال تهذيب الكمال): « وفي "تاريخ قرطبة": قال بقي: كل من رويت عنه فهو ثقة »(10).
وصرح بكون بقي لا يروي إلا عن ثقة عنده الحافظ ابن حجر في عدة مواضع من "تهذيب التهذيب" ، منها تراجم أحمد بن جواس الحنفي وأحمد بن سعد بن أبي مريم وأيوب بن محمد بن أيوب الهاشمي وعبد الله بن عمر بن عبد الرحمن وعصمة بن الفضل النميري ؛ وكذلك العلامة المعلمي اليماني في التنكيل (ص305 و 697).
ولكن روى بقي عن جماعة من التالفين الساقطين منهم جبارة بن المغلس الحماني ومحمد بن خالد بن عبد الله الواسطي.
بكير بن عبد الله بن الأشج
قال ابن حجر في ترجمته من "التهذيب": « وقال أحمد بن صالح المصري: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه فهو الثقة الذي لا شك فيه ».
وقال المعلمي في (التنكيل) (2/123): « وعثمان بن الوليد ذكره ابن حبان فب الثقات وذاك لا يخرجه عن جهالة الحال لما عرف من قاعدة ابن حبان، لكن إن صحت رواية بكير بن الأشج عنه فإنها تقويه» ثم ذكر كلمة أحمد بن صالح ثم قال: « وهذه العبارة تحتمل وجهين:
الأول: أن يكون المراد بقوله (فلا تسأل عنه) أي عن ذلك المروي أي لا تلتمس لبكير متابعاً فإنه أي بكيراً الثقة الذي لا شك فيه ولا يحتاج إلى متابع.
الوجه الثاني: أن يكون المراد فلا تسأل عن ذلك الرجل فإنه الثقة، يعني أن بكيراً لا يروي إلا عن ثقة فلا شك فيه، والله أعلم »
.
حريز بن عثمان
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) (2/238 و172) و (4/137 و 309) و (6/284) وفي (اللسان) (2/438): « وقال الآجري عن أبي داود: شيوخ حريز كلهم ثقات ».
وقال ابن عدي في (الكامل) (2/453): « وحريز يحدث عن أهل الشام، عن الثقات منهم ».
وقال الذهبي في (الميزان) (4/10843) في ترجمة ابن هانئ عن أبي أمامة: « لا يعرف، لكن شيوخ حريز وثقوا ».
وذكر ابن رجب في (شرح علل الترمذي) (2/879) بضعة كليات في اطلاقها عنده نظر، منها قول أبي داود في مشايخ حريز بن عثمان (كلهم ثقات)، وقول أبي حاتم في مشايخ سليمان بن حرب (كلهم ثقات) ».
وقال ابن المديني في عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي أحد رجال أبي داود وابن ماجه: « مجهول لم يرو عنه غير حريز بن عثمان »(11).
وظاهر هذا أن ابن المديني لايوثق شيوخ حريز بروايته عنهم.
الحسن بن سفيان
قال أبو عمر العتيبي في الحلقة الثالثة من بحثه (التعقبات والتنبيهات على ما في مقالات الإباضي المتلقب بِـ"المنصور" من الهفوات) - وهو منشور على بعض مواقع الشبكة العالمية - في بعض رده ما نصه:
(ضعف المتلقب بِـ"المنصور" هذا الأثر بِـ"يحيى بن طلحى اليربوعي" ، ويجاب عن تضعيفة بما يلي:
أولاً: أن طلحة بن يحيى اليربوعي ليس ضعيفاً جداً بل هو إلى التوثيق أقرب وإليك البيان:
قال النسائي: "ليس بشيء" ، والنسائي متشدد في الجرح ، وجرحه هنا مجمل غير مفسر ؛ وهذا معارض بتوثيق من وثقه ؛ فقد وثقه ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان يغرب عن أبي نعيم وغيره" ؛ واحتج به ابن حبان في "صحيحه" ؛ وروى عنه الحسن بن سفيان وهو لا يروي إلا عن ثقة ؛ ----)
؛ كذا قال ، والله أعلم.
الحسن بن يسار البصري
قال العلائي في جامع التحصيل (ص90): « وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين أنه قال: إذا روى الحسن ومحمد - يعني ابن سيرين - عن رجل وسمياه فهو ثقة».
قال العلائي: « فيحتمل هذا أنهما كانا لا يرويان إلا عن ثقة عندهما سواء كان مسنداً أو مرسلاً، ويحتمل أن ذلك فيمن ذكراه بإسمه، فأما من أرسلا عنه فجاز أن يكون كذلك وأن يكون ضعيفاً، وهذا هو الأظهر وفيه جمع بين الأقوال كلها ».
ويعني بالأقوال قول يحيى هذا وأقوال العلماء الذين ضعفوا مراسيل الحسن وذموها وكان العلائي قد سردها قبل كلمة يحيى بن معين، وهي قول ابن سيرين في الحسن وأبي العالية: (كانا يصدقان كل من حدثهما )، وقول أحمد بن حنبل -ووافقه جماعة من النقاد -: (ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد)، وقول أبي زرعة: (كل حديث قال فيه الحسن قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلاً إلا أربعة أحاديث).
وانظر ترجمة الشعبي الآتية في موضعها من هذا المبحث وقارن بين الروايتين عن ابن معين هذه والتي هناك.
سعيد بن المسيب
قال ابن حجر في ترجمة سعيد بن المسيب من تهذيب التهذيب (4/87): « وروى ابن منده في (الوصية) من طريق يزيد بن أبي مالك قال كنت عند سعيد بن المسيب فحدثني بحديث فقلت له: من حدثك يا أبا محمد بهذا ؟ فقال: يا أخا أهل الشام خذ ولا تسأل فإنا لا نأخذ الا عن الثقات ».
ونقل ابن حجر في النكت (2/552-554) كلاماً عن الشافعي وختمه بقوله: « فهذا يدل على أنه قبل مراسيل سعيد بن المسيب لكونه لا يسمي الا ثقة، وأما غيره فلم يتبين له ذلك منه فلم يقبله مطلقاً، وأحال الأمر في قبوله على وجود الشرط المذكور ».
وقال ابن عبد البر في التمهيد ما سبق نقله في ترجمة ابراهيم النخعي.
قلت: ومما لعله يؤيد كونه لا يروي إلا عن ثقة اتفاقهم على أنه لا يرسل إلا عن ثقة، قال العلائي في جامع التحصيل (ص89): « وقد اتفقت كلمتهم على سعيد بن المسيب وأن جميع مراسيله صحيحة وانه كان لا يرسل إلا عن ثقة من كبار التابعين أو صحابي معروف، قال معنى ذلك بعبارات مختلفة جماعة من الأئمة منهم مالك ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم ».
ولكن انظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص4 و 72) ففيها ما يعكر على دعوى الاتفاق هذه.
سليمان بن حرب (ت244)(12)
قال سليمان بن حرب: « عمدت إلى حديث المشايخ فغسلته، قيل: مثل من ؟ قال: مثل الحكم بن عطية ». انظر تحرير التقريب (1/311).
وقال ابن أبي حاتم في ترجمة محمد بن أبي رزين من الجرح والتعديل (7/255): « سئل أبي عنه فقال: شيخ بصري لا أعرفه لا أعلم روى عنه غير سليمان بن حرب، وكان سليمان قلّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة ».
أقول: رد النباتي هذا القول على أبي حاتم كما في تهذيب التهذيب (4/179)، وكذلك قد عُلمت رواية سليمان بن حرب عن جماعة من الضعفاء مثل مبارك بن فضالة وحفص بن أسلم الأصغر؛ وانظر ما تقدم عن ابن رجب في ترجمة حريز.
وقال الذهبي في (الكاشف) (2/170) (13): « محمد بن أبي رزين عن أمه وعنه سليمان بن حرب، ومشيخة سليمان وثقهم أبو حاتم مطلقاً ، ت ».
فقال محمد عوامة في تعليقه على هذه الترجمة: « وقد نقل قول أبي حاتم هذا المزي والمصنف هنا وفي التذهيب 3: 203/ب والميزان 3(14) والمغني (15) مع الموافقة والإقرار، إلا في ديوان الضعفاء (16) فإنه قال: مجهول؛ ولم يذكر قول أبي حاتم فكأنه لم يرتضه؛ ومثله الحافظ في التقريب (17) فإنه قال: (مقبول)، لأنه في ثقات ابن حبان 7/422، وكان قد قال في التهذيب: (رد هذا القول النباتي على أبي حاتم).
وعلى كل فإن الذي أفهمه من كلمة أبي حاتم التوثيق العام(18) وكل ما يدخل تحت كلمة (مقبول) - لا التوثيق المصطلح عليه وأن حديث صاحبه صحيح الصحة الاصطلاحية -؛ وهذا القبول العام يقيد من ناحية أخرى فيقال: هو كذلك عند أبي حاتم لا عند الجميع؛ ونقول فيه أيضاً: إنه اغلبي لا كلي مطرد »
. انتهى كلام الأستاذ محمد عوامة.
هذا وقد ذكر المزي في (تهذيب الكمال) من عرفهم من شيوخ سليمان، وشرطه فيه - كما هو معلوم - استيعاب من يعلمهم من شيوخ المترجم والرواة عنه؛ ولكن ابن حجر في (تهذيب التهذيب) لم يستوعب أولئك الشيوخ مع أن شرطه فيه استيعاب شيوخ من قيل أنه لا يروي إلا عن ثقة !! فالظاهر أنه غير موافق لأبي حاتم على ما قاله في شيوخ سليمان بن حرب.
شعبة بن الحجاج
كلام العلماء المتعلق بكون شعبة لا يروي إلا عن ثقة كثير لا يتسع المقام لذكر جميعه.
ومن أعدل أقوالهم في هذا الباب وأوسطها قول الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص89-90): « إن الغالب على طريقة شعبة الرواية عن الثقات، وقد يروي عن جماعة من الضعفاء الذين اشتهر جرحهم والكلام فيهم الكلمة والشيء والحديث وأكثر من ذلك ».
ثم مثل لهؤلاء بثلاثة عشر شيخاً من شيوخ شعبة، وذكر أنه روى عن غير هؤلاء ممن تكلم فيه ونسب إلى الضعف وسوء الحفظ وقلة الضبط ومخالفة الثقات.
ونحوه ما يتعلق بشعبة من قول العلائي في جامع التحصيل في أحكام المراسيل (ص90): « إن مالكاً لم يرو إلا عن ثقة عنده، ووافقه الناس على توثيق شيوخه الا في النادر منهم كعبد الكريم بن أبي المخارق وعطاء الخراساني؛ وأما سفيان الثوري فإنه روى عن جماعة كثيرين من الضعفاء مثل جابر الجعفي ونحوه، وشعبة متوسط بينهما في ذلك».
وهذان القولان أقرب من قول أبي حاتم إذ قال لابنه عبد الرحمن كما في شرح علل الترمذي (1/381): « إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم أنه ثقة الا نفراً بأعيانهم » إلا إذا أراد بالنفر عدداً كثيراً نحواً من عشرين، والله أعلم.
وقول أبي حاتم هذا أقرب من قول من ذهب إلى توثيق شيوخ شعبة عامة بلا استثناء(19).
وقال أبو القاسم البغوي -كما في سير أعلام النبلاء (7/207-208) -: « حدثنا ابن زنجويه حدثنا عبد الرزاق عن أبي أسامة قال وافقنا من شعبة طيب نفس فقلنا له حدثنا ولا تحدثنا إلا عن ثقة فقال قوموا(20)».
فائدة: لم يكن شعبة ينتقي الرجال فقط بل كان ينتقي أحاديثهم أيضاً، قال ابن حجر في فتح الباري (11/197) في معرض كلامه على بعض الأحاديث: « وأشار الإسماعيلي الى ان في السند علة أخرى فقال سمعت بعض الحفاظ يقول ان أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من أبي بردة وانما سمعه من سعيد بن أبي بردة عن أبيه قلت وهذا تعليل غير قادح فإن شعبة كان لا يروى عن أحد من المدلسين الا ما يتحقق انه سمعه من شيخه ». وذكر نحو هذا في بضعة مواضع من الفتح.
عبد الله بن أحمد بن حنبل
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (13/523): « قال أبو أحمد بن عدي: ولم يكتب [يعني عبد الله] عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه ».
وقال ابن حجر في تعجيل المنفعة (ص15) في ترجمة ابراهيم بن الحسن بن الحسن: « كان عبد الله بن أحمد لا يكتب الا عن من أذن له أبوه في الكتابة عنه، وكان لا يأذن له أن يكتب الا عن أهل السنة حتى كان يمنعه عن من أجاب في المحنة ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه من المسند ».
وقال (ص19) في ترجمة ابراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي: « وقد تقدم أن عبد الله كان لا يكتب إلا عن ثقة عند أبيه ».
وقال (ص355) في ترجمة الليث بن خالد البلخي: « وقد كان عبد الله بن أحمد لا يكتب الا عن من يأذن له أبوه في الكتابة عنه، ولهذا كان معظم شيوخه ثقات ».
وقال (ص360) في ترجمة محمد بن تميم النهشلي: « قال أبو حاتم: مجهول. قلت: حكم شيوخ عبد الله القبول إلا أن يثبت فيه جرح مفسر لأنه كان لا يكتب الا عن من أذن له أبوه فيه ».
قلت: اشتراطه تفسير الجرح فيه نظر بل الصحيح عدم اشتراط ذلك، فكل من ثبت فيه جرح من شيوخ عبد الله ولم يثبت فيه من التعديل سوى مقتضى رواية عبد الله عنه فهو مجروح.
وأما تجهيل ناقد لشيخ من شيوخ عبد الله بن أحمد فالظاهر أن مثل ذلك الشيخ لا يحكم عليه بتعديل ولا تجهيل ولا غيرهما الا بعد النظر في القرائن والمتعلقات.
عبد الرحمن بن مهدي
قال أبو داود في سؤالاته لأحمد ص338-339: « سمعت أحمد قال: أبان بن خالد شيخ بصري لا بأس به كان عبد الرحمن يحدث عنه، وكان لا يحدث إلا عن ثقة ».
وقال الإمام أحمد أيضاً فيما نقله عنه الخطيب في الموضع المذكور أيضاً والذهبي في السير (9/203) وابن رجب في شرح العلل (1/377) وابن حجر في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي من تهذيب التهذيب: « إذا روى عبد الرحمن عن رجل فروايته حجة»(21).
وقال ابن حبان في ترجمة عبد الرحمن من الثقات: « كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدث وأبى الرواية الا عن الثقات ».
وقال الخطيب في الكفاية (ص92): « إذا قال العالم: كل من أروي لكم عنه وأسميه فهو عدل رضا مقبول الحديث كان هذا القول تعديلاً منه لكل من روى عنه وسماه، وقد كان ممن سلك هذه الطريقة عبد الرحمن بن مهدي »(22).
ولكن قد ورد عن الامام أحمد وغيره ما يخالف هذه الأقوال الثلاثة في أصلها أو في إطلاقها؛ فقد قال الامام أحمد أيضاً فيما أسنده إليه الخطيب في الكفاية نفسه (ص92): « كان عبد الرحمن أولاً يتسهل في الرواية عن غير واحد ثم تشدد بعد، كان يروي عن جابر الجعفي ثم تركه ».
بل قال أحمد بن سنان فيما حكاه عنه الخطيب في الكفاية أيضاً (ص143): « كان عبد الرحمن بن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلاً متهماً بالكذب أو رجلاً الغالب عليه الغلط ».
روى مسلم في التمييز ص136 وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1/1/38 وأبو عبد الله بن منده في شروط الأئمة ص82 والخطيب في الكفاية ص227 عن أبي موسى محمد بن المثنى قال قال لي ابن مهدي: يا أبا موسى ! أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد !! قلت: يا أبا سعيد هم يقولون انك تحث عن كل أحد !! قال: عمن أحدث ؟! فذكرت له محمد بن راشد، فقال: احفظ عني: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك، لأنه لو ترك حديث هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك »، انتهى؛ وبعض من ذكرتهم روى هذا الخبر مختصراً.
ويظهر أن المذهب الصحيح في الجمع بين هذا القول في شيوخ عبد الرحمن والقول الذي قبله هو أن من أطلق تقويتهم كان قوله من باب اعتبار الجملة والغلبة فيكون مراده أن عبد الرحمن لا يروي في أغلب أحواله إلا عن ثقة أو أنه من باب العام المخصوص ويكون مراده أن عبد الرحمن لا يروي فيما عدا القديم من مروياته الا عن رجل يحتج به.
تكميل: مما يتعلق بهذا الباب ويحسن إيراده فيه كلمتان، الكلمة الأولى للحافظ الخطيب، والكلمة الثانية للحافظ ابن حجر:
روى الخطيب في الكفاية (ص133) عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: « لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة أحاديث الضعاف فإن أقل ما فيه أن يفوته بقدر ما يكتب من حديث أهل الضعف يفوته من حديث الثقات ».
وقال الحافظ ابن حجر في النكت (1/482): « وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الاولى شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه؛ ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن 000 وقال النسائي: (لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه)؛ فأما اذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلا فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد »(23). انتهى.
وقول الخطيب يؤيد قول من قال إن عبد الرحمن لا يروي إلا عن ثقة ولكنه ليس صريحاً في ذلك؛ وقول ابن حجر قد يؤيد قول من قال ان عبد الرحمن يروي عن الثقة وغيره ولكنه ليس صريحاً في ذلك.
وانظر الكامل لابن عدي (1/110) والجرح والتعديل (1/1/35-36) وتقدمة الجرح والتعديل (ص252) لابن أبي حاتم والكفاية للخطيب (ص167) وتغليق التعليق لابن حجر (2/353).
علي بن المديني
قال النسائي في محمد بن الحسن بن أَتَش: (متروك)، وقال مرة: (ليس بثقة) فقال أبو العرب القيرواني: « قال أحمد بن صالح: هو ثقة. وكلام النسائي فيه غير مقبول لأن أحمد وعلي بن المديني لا يرويان الا عن مقبول 00».
فتعقبه صاحبا (تحرير التقريب ) (3/227-228) بقولهما: « إن كان يريد التوثيق ففيه نظر شديد، أما المقبول الذي لا يكذب فهذا صحيح لأننا جربنا روايتهما عن ضعفاء معروفين بالضعف ».
وانظر بعض ما يتعلق بأحوال شيوخ ابن المديني وشرطه فيهم في ترجمته من الفصل الرابع.
مالك بن أنس
قد صرح عدد من العلماء بأن مالكاً ينتقي شيوخه أو بأنه لا يروي إلا عن ثقة وبعضهم وثق رواة لا يعرفهم الا برواية مالك عنهم.
أقوال العلماء في توثيق شيوخ مالك وما يتعلق بذلك التوثيق متكاثرة يطول حصرها واستقصاؤها، وأنا إنما ذكرت ما تيسر ذكره منها.
-قال ابن عيينة كما في ترتيب المدارك (1/150): « كان مالك لا يبلغ

لا يعرف إلا من رواية فلان عنه

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

الأصل في هذا الكلام أنه تجهيل لعين الراوي.

لم أر له عندي إلا الشيء اليسير فلم أذكره ها هنا

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

انظر (يُكتب حديثه).

ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

كان حب أهل الحديث وبغضهم - وما زالا كذلك - محنة للناس ، يتبين بهما السني من البدعي ؛ فقد أخرج الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) (ص73) عن أحمد بن سنان القطان قال: (ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يُبغض أهلَ الحديث ، فإذا ابتدع الرجلُ نُزِعَ حلاوةُ الحديث من قلبه).
وأخرج (ص71-72) عن قتيبة بن سعيد قال: (إذا رأيت الرجل يحب أهلَ الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وذكر قوماً آخرين، فإنه على السنة ، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع).
وقال الذهبي في ترجمته للحافظ الصوري من (تذكرة الحفاظ): (وله شعر رائق ومحبة في السنة----أخبرنا أبو الحسين اليونيني أنا جعفر أنا السلفي أنا المبارك بن عبد الجبار أنشدنا محمد بن علي الصوري الحافظ لنفسه:
قل لمن عاند الحديث وأضحى ... عائباً أهله ومن يدعيهِ
أبعلمٍ تقولُ هذا؟ أبِنْ لي ... أمْ بجهلٍ؟ فالجهل خلق السفيهِ
أيعاب الذين هم حفظوا الديـ ... ـن من الترهات والتمويهِ
وإلى قولهم وما قد رووه ... راجعٌ كل عالم وفقيهِ
ليس في الرواية ، ولم يذكره أبو القاسم:
هذه من عبارات الحافظ المزي في كتابه (تحفة الأشراف)
، فإنه بناه على كتاب الحافظ ابن عساكر (الإشراف على معرفة الأطراف) الذي جمع فيه أطراف السنن الأربعة.
وقد تعقبه في أشياء رمز لها برمز (كـ) وله اصطلاحات خاصة تحت هذا الرمز.
وهي كالتالي:
1- (ليس في الرواية ، ولم يذكره أبو القاسم).
ومراده: أن هذا الحديث ليس فيما يرويه أبو القاسم عن شيوخه ؛ ولهذا لم يذكره في كتابه.
2- (هو في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم).
ومراده: أن هذا الحديث موجودٌ فيما يرويه أبو القاسم عن شيوخه ؛ ولكنه أغفل ذكره.
3- (ليس في السماع ، ولم يذكره أبو القاسم).
ومراده: أن هذا الحديث مما لم يقع له سماعه (ولهذا لم يذكره في كتابه).
4- (هو في السماع، ولم يذكره أبو القاسم).
ومراده: أنه فيما وقع له سماعه بدون نسخة الكتاب ، ولكنه أغفل ذكره.
أفاده الشيخ عبد الصمد شرف الدين المشرف على تحقيق الكتاب ، رحمه الله.

7 - القاعدة السابعة: الله لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، ولا ينهى إلا عن ما فيه مفسدة

موسوعة الفقه الإسلامي

- وكل حيلة يتوسل بها إلى ترك واجب أو فعل محرم فهي حرام:
كالحيل على قلب الدَّين على المدين، كأن يدينه مرة أخرى ليوفيه .. وكبيع العينة .. والتحيل على إسقاط شفعة الشفيع بالوقف أو زيادة الثمن .. وقتل الوارث مورِّثه .. وقتل الموصي له وصيَّه .. وعضل الزوج لزوجته لتعطيه المال ليطلقها.
فهذه الحيل كلها حرام.
- والحيل التي يُتوسل بها إلى استخراج الحقوق مباحة بل مأمور بها:
فالإنسان مأمور باستخراج حقه والحق المتعلق به بالطرق الواضحة، والطرق الخفية كما تحيل يوسف - صلى الله عليه وسلم - بوضع الصاع في رحل أخيه ليبقى عنده كما قال سبحانه: {{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)}} [يوسف:76].
وكذلك الحيل التي تَسْلم بها الحقوق والنفوس والأموال كلها مباحة، بل مأمور بها كما خرق الخضر السفينة لتسلم من الملك الظالم الذي يغتصب كل سفينة صالحة تمر عليه ... وهكذا.

7 - القاعدة السابعة: الله لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، ولا ينهى إلا عن ما فيه مفسدة.
وهذا الأصل شامل لجميع الشريعة، سواء تعلق بالقلوب أو الجوارح، أو بالأصول أو الفروع، أو بحقوق الله أو حقوق عباده.
فكل ما أمر الله ورسوله به كله عدل ومصلحة كالإيمان، والتوحيد، والطاعات.
وكل ما نهى الله ورسوله عنه كله ضرر ومفسدة على القلوب والأبدان، في
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت