نتائج البحث عن (تطو) 50 نتيجة

تطو
: (و {تَطَا، كدَعَا) : أَهْمَلَهُ الليْثُ والجَوْهرِيُّ
وقالَ ابنُ الأعْرابيِّ: (إِذا ظَلَمَ وجَارَ) .
وَفِي التكْمِلَةِ: إِذا ظَلَمَ.
وكأنَّ المصنِّفَ تِبَعَه وزادَ قَوْله وجَارَ، وإلاَّ فالصَّوابُ أَظْلَمَ، فإنَّ نَصَّ ابنِ الأعرابيِّ فِي نوادِرِه: تَطَا الليْلُ إِذا أَظْلَمَ فتأَمَّل.
(تطوع) لَان وتكلف الطَّاعَة وتنفل أَي قَامَ بِالْعبَادَة طَائِعا مُخْتَارًا دون أَن تكون فرضا لله وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{فَمن تطوع خيرا فَهُوَ خير لَهُ}} وَيُقَال تطوع للجندية وَيُقَال اطوع (بِالْقَلْبِ والإدغام) وَأَصله تطوع وَالشَّيْء أَو لَهُ أَو بِهِ حاول مزاولته
  • التطور
(التطور) التَّغَيُّر التدريجي الَّذِي يحدث فِي بنية الكائنات الْحَيَّة وسلوكها وَيُطلق أَيْضا على التَّغَيُّر التدريجي الَّذِي يحدث فِي تركيب الْمُجْتَمع أَو العلاقات أَو النّظم أَو الْقيم السائدة فِيهِ
(تطوح) جَاءَ وَذهب فِي الْهَوَاء وَغَيره وَفِي الْبِلَاد وَنَحْوهَا رمى بِنَفسِهِ فِيهَا وَذهب هَا هُنَا وَهَا هُنَا
(تطود) مُطَاوع طوده وَفِي الْبِلَاد وَنَحْوهَا مُبَالغَة فِي طود
(تطوس) مُطَاوع طوسه وَالْمَرْأَة أَو غَيرهَا تزينت
(تَطوف) بِهِ وَحَوله وَفِيه وَعَلِيهِ طَاف وَيُقَال اطوف (بِالْقَلْبِ والإدغام) وَأَصله تَطوف وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما}}
(تطوق) مُطَاوع طوقه وَصَارَ كالطواق وَيُقَال تطوقت الْحَيَّة وَنَحْوهَا وَلبس الطوق وَيُقَال تطوق بِهِ واطوق
(تطول) مُطَاوع طوله وَعَلِيهِ بِكَذَا تفضل
التطوع: اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجبات.
التطويل: هو أن يزاد اللفظ على أصل المراد، وقيل: هو الزائد على أصل المراد بلا فائدة.
التّطوّع:[في الانكليزية] optional religious practices [ في الفرنسية] Pratiques religieuses facultatives عند أهل الشرع هو النفل.
التّطويل:[في الانكليزية] Prolixity [ في الفرنسية] Prolixite عند أهل المعاني هو أن يكون اللفظ زائدا على أصل المراد لا لفائدة. ولا يكون اللفظ الزائد متعينا كقول عدي: وألفى قولها كذبا ومينا. ألفى أي وجد والكذب والمين بمعنى واحد، ولا فائدة في الجمع بينهما فأحدهما زائد، كذا في المطول. فبقوله لا لفائدة خرج الإطناب، وبقوله ولا يكون إلخ خرج الحشو لأن الزائد فيه متعيّن وهو غير مقبول. وفي جامع الصنائع سمّى الوطواط الطويل بالحشو القبيح.
مُتَطَوِّر
من (ط و ر) المتحول من طور إلى طور، والطور: الحال والهيئة.
التَّطْوِيل: أَن يكون اللَّفْظ زَائِد أَعلَى أصل المُرَاد لَا لفائدة وَلَا يكون اللَّفْظ الزَّائِد مُتَعَيّنا نَحْو قَول عدي بن أبرش. (وَألقى قَوْلهَا كذبا ومينا) أَي وجد قَوْلهَا كذبا وَالْكذب والمين بِمَعْنى وَاحِد وَلَا فَائِدَة فِي الْجمع بَينهمَا بِخِلَاف الحشو فَإِنَّهُ زِيَادَة لَا لفائدة بِحَيْثُ يكون الزَّائِد مُتَعَيّنا كالندى فِي قَول أبي الطّيب.(وَلَا فضل فِيهَا للشجاعة والندى...وَخير الْفَتى لَوْلَا لِقَاء شعوب)
التطوع: لغة تكلف الطاعة، وعرفا: التبرع بما لا يلزم كالنفل قال تعالى: {{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}} ، ذكره الراغب. وقال ابن الكمال
التطوع اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجب.
التطور: التنقل من هيئة وحال إلى غيرهما ومنه تطور الملك والولي.
تَطَوُّرالجذر: ط و ر

مثال: العالم في تطوّر سريعالرأي: مرفوضةالسبب: لأن الفعل «تَطوّر» لم يرد في المعاجم. المعنى: تغيُّر تدريجيّ حادث في الأشياء من طور إلى طور

الصواب والرتبة: -العالم في تطوّر سريع [فصيحة]-العالم في تغيُّر سريع [فصيحة] التعليق: اشتق المعاصرون الفعل «تطوَّر» ومصدره «تطوُّر» من «الطَّوْر» بمعنى التارة أو المرة أو الحالة، وقد وردا في المعاجم الحديثة كالوسيط، والأساسي بمعناهما الجديد، ونص الوسيط على أن استعمال طوَّره بمعنى: حوّله من طور إلى طور مجمعية. وتشيع الكلمة الآن في لغة المعاصرين.
تَطْوِيعالجذر: ط و ع

مثال: يجب تطويع اللغة لملاءمة متطلبات العصرالرأي: مرفوضةالسبب: لأنها لم ترد في المعاجم بهذا المعنى. المعنى: إخضاعها

الصواب والرتبة: -يجب تطويع اللغة لملاءمة متطلبات العصر [فصيحة] التعليق: يشيع بين المعاصرين استعمال «التطويع» بمعنى الإخضاع والتذليل، وهو استعمال لم يرد في المعاجم القديمة لهذه الكلمة، ومع ذلك يمكن تصويبه اعتمادًا على ورود «طَاع يطوع» بمعنى لان وانقاد في المعاجم، ويجوز أن يضعَّف هذا الفعل الثلاثي اللازم فيصير «طَوَّعه» بمعنى أخضعه، ويشتق منه المصدر «التطويع»، وقد جعل مجمع اللغة المصري تضعيف عين الفعل قياسًا، واتخذ قرارًا بصحة لفظ التطويع ومعناه.
تطويل الأسفار، لتحصيل الأخبار
للشيخ، نجم الدين: عمر بن محمد النسفي، الحنفي.
المتوفى: سنة 537، سبع وثلاثين وخمسمائة.

نُعُوتهن فِي التَّطواف والتَّسوُّر

المخصص

أَبُو عبيد، الرَّادَة - الطَّوَّافة فِي بُيُوت جاراتِها وَقد رادَتْ تَرُود رَوَداناً، غَيره، وَهِي الرَّوَاد، أَبُو عَمْرو، امْرَأَة شَوْشاةٌ تُعاب بذلك إِذا كَانَت تَدْخُل بُيُوت الجِيرانِ، أَبُو عبيد، امْرَأَة طُلَعةٌ قُبَعةٌ - تَطَلَّع ثمَّ تَقْبَع رأْسَها كثيرا، قَالَ، وَقَالَ الزِّبْرَقانُ بنُ بَدْر ابْغَضُ كَنَائِنِي إِليَّ الطُّلَعة الخُبَاةُ ابْن دُرَيْد امْرَأَة بقعه كبقعة أَبُو زيد امْرَأَة متنملة ونملى لَا تَسْتَقِرُّ فِي مَكانٍ.

2 - 1:قيام الخلافة الأموية وتطورها

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

  • 2 - 1:قيام الخلافة الأموية وتطورها
الجزء الثاني العصر الأموي تأليف: أ.
د.
عبد الشافي محمد عبد اللطيف أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر الفصل الأول *قيام الخلافة الأموية وتطورها قامت الخلافة الأموية رسميا فى شهر ربيع الأول من سنة (41هـ)، بعد أن تنازل (الحسن بن على بن أبى طالب) - رضى الله عنه - عن الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه - وبايعه هو وأخوه (الحسين)، وتبعهما الناس فى (الكوفة)، وأصبح بذلك (معاوية) خليفة للمسلمين وحده، ولُقِّب بأمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يلقَّب بالأمير فقط.
واستبشر المسلمون خيرًا بهذا التطور، وحمدوا الله - تعالى - على انتهاء الفتن والحروب، وسمُّوا ذلك العام عام الجماعة؛ حيث عادت إلى الأمة الإسلامية وحدتها، واجتمع شملها على خليفة واحد، بعد الفرقة والنزاع، ولقى ما فعله (الحسن بن على) كل تقدير وإجلال من جمهور المسلمين، وأثنى عليه كثير من العلماء، ورأوا فيما أقدم عليه تحقيقًا لنبوءة جده (محمد) حين قال: (إن ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين - صحيح البخارى تطور نظام الخلافة فى العصر الأموى: عرفنا فيما سبق كيف قامت الخلافة الإسلامية عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكيف كان يتم اختيار الخليفة فى دولة الراشدين بالبيعة المباشرة من المسلمين لخليفتهم، بعد أن يرشحه عدد من الصحابة، كما حدث فى خلافة الصديق، حيث بايعه عدد من الصحابة فى (سقيفة بنى ساعدة) بيعة خاصة، كانت بمثابة ترشيح له لمنصب الخلافة، ثم جاءت البيعة العامة له فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - - بعد مواراة جسده الطاهر تحت الثرى - لتزكى ذلك الترشيح وتوافق عليه، ومن ثم أصبح (أبو بكر الصديق) أول خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حكم الدولة الإسلامية، باختيار حُر من المسلمين.
وعندما مرض (أبو بكر) -رضى الله عنه - مرض الموت قال للمسلمين: (إنه قد نزل بى ما ترون - يعنى المرض الشديد - ولا أظننى إلا ميِّتًا لما بى من المرض، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتى، وحلَّ عنكم
*تطوان مدينة مغربية تقع بالقرب من بوغاز جبل طارق، وتبعد عن طنجة بنحو (60 كم) من جهة الجنوب الشرقى، ويطلق عليها أيضًا تطاون وتيطاوين.
قيل: إن الذى بناها هو السلطان أبو ثابت المرينى، أحد سلاطين دولة بنى مرين بالمغرب، وقيل: إنها مدينة قديمة حكمها الرومان، ثم تتابع عليها القوط، ثم العرب، وازدهرت إبان حكم بنى مرين، وحينما شهدت فترة من الضعف بعد ذلك اتخذها قراصنة البحر ملجأ لهم.
وبلغت تطوان أوج مجدها وقمة ازدهارها فى القرن التاسع الهجرى، عندما استوطنها المهاجرون الأندلسيون، بعد سقوط غرناطة، بزعامة القائد أبى الحسن المنذرى، الذى قام بتحصينها، وجعلها قاعدة للغزو البحرى للبرتغال، وأسر منهم عددًا كبيرًا، استخدمهم فى تعمير المدينة وبناء الأسوار والقلاع.
وفى سنة (1860 م) استولى عليها (الإسبان)، ثم خرجوا منها، ولكنهم عادوا فاستولوا عليها مرة أخرى سنة (1912 م)، وجعلوها عاصمة للمنطقة الشمالية من المغرب التى احتلوها، ثم عادت إلى المغرب بعد استقلالها سنة (1956 م).
وترجع شهرة تطوان إلى كونها مدينة تجارية، إلى جانب جمالها الرائع؛ حيث تحيط بها مجموعة من الحدائق والبساتين التى أنشأها الأندلسيون، كما يوجد بها العديد من الآثار التاريخية، مثل: الأسوار القديمة، والأبراج، والمساجد، والأضرحة.
وتوجد بها بعض الكليات والمتاحف الفنية، ومتحف للآثار التاريخية، وكان لشهرتها ورواجها التجارى والسياحى أثر كبير فى هجرة أعداد كبيرة إليها من سكان الريف (من أهل الشمال) ومن سكان بعض المدن، مثل: فاس ومراكش وسوسة فى الجنوب.
في الفرنسية/ Evolution
في الانكليزية/ Evolution
في اللاتينية/ Evolutio
الطور الحال، وجمعه أطوار، قال تعالى: و قد خلقكم أطوارا، أي ضروبا واحوالا مختلفة، وقيل الناس أطوار، أي أخياف على حالات شتى، وقد اتخذ أهل زماننا من هذا الاسم فعلا جديدا، فقالوا:
طوّر الشيء نقله من طور إلى طور، وتطوّر الشيء إي انتقل من طور إلى طور، كل واحد على حدة، واشتقوا من فعل طوّر اسم التطوير ومن فعل تطوّر اسم التطوّر.

وللتطور في الفلسفة الحديثة عدة معان:
الأول هو النمو، والمقصود به ان ينتقل المبدأ الداخلي من حال الكمون إلى حال الظهور، حتى يبلغ نهايته، كمبدإ الحياة الذي ينمو وينبسط، فيخلق في المادة أطوارا وصورا مختلفة، كالنطفة، والعلقة، والمضغة، والعظام، والعضلات الخ ..
والثاني هو التبدل التدريجي البطيء بتأثير الظروف الخارجية.
والثالث هو التبدل الموجه إلى غاية ثابتة على مراحل متعاقبة يمكن تحديدها مسبقا.
والرابع هو الانتقال من البسيط إلى المركب، ومن المتجانس إلى غير المتجانس، أو من الأكثر تجانسا إلىالأقل تجانسا. وهو المعنى الذي ذهب إليه (هربت سبنسر) بقوله:
التطور هو اتمام واكمال للمادة، مصحوب بتبديد للحركة، تنتقل المادة خلاله من حالة تجانس غير معين، وغير ملتحم، إلى حالة من اللاتجانس المعين والملتحم، بحيث تخضع الحركة المتبقية فيه لتبديل مواز XVII. ch principes Premiers
فإذا دلّ التطور على نمو الفرد وانتقاله من نقطة الابتداء الوحيدة الخلية إلى سن الرشد الكثيرة الخلايا سمي بالتطور الفردي، وإذا دلّ على تبدل النوع الواحد إلى أنواع كثيرة مختلفة سمي بالتكوين النوعي.
والتطور انما يكون بالتنوع، فالخلية الأم تتكثر بالانقسام، والخلايا المتولدة منها تتنوع، وتصير ذات أحوال مختلفة وخلق متباينة، وكذلك النوع المتجانس، فهو يتكثر، وتختلف أفراده بعضها عن بعض بتكيفها وفق شروط الوجود شيئا فشيئا. والتنوع يسير وتخصص الوظائف جنبا إلى جنب، وكلما كانت الوظائف أكثر تخصصا كانت اكثر تضامنا.
وكل فيلسوف مؤمن بالتغير والارتقاء، أو بالتنوع المصحوب بالتكامل، أو باتصال الاكوان، وتبدل الموجودات، واستحالة الأشياء بعضها إلى بعض، فهو فيلسوف تطوري.
إن أكثر العلماء يقولون اليوم إن معنى التطور يتضمن معنى الارتقاء. ولكننا إذا أردنا بالتطور مجرد التبدل لم نضمنه معنى الارتقاء،

لأنه يدل في هذه الحالة على التبدلات الضرورية التي تطرأ على الشيء، من غير أن تكون متجهة إلى غاية معينة، خلافا للارتقاء الذي يتضمن معنى الانتقال من الأدنى إلىالأعلى، ومن الحسن إلىالأحسن، ففي كل ارتقاء تبدل، وليس في كل تبدل ارتقاء.
ومذهب التطور ( Evolutionnisme) مذهب قديم ترجع جذوره التاريخية إلىالفلسفة اليونانية (أمبدقلوس وأرسطو)، والفلسفة العربية (اخوان الصفاء، وابن خلدون) غير أنه لم يصبح مذهبا علميا إلا في العصور الأخيرة، يوم أخذ العلماء يعللون نشوء الأنواع الحية بقانون تنازع البقاء، وقانون الانتخاب الطبيعي (دارون)، أو يرجعون تبدلها التدريجي البطيء إلىتأثير البيئة والوراثة (لامارك)، أو يجعلون التطور قانونا كليا محيطا بكل شيء: من السديم إلىالشمس والكواكب السيارة، ومن الأنواع الكيميائية إلىالأنواع الحية، ومن الوظائف العضوية إلىالملكات العقلية والمؤسسات الاجتماعية (هربرت سبنسر)، فالتطور عندهم هو التنوع المصحوب بالتكامل.
وضد التطور التكور ( Involution) وهو التضام، والتقبض، والتقلّص، والتراجع، ومنه قولهم كورت الشمس أي جمع ضوؤها ولف كما تلف العمامة، وقولهم: الأدوار والاطوار هي الدنيا، والاكوار هي الآخرة.
ويطلق التكور في اصطلاحنا على الرجوع إلىالاصول، أو على الانحطاط، والتأخر، والفساد، والانحلال والبلى، أو على التغيرات الرجعية التي تنشأ عن الشيخوخة، أو على توقف أحد الأعضاء عن القيام بوظيفته توقفا دائما أو موقتا.
والتكور ايضا تغير أو جملة من التغيرات المقابلة لتغيرات التقدم والتطور، وهو رجوع من المتباين إلىالمتجانس، وتمثيل للعقول بعضها ببعض، وتعميم، وانتقال من الجزئي إلىالكلي. اما في الظواهر المادية فهو تسوية في الطاقة، وازدياد في التناظر والتماثل (راجع: ، Lalande 1903, evolutionnistes illusions Les)

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّطَوُّعُ: هُوَ التَّبَرُّعُ، يُقَال: تَطَوَّعَ بِالشَّيْءِ: تَبَرَّعَ بِهِ.
وَقَال الرَّاغِبُ: التَّطَوُّعُ فِي الأَْصْل: تَكَلُّفُ الطَّاعَةِ، وَهُوَ فِي التَّعَارُفِ: التَّبَرُّعُ بِمَا لاَ يَلْزَمُ كَالتَّنَفُّل (1) . قَال تَعَالَى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} . (2)
وَالْفُقَهَاءُ عِنْدَمَا أَرَادُوا أَنْ يُعَرِّفُوا التَّطَوُّعَ، عَدَلُوا عَنْ تَعْرِيفِ الْمَصْدَرِ إِِلَى تَعْرِيفِ مَا هُوَ حَاصِلٌ بِالْمَصْدَرِ، فَذَكَرُوا لَهُ فِي الاِصْطِلاَحِ ثَلاَثَةَ مَعَانٍ:

الأَْوَّل: أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا شُرِعَ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، أَوْ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِطَاعَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، أَوْ هُوَ الْفِعْل الْمَطْلُوبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ. وَكُلُّهَا مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٌ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَالْمَشْهُورُ
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح للجوهري، والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب 1 / 89، والمفردات للراغب الأصفهاني.
(2) سورة البقرة / 184.

عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ رَأْيُ الأُْصُولِيِّينَ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ (1) .
وَالتَّطَوُّعُ بِهَذَا الْمَعْنَى يُطْلَقُ عَلَى: السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالنَّفَل وَالْمُرَغَّبِ فِيهِ وَالْقُرْبَةِ وَالإِِْحْسَانِ وَالْحَسَنِ، فَهِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ.

الثَّانِي: أَنَّ التَّطَوُّعَ هُوَ مَا عَدَا الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنَ، وَهُوَ اتِّجَاهُ الأُْصُولِيِّينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَفِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ: السُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلاَ وُجُوبٍ، وَأَمَّا حَدُّ النَّفْل - وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّطَوُّعِ - فَقِيل: مَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ فِي الشَّرْعِ (2) . . . إِلَخْ.

الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ: هُوَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ بِخُصُوصِهِ، بَل يُنْشِئُهُ الإِِْنْسَانُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ اتِّجَاهُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (3) .
هَذِهِ هِيَ الاِتِّجَاهَاتُ فِي مَعْنَى التَّطَوُّعِ
__________
(1) التعريفات للجرجاني، والبناية في شرح الهداية 2 / 527، وكشاف القناع 1 / 411، والمجموع شرح المهذب 4 / 2، والكافي لابن عبد البر 1 / 255، والحطاب 2 / 75، وجمع الجوامع 1 / 89، وشرح الكوكب المنير / 126، ونهاية المحتاج 2 / 100، وإرشاد الفحول 1 / 6.
(2) كشف الأسرار 2 / 302 نشر دار الكتاب العربي، وكشاف اصطلاحات الفنون مادتي: " طوع، ونفل ".
(3) المواق بهامش الحطاب 2 / 66، ونهاية المحتاج 2 / 100، 101، وجمع الجوامع 1 / 90

وَمَا يُرَادِفُهُ. غَيْرَ أَنَّ الْمُتَتَبِّعَ لِمَا ذَكَرَهُ الأُْصُولِيُّونَ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ - بِمَا فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ - يَجِدُ أَنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ بِإِِطْلاَقِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا عَدَا الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ التَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ وَالنَّفَل وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً، وَلِذَلِكَ قَال السُّبْكِيُّ: إِنَّ الْخِلاَفَ لَفْظِيٌّ (1) .
غَايَةُ الأَْمْرِ أَنَّ مَا يَدْخُل فِي دَائِرَةِ التَّطَوُّعِ بَعْضُهُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ فِي الرُّتْبَةِ، فَأَعْلاَهُ هُوَ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ، كَالْعِيدَيْنِ، وَالْوِتْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَلِي ذَلِكَ الْمَنْدُوبُ أَوِ الْمُسْتَحَبُّ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَيَلِي ذَلِكَ مَا يُنْشِئُهُ الإِِْنْسَانُ ابْتِدَاءً، لَكِنَّ كُل ذَلِكَ يُسَمَّى تَطَوُّعًا (2) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُل - الَّذِي سَأَل بَعْدَمَا عَرَفَ فَرَائِضَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَال لَهُ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ (3) .
__________
(1) البدائع 1 / 285، 286، 290، 298، والكافي لابن عبد البر 1 / 255، والحطاب 2 / 75.
(2) جمع الجوامع 1 / 90، والكوكب المنير / 126، وإرشاد الفحول / 6، ونهاية المحتاج 2 / 101، وشرح منتهى الإرادات 1 / 222، والكافي لابن عبد البر 1 / 255.
(3) حديث: " لا، إلا أن تطوع " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 106 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 41 - ط الحلبي) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.

أَنْوَاعُ التَّطَوُّعِ:
2 - مِنَ التَّطَوُّعِ مَا يَكُونُ لَهُ نَظِيرٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ، مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ وَجِهَادٍ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ حِينَ يُذْكَرُ لَفْظُ التَّطَوُّعِ.
وَالتَّطَوُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ يَخْتَلِفُ فِي جِنْسِهِ بِاعْتِبَارَاتٍ، فَهُوَ يَخْتَلِفُ مِنْ حَيْثُ الرُّتْبَةُ، إِذْ مِنْهُ مَا هُوَ مُؤَكَّدٌ كَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَقَل رُتْبَةً كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَقَل كَالنَّوَافِل الْمُطْلَقَةِ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا.
وَمِنْ ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ: صِيَامُ يَوْمَيْ عَاشُورَاءَ وَعَرَفَةَ، فَهُمَا أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الصِّيَامِ فِي غَيْرِهِمَا، وَالاِعْتِكَافُ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَل مِنْهُ فِي غَيْرِهَا. كَمَا أَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْعِبَادَاتِ يَخْتَلِفُ فِي جِنْسِهِ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الإِِْطْلاَقُ وَالتَّقْيِيدُ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُقَيَّدٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّقْيِيدُ بِوَقْتٍ أَوْ بِسَبَبٍ، كَالضُّحَى وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفُرُوضِ. وَمِنْهُ مَا هُوَ مُطْلَقٌ كَالنَّفْل الْمُطْلَقِ بِاللَّيْل أَوْ بِالنَّهَارِ.
وَيَخْتَلِفُ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ كَالرَّوَاتِبِ مِنَ الْفُرُوضِ، إِذْ هِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَشْرٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً: اثْنَتَانِ قَبْل الصُّبْحِ، وَاثْنَتَانِ قَبْل الظُّهْرِ (وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَرْبَعٌ) وَاثْنَتَانِ بَعْدَهُ، وَاثْنَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَاثْنَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَالتَّطَوُّعُ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْفْضَل أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِثْل ذَلِكَ تَطَوُّعُ اللَّيْل عِنْدَ

أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ، وَبِهَذَا يُفْتَى (1) .
وَفِي كُل مَا سَبَقَ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَنَفْلٌ) وَفِيمَا لَهُ أَبْوَابٌ مِنْ ذَلِكَ مِثْل: عِيدٌ - كُسُوفٌ - اسْتِسْقَاءٌ. . . إِلَخْ.
وَمِنَ التَّطَوُّعِ مَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ كَطَلَبِ عِلْمٍ غَيْرِ مَفْرُوضٍ (2) .
وَكَذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالتَّطَوُّعِ بِالإِِْنْفَاقِ عَلَى قَرِيبٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ مُحْتَاجٍ، أَوْ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، أَوْ إِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ، أَوِ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، أَوِ الإِِْرْفَاقِ الْمَعْرُوفِ بِجَعْل الْغَيْرِ يَحْصُل عَلَى مَنَافِعِ الْعَقَارِ، أَوْ إِسْقَاطِ الْحُقُوقِ. . . وَهَكَذَا.
وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ بِعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالإِِْعَارَةِ وَالْهِبَةِ، إِذْ إِنَّهَا قُرُبَاتٌ شُرِعَتْ لِلتَّعَاوُنِ بَيْنَ النَّاسِ.
3 - وَمِنَ التَّطَوُّعِ مَا هُوَ عَيْنِيٌّ مَطْلُوبٌ نَدْبًا مِنْ كُل فَرْدٍ، كَالتَّطَوُّعِ بِالْعِبَادَاتِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ. . . وَمِنْهُ مَا هُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالأَْذَانِ وَغَيْرِهِ. قَال النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: ابْتِدَاءُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ جَمَاعَةً كَفَى عَنْهُمْ
__________
(1) البدائع 1 / 284 - 294، 295، والهداية 1 / 66، 67، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي / 215، وجواهر الإكليل 1 / 73 - 76، والحطاب 1 / 415، ونهاية المحتاج 2 / 102 وما بعدها، وكشاف القناع 1 / 411 وما بعدها.
(2) شرح منتهى الإرادات 1 / 253.

تَسْلِيمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (1) .

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّطَوُّعِ:
4 - التَّطَوُّعُ يُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ وَيَزِيدُهُ ثَوَابًا، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ. (2) الْحَدِيثُ. وَالْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ التَّطَوُّعِ هِيَ:

أ - اكْتِسَابُ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نَيْل ثَوَابِهِ وَمُضَاعَفَةُ الْحَسَنَاتِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَابِ التَّطَوُّعِ بِالْعِبَادَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. (3) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (4)
__________
(1) البدائع 1 / 288، والفواكه الدواني 2 / 387، والذخيرة / 80، والأذكار للنووي / 210، 211.
(2) الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل. . . " أخرجه البخاري (الفتح 11 / 341 - ط السلفية) .
(3) حديث: " من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة " أخرجه الترمذي (2 / 273 - ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها، وأصله في مسلم (1 / 503 - ط الحلبي) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها.
(4) حديث: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " أخرجه مسلم (1 / 501 ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها.

وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي شَأْنِ الصَّلاَةِ (1) .
وَفِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَقُول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لأََحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (2) وَالْمُرَادُ الصَّغَائِرُ. حَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَإِِنْ لَمْ تَكُنِ الصَّغَائِرُ رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتِ الدَّرَجَاتُ، وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ. (3)
وَقَال الزُّهْرِيُّ: فِي الاِعْتِكَافِ تَفْرِيغُ الْقَلْبِ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَتَسْلِيمُ النَّفْسِ إِِلَى بَارِئِهَا، وَالتَّحَصُّنُ بِحِصْنٍ حَصِينٍ، وَمُلاَزَمَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَال عَطَاءٌ: مَثَل الْمُعْتَكِفِ كَمَثَل رَجُلٍ لَهُ حَاجَةٌ إِِلَى عَظِيمٍ يَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ، وَيَقُول: لاَ أَبْرَحُ حَتَّى تُقْضَى حَاجَتِي (4) .
وَمِثْل ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ. يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} (5) ، وَيَقُول
__________
(1) نهاية المحتاج 3 / 199، والمنثور 3 / 61، والبدائع 1 / 284.
(2) حديث: " إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " أخرجه مسلم (2 / 819 - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(3) حديث: " من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر " أخرجه مسلم (2 / 822 - ط الحلبي) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
(4) شرح منتهى الإرادات 1 / 459، والمبسوط 3 / 114، 115.
(5) سورة البقرة / 245.

ابْنُ عَابِدِينَ: مِنْ مَحَاسِنِ الْعَارِيَّةِ أَنَّهَا نِيَابَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ لِمُحْتَاجٍ كَالْقَرْضِ، فَلِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ (1) .

ب - الأُْنْسُ بِالْعِبَادَةِ وَالتَّهَيُّؤُ لَهَا:
5 - قَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي تَقْدِيمِ النَّوَافِل عَلَى الْفَرَائِضِ مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ؛ لأَِنَّ النُّفُوسَ لاِنْشِغَالِهَا بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا تَكُونُ بَعِيدَةً عَنْ حَالَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ، الَّتِي هِيَ رُوحُ الْعِبَادَةِ، فَإِِذَا قُدِّمَتِ النَّوَافِل عَلَى الْفَرَائِضِ أَنِسَتِ النُّفُوسُ بِالْعِبَادَةِ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تُقَرِّبُ مِنَ الْخُشُوعِ (2) .

ج - جُبْرَانُ الْفَرَائِضِ:
6 - قَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: النَّوَافِل الَّتِي بَعْدَ الْفَرَائِضِ هِيَ لِجَبْرِ النَّقْصِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِي الْفَرَائِضِ، فَإِِذَا وَقَعَ نَقْصٌ فِي الْفَرْضِ نَاسَبَ أَنْ يَقَعَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ الْخَلَل الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِيهِ (3) .
وَفِي الْحَدِيثِ: فَإِِنِ انْتُقِصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَال الرَّبُّ عَزَّ وَجَل: انْظُرُوا هَل لِعَبْدِي
__________
(1) حاشية ابن عابدين 4 / 502.
(2) الشرح الصغير 1 / 145 ط الحلبي.
(3) الشرح الصغير 1 / 145.

مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّل بِهِ مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ. (1)
قَال الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَّل مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي الصَّلاَةَ. . . " (2) وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ غَالِبًا إِلاَّ وَجَعَل لَهُ مِنْ جِنْسِهِ نَافِلَةً، حَتَّى إِِذَا قَامَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ - وَفِيهِ خَلَلٌ مَا - يُجْبَرُ بِالنَّافِلَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلِذَا أَمَرَ بِالنَّظَرِ فِي فَرِيضَةِ الْعَبْدِ، فَإِِذَا قَامَ بِهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ جُوزِيَ عَلَيْهَا، وَأُثْبِتَتْ لَهُ، وَإِِنْ كَانَ فِيهَا خَلَلٌ كُمِّلَتْ مِنْ نَافِلَتِهِ حَتَّى قَال الْبَعْضُ: إِنَّمَا تَثْبُتُ لَكَ نَافِلَةٌ إِِذَا سَلِمَتْ لَكَ الْفَرِيضَةُ (3) . وَلِذَلِكَ يَقُول الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَنْ تَرَكَ التَّطَوُّعَاتِ وَلَمْ يَعْمَل بِشَيْءٍ مِنْهَا فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رِبْحًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَسِيمًا (4) .
__________
(1) حديث: " فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع " أخرجه الترمذي وحسنه (2 / 269 - 270 ط مصطفى البابي) وابن ماجه (1 / 458 ط عيسى الحلبي) ونقل أحمد شاكر عن ابن حجر تصحيحه، (الترمذي 2 / 271 ط مصطفى الحلبي) .
(2) حديث: " أول ما افترض الله على أمتي الصلاة " عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى الحاكم في الكنى وحسنه، وسكت عنه المناوي، (فيض القدير 3 / 95. ط المكتبة التجارية) .
(3) نهاية المحتاج 2 / 102، وكشاف القناع 1 / 411.
(4) الحطاب 2 / 75.

د - التَّعَاوُنُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَوْثِيقُ الرَّوَابِطِ بَيْنَهُمْ وَاسْتِجْلاَبُ مَحَبَّتِهِمُ:
7 - التَّطَوُّعُ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ يَنْشُرُ التَّعَاوُنَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ دَعَا اللَّهُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (1) ، وَيَقُول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (2) وَفِي فَتْحِ الْبَارِي عِنْدَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا. (3) يَقُول ابْنُ حَجَرٍ: فِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الْخَيْرِ بِالْفِعْل، وَبِالتَّسَبُّبِ إِلَيْهِ بِكُل وَجْهٍ، وَالشَّفَاعَةِ إِِلَى الْكَبِيرِ فِي كَشْفِ كُرْبَةٍ وَمَعُونَةِ ضَعِيفٍ، إِذْ لَيْسَ كُل أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُول إِِلَى الرَّئِيسِ (4) .
كَذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَهَادَوْا تَحَابُّوا (5)

أَفْضَل التَّطَوُّعِ:
8 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَفْضَل التَّطَوُّعِ، فَقِيل:
__________
(1) سورة المائدة / 2.
(2) حديث: " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " أخرجه مسلم (4 / 2074 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) حديث: " اشفعوا تؤجروا " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 299 - ط السلفية) . من حديث أبي موسى الأشعري.
(4) فتح الباري 10 / 451 ط مكتبة الرياض الحديثة.
(5) حديث: " تهادوا تحابوا " أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص 155 - ط السلفية) وحسنه ابن حجر في التلخيص (3 / 70 - ط شركة الطباعة الفنية) .

أَفْضَل عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلاَةُ. فَفَرْضُهَا أَفْضَل مِنْ فَرْضِ غَيْرِهَا، وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَل مِنْ تَطَوُّعِ غَيْرِهَا؛ لأَِنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرُبَاتِ، لِجَمْعِهَا أَنْوَاعًا مِنَ الْعِبَادَاتِ لاَ تُجْمَعُ فِي غَيْرِهَا. قَال بِهَذَا الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَهُمْ قَوْلٌ آخَرُ بِتَفْضِيل الصِّيَامِ.
قَال صَاحِبُ الْمَجْمُوعِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الصَّلاَةُ أَفْضَل مِنَ الصَّوْمِ: أَنَّ صَلاَةَ رَكْعَتَيْنِ أَفْضَل مِنْ صِيَامِ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمٍ، فَإِِنَّ الصَّوْمَ أَفْضَل مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِلاَ شَكٍّ، وَإِِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الاِسْتِكْثَارِ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ يَكُونُ غَالِبًا عَلَيْهِ، مَنْسُوبًا إِِلَى الإِِْكْثَارِ مِنْهُ، وَيَقْتَصِرُ مِنَ الآْخَرِ عَلَى الْمُتَأَكِّدِ مِنْهُ، فَهَذَا مَحَل الْخِلاَفِ وَالتَّفْصِيل. وَالصَّحِيحُ تَفْضِيل الصَّلاَةِ (1) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ أَفْضَل تَطَوُّعَاتِ الْبَدَنِ الْجِهَادُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} (2) ثُمَّ النَّفَقَةُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ كَمَثَل حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِل} (3) الآْيَةَ، ثُمَّ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ
__________
(1) الشرح الصغير 1 / 145 ط الحلبي، والمهذب 1 / 89، والمجموع شرح المهذب 3 / 456، 457، 459.
(2) سورة النساء / 95.
(3) سورة البقرة / 261.

وَتَعْلِيمُهُ، لِحَدِيثِ: فَضْل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ (1) .
ثُمَّ الصَّلاَةُ أَفْضَل بَعْدَ ذَلِكَ، لِلإِِْخْبَارِ بِأَنَّهَا أَحَبُّ الأَْعْمَال إِِلَى اللَّهِ، وَمُدَاوَمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْلِهَا. وَنَصَّ الإِِْمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَل مِنْهَا، أَيْ مِنَ الصَّلاَةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لأَِنَّهُ خَاصٌّ بِهِ يَفُوتُ بِمُفَارَقَتِهِ بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، فَالاِشْتِغَال بِمَفْضُولٍ يَخْتَصُّ بُقْعَةً أَوْ زَمَنًا أَفْضَل مِنْ فَاضِلٍ لاَ يَخْتَصُّ، وَاخْتَارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ فِي الإِِْحْيَاءِ: أَنَّ أَفْضَل الطَّاعَاتِ عَلَى قَدْرِ الْمَصَالِحِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا (2) .
9 - وَيَتَفَاوَتُ مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فِي الْفَضْل، فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَل مِنْ عِتْقِ أَجْنَبِيٍّ؛ لأَِنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَفِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ: لَوْ مَلَكَ عَقَارًا، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ، فَهَل الأَْوْلَى الصَّدَقَةُ بِهِ حَالاً، أَمْ وَقْفُهُ؟ قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ وَحَاجَةٍ فَتَعْجِيل الصَّدَقَةِ أَفْضَل، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَلَعَل الْوَقْفَ أَوْلَى، لِكَثْرَةِ جَدْوَاهُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ
__________
(1) حديث: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " أخرجه الترمذي (5 / 50 - ط الحلبي) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه واستغربه.
(2) شرح منتهى الإرادات 1 / 222، 223، وكشاف القناع 1 / 411، 412، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 160.

تَقْدِيمَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ حَظِّ النَّفْسِ فِي الْحَال بِخِلاَفِ الْوَقْفِ.
وَفِي الْمَنْثُورِ أَيْضًا: مَرَاتِبُ الْقُرْبِ تَتَفَاوَتُ، فَالْقُرْبَةُ فِي الْهِبَةِ أَتَمُّ مِنْهَا فِي الْقَرْضِ، وَفِي الْوَقْفِ أَتَمُّ مِنْهَا فِي الْهِبَةِ، لأَِنَّ نَفْعَهُ دَائِمٌ يَتَكَرَّرُ، وَالصَّدَقَةُ أَتَمُّ مِنَ الْكُل؛ لأَِنَّ قَطْعَ حَظِّهِ مِنَ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ فِي الْحَال (1) .
وَقِيل: إِنَّ الْقَرْضَ أَفْضَل مِنَ الصَّدَقَةِ (2) .
لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ رَأَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ: دِرْهَمُ الْقَرْضِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَدِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشْرٍ، فَسَأَل جِبْرِيل: مَا بَال الْقَرْضِ أَفْضَل مِنَ الصَّدَقَةِ: فَقَال: لأَِنَّ السَّائِل يَسْأَل وَعِنْدَهُ، وَالْمُقْتَرِضُ لاَ يَقْتَرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ. (3)
وَتَكَسُّبُ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ - لِمُوَاسَاةِ الْفَقِيرِ أَوْ مُجَازَاةِ الْقَرِيبِ - أَفْضَل مِنَ التَّخَلِّي لِنَفْل الْعِبَادَةِ؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ النَّفْل تَخُصُّهُ، وَمَنْفَعَةُ الْكَسْبِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ (4) ، فَقَدْ قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ (5) وَعَنْ
__________
(1) المنثور 1 / 345، 3 / 62.
(2) منح الجليل 3 / 46، والمهذب 1 / 309.
(3) حديث: " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 812 - ط الحلبي) وقال البوصيري: في إسناده خالد بن يزيد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهم.
(4) الاختيار 4 / 172.
(5) حديث: " خير الناس أنفعهم للناس " أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (2 / 223 - ط الرسالة) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو حسن لطرقه.

عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَال: إِنَّ الأَْعْمَال تَتَبَاهَى، فَتَقُول الصَّدَقَةُ: أَنَا أَفْضَلُكُمْ (1) .
وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: بِنَاءُ الرِّبَاطِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، أَفْضَل مِنَ الْحَجَّةِ الثَّانِيَةِ (2) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
10 - الأَْصْل فِي التَّطَوُّعِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ (3) . سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ. . . أَمْ كَانَ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالإِِْعَارَةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَأَنْوَاعِ الإِِْرْفَاقِ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ آيَاتٌ مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (4) ، وقَوْله تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} . (5)
__________
(1) عن عمر بن الخطاب قال: إن الأعمال تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم. أخرجه ابن خزيمة (4 / 95 - ط المكتب الإسلامي) وأعله بجهالة أحد رواته.
(2) الأشباه لابن نجيم / 174.
(3) الفواكه الدواني 2 / 216، 362، والاختيار 4 / 172 و 3 / 55، والمهذب 1 / 89، 194، 309، ومغني المحتاج 3 / 120، وشرح منتهى الإرادات 1 / 222، 223، ومنح الجليل 3 / 46، 487.
(4) سورة المائدة / 2.
(5) سورة البقرة / 245.

وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ (1) قَوْلُهُ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ (2) وَقَوْلُهُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ (3) وَقَوْلُهُ: لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ. (4)
وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، كَبَذْل الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ، وَكَإِِعَارَةِ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِمَنْ يُخْشَى هَلاَكُهُ بِعَدَمِهَا، وَكَإِِعَارَةِ الْحَبْل لإِِِنْقَاذِ غَرِيقٍ (5) .
وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، كَالْعِبَادَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ كَالصَّلاَةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا، وَكَصِيَامِ يَوْمَيِ الْعِيدِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَكَتَصَدُّقِ الْمَدِينِ مَعَ حُلُول دَيْنِهِ
__________
(1) حديث: " من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة " أخرجه مسلم (1 / 503 - ط الحلبي) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها.
(2) حديث: " من صام رمضان ثم ستا من شوال كان كصيام الدهر " تقدم تخريجه (ف / 4) .
(3) حديث: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 283 - ط السلفية) ومسلم (2 / 704 - ط الحلبي) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
(4) حديث: " لا يمنع أحدكم جارة أن يغرز خشبه في جداره " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 110 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1230 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) المهذب 1 / 257، والمنح 3 / 487، والقواعد لابن رجب ص 228.

وَالْمُطَالَبَةِ بِهِ، وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يُسَدِّدُ بِهِ دَيْنَهُ (1) .
وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، كَوُقُوعِ الصَّلاَةِ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطِيَّةِ لأَِوْلاَدِهِ (2) .

أَهْلِيَّةُ التَّطَوُّعِ:
11 - التَّطَوُّعُ يَكُونُ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا، أَمَّا الْعِبَادَاتُ فَإِِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَطَوِّعِ بِهَا مَا يَلِي:
أ - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِالْعِبَادَاتِ مِنَ الْكَافِرِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ.
ب - أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، فَلاَ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّتِهِ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْحَجِّ،
لأَِنَّهُ فِي الْحَجِّ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَكَذَلِكَ يُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنَ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ.
ج - التَّمْيِيزُ، فَلاَ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ مِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ؛ لأَِنَّ تَطَوُّعَ الصَّبِيِّ بِالْعِبَادَاتِ صَحِيحٌ (3) .
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ: فَإِِنَّ الشَّرْطَ هُوَ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ مِنْ عَقْلٍ وَبُلُوغٍ وَرُشْدٍ، فَلاَ يَصِحُّ
__________
(1) المنثور في القواعد 3 / 278، ومنح الجليل 3 / 489.
(2) جواهر الإكليل 1 / 34، ومغني المحتاج 3 / 401.
(3) الأشباه لابن نجيم ص 50، 307، والأشباه للسيوطي ص 214، 219.

تَبَرُّعُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (1) .
وَتَفْصِيل هَذَا يُنْظَرُ فِي (أَهْلِيَّةٌ) .

أَحْكَامُ التَّطَوُّعِ:
12 - أَحْكَامُ التَّطَوُّعِ مِنْهَا مَا يَخُصُّ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَشْمَل الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ غَيْرَ الْعِبَادَاتِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

(أَوَّلاً) مَا يَخُصُّ الْعِبَادَاتِ:
أ - مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
13 - تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِصَلاَةِ الْكُسُوفِ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَتُسَنُّ لِلتَّرَاوِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِذِ الأَْفْضَل الاِنْفِرَادُ بِهَا - بَعِيدًا عَنِ الرِّيَاءِ - إِنْ لَمْ تُعَطَّل الْمَسَاجِدُ عَنْ فِعْلِهَا فِيهَا. وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ كَذَلِكَ لِصَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَتُصَلَّى جَمَاعَةً وَفُرَادَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلاَ تُصَلَّى إِلاَّ فُرَادَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَالْجَمَاعَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ. وَيُسَنُّ الْوِتْرُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ
وَبَقِيَّةُ التَّطَوُّعَاتِ تَجُوزُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى عِنْدَ
__________
(1) الشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي، والهداية 4 / 234، ونهاية المحتاج 5 / 356.

الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَتُكْرَهُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِِذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيل التَّدَاعِي، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْجَمَاعَةُ فِي الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ سُنَّةٌ وَالْفَجْرُ خِلاَفُ الأَْوْلَى. أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ جَمَاعَةً، إِلاَّ أَنْ تَكْثُرَ الْجَمَاعَةُ أَوْ يَشْتَهِرَ الْمَكَانُ فَتُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ حَذَرَ الرِّيَاءِ (1) .
وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ - نَفْلٌ)

مَكَانُ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
14 - صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَل، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِِنَّ أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (2) وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ، فَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل، وَيُسْتَثْنَى كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَلاَةُ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَتَنَفَّل فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ (3) . وَقَال
__________
(1) البدائع 1 / 274، 280، 298، والشرح الصغير 1 / 152، وجواهر الإكليل 1 / 74، 76، ونهاية المحتاج 1 / 102، 120، وشرح منتهى الإرادات 1 / 224، والمغني 2 / 142، ونيل المآرب 1 / 204 ط الفلاح.
(2) حديث: " صلوا أيها الناس في بيوتكم " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 214 - ط السلفية) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
(3) الفواكه الدواني 2 / 365، والحطاب 2 / 67، والكافي لابن عبد البر 1 / 212، 260، والمغني 1 / 561، 2 / 128، 141، ومنتهى الإرادات 1 / 231، والمهذب 1 / 91، 92، ومغني المحتاج 1 / 183.

الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يُكْرَهُ لِلإِِْمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ شَيْئًا مِنَ السُّنَنِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (1) ، وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَأْمُومِ، لأَِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الإِِْمَامِ لِلاِشْتِبَاهِ، وَهَذَا لاَ يُوجَدُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَحَّى أَيْضًا، حَتَّى تَنْكَسِرَ الصُّفُوفُ، وَيَزُول الاِشْتِبَاهُ عَلَى الدَّاخِل مِنْ كُل وَجْهٍ (2) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: قَال أَحْمَدُ: لاَ يَتَطَوَّعُ الإِِْمَامُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ. كَذَا قَال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَال أَحْمَدُ: وَمَنْ صَلَّى وَرَاءَ الإِِْمَامِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ مَكَانَهُ، فَعَل ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَبِهَذَا قَال إِسْحَاقُ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِإِِسْنَادِهِ. وَبِإِِسْنَادِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) حديث: " أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر " أخرجه ابن ماجه (1 / 458 ط عيسى الحلبي) ، وأبو داود (1 / 409 ط عبيد الدعاس) . وضعف الحديث الحافظ في فتح الباري (2 / 335 ط السلفية) . لكنه حسن إسناده عند ابن أبي شيبة عن علي بلفظ " من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه " فهو إن شاء الله بشواهده حسن الإسناد.
(2) البدائع 1 / 285، 298.

قَال: لاَ يَتَطَوَّعُ الإِِْمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ. (1)

صَلاَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ:
15 - يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيل. قَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُل مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلاَةَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَل السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ التَّطَوُّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (2) ، قَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً حَيْثُ تَوَجَّهَ بِهِ بَعِيرُك. وَهَذَا يَتَنَاوَل بِإِِطْلاَقِهِ مَحَل النِّزَاعِ، وَعَنِ
__________
(1) المغني 1 / 562. وحديث: " لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصل فيه المكتوبة " أخرجه ابن عدي في الكامل (5 / 1997 ط دار الفكر) ، وأبو داود (1 / 409 ط عبيد الدعاس) ، وابن ماجه (1 / 459 ط عيسى الحلبي) بنحوه. انظر تخريج الحديث السابق، وهو بشواهده حسن الإسناد.
(2) سورة البقرة / 115.

ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (1) . وَلِلْبُخَارِيِّ: إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ؛ وَلأَِنَّ إِبَاحَةَ الصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، كَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِِلَى قَطْعِهَا وَتَقْلِيلِهَا (2) .
وَالْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِهَذَا لاَ يُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُول. كَذَلِكَ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى النُّزُول لاَ يَجُوزُ، لاِخْتِصَاصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِزِيَادَةِ تَوْكِيدٍ وَتَرْغِيبٍ بِتَحْصِيلِهَا وَتَرْهِيبٍ وَتَحْذِيرٍ عَلَى تَرْكِهَا، فَالْتَحَقَتْ بِالْوَاجِبَاتِ كَالْوِتْرِ (3) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نَفْلٌ - نَافِلَةٌ) .
__________
(1) حديث: " كان يوتر على بعيره " وفي رواية: " كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه وكان ابن عمر يفعله " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 573 ط السلفية) ومسلم (1 / 487 ط الحلبي) .
(2) وهذا يتناول كل وسائل النقل الحديثة من السيارات والطائرات على تفصيل ينظر في ملحق المسائل المستحدثة.
(3) البدائع 1 / 271، 290 وما بعدها، والهداية 1 / 69، وجواهر الإكليل 1 / 44، ومغني المحتاج 1 / 142، والمغني 1 / 434، 435.

صَلاَةُ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا:
16 - تَجُوزُ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ مِنْ قُعُودٍ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، وَأَنَّهُ فِي الْقِيَامِ أَفْضَل، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (1) وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتَرَكَ أَكْثَرَهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ (2) .

الْفَصْل بَيْنَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
17 - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِل الْمُصَلِّي بَيْنَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَلاَةِ التَّطَوُّعِ بَعْدَهَا بِالأَْذْكَارِ الْوَارِدَةِ، كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ الْفَصْل بَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ وَالسُّنَّةِ، بَل يَشْتَغِل بِالسُّنَّةِ (3) . وَلِلتَّفْصِيل: (ر: نَفْلٌ) .

قَضَاءُ التَّطَوُّعِ:
18 - إِِذَا فَاتَ التَّطَوُّعُ - سَوَاءٌ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُقَيَّدُ
__________
(1) حديث: " من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 586 - ط السلفية) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(2) الهداية 1 / 69، والبدائع 1 / 297، 298، وجواهر الإكليل 1 / 57، ومغني المحتاج 1 / 155. والمغني 2 / 142.
(3) الاختيار 1 / 66، وجواهر الإكليل 1 / 73، والمهذب 1 / 87، ومنتهى الإرادات 1 / 194.

بِسَبَبٍ أَوْ وَقْتٍ - فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ يُقْضَى سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَل بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، صَلَّيْتَ صَلاَةً لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا فَقَال: قَدِمَ عَلَيَّ مَالٌ فَشَغَلَنِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ كُنْتُ أَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآْنَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَفَنَقْضِيهِمَا إِِذَا فَاتَتَا؟ قَال: لاَ. (1) وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الأُْمَّةِ، وَإِِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ اخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ شَرِكَةَ لَنَا فِي خَصَائِصِهِ. وَقِيَاسُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ قَضَاءُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَصْلاً، إِلاَّ أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْقَضَاءَ إِِذَا فَاتَتَا مَعَ الْفَرْضِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُمَا مَعَ الْفَرْضِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ (2) فَنَحْنُ نَفْعَل ذَلِكَ لِنَكُونَ عَلَى طَرِيقَتِهِ. وَهَذَا بِخِلاَفِ الْوِتْرِ، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مُلْحَقٌ بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْعَمَل.
وَقَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ فَاتَ النَّفَل
__________
(1) حديث أم سلمة: " قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ثم دخل بيتي. . . " أخرجه أحمد (6 / 315 - ط الميمنية) وقال الهيثمي (2 / 224 - ط القدسي) : رجال أحمد رجال الصحيح.
(2) حديث: " فعلهما مع الفرض ليلة التعريس " أخرجه مسلم (1 / 473 - الحلبي) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

الْمُؤَقَّتُ (كَصَلاَةِ الْعِيدِ وَالضُّحَى) نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَْظْهَرِ، لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِِذَا ذَكَرَهَا (1) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ إِِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَفِي مُسْلِمٍ نَحْوُهُ. وَقَضَى رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَأَخِّرَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ وَلأَِنَّهَا صَلاَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَقُضِيَتْ كَالْفَرَائِضِ، وَسَوَاءٌ السَّفَرُ وَالْحَضَرُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَالثَّانِي: لاَ يُقْضَى كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَتْبَعْ غَيْرَهُ كَالضُّحَى قُضِيَ، لِشَبَهِهِ بِالْفَرْضِ فِي الاِسْتِقْلاَل، وَإِِنْ تَبِعَ غَيْرَهُ كَالرَّوَاتِبِ فَلاَ. قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: قَضِيَّةُ كَلاَمِهِ (أَيِ النَّوَوِيِّ) أَنَّ الْمُؤَقَّتَ يُقْضَى أَبَدًا وَهُوَ الأَْظْهَرُ، وَالثَّانِي: يَقْضِي فَائِتَةَ النَّهَارِ مَا لَمْ تُضْرَبْ شَمْسُهُ، وَفَائِتَةَ اللَّيْل مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُهُ. وَالثَّالِثُ: يَقْضِي مَا لَمْ يُصَل الْفَرْضَ الَّذِي بَعْدَهُ. وَخَرَجَ بِالْمُؤَقَّتِ مَا لَهُ سَبَبٌ كَالتَّحِيَّةِ وَالْكُسُوفِ فَإِِنَّهُ لاَ مَدْخَل لِلْقَضَاءِ فِيهِ. نَعَمْ لَوْ فَاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ الصَّلاَةِ، فَإِِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ.
__________
(1) حديث: " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها " أخرجه مسلم (1 / 277 - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (الفتح 2 / 70 ط السلفية) دون ذكر النوم.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قَال الإِِْمَامُ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى شَيْئًا مِنَ التَّطَوُّعِ، إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
وَقَال الْقَاضِي وَبَعْضُ الأَْصْحَابِ: لاَ يُقْضَى إِلاَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تُقْضَى جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَعْضَهَا، وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَيْهَا.
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يُسَنُّ قَضَاءُ الرَّوَاتِبِ، إِلاَّ مَا فَاتَ مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ، فَالأَْوْلَى تَرْكُهُ، إِلاَّ سُنَّةُ الْفَجْرِ فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا لِتَأَكُّدِهَا (1) .

انْقِلاَبُ الْوَاجِبِ تَطَوُّعًا:
19 - قَدْ يَنْقَلِبُ وَاجِبُ الْعِبَادَاتِ إِِلَى تَطَوُّعٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِقَصْدٍ أَمْ بِغَيْرِ قَصْدٍ. وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً فِي الصَّلاَةِ يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، ثُمَّ غَيَّرَ نِيَّتَهُ فِي الصَّلاَةِ وَجَعَلَهَا تَطَوُّعًا، صَارَتْ تَطَوُّعًا.
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: إِنْ أَحْرَمَ مُصَلٍّ بِفَرْضٍ، كَظُهْرٍ فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسِعِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلاً، بِأَنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ نِيَّةِ الصَّلاَةِ،
__________
(1) البدائع 1 / 279، 287، 290، ومنح الجليل 1 / 210، والدسوقي 1 / 319، ومغني المحتاج 1 / 224، والمغني 2 / 128، وشرح منتهى الإرادات 1 / 230.

صَحَّتْ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى الأَْكْثَرَ مِنْهَا أَوِ الأَْقَل، وَسَوَاءٌ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّ النَّفَل يَدْخُل فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ، وَكُرِهَ قَلْبُهُ نَفْلاً لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. ثُمَّ قَال: وَيَنْقَلِبُ نَفْلاً مَا بَانَ عَدَمُهُ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَائِتَةٍ ظَنَّهَا عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، أَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُهُ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِل النَّفَل.
وَمِنْ ذَلِكَ الصِّيَامُ. جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: مَنْ قَطَعَ نِيَّةَ صَوْمِ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ، ثُمَّ نَوَى صَوْمًا نَفْلاً صَحَّ نَفْلُهُ، وَإِِنْ قَلَبَ صَائِمٌ نِيَّةَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ إِِلَى نَفْلٍ صَحَّ، كَقَلْبِ فَرْضِ الصَّلاَةِ نَفْلاً. وَخَالَفَ الْحَجَّاوِيُّ فِي " الإِِْقْنَاعِ " فِي مَسْأَلَةِ قَلْبِ الْقَضَاءِ، وَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ (1) .
وَمِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ. جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: إِِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِِلَى رَجُلٍ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ إِلَيْهِمْ وَقْتَ الدَّفْعِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَمْرِهِ، فَإِِذَا ظَهَرَ بِيَقِينٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصَارِفِهَا لَمْ تُجْزِئْهُ زَكَاةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِِْعَادَةُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَيَقَعُ تَطَوُّعًا. ثُمَّ قَال الْكَاسَانِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حُكْمُ الْمُعَجَّل إِِذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً: أَنَّهُ إِنْ وَصَل إِِلَى يَدِ الْفَقِيرِ يَكُونُ
__________
(1) الأشباه لابن نجيم ص 51، وشرح منتهى الإرادات 1 / 168، 169، 447.

تَطَوُّعًا، سَوَاءٌ وَصَل إِِلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ رَبِّ الْمَال أَوْ مِنْ يَدِ الإِِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ - وَهُوَ السَّاعِي - لأَِنَّهُ حَصَل أَصْل الْقُرْبَةِ. وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لاَ يُحْتَمَل الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِِلَى يَدِ الْفَقِيرِ.
وَفِي الْمُهَذَّبِ أَيْضًا: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَإِِذَا عَقَدَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا انْعَقَدَ غَيْرُهَا مِنْ جِنْسِهَا، كَصَلاَةِ الظُّهْرِ إِِذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْل الزَّوَال، فَإِِنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالنَّفْل.
وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ نَذْرًا وَنَفْلاً كَانَ نَفْلاً، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا كَانَ تَطَوُّعًا عِنْدَهُمَا فِي الأَْصَحِّ (1) .

حُصُول التَّطَوُّعِ بِأَدَاءِ الْفَرْضِ وَعَكْسُهُ:
20 - هُنَاكَ صُوَرٌ يَحْصُل التَّطَوُّعُ فِيهَا بِأَدَاءِ الْفَرْضِ، وَلَكِنَّ ثَوَابَ التَّطَوُّعِ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِنِيَّتِهِ. جَاءَ فِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ (فِي الْجَمْعِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ) قَالُوا: لَوِ اغْتَسَل الْجُنُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلِرَفْعِ الْجَنَابَةِ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ، وَحَصَل لَهُ ثَوَابُ غُسْل الْجُمُعَةِ.
وَفِي ابْنِ عَابِدِينَ: مَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ نَسِيَهَا وَاغْتَسَل لِلْجُمُعَةِ مَثَلاً، فَإِِنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ضِمْنًا،
__________
(1) البدائع 2 / 50، 52، والمهذب 1 / 207، 240، والأشباه لابن نجيم ص 41.

وَلاَ يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَهُوَ غُسْل الْجَنَابَةِ مَا لَمْ يَنْوِهِ، لأَِنَّهُ لاَ ثَوَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ.
وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: تَتَأَدَّى تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِصَلاَةِ الْفَرْضِ فَيَسْقُطُ طَلَبُ التَّحِيَّةِ بِصَلاَتِهِ، فَإِِنْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّحِيَّةَ حَصَلاَ، وَإِِنْ لَمْ يَنْوِ التَّحِيَّةَ لَمْ يَحْصُل لَهُ ثَوَابُهَا؛ لأَِنَّ الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
وَمِثْل ذَلِكَ غُسْل الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ مَعَ نِيَّةِ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ.
وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: لَوْ طَافَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ وَالْوَدَاعَ، فَقَال الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي: يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا (1) .

(ثَانِيًا) مَا يَشْمَل الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - قَطْعُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ:
21 - إِِذَا كَانَ التَّطَوُّعُ عِبَادَةً كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: إِِذَا شَرَعَ فِيهِ وَجَبَ إِتْمَامُهُ، وَإِِذَا فَسَدَ وَجَبَ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا وَقَضَاءً. وَلأَِنَّ الْمُؤَدَّى عِبَادَةٌ، وَإِِبْطَال الْعِبَادَةِ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (2) ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَدْ أَفْطَرَتَا فِي
__________
(1) الأشباه لابن نجيم ص 40، وابن عابدين 1 / 77، والشرح الصغير 1 / 146، والقواعد لابن رجب ص 24.
(2) سورة محمد / 33.

صَوْمِ التَّطَوُّعِ اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ. (1)
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ إِلاَّ إِِذَا كَانَ الْفَسَادُ مُتَعَمِّدًا، فَإِِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ قَضَاءَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُسْتَحَبُّ الإِِْتْمَامُ إِِذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ وَلاَ يَجِبُ، كَمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ إِِذَا فَسَدَ، إِلاَّ فِي تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَجِبُ إِتْمَامُهُمَا إِِذَا شَرَعَ فِيهِمَا؛ لأَِنَّ نَفْلَهُمَا كَفَرْضِهِمَا نِيَّةً وَفِدْيَةً وَغَيْرَهُمَا (2) .
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الإِِْتْمَامِ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِِنْ شَاءَ أَفْطَرَ. (3)
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي (نَفْلٌ، صَلاَةٌ، صِيَامٌ، حَجٌّ) .
22 - أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، فَإِِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيل عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ الْمَعْرُوفَةِ كَالْهِبَةِ
__________
(1) حديث: " اقضيا يوما مكانه " أخرجه الترمذي (3 / 112 - ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها، وأعله بالانقطاع.
(2) البدائع 1 / 290، 291، والاختيار 1 / 66، والشرح الصغير 1 / 408، والحطاب 2 / 90، والكافي لابن عبد البر 1 / 350، ومغني المحتاج 1 / 448، 523، والمهذب 1 / 95، والمغني 3 / 153، 365، وشرح منتهى الإرادات 1 / 461.
(3) حديث: " الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر " أخرجه الترمذي (3 / 109 - ط الحلبي) والحاكم (1 / 439 - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعله ابن التركماني بالاضطراب في سنده ومتنه (الجوهر النقي بهامش البيهقي 4 / 278 ط دائرة المعارف العثمانية) .

وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، وَإِِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِِنْ كَانَ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، فَلِكُل عَقْدٍ حُكْمُهُ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ أَوْ عَدَمِ جَوَازِهِ. فَفِي الْوَصِيَّةِ مَثَلاً: يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا دَامَ الْمُوصِي حَيًّا. وَفِي الْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِطَلَبِ رَدِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَعَارِ وَاسْتِرْدَادِ بَدَل الْقَرْضِ فِي الْحَال بَعْدَ الْقَبْضِ. وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، بَل قَال الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْمُقْرِضَ إِِذَا أَجَّل الْقَرْضَ لاَ يَلْزَمُهُ التَّأْجِيل؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ فِيهِ الأَْجَل لَمْ يَبْقَ تَبَرُّعًا.
وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ، فَإِِذَا تَمَّ الْقَبْضُ فَلاَ رُجُوعَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ فِيمَا وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ (1) .
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهِ. وَفِي (تَبَرُّعٌ) .
أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ كَالصَّدَقَةِ وَالإِِْنْفَاقِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ، فَإِِنْ كَانَ قَدْ مَضَى فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ، مَا دَامَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّ بِنِيَّةِ التَّبَرُّعِ.
__________
(1) البدائع 5 / 234 و 6 / 216 و 7 / 378، 396، والهداية 3 / 222 - 231 و 4 / 235، ومنح الجليل 3 / 50، وجواهر الإكليل 2 / 212، ومغني المحتاج 3 / 71، والمهذب 1 / 310، 370، 454، 468، ومنتهى الإرادات 2 / 227، 520، 525، والمغني 4 / 349 و 5 / 229.

يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الثَّوَابُ لاَ الْعِوَضُ. وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ فِي صَدَقَتِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال فِي حَدِيثِهِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا. وَمِثْل ذَلِكَ الإِِْنْفَاقُ إِِذَا كَانَ بِقَصْدِ التَّبَرُّعِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِِذَا أَنْفَقَ الْوَصِيُّ مِنْ مَال نَفْسِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ غَائِبٌ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الإِِْنْفَاقِ اسْتِحْسَانًا، إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ قَرْضٌ، أَوْ أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمَقَاصِدُ تُغَيِّرُ أَحْكَامَ التَّصَرُّفَاتِ، فَالنِّيَّةُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ نَفَقَةً وَاجِبَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - يَنْوِي التَّبَرُّعَ وَالْهِبَةَ - لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ بِالْبَدَل، وَإِِنْ لَمْ يَنْوِ فَلَهُ الرُّجُوعُ. عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاً وَخِلاَفًا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً: أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ وَلِسَائِرِ الأُْصُول الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا عَلَى الْوَلَدِ، أَمَّا الْوَاجِبَةُ فَلاَ رُجُوعَ فِيهَا. وَلاَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ الرُّجُوعَ فِي الإِِْبْرَاءِ لِوَلَدِهِ عَنْ دَيْنِهِ. بَيْنَمَا يُجِيزُ الْحَنَابِلَةُ رُجُوعَ الأَْبِ فِيمَا أَبْرَأَ ابْنَهُ مِنْهُ مِنَ الدُّيُونِ (1) .
__________
(1) ابن عابدين 4 / 422، 5 / 458، والمغني 5 / 684، وإعلام الموقعين 3 / 98، وأسنى المطالب 2 / 483، والاختبارات الفقهية ص 187.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَبَرُّعٌ، صَدَقَةٌ، إِبْرَاءٌ، هِبَةٌ، نَفَقَةٌ) .
23 - أَمَّا مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ. فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ.
يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: انْعَقَدَ الإِِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الإِِْنْسَانَ لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الاِعْتِكَافِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ رَجَبٍ ذَكَرَ خِلاَفًا فِي ذَلِكَ.
وَالْحَطَّابُ عَدَّ الأَْشْيَاءَ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَهِيَ سَبْعٌ: الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالاِعْتِكَافُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالاِئْتِمَامُ وَالطَّوَافُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا لاَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِقَطْعِهِ، وَهُوَ: الصَّدَقَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالأَْذْكَارُ وَالْوَقْفُ وَالسَّفَرُ لِلْجِهَادِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ (1) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَبَرُّعٌ، صَدَقَةٌ) .

ب - نِيَّةُ التَّطَوُّعِ:
24 - التَّطَوُّعُ - إِنْ كَانَ عِبَادَةً - فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ بِالإِِْجْمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (2) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
__________
(1) المغني 3 / 185، والقواعد لابن رجب 86، ومواهب الجليل 2 / 90.
(2) سورة البينة / 5.

{إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (1) وَهِيَ مَقْصُودَةٌ بِهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ، وَتَمْيِيزُ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ. فَالْغُسْل قَدْ يَكُونُ تَبَرُّدًا وَعِبَادَةً، وَالإِِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ قَدْ يَكُونُ حَمِيَّةً أَوْ تَدَاوِيًا، وَدَفْعُ الْمَال يَكُونُ صَدَقَةً شَرْعِيَّةً وَصِلَةً مُتَعَارَفَةً. . وَهَكَذَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ بِاتِّفَاقٍ (2) ، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي النِّيَّةِ فِي تَطَوُّعِ الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعْيِينِ أَوِ الإِِْطْلاَقِ.
25 - وَالتَّطَوُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ، مِنْهُ مَا هُوَ مُطْلَقٌ كَالتَّهَجُّدِ وَالصَّوْمِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُقَيَّدٌ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَكَصِيَامِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ.
أَمَّا التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ، فَيَصِحُّ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ أَدَاؤُهُ دُونَ تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ، وَتَكْفِي نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلاَةِ أَوْ مُطْلَقِ الصَّوْمِ.
أَمَّا التَّطَوُّعُ الْمُعَيَّنُ كَالرَّوَاتِبِ وَالْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَإِِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعْيِينُهُ بِالنِّيَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ
__________
(1) حديث: " إنما الأعمال بالنيات " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 9 - ط السلفية ومسلم (3 / 1515 - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. واللفظ للبخاري.
(2) الأشباه لابن نجيم ص 19، 23 والذخيرة للقرافي ص 235، 236، والمنثور 3 / 287، والمغني 1 / 464.

وَبَعْضِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ حَدَّدُوا الْمُعَيَّنَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ: الْوِتْرُ وَالْعِيدَانِ وَصَلاَةُ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَرَغِيبَةِ الْفَجْرِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُطْلَقِ عِنْدَهُمْ. وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّطَوُّعَ الْمُعَيَّنَ أَوَ الْمُقَيَّدَ يَصِحُّ دُونَ تَعْيِينِهِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ كَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ (1) .
26 - أَمَّا غَيْرُ الْعِبَادَاتِ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، فَالأَْصْل أَنَّهُ لاَ مَدْخَل لِلنِّيَّةِ فِيهَا، إِلاَّ أَنَّ نِيَّةَ الْقُرْبَةِ فِيهَا - امْتِثَالاً لأَِوَامِرِ الشَّرْعِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى الْمَعْرُوفِ - مَطْلُوبَةً لاِسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ، إِذْ إِنَّهَا لاَ تَتَمَحَّضُ قُرْبَةً إِلاَّ بِهَذِهِ النِّيَّةِ. يَقُول الشَّاطِبِيُّ: الْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ.
إِِلَى أَنْ قَال: وَأَمَّا الأَْعْمَال الْعَادِيَّةُ - وَإِِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِِلَى نِيَّةٍ - فَلاَ تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلاَ مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلاَّ مَعَ قَصْدِ الاِمْتِثَال، وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: لاَ يَتَوَقَّفُ الْوَقْفُ وَلاَ الْهِبَةُ وَلاَ الْوَصِيَّةُ عَلَى النِّيَّةِ، فَالْوَصِيَّةُ إِنْ قُصِدَ التَّقَرُّبُ بِهَا
__________
(1) الأشباه لابن نجيم ص 32، 33، والبدائع 1 / 288، وحاشية الدسوقي 1 / 318، والحطاب 1 / 515، والأشباه للسيوطي ص 15 - 17، والمنثور 3 / 276، والمهذب 1 / 77، والمغني 1 / 466، وشرح منتهى الإرادات 1 / 167.

فَلَهُ الثَّوَابُ، وَإِِلاَّ فَهِيَ صَحِيحَةٌ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ إِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فَلَهُ الثَّوَابُ وَإِِلاَّ فَلاَ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْقُرَبِ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، بِمَعْنَى تَوَقُّفِ حُصُول الثَّوَابِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ بِهَا إِِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: الْهِبَةُ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ الْمَنْدُوبَةِ كَالصَّدَقَةِ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ الْقَصْدُ، وَإِِنِ اسْتَحْضَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا رَغَّبَ فِيهِ الشَّرْعُ فَإِِنَّهُ يُثَابُ. وَفِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلاَمِ قُرْبَةٌ، لاَ يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ (1) .

ج - النِّيَابَةُ فِي التَّطَوُّعِ:
27 - التَّطَوُّعُ إِنْ كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَلاَ تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ، لأَِنَّهُ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ تَجُوزُ فِي نَفْلِهِ. وَإِِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْهُمَا كَالْحَجِّ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ مُعْتَمَدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّطَوُّعَاتِ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالصَّدَقَةِ وَالْهَدْيِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالإِِْبْرَاءِ وَغَيْرِهَا فَإِِنَّهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا.
كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَتَطَوَّعَ
__________
(1) الموافقات للثساطبي 2 / 323، 329، والأشباه لابن نجيم ص 23، 24، والشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي بتصرف، والمنثور في القواعد 3 / 61.

الإِِْنْسَانُ بِجَعْل ثَوَابِ عَمَلِهِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ وَطَوَافٍ وَعُمْرَةٍ وَقِرَاءَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ. بِدَلِيل أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنْهُ، وَالآْخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ. (1) وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ: لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ. (2)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا عَامٌّ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ عَمَل بِرٍّ وَطَاعَةٍ فَوَصَل نَفْعُهُ وَثَوَابُهُ كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانَا، وَنَحُجُّ عَنْهُمْ، وَنَدْعُو لَهُمْ، فَهَل يَصِل ذَلِكَ لَهُمْ؟ قَال: نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَصِل إِلَيْهِمْ، وَإِِنَّهُمْ لَيَفْرَحُونَ بِهِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالطَّبَقِ إِِذَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ (3) وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْمَوْتِ أَنْ
__________
(1) حديث: " ضحى بكبشين أملحين: أحدهما عنه، والآخر عن أمته " أخرجه البيهقي (9 / 267 - ط دائرة المعارف العثمانية) وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد (4 / 22 - ط القدسي) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقال الهيثمي: إسناده حسن.
(2) حديث: " لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك " أخرجه أبو داود (3 / 302 - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(3) حديث: " إنه ليصل إليهم، وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه ". رواه أبو حفص العكبري كما ورد في ابن عابدين 2 / 237.

تُصَلِّيَ لأَِبَوَيْكَ مَعَ صَلاَتِكَ، وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ (1)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ فِيمَا عَدَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ (2) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نِيَابَةٌ - وَكَالَةٌ - نَفْلٌ - صَدَقَةٌ - صَلاَةٌ - وَصَوْمٌ) .

د - الأُْجْرَةُ عَلَى التَّطَوُّعِ:
28 - الأَْصْل أَنَّ كُل طَاعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُسْلِمُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا، كَالإِِْمَامَةِ وَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ. لِمَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ قَال: إِنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (3)
__________
(1) حديث: " إن من البر بعد الموت أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صومك ". رواه الدارقطني كما ورد في ابن عابدين 2 / 237.
(2) البدائع 2 / 13، 41، 103، وابن عابدين 1 / 493، 606، 2 / 118، 237 - 241، والهداية 1 / 127 و 3 / 138، ومنح الجليل 1 / 306، 442، 449، 3 / 352، وجواهر الإكليل 2 / 125، والفروق للقرافي 3 / 191، والشرح الصغير 1 / 264، 2 / 182، ومغني المحتاج 3 / 67، ونهاية المحتاج 6 / 92 و 8 / 136، وقليوبي 2 / 338، والمنثور 3 / 312، والمهذب 1 / 355، والمغني 2 / 567، 568، 5 / 89، وشرح منتهى الإرادات 1 / 121، 362، 2 / 6.
(3) حديث: " اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " أخرجه أبو داود (1 / 363 ط. عبيد دعاس) والترمذي (1 / 410 - مصطفى البابي) . وقال: حديث عثمان حديث حسن صحيح.

وَلأَِنَّ الْقُرْبَةَ مَتَى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عَنِ الْعَامِل، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهُ، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأَْجْرِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ.
هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (1) .
وَيَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. جَاءَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: تُكْرَهُ إِجَارَةُ الإِِْنْسَانِ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ لِلَّهِ تَعَالَى، حَجًّا أَوْ غَيْرَهُ، كَقِرَاءَةٍ وَإِِمَامَةٍ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ، وَصِحَّتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. كَمَا تُكْرَهُ الإِِْجَارَةُ عَلَى الأَْذَانِ، قَال مَالِكٌ: لأََنْ يُؤَاجِرَ الرَّجُل نَفْسَهُ فِي عَمَل اللَّبِنِ وَقَطْعِ الْحَطَبِ وَسَوْقِ الإِِْبِل أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْمَل عَمَلاً لِلَّهِ بِأُجْرَةٍ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لاَ تَصِحُّ إِجَارَةُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ وَلاَ لِعِبَادَةٍ يَجِبُ لَهَا نِيَّةٌ، وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ الإِِْمَامَةَ وَلَوْ لِنَفْلٍ؛ لأَِنَّهُ حَصَل لِنَفْسِهِ. أَمَّا مَا لاَ تَجِبُ لَهُ نِيَّةٌ كَالأَْذَانِ فَيَصِحُّ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَاسْتُثْنِيَ مِمَّا فِيهِ نِيَّةٌ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، فَيَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ لَهُمَا أَوْ لأَِحَدِهِمَا عَنْ عَاجِزٍ أَوْ مَيِّتٍ، وَتَقَعُ صَلاَةُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ تَبَعًا لَهُمَا، وَتَجُوزُ الإِِْجَارَةُ عَنْ تَفْرِقَةِ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ وَهَدْيٍ وَذَبْحٍ وَصَوْمٍ عَنْ مَيِّتٍ وَسَائِرِ مَا يَقْبَل النِّيَابَةَ وَإِِنْ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ شَائِبَةِ الْمَال. وَتَصِحُّ الإِِْجَارَةُ لِكُل مَا لاَ تَجِبُ لَهُ
__________
(1) البدائع 4 / 192، والهداية 3 / 240، والمغني 3 / 231 و 5 / 555 - 559، والاختيارات الفقهية ص 55.

نِيَّةٌ. وَتَصِحُّ لِتَجْهِيزِ مَيِّتٍ وَدَفْنِهِ وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ وَلِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقَبْرِ أَوْ مَعَ الدُّعَاءِ (1) .
وَفِي الاِخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ لاِبْنِ تَيْمِيَّةَ: لاَ يَجُوزُ لِلإِِْنْسَانِ أَنْ يَقْبَل هَدِيَّةً مِنْ شَخْصٍ لِيَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ ذِي أَمْرٍ، أَوْ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلَمَةً، أَوْ يُوصِل إِلَيْهِ حَقَّهُ أَوْ يُوَلِّيَهُ وِلاَيَةً يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمُهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ، وَإِِذَا امْتَنَعَتِ الْهَدِيَّةُ امْتَنَعَتِ الأُْجْرَةُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ أَخَذَ أَجْرًا عَلَى عَمَل تَطَوُّعٍ - مِمَّا يَجُوزُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ - فَإِِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَجِيرًا، وَلَيْسَ مُتَطَوِّعًا بِالْقُرُبَاتِ؛ لأَِنَّ الْقُرَبَ وَالطَّاعَاتِ إِِذَا وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً وَلاَ عِبَادَةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّشْرِيكُ فِي الْعِبَادَةِ، لَكِنْ إِِذَا كَانَ الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَال أَوْ مِنْ وَقْفٍ فَإِِنَّهُ يُعْتَبَرُ نَفَقَةً فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يُعْتَبَرُ أَجْرًا.
جَاءَ فِي الاِخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ: الأَْعْمَال الَّتِي يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ، هَل يَجُوزُ إِيقَاعُهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ؟ فَمَنْ قَال: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، لَمْ يُجِزِ الإِِْجَارَةَ عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا بِالْعِوَضِ تَقَعُ غَيْرَ قُرْبَةٍ وَإِِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَاللَّهُ تَعَالَى لاَ يَقْبَل مِنَ الْعَمَل إِلاَّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَمَنْ جَوَّزَ الإِِْجَارَةَ جَوَّزَ إِيقَاعَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَقَال: تَجُوزُ الإِِْجَارَةُ عَلَيْهَا لاَ فِيهَا
__________
(1) الشرح الصغير 1 / 264 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 5 / 287، 288، 6 / 91.

مِنْ نَفْعِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَال فَلَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً، بَل رِزْقٌ لِلإِِْعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَمَنْ عَمِل مِنْهُمْ لِلَّهِ أُثِيبَ. وَكَذَلِكَ الْمَال الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَال الْبِرِّ وَالْمُوصَى بِهِ كَذَلِكَ، وَالْمَنْذُورُ كَذَلِكَ، لَيْسَ كَالأُْجْرَةِ. وَيَقُول الْقَرَافِيُّ: بَابُ الأَْرْزَاقِ أَدْخَل فِي بَابِ الإِِْحْسَانِ وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبَابُ الإِِْجَارَةِ أَبْعَدُ مِنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَل فِي بَابِ الْمُكَايَسَةِ (1) ، ثُمَّ يَقُول: الأَْرْزَاقُ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهَا، لأَِنَّهَا إِحْسَانٌ وَمَعْرُوفٌ وَإِِعَانَةٌ لاَ إِجَارَةٌ (2) .

انْقِلاَبُ التَّطَوُّعِ إِِلَى وَاجِبٍ:
29 - يَنْقَلِبُ التَّطَوُّعُ إِِلَى وَاجِبٍ لأَِسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا:

أ - الشُّرُوعُ:
30 - التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ يَصِيرُ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، بِحَيْثُ إِِذَا فَسَدَ وَجَبَ قَضَاؤُهُ. وَمِثْل ذَلِكَ: الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (3) .
__________
(1) المكايسة: المغالبة والمسامحة (حاشية الدسوقي 3 / 2) .
(2) الاختيارات الفقهية ص 184، والمغني 3 / 231، والفروق للقرافي 3 / 3، 4. وحديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . " سبق تخريجه (ف 24) .
(3) البدائع 1 / 226 و 2 / 52، 108، 117، والشرح الصغير 1 / 248، ومغني المحتاج 1 / 448، والمغني 3 / 3.

ب - التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِِْسْلاَمِ:
31 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ - مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِِْسْلاَمِ - وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الإِِْسْلاَمِ، وَبِهَذَا قَال ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَالشَّافِعِيُّ؛ لأَِنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ، فَوَقَعَ عَنْ فَرْضِهِ كَالْمُطْلَقِ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ وَعَلَيْهِ مَنْذُورَةٌ وَقَعَتْ عَنِ الْمَنْذُورَةِ، وَلأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ فَهِيَ كَحَجَّةِ الإِِْسْلاَمِ. وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا ذَكَرْنَا لأَِنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَأَشْبَهَتِ الآْخَرَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِِلَى: أَنَّهُ إِِذَا نَوَى حَجَّةَ نَفْلٍ - وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الإِِْسْلاَمِ - وَقَعَ عَمَّا نَوَاهُ؛ لأَِنَّ وَقْتَ الْحَجِّ يُشْبِهُ وَقْتَ الصَّلاَةِ (ظَرْفٌ) وَوَقْتُ الصَّوْمِ (مِعْيَارٌ) فَأُعْطِيَ حُكْمَهُمَا، فَيَتَأَدَّى فَرْضُهُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَيَقَعُ عَنِ النَّفْل إِِذَا نَوَاهُ.
وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوْ طَافَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ: لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ أَجْزَأَهُ عَنِ الزَّكَاةِ اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاسُ: أَنْ لاَ يَجُوزَ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَلاَ بُدَّ لَهَا مِنَ النِّيَّةِ. وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ دَلاَلَةً، وَعَلَى هَذَا إِِذَا وَهَبَ جَمِيعَ النِّصَابِ مِنَ الْفَقِيرِ، أَوْ نَوَى تَطَوُّعًا، وَلَوْ أَدَّى مِائَةً لاَ يَنْوِي الزَّكَاةَ، وَنَوَى تَطَوُّعًا، لاَ تَسْقُطُ زَكَاةُ الْمِائَةِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ الْكُل

عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ مَا تَصَدَّقَ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْبَاقِي (1) .

ج - الاِلْتِزَامُ أَوِ التَّعْيِينُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْل:
32 - جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ عَلَى فُلاَنٍ، فَخَالَفَ، جَازَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَلَوْ خَالَفَ فِي بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا، بِأَنْ تَصَدَّقَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِبَلَدٍ آخَرَ بِدِرْهَمٍ آخَرَ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ جَازَ؛ لأَِنَّ الدَّاخِل تَحْتَ النَّذْرِ مَا هُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ أَصْل التَّصَدُّقِ دُونَ التَّعْيِينِ، فَبَطَل التَّعْيِينُ وَلَزِمَهُ الْقُرْبَةُ.
ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُطْعِمَ هَذَا الْمِسْكِينَ شَيْئًا سَمَّاهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلَّذِي سَمَّى؛ لأَِنَّهُ إِِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْمَنْذُورَ صَارَ تَعْيِينُ الْفَقِيرِ مَقْصُودًا، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ.
وَفِي الاِخْتِيَارِ: لاَ تَجِبُ الأُْضْحِيَّةُ عَلَى الْفَقِيرِ، لَكِنَّهَا تَجِبُ بِالشِّرَاءِ، وَيَتَعَيَّنُ مَا اشْتَرَاهُ لِلأُْضْحِيَّةِ. فَإِِنْ مَضَتْ أَيَّامُ الأُْضْحِيَّةِ وَلَمْ يَذْبَحْ، تَصَدَّقَ بِهَا حَيَّةً؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْفَقِيرِ، فَإِِذَا اشْتَرَاهَا بِنِيَّةِ الأُْضْحِيَّةِ تَعَيَّنَتْ لِلْوُجُوبِ، وَالإِِْرَاقَةُ إِنَّمَا عُرِفَتْ قُرْبَةً فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ، وَقَدْ فَاتَ فَيَتَصَدَّقُ بِعَيْنِهَا.
__________
(1) البدائع 2 / 40، والمغني 3 / 246، والأشباه لابن نجيم ص 45، وجواهر الإكليل 1 / 175، ومسلم الثبوت 1 / 72، وحاشية الدسوقي مع شرح الدردير 2 / 5.

وَإِِنْ كَانَ الْمُضَحِّي غَنِيًّا، وَفَاتَ وَقْتُ الأُْضْحِيَّةِ، تَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا، اشْتَرَاهَا أَوْ لاَ؛ لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَإِِذَا فَاتَ وَقْتُ الْقُرْبَةِ فِي الأُْضْحِيَّةِ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ إِخْرَاجًا لَهُ عَنِ الْعُهْدَةِ.
وَجَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: الأُْضْحِيَّةُ سُنَّةٌ، وَلَكِنَّهَا تَجِبُ بِالاِلْتِزَامِ، كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ أُضْحِيَّةً كَسَائِرِ الْقُرَبِ.
وَفِي تَحْرِيرِ الْكَلاَمِ فِي مَسَائِل الاِلْتِزَامِ لِلْحَطَّابِ: الاِلْتِزَامُ الْمُطْلَقُ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُلْتَزِمِ، مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ أَوْ يَمْرَضْ.
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِيمَنْ عَزَل لِمِسْكِينٍ مُعَيَّنٍ شَيْئًا، وَبَتَّلَهُ لَهُ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إِنْ فَعَل. وَلَوْ نَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَمْ يُبَتِّلْهُ لَهُ بِقَوْلٍ وَلاَ نِيَّةٍ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِِلَى غَيْرِهِ. وَمَعْنَى بَتَّلَهُ: جَعَلَهُ لَهُ مِنَ الآْنَ.
وَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: مَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ. وَقَال غَيْرُهُ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: يُحْمَل كَلاَمُ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى مَا إِِذَا أَخْرَجَهَا لِمُعَيَّنٍ، فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ، وَحُمِل كَلاَمُ مَالِكٍ عَلَى إِخْرَاجِهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بَل يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الَّذِي يَأْخُذُهَا.

وَفِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ لاِبْنِ رَجَبٍ: الْهَدْيُ وَالأُْضْحِيَّةُ يَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعْيِينِ بِالْقَوْل بِلاَ خِلاَفٍ. وَفِي تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ وَجْهَانِ، فَإِِذَا قَال: هَذِهِ صَدَقَةٌ، تَعَيَّنَتْ وَصَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَنْذُورَةِ، وَإِِذَا عَيَّنَ بِنِيَّتِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا صَدَقَةً - وَعَزَلَهَا عَنْ مَالِهِ - فَهُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَاةً يَنْوِي التَّضْحِيَةَ (1) .

د - النَّذْرُ:
33 - النَّذْرُ بِالْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ يَجْعَلُهَا وَاجِبَةً. قَال الْكَاسَانِيُّ: النَّذْرُ مِنْ أَسْبَابِ الْوُجُوبِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ الْمَقْصُودَةِ. وَفِي فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ: هُوَ الْتِزَامُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ (2) .

هـ - اسْتِدْعَاءُ الْحَاجَةِ:
34 - قَال ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِِلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ مِنَ الأَْعْيَانِ - وَلاَ ضَرَرَ فِي بَذْلِهِ لِتَيَسُّرِهِ، وَكَثْرَةِ وُجُودِهِ - أَوِ الْمَنَافِعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا يَجِبُ بَذْلُهُ مَجَّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الأَْظْهَرِ، وَمِنْ ذَلِكَ وَضْعُ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ إِِذَا لَمْ يَضُرَّ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ بَذْل الْمَاعُونِ، وَهُوَ
__________
(1) ابن عابدين 2 / 126، والاختيار 5 / 19، ونهاية المحتاج 8 / 207، وفتح العلي المالك 1 / 234، 248، والفواكه الدواني 2 / 220، والقواعد الفقهية لابن رجب ص 86، والمغني 3 / 537.
(2) البدائع 2 / 223، وفتح العلي المالك 1 / 218.

مَا خَفَّ قَدْرُهُ وَسَهُل (وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِبَذْلِهِ) ،
وَمِنْهَا: الْمُصْحَفُ تَجِبُ إِعَارَتُهُ لِمُسْلِمٍ احْتَاجَ الْقِرَاءَةَ فِيهِ. وَفِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: الْعَارِيَّةُ مَنْدُوبَةٌ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهَا، كَغَنِيٍّ عَنْهَا لِمَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا هَلاَكَهُ. وَفِي الْقَرْضِ قَال: الْقَرْضُ مَنْدُوبٌ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُوجِبُهُ كَالْقَرْضِ لِتَخْلِيصِ مُسْتَهْلِكٍ (1) .

و الْمِلْكُ:
35 - الأَْصْل فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ، لَكِنْ يَكُونُ وَاجِبًا عَلَى مَنْ مَلَكَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ، حَيْثُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْمِلْكِ (2) .

أَسْبَابُ مَنْعِ التَّطَوُّعِ:
36 - يُمْنَعُ التَّطَوُّعُ لأَِسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا:

أ - وُقُوعُهُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا:
37 - التَّطَوُّعُ بِالْعِبَادَةِ فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي نَهَى الشَّارِعُ عَنْ وُقُوعِ الْعِبَادَةِ فِيهَا مَمْنُوعٌ، كَالصَّلاَةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا أَوْ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ
__________
(1) القواعد لابن رجب ص 227، والشرح الصغير وحاشية الصاوي 2 / 104، 205 ط الحلبي.
(2) الشرح الصغير 2 / 445، والمهذب 2 / 5.

تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيل الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضِيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (1) وَمِثْل ذَلِكَ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ (2) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. (3)
وَيُنْظَرُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ وَتَفْصِيلِهِ: (أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ - صَلاَةٌ - نَفْلٌ - صَوْمٌ) .

ب - إِقَامَةُ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ:
38 - يُمْنَعُ التَّطَوُّعُ بِالصَّلاَةِ إِِذَا شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِِْقَامَةِ لِلصَّلاَةِ، أَوْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لاَ يَتَّسِعُ لأَِدَاءِ أَيِّ نَافِلَةٍ (4) . قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ (5) (ر: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ، نَفْلٌ) .
__________
(1) حديث: " ثلاث ساعات. . . . " أخرجه مسلم (1 / 568 - 569 - ط الحلبي) .
(2) الاختيار 1 / 41، والدسوقي 1 / 186، وأسنى المطالب 1 / 123، والمغني 2 / 107.
(3) حديث: " نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر " أخرجه أحمد (2 / 511 ط المكتب الإسلامي) ، والبيهقي (4 / 297 ط دار المعرفة) وأصله عند الشيخين.
(4) جواهر الإكليل 1 / 77، ومنتهى الإرادات 1 / 347، ومراقي الفلاح / 102.
(5) حديث: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " أخرجه مسلم (1 / 493 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ج - عَدَمُ الإِِْذْنِ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإِِْذْنَ:
39 - مَنْ يَتَوَقَّفُ تَطَوُّعُهُ عَلَى إِذْنِ غَيْرِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ إِلاَّ بَعْدَ الإِِْذْنِ لَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَطَوَّعَ بِصَوْمٍ أَوِ اعْتِكَافٍ أَوْ حَجٍّ إِلاَّ بِإِِذْنِ زَوْجِهَا، وَلاَ يَصُومُ الأَْجِيرُ تَطَوُّعًا إِلاَّ بِإِِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ إِِذَا تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الْبَالِغِ الإِِْحْرَامُ بِنَفْل حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ نَفْل جِهَادٍ إِلاَّ بِإِِذْنِ الأَْبَوَيْنِ (1) .
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نَفْلٌ، صَلاَةٌ، صَوْمٌ، حَجٌّ، إِجَارَةٌ، أُنْثَى) .

د - الإِِْفْلاَسُ فِي الْحَجْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ الْمَالِيَّةِ:
40 - مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَإِِنَّهُ يُمْنَعُ شَرْعًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِي أَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّبَرُّعِ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ، وَهَذَا بَعْدَ الْحَجْرِ بِاتِّفَاقٍ، أَمَّا قَبْل الْحَجْرِ فَفِيهِ اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ (ر: حَجْرٌ، تَبَرُّعٌ، إِفْلاَسٌ) .
وَتُمْنَعُ التَّبَرُّعَاتُ الْمُنَجَّزَةُ - كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - إِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ، وَكَانَتِ التَّبَرُّعَاتُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ،
__________
(1) البدائع 2 / 107، 108، والأشباه لابن نجيم / 173، والحطاب 2 / 453، 454، ونهاية المحتاج 3 / 356، والمغني 3 / 240.

لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ قَبْل وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ. (1)
وَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ.
وَمَنْ وَقَفَ وَقْفًا مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَلَمْ يُمْكِنْ وَفَاءُ الدَّيْنِ إِلاَّ بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنَ الْوَقْفِ، وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، بِيعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَيُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ أَيْضًا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَفْضُل شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
جَاءَ فِي الْمَنْثُورِ: الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إِِذَا فَعَلَهَا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ مِمَّا لاَ يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلاَ يَحِل تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ. وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِيمَنْ تَبَرَّعَ بِمَالِهِ بِوَقْفٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَأَبَوَاهُ مُحْتَاجَانِ: أَنَّ لَهُمَا رَدَّهُ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ مَنْ أَوْصَى لأَِجَانِبَ، وَلَهُ أَقَارِبُ مُحْتَاجُونَ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ. فَتَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ
__________
(1) حديث: " إن الله تصدق عليكم بوفاتكم بثلث أموالكم " أخرجه ابن ماجه (2 / 904 ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي إسناده ضعف، قال ابن حجر: طرقه كلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضا (بلوغ المرام ص 221 ط. عبد الحميد أحمد حنفي) .

وَاجِبَةٌ لِوَارِثٍ أَوْ دَيْنٍ - لَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ - لَهُمَا رَدُّهُ (1) . وَكُل هَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ فِي: (حَجْرٌ، تَبَرُّعٌ، هِبَةٌ، وَقْفٌ، وَصِيَّةٌ) .

هـ - التَّطَوُّعُ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرُبَاتِ فِي الْمَعْصِيَةِ:
41 - لاَ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِشَيْءٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: -
لاَ تَصِحُّ إِعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ بِالْحَجِّ (2) . - لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ، كَالْوَصِيَّةِ لِلْكَنِيسَةِ، وَالْوَصِيَّةِ بِالسِّلاَحِ لأَِهْل الْحَرْبِ. وَلاَ الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ أَوْ عِمَارَتِهِمَا أَوِ الاِتِّفَاقِ عَلَيْهِمَا (3) .
لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلاَ عَلَى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ كَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَكَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالإِِْنْجِيل. وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالْوَقْفِ الْقُرْبَةُ. وَفِي وَقْفِ ذَلِكَ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (4) . وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجُمْلَةِ.
__________
(1) البدائع 7 / 174، والشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي، والحطاب 5 / 60، 61، ونهاية المحتاج 4 / 355، ومغني المحتاج 3 / 120، والمغني 5 / 633، 6 / 71، والاختيارات الفقهية ص 179، والمنثور في القواعد 3 / 278، والقواعد لابن رجب ص 14.
(2) البدائع 6 / 214، 215، والفتاوى الهندية 4 / 372، والشرح الصغير 2 / 206 ط الحلبي، والمغني 5 / 225.
(3) المهذب 1 / 458، والمغني 6 / 105.
(4) الحطاب 5 / 23، ونهاية المحتاج 5 / 365، والمغني 5 / 645.

وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: (الْوَقْفُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْهِبَةُ، وَالتَّبَرُّعُ)

ثَالِثًا: مَا يَخُصُّ غَيْرَ الْعِبَادَاتِ (مِنْ أَحْكَامِ التَّطَوُّعِ) :
الإِِْيجَابُ وَالْقَبُول وَالْقَبْضُ:
42 - مِنَ التَّطَوُّعَاتِ مَا يَحْتَاجُ إِِلَى الإِِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَذَلِكَ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، مِثْل الْعَارِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ - مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَاخْتِلاَفِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ أَيْضًا - وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ - الْعَارِيَّةُ
43 - الإِِْيجَابُ وَالْقَبُول رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْعَارِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ يَحِل التَّعَاطِي مَحَل الإِِْيجَابِ أَوِ الْقَبُول.
وَالْقَبْضُ لاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْعَارِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ عِنْدَهُمْ، وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا الْمُسْتَعِيرُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُل فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لأَِنَّهَا تُسْتَوْفَى شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكُلَّمَا اسْتَوْفَى شَيْئًا فَقَدْ قَبَضَهُ، وَالَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ فِي حَالٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ، كَإِِعَارَةِ

أَرْضٍ لِزِرَاعَةٍ أَوْ دَفْنِ مَيِّتٍ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي: (عَارِيَّةٌ) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَالإِِْعَارَةُ عَقْدٌ لاَزِمٌ عِنْدَهُمْ، فَهِيَ تُفِيدُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِالإِِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْل الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ، أَوْ قَبْل إِمْكَانِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمُسْتَعَارِ إِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً (1) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ كَذَلِكَ.

ب - الْهِبَةُ:
44 - الإِِْيجَابُ وَالْقَبُول رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا الْقَبْضُ فَلاَ بُدَّ مِنْهُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لَوْ ثَبَتَ بِدُونِهِ لَلَزِمَ الْمُتَبَرِّعَ شَيْءٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَهُوَ التَّسَلُّمُ، فَلاَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ بَل بِالْقَبْضِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَال: " وَاللَّهِ، يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلاَ أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَّدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال وَارِثٍ (2) .
__________
(1) الهداية 3 / 220، والمهذب 1 / 370، وشرح منتهى الإرادات 2 / 393، وجواهر الإكليل 2 / 146.
(2) عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: " إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله ". . . أخرجه مالك في الموطأ (2 / 752 - ط الجمل) .

وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ هُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. قَال الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ لاَ يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ: أَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ كَالإِِْيجَابِ فِي غَيْرِهَا، وَكَلاَمُ الْخِرَقِيِّ يَدُل عَلَيْهِ.
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْهِبَةَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، فَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِيهَا قَبْل الْقَبْضِ، كَذَا فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الإِِْنْصَافِ.
وَعَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَمَنْ رَأَى رَأْيَهُمْ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْل الْقَبْضِ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَتِمَّ. وَلَكِنَّهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ يَكُونُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ قَال: إِنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تُمْلَكُ الْهِبَةُ بِالْقَبُول عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلِلْمُتَّهِبِ طَلَبُهَا مِنَ الْوَاهِبِ إِنَ امْتَنَعَ وَلَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ، لِيُجْبِرَهُ عَلَى تَمْكِينِ الْوَهُوبِ لَهُ مِنْهَا. لَكِنْ قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْقَبُول وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ فِي الْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَبُول رُكْنٌ وَالْحِيَازَةَ شَرْطٌ. أَيْ فِي تَمَامِهَا، فَإِِنْ عُدِمَ لَمْ تَلْزَمْ، وَإِِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً.
عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَوْ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ، فَإِِنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ، أَيْ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّجُل

أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (1) أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ الْقَبْضِ، إِلاَّ الْوَالِدُ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ فَإِِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ (2) لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ. (3)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (هِبَةٌ) .

ج - الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ:
45 - مِنْ أَرْكَانِ الْوَصِيَّةِ الإِِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَالْقَبُول مِنَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ، لَكِنَّ الْقَبُول لاَ يُعْتَبَرُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَلاَ يُفِيدُ الْقَبُول قَبْل مَوْتِهِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَالْمُوصِي يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَبِالْقَبُول يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى بِهِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبْضِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرَ زُفَرَ - وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا عِنْدَ زُفَرَ فَرُكْنُ الْوَصِيَّةِ هُوَ الإِِْيجَابُ فَقَطْ مِنَ الْمُوصِي،
__________
(1) حديث: " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " أخرجه ابن ماجه (2 / 798 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال البوصيري: في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف.
(2) الاختيار 3 / 48، والهداية 3 / 224 - 227، والدسوقي 4 / 101، والشرح الصغير 2 / 312 ط الحلبي، وأسنى المطالب 2 / 478، 482، والمهذب 1 / 454، وكشاف القناع 4 / 298، 300 - 301، 312، وشرح منتهى الإرادات 2 / 519.
(3) حديث: " العائد في هبته كالعائد في قيئه " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 234 - ط السلفية) ومسلم (3 / 124 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ كَالإِِْرْثِ (1) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وَصِيَّةٌ) .

د - الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ:
46 - الإِِْيجَابُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْوَقْفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ. أَمَّا الْقَبُول: فَإِِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَفْتَقِرُ الْوُقُوفُ عَلَى مُعَيَّنٍ إِِلَى الْقَبُول؛ لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُول كَالْعِتْقِ، أَمَّا الْقَبْضُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَمَّدٍ: الْقَبْضُ شَرْطٌ (2) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (وَقْفٌ) .
__________
(1) البدائع 7 / 331، 342، 378، والاختيار 5 / 65، والهداية 4 / 233 - 234، والدسوقي 4 / 423 - 424، والشرح الصغير 2 / 466 ط الحلبي، وأسنى المطالب 3 / 43، والمهذب 1 / 459، وكشاف القناع 4 / 344، 348.
(2) ابن عابدين 3 / 360، 364 - 365، والاختيار 3 / 42، والدسوقي 4 / 78، 88، والشرح الصغير 2 / 300، وأسنى المطالب 2 / 463، وكشاف القناع 4 / 252.

صَلاَةُ التَّطَوُّعِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّطَوُّعُ لُغَةً: التَّبَرُّعُ، يُقَال: تَطَوَّعَ بِالشَّيْءِ، تَبَرَّعَ بِهِ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي الاِصْطِلاَحِ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا شُرِعَ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ. أَوْ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِطَاعَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، أَوْ هُوَ الْفِعْل الْمَطْلُوبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ. وَتَفْصِيل الاِصْطِلاَحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَطَوُّع) (1) .
وَصَلاَةُ التَّطَوُّعِ هِيَ مَا زَادَتْ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ (2) . لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ السَّائِل عَنِ الإِْسْلاَمِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقِيل: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا قَال: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ (3) .

أَنْوَاعُ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
2 - الأَْصْل فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ أَنْ تُؤَدَّى عَلَى
__________
(1) الموسوعة 12 / 146.
(2) كشف الأسرار 2 / 302، وكشاف اصطلاحات الفنون مادتي (طوع ونفل) .
(3) حديث: " خمس صلوات في اليوم والليلة ". أخرجه مسلم (1 / 41 - ط. الحلبي) من حديث طلحة بن عبيد الله.

انْفِرَادٍ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ:
مِنْهَا: السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَهِيَ السُّنَنُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ، وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْل الْفَجْرِ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَأَرْبَعٌ قَبْل الْعَصْرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْل الْعَصْرِ أَرْبَعًا (1) وَآكَدُ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ (2) ".
حَيْثُ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِل أَشَدُّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (3) .
وَمِنْ هَذِهِ السُّنَنِ مَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَمِنْهَا مَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا، وَفِي ذَلِكَ مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ:
أَمَّا فِي التَّقْدِيمِ فَلأَِنَّ النُّفُوسَ - لاِشْتِغَالِهَا بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا - بَعِيدَةٌ عَنْ حَال الْخُشُوعِ
__________
(1) حديث: " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا ". أخرجه الترمذي (2 / 296 - ط. الحلبي) . وحسنه.
(2) حاشية رد المحتار 2 / 12 - 15، حاشية الدسوقي 1 / 312 - 313، نهاية المحتاج 2 / 105، المغني لابن قدامة 2 / 129 - 130، منتهى الإرادات 1 / 99 - 100.
(3) حديث عائشة: " لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد منه تعاهدا على ركعتي الفجر ". أخرجه البخارى (الفتح 3 / 45 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 501 - ط. الحلبي) واللفظ للبخاري.

وَالْحُضُورِ الَّتِي هِيَ رَوْحُ الْعِبَادَةِ، فَإِذَا قُدِّمَتِ النَّوَافِل عَلَى الْفَرَائِضِ أَنِسَتِ النَّفْسُ بِالْعِبَادَةِ.
وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا عَنْهَا فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِل جَابِرَةٌ لِنَقْصِ الْفَرَائِضِ، فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَقَعَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ الْخَلَل الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِيهِ (1) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (رَاتِب، وَسُنَن رَوَاتِب) .
وَمِنْ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ صَلَوَاتٌ مُعَيَّنَةٌ غَيْرُ السُّنَنِ مَعَ الْفَرَائِضِ وَالتَّطَوُّعَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَمِنْهَا:
3 - صَلاَةُ الضُّحَى: وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَال: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ، وَصَلاَةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ (2) .
انْظُرْ (صَلاَةُ الضُّحَى؛ وَصَلاَةُ الأَْوَّابِينَ) .
4 - صَلاَةُ التَّسْبِيحِ: لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ إِلَى صَلاَتِهَا مَرَّةً كُل يَوْمٍ، أَوْ كُل جُمُعَةٍ، أَوْ كُل شَهْرٍ، أَوْ كُل سَنَةٍ. . .
__________
(1) حاشية الدسوقي 2 / 312، الخرشي على مختصر خليل 2 / 3.
(2) حديث أبي هريرة: " أوصاني خليلي بثلاث. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 56 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 499 - ط. الحلبي) واللفظ المذكور للبخاري.

أَوْ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً (1) .
وَقَال أَحْمَدُ عَنْهَا: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، وَلَمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً، وَإِنْ فَعَلَهَا إِنْسَانٌ فَلاَ بَأْسَ، فَإِنَّ النَّوَافِل وَالْفَضَائِل لاَ يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا (2) .
وَأَمْثِلَةُ الصَّلاَةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا كَثِيرَةٌ كَصَلاَةِ الاِسْتِخَارَةِ، وَصَلاَةِ الْحَاجَةِ، وَصَلاَةِ التَّوْبَةِ، وَصَلاَةِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيِ السَّفَرِ وَغَيْرِهَا فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا الْخَاصَّةِ (3) .

الْفَرْقُ بَيْنَ أَحْكَامِ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ وَأَحْكَامِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ:
5 - صَلاَةُ التَّطَوُّعِ تُفَارِقُ صَلاَةَ الْفَرْضِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا:

الصَّلاَةِ جُلُوسًا: يَجُوزُ التَّطَوُّعُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ خَيْرٌ دَائِمٌ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْقِيَامَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِدَامَةُ هَذَا الْخَيْرِ.
أَمَّا الْفَرْضُ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الأَْوْقَاتِ، فَلاَ يَكُونُ فِي إِلْزَامِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَرَجٌ.

الْقِرَاءَةِ: الْقِرَاءَةُ فِي التَّطَوُّعِ تَكُونُ فِيمَا سِوَى
__________
(1) حديث: " صلاة التسبيح ". أخرجه أبو داود (2 / 67 - 68 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث ابن عباس، ونقل المنذري عن جمع من العلماء أنهم صححوه (كذا في الترغيب 1 / 468 - ط. الحلبي) .
(2) المغني 2 / 131 - 132
(3) انظر المراجع السابقة.

الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلاَثِيَّةِ مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ فَهِيَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ فَقَطْ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَاءَة) .

الْجُلُوسِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ: الْجُلُوسُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلاَثِيَّةِ فِي الْفَرَائِضِ لَيْسَ بِفَرْضٍ بِلاَ خِلاَفٍ، وَلاَ يَفْسُدُ الْفَرْضُ بِتَرْكِهِ، وَفِي التَّطَوُّعِ اخْتِلاَفٌ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (صَلاَة) .

الْجَمَاعَةُ فِي التَّطَوُّعِ: الْجَمَاعَةُ فِي التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ إِلاَّ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَفِي الْفَرْضِ وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (1) .
انْظُرْ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .

الْوَقْتُ وَالْمِقْدَارُ: التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ خَاصٍّ، وَلاَ مُقَدَّرٍ بِمِقْدَارٍ خَاصٍّ، فَيَجُوزُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ عَلَى أَيِّ مِقْدَارٍ كَانَ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ وَعَلَى بَعْضِ الْمَقَادِيرِ.
وَالْفَرْضُ مُقَدَّرٌ بِمِقْدَارٍ خَاصٍّ، مُوَقَّتٌ بِأَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَلاَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى
__________
(1) حديث: " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا ". أخرجه أبو داود (1 / 632 - 633 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث زيد بن ثابت، وإسناده صحيح.

قَدْرِهِ. انْظُرْ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .

النِّيَّةِ: يَتَأَدَّى التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَلاَ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ إِلاَّ بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ، انْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نِيَّة) .

الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا: يَجُوزُ التَّنَفُّل عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُول، أَمَّا أَدَاءُ الْفَرْضِ عَلَى الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ. عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُنْظَرُ فِي: (الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) .

الصَّلاَةُ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَى ظَهْرِهَا: لاَ تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ وَلاَ عَلَى ظَهْرِهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (1) وَالْمُصَلِّي فِيهَا أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لَهَا؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ لِجُزْءٍ مِنْهَا.
وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِلصَّلاَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ إِلاَّ فِي النَّفْل لِلْمُسَافِرِ السَّائِرِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا فَيُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَ، وَقِيل لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِلاَّ لِلرَّاكِبِ.
وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. صَلاَةَ الْفَرِيضَةِ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَى ظَهْرِهَا؛ لأَِنَّهُ مَسْجِدٌ؛ وَلأَِنَّهُ مَحَلٌّ لِصَلاَةِ النَّفْل، فَكَانَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ كَخَارِجِهَا. وَلَكِنْ النَّافِلَةُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ بِدَلِيل صَلاَتِهَا قَاعِدًا وَإِلَى
__________
(1) سورة البقرة - الآية 144.

غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَفِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ (1) .

مَا يُكْرَهُ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
6 - الْمَكْرُوهُ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ نَوْعَانِ (2) :.
النَّوْعُ الأَْوَّل: وَهُوَ مَا يَرْجِعُ إِلَى الْقَدْرِ.
تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي النَّهَارِ، وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي صَلاَةِ اللَّيْل، فَلِلْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ سِتًّا وَثَمَانِيًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّوَافِل شُرِعَتْ تَبَعًا لِلْفَرَائِضِ، وَالتَّبَعُ لاَ يُخَالِفُ الأَْصْل فَلَوْ زِيدَتْ عَلَى الأَْرْبَعِ فِي النَّهَارِ لَخَالَفَتِ الْفَرَائِضَ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي اللَّيْل، إِلاَّ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الأَْرْبَعِ إِلَى الثَّمَانِي أَوْ إِلَى السِّتِّ مَعْرُوفٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْل خَمْسَ رَكَعَاتٍ، سَبْعَ رَكَعَاتٍ، تِسْعَ رَكَعَاتٍ، إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
وَالثَّلاَثُ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْدَادِ الْوِتْرُ وَرَكْعَتَانِ مِنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ سُنَّةُ الْفَجْرِ،
__________
(1) المغني لابن قدامة 2 / 73، المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل 1 / 41، منتهى الإرادات 1 / 67. وحديث: " صلى النبي صلى الله عليه وسلم في البيت ركعتين ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 500 - ط السلفية)
(2) انظر: البدائع 2 / 741، المغني 2 / 123 - 125، منتهى الإرادات 1 / 101.

فَيَبْقَى رَكْعَتَانِ وَأَرْبَعٌ وَسِتٌّ وَثَمَانٌ، فَيَجُوزُ إِلَى هَذَا الْقَدْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
7 - وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَانِي بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ:
قَال بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ (1) لأَِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَلَى هَذَا لَمْ تُرْوَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُكْرَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ السَّرَخْسِيُّ. قَال: لأَِنَّ فِيهِ وَصْل الْعِبَادَةِ بِالْعِبَادَةِ فَلاَ يُكْرَهُ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّ مُنْتَهَى صَلاَةِ الضُّحَى - عِنْدَ أَهْل الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ - ثَمَانٍ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَوْسَطُهَا سِتٌّ، فَمَا زَادَ عَلَى الأَْكْثَرِ يُكْرَهُ (2) .
النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَرْجِعُ إِلَى الْوَقْتِ.
8 - فَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ، بَعْضُهَا يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ فِيهَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ، وَبَعْضُهَا يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ فِيهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْوَقْتِ: فَأَمَّا الَّذِي يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ فِيهَا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى الْوَقْتِ فَهِيَ: مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ وَتَبْيَضَّ. عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَزُول. عِنْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَهُوَ احْمِرَارُهَا وَاصْفِرَارُهَا إِلَى أَنْ تَغْرُبَ.
__________
(1) حاشية رد المحتار على الدر المختار 2 / 15.
(2) الخرشى على مختصر خليل 2 / 4.

وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .
9 - وَمِنَ الأَْوْقَاتِ الَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا التَّطَوُّعُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْوَقْتِ مَا بَعْدَ الْغُرُوبِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
وَمِنْهَا مَا بَعْدَ شُرُوعِ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ، وَقَبْل شُرُوعِهِ بَعْدَمَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِْقَامَةِ؛ قَضَاءً لِحَقِّ الْجَمَاعَةِ.
وَمِنْهَا وَقْتُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لأَِنَّهَا سَبَبٌ لِتَرْكِ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
وَمِنْهَا مَا بَعْدَ خُرُوجِ الإِْمَامِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْل أَنْ يَشْتَغِل بِهَا وَمَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا قَبْل أَنْ يَشْرَعَ فِي الصَّلاَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ عَلَى خِلاَفٍ فِيهَا انْظُرْ: (تَحِيَّة) .
وَمِنْهَا مَا قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَطَوَّعْ قَبْل الْعِيدَيْنِ (1) مَعَ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلاَةِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ النَّاسَ عَنِ الصَّلاَةِ قَبْل الْعِيدِ؛ لأَِنَّ الْمُبَادَرَةَ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدِ مَسْنُونَةٌ، وَفِي الاِشْتِغَال بِالتَّطَوُّعِ تَأْخِيرُهَا، وَلَوِ اشْتَغَل بِأَدَاءِ التَّطَوُّعِ فِي بَيْتِهِ يَقَعُ فِي وَقْتِ
__________
(1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتطوع قبل العيدين ". ورد من حديث ابن عباس، أخرجه البخاري (الفتح 2 / 476 - ط. السلفية) ومسلم (2 / 606 - ط. الحلبي) .

طُلُوعِ الشَّمْسِ وَكِلاَهُمَا مَكْرُوهٌ، وَقِيل إِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْمُصَلَّى كَيْ لاَ يَشْتَبِهَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْعِيدَ قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ، فَأَمَّا فِي بَيْتِهِ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَعَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَتَطَوَّعُ قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ، لاَ فِي الْمُصَلَّى وَلاَ فِي بَيْتِهِ، فَأَوَّل الصَّلاَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ صَلاَةُ الْعِيدِ (1) .

الأَْوْقَاتُ الْمُسْتَحَبَّةُ لِلنَّفْل:
10 - النَّوَافِل الْمُطْلَقَةُ تُشْرَعُ فِي اللَّيْل كُلِّهِ وَفِي النَّهَارِ فِيمَا سِوَى أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَتَطَوُّعُ اللَّيْل أَفْضَل مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ. قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَل الصَّلاَةَ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْل، وَأَفْضَل التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْل الآْخِرِ (2) وَلِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَيُّ اللَّيْل أَسْمَعُ؟ قَال: جَوْفُ اللَّيْل الآْخِرِ (3) .
وَيُسْتَحَبُّ الْوِتْرُ قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَالأَْفْضَل فِعْل الْوِتْرِ فِي آخِرِ اللَّيْل، فَإِذَا غَلَبَ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 557 - 558.
(2) المغني 2 / 135 - 136. وحديث: " أفضل الصلاة بعد الفريضة ". أخرجه مسلم (2 / 821 - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(3) حديث: " أي الليل أسمع. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 56 - 57 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.

عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يَقُومُ آخِرَ اللَّيْل فَلْيَفْعَلْهُ فِي أَوَّلِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ خَافَ أَنْ لاَ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْل فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْل، فَإِنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْل مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَل (1) انْظُرْ: (صَلاَةُ الْوِتْرِ) .

الشُّرُوعُ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
11 - يَلْزَمُ النَّفَل بِالشُّرُوعِ فِيهِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (2) وَلأَِنَّ مَا أَدَّاهُ صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ صِيَانَتُهُ بِلُزُومِ الْبَاقِي.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَلْزَمُ؛ لأَِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيمَا لَمْ يَفْعَل بَعْدُ، فَلَهُ إِبْطَال مَا أَدَّاهُ تَبَعًا (3) .
12 - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ الْمُتَطَوِّعُ فِي الصَّلاَةِ فَقَدْ قِيل: لاَ يَلْزَمُ بِالاِفْتِتَاحِ أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ بِعَارِضِ الاِقْتِدَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ: الأُْولَى - أَنَّ مَنِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ يَنْوِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ أَرْبَعًا.
__________
(1) حديث: " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل ". أخرجه مسلم (1 / 520 - ط. الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(2) سورة محمد / 33.
(3) التوضيح على التلويح. 2 / 683، البناني على جمع الجوامع 1 / 80، 90 - 91، والحطاب 2 / 90 وابن عابدين 1 / 452، ودليل الطالب 1 / 79، والمجموع 6 / 393.

الثَّانِيَةُ - أَنَّ مَنِ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ يَنْوِي عَدَدًا يَلْزَمُهُ بِالاِفْتِتَاحِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلُّزُومِ كَالنَّذْرِ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ بِالنَّذْرِ جَمِيعُ مَا تَنَاوَلَهُ كَذَا بِالشُّرُوعِ.
الثَّالِثَةُ - أَنَّ مَنْ نَوَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَزِمَهُ، وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ. وَكَذَا فِي السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا إِلاَّ رَكْعَتَانِ، حَتَّى لَوْ قَطَعَهَا قَضَى رَكْعَتَيْنِ لأَِنَّهُ نَفْلٌ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَمُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ قَضَى أَرْبَعًا.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ بِالشُّرُوعِ فَفَرَغَ مِنْهُمَا وَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ عَلَى قَصْدِ الأَْدَاءِ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَيَبْنِيهِمَا عَلَى التَّحْرِيمَةِ الأُْولَى؛ لأَِنَّ قَدْرَ الْمُؤَدَّى صَارَ عِبَادَةً فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الرَّكْعَتَيْنِ صِيَانَةً لَهُ عَنِ الْبُطْلاَنِ (1) .

الأَْفْضَل فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
13 - أَفْضَل التَّطَوُّعِ فِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ فِي قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (2) ، فَقَدْ صَلَّى ابْنُ عُمَرَ صَلاَةَ التَّطَوُّعِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِالنَّهَارِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: أَرْبَعٌ قَبْل الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ، تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 733 - 734.
(2) المرجع السابق 2 / 739.

السَّمَاءِ (1) وَلأَِنَّ مَفْهُومَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلاَةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى (2) أَنَّ صَلاَةَ النَّهَارِ رُبَاعِيَّةٌ جَوَازًا لاَ تَفْضِيلاً.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: النَّوَافِل بِاللَّيْل وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الأَْفْضَل لِلْمُتَنَفِّل لَيْلاً وَنَهَارًا أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، لِخَبَرِ: صَلاَةُ اللَّيْل وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى (4) .
وَقَدْ قَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي صَلاَةِ اللَّيْل: إِنَّهَا مَثْنَى. . مَثْنَى.
وَصَلاَةُ اللَّيْل - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - أَرْبَعٌ، احْتِجَاجًا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قِيَامِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ
__________
(1) حديث: " أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم ". أخرجه أبو داود (1 / 53 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أيوب. ثم ذكر أبو داود تضيف أحد رواته.
(2) حديث: " صلاة الليل مثنى مثنى. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 477 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 516 - ط. الحلبي) من حديث ابن عمر.
(3) القوانين الفقهية ص 62.
(4) نهاية المحتاج 2 / 126 وحديث: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ". أخرجه الترمذي (2 / 491 - ط. الحلبي) من حديث ابن عمر، ونقل البيهقي في السنن (2 / 487 - ط. دائرة المعارف العثمانية) عن البخاري أنه صححه.

تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا (1) وَكَلِمَةُ: (كَانَ) عِبَارَةٌ عَنِ الْعَادَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ، وَمَا كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَاظِبُ إِلاَّ عَلَى أَفْضَل الأَْعْمَال، وَأَحَبَّهَا إِلَى اللَّهِ (2) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْل لاَ تَجُوزُ إِلاَّ مَثْنَى مَثْنَى، وَالأَْفْضَل فِي تَطَوُّعِ النَّهَارِ كَذَلِكَ مَثْنَى مَثْنَى، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِأَرْبَعٍ فِي النَّهَارِ فَلاَ بَأْسَ (3) .

مَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
لَيْسَ هُنَاكَ مَا يُفِيدُ تَوْقِيفًا فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ، وَلَكِنْ هُنَاكَ مَا يُفِيدُ نَدْبَ آيَاتٍ أَوْ سُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ فِي صَلَوَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، مِنْهَا عَلَى سَبِيل الْمِثَال:

الرَّكْعَتَانِ قَبْل الْفَجْرِ:
14 - يُسْتَحَبُّ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ التَّخْفِيفُ، وَمِنْ صُوَرِ التَّخْفِيفِ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عَلَى مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ قَالَتْ: حَتَّى إِنِّي أَقُول: هَل
__________
(1) حديث عائشة: " أنها سئلت عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 251 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 509 - ط. الحلبي) .
(2) بدائع الصنائع 2 / 739 - 740.
(3) المغني 2 / 123، منتهى الإرادات 1 / 101.

قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؟ (1) .
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ مَعَ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ السُّورَتَيْنِ هُمَا: (الْكَافِرُونَ) وَ {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (2) .
وَقَال ابْنُ عُمَرَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْل الْفَجْرِ بِ {قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (3) .
وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (4) فِي الأُْولَى مِنْهُمَا: {قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِل إِلَيْنَا. . .} (5) الآْيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ مِنْهُمَا: {آمَنَّا بِاَللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا
__________
(1) حديث عائشة: " أنه كان يخفف ركعتي الفجر. . ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 46 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 501 - ط. الحلبي) واللفظ لمسلم.
(2) حديث أبي هريرة: " أن السورتين هما الكافرون وقل هو الله أحد. . . ". أخرجه مسلم (1 / 502 - ط. الحلبي) .
(3) حديث ابن عمر: " رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا ". أخرجه الترمذي (2 / 276 - ط. الحلبي) وقال: حديث حسن.
(4) حديث ابن عباس: (كان يقرأ في ركعتي الفجر. . .) . أخرجه مسلم 1 / 502 - ط. الحلبي) .
(5) سورة البقرة / 136.

مُسْلِمُونَ} (1) .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّهُ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُول فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (2) أَوْ {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَل عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} (3) } ، فَسُنَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِيَتَحَقَّقَ الإِْتْيَانُ بِالْوَارِدِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ اخْتِلاَفُ قِرَاءَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الصَّلاَةِ، وَاخْتِلاَفُهُمْ فِي تَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ تَوْقِيفَ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ يُسْتَحَبُّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا الْمَرْءُ حِزْبَهُ مِنَ اللَّيْل (4) .

الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ:
15 - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا {قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُول
__________
(1) سورة آل عمران / 52.
(2) سورة آل عمران / 53 وحديث قرأ في الثانية (ربنا آمنا بما أنزلت) أخرجه أبو داود (2 / 47 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة.
(3) سورة البقرة / 119.
(4) بدائع الصنائع 2 / 735 - 439، 747، بداية المجتهد 1 / 147، 150. نهاية المحتاج 2 / 103، 105، المغني 2 / 126، 128.

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ بِ {قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (1) .

رَكَعَاتُ الْوِتْرِ الثَّلاَثُ:
16 - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى} ، {قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (2) .
وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ، وَقَالَتْ: فِي الثَّالِثَةِ بِ {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ (3) .
وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَال مَالِكٌ فِي الشَّفْعِ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ (4) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِل: يُقْرَأُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ؟ قَال: وَلِمَ لاَ يُقْرَأُ؟ ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى بِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى} وَفِي الثَّانِيَةِ {قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَفِي الثَّالِثَةِ {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ.
__________
(1) المغني 2 / 126، 128 وحديث ابن مسعود: (ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.) . أخرجه الترمذي (2 / 297 - ط. الحلبي) .
(2) حديث أبي بن كعب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ {سبح اسم ربك الأعلى} . أخرجه النسائي (3 / 244 - المكتبة التجارية) .
(3) حديث عائشة مثل حديث أبي بن كعب. أخرجه أبو داود (2 / 133 - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(4) بداية المجتهد 1 / 147 - 150.

التَّحَوُّل مِنَ الْمَكَانِ لِلتَّطَوُّعِ بَعْدَ الْفَرْضِ:
17 - مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، فَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّل مِنْ مَكَانِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إِمَامٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ تَحَوَّل، وَإِنْ شَاءَ تَطَوَّعَ فِي مَكَانِهِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّحَوُّل بَعْدَ الْفَرْضِ لِلإِْمَامِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَال: الْفَصْل بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ بِالْكَلاَمِ يَقُومُ مَقَامَ التَّحَوُّل (1) .
وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ فَلَمَّا سَلَّمَ الإِْمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَل أَرْسَل إِلَيَّ فَقَال: لاَ تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلاَ تَصِلْهَا بِصَلاَةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ (2) .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَ يُعْجِبُهُمَا إِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ أَنْ يَتَقَدَّمَ (3) .
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَإِسْحَاقَ،
__________
(1) البحر الرائق 2 / 35، المجموع 3 / 491، مصنف ابن أبي شيبة 2 / 208.
(2) حديث السائب بن زيد: " صليت مع معاوية. . . ". أخرجه مسلم (2 / 601 - ط. الحلبي) .
(3) المصنف 2 / 209، 210.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، إِلاَّ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِلْمَأْمُومِ - أَيْضًا - التَّطَوُّعَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَوَّل (1) .
وَقَدْ رَوَى عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يُصَل الإِْمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّل (2) .

الْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
18 - الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِتَطَوُّعٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (3) . (ر: صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ فِي الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ، وَكَذَلِكَ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ إِلاَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لاَ جَمَاعَةَ فِيهَا عِنْدَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ صَلاَةَ فِيهَا (4) .
وَالْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ عِنْدَ
__________
(1) المدونة 1 / 99، والمغني 1 / 562.
(2) حديث المغيرة بن شعبة: (لايصل الإمام في الموضع الذي صلى فيه) . أخرجه أبو داود (1 / 409 - 410) - تحقيق عزت عبيد دعاس وقال: " عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة ".
(3) البدائع 1 / 275، وابن عابدين 1 / 371، وكشاف القناع 1 / 455، والدسوقي 1 / 320، ومغني المحتاج 1 / 225.
(4) البدائع 1 / 280، 282، 283، والدسوقي 1 / 320 وكشاف القناع 1 / 414، ومغني المحتاج 1 / 225.

الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (1) .
وَالْجَمَاعَةُ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ سُنَّةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) .
أَمَّا مَا عَدَا مَا ذُكِرَ مِمَّا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ فَالأَْصْل فِيهِ أَنْ يُصَلَّى عَلَى انْفِرَادٍ لَكِنْ لَوْ صَلَّى جَمَاعَةً جَازَ (3) لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَل الأَْمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا وَصَلَّى بِأَنَسٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ (4) .

الْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
19 - يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالنَّوَافِل لَيْلاً مَا لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى مُصَلٍّ آخَرَ، وَالإِْسْرَارُ نَهَارًا. وَإِنَّمَا جَهَرَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِحُضُورِ أَهْل الْبَوَادِي وَالْقُرَى كَيْ يَسْمَعُوهُ فَيَتَعَلَّمُوهُ وَيَتَّعِظُوا بِهِ. وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (جَهْرٌ ف 18) .

الْوُقُوفُ وَالْقُعُودُ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
20 - يَجُوزُ التَّطَوُّعُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ خَيْرٌ دَائِمٌ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ
__________
(1) البدائع 1 / 288، والدسوقي 1 / 320، ومغني المحتاج 1 / 225، وشرح منتهى الإرادات 1 / 224.
(2) شرح منتهى الإرادات 1 / 224، ومغني المحتاج 1 / 223، حاشية ابن عابدين 1 / 371.
(3) المغني 2 / 142، ومغني المحتاج 1 / 220، والبدائع 1 / 158 - 159، والدسوقي 1 / 320.
(4) حديث صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنس وأمه واليتيم. أخرجه البخاري 1 / 488 ومسلم (1 / 457) .

الْقِيَامَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِدَامَةُ هَذَا الْخَيْرِ (1) .
وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِ طُول الْقِيَامِ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتُرِكَ أَكْثَرُهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ كَمَا سَامَحَ فِي فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ (2) .
وَالأَْصْل فِي جَوَازِ النَّفْل قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاَثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَل فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْل ذَلِكَ (3) .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مَا يُفِيدُ التَّخْيِيرَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، حَيْثُ فَعَل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَْمْرَيْنِ، كَمَا زَادَتْ عَائِشَةُ: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلاَةَ اللَّيْل قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلاَثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ (4) .
__________
(1) البدائع 2 / 746.
(2) المغني 2 / 242.
(3) حديث عائشة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى جالسا ". أخرجه مسلم (1 / 505 - ط. الحلبي) .
(4) حديث عائشة: " أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 589 - ط. السلفية) .

وَعَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمًا، وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ (1) .
وَلَوِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْعُدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانًا؛ لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فِي الاِبْتِدَاءِ فَكَذَا بَعْدَ الشُّرُوعِ؛ لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ أَيْضًا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لاَ يَجُوزُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لأَِنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا لاَ يَجُوزُ لَهُ الْقُعُودُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَكَذَا إِذَا شَرَعَ قَائِمًا.
وَلَوِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا فَأَدَّى بَعْضَهَا قَاعِدًا، وَبَعْضَهَا قَائِمًا أَجْزَأَهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ، فَقَدِ انْتَقَل مِنَ الْقُعُودِ إِلَى الْقِيَامِ، وَمِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ، فَدَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ (2) .
وَقَدْ نُقِل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ جَوَازِ صَلاَةِ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالتَّرَاوِيحِ قَاعِدًا، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ (3) .
__________
(1) حديث عائشة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى ليلا طويلا قائما ". أخرجه مسلم 1 / 504 - ط. الحلبي) .
(2) البدائع 2 / 747، وكشاف القناع 1 / 441.
(3) ابن عابدين 2 / 14.

وَإِذَا لَمْ يُرْوَ خِلاَفٌ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، فَقَدْ رُوِيَ تَفْضِيل الْقِيَامِ (1) حَيْثُ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (2) . وَفِي رِوَايَةٍ صَلاَةُ الرَّجُل قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاَةِ (3) .

الصَّلاَةُ مُضْطَجِعًا:
21 - وَأَمَّا صَلاَةُ التَّطَوُّعِ مُضْطَجِعًا فَظَاهِرُ قَوْل أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ الْجَوَازِ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ عَلَى افْتِرَاضِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالاِعْتِدَال عَنْهُمَا.
وَقَوْل الْجَوَازِ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ (4) وَقَدْ قَال الْحَسَنُ: إِنْ شَاءَ الرَّجُل صَلَّى صَلاَةَ التَّطَوُّعِ قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا.
__________
(1) المغني 2 / 143، منتهى الإرادات 1 / 104.
(2) حديث " من صلى قائما فهو أفضل ". أخرجه البخارى (الفتح 2 / 586 - ط. السلفية) من حديث عمران بن حصين.
(3) حديث: " صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة ". أخرجه مسلم (1 / 507 - ط. الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو.
(4) حديث: " من صلى نائما فله مثل نصف أجر القاعد ". أخرجه البخارى (الفتح 2 / 586 - ط. السلفية) من حديث عمران بن حصين.

وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: التَّطَوُّعُ مُضْطَجِعًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُجَوِّزْهُ إِلاَّ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ صَلَّى مُضْطَجِعًا بِلاَ عُذْرٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَفَعَلُوهُ (1) .

حُكْمُ سُجُودِ السَّهْوِ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
22 - قَال جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ السَّهْوَ فِي التَّطَوُّعِ كَالسَّهْوِ فِي الْفَرِيضَةِ يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي عَقِيلٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُول: سَجْدَتَا السَّهْوِ فِي النَّوَافِل كَسَجْدَتَيِ السَّهْوِ فِي الْمَكْتُوبَةِ (2) . وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ (3) . انْظُرْ: (سُجُودُ السَّهْوِ) .

حُكْمُ قَضَاءِ السُّنَنِ:
23 - يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ النَّوَافِل بَعْدَ وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ لَهَا عَلَى خِلاَفٍ لِلْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.
وَقَال الْجُوَيْنِيُّ فِي قَضَاءِ النَّوَافِل: إِنَّ مَا لاَ يَجُوزُ التَّقَرُّبُ بِهِ ابْتِدَاءً لاَ يُقْضَى كَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ الإِْنْسَانُ
__________
(1) النكت والفوائد السنية على هامش المحرر في الفقه على مذهب ابن حنبل 1 / 87.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 2 / 92، المدونة 1 / 137.
(3) الزرقاني 1 / 105، المجموع 4 / 161، والمغني 1 / 698، الهداية 1 / 52.

ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ وُجُودِ سَبَبِهِمَا، وَمَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِهِ ابْتِدَاءً كَنَافِلَةِ رَكْعَتَيْنِ مَثَلاً، هَل تُقْضَى؟ فِيهِ قَوْلاَنِ (1) وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (قَضَاء) .

صَوْمُ التَّطَوُّعِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الصَّوْمُ لُغَةً: مُطْلَقُ الإِْمْسَاكِ (1) .
وَاصْطِلاَحًا: إِمْسَاكٌ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ مَعَ النِّيَّةِ (2) .
وَالتَّطَوُّعُ اصْطِلاَحًا: التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ (3) .
وَصَوْمُ التَّطَوُّعِ: التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ الصَّوْمِ.
فَضْل صَوْمِ التَّطَوُّعِ:
2 - وَرَدَ فِي فَضْل صَوْمِ التَّطَوُّعِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: حَدِيثُ سَهْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَال لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُل مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لاَ يَدْخُل مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ. فَيُقَال: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لاَ يَدْخُل مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ. فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُل
__________
(1) المصباح المنير مادة (صوم) .
(2) حاشية ابن عابدين 2 / 80.
(3) مغني المحتاج 1 / 445.

مِنْهُ أَحَدٌ (1) .
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا (2) .

أَنْوَاعُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ:
3 - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ صَوْمَ التَّطَوُّعِ إِلَى مَسْنُونٍ، وَمَنْدُوبٍ، وَنَفْلٍ.
فَالْمَسْنُونُ: عَاشُورَاءُ مَعَ تَاسُوعَاءَ. وَالْمَنْدُوبُ: صَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ، وَصَوْمُ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَصَوْمُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وَكُل صَوْمٍ ثَبَتَ طَلَبُهُ وَالْوَعْدُ عَلَيْهِ؛ كَصَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَحْوِهِ.
وَالنَّفَل: مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ تَثْبُتْ كَرَاهَتُهُ.
وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ - أَيْضًا - صَوْمَ التَّطَوُّعِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: سُنَّةٍ، وَمُسْتَحَبٍّ، وَنَافِلَةٍ.
فَالسُّنَّةُ: صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَالْمُسْتَحَبُّ: صِيَامُ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ، وَشَعْبَانَ، وَالْعَشْرِ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ، وَيَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
__________
(1) حديث سهل بن سعد: " إن في الجنة بابا يقال له: الريان. . . ". أخرجه البخاري (4 / 111) ومسلم (2 / 808) .
(2) حديث: " من صام يوما في سبيل الله. . . ". أخرجه البخاري (6 / 47) ومسلم (2 / 808) .

وَالنَّافِلَةُ: كُل صَوْمٍ لِغَيْرِ وَقْتٍ وَلاَ سَبَبٍ، فِي غَيْرِ الأَْيَّامِ الَّتِي يَجِبُ صَوْمُهَا أَوْ يُمْنَعُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَالصَّوْمُ الْمَسْنُونُ بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ (1) .

أَحْكَامُ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ:

أ - وَقْتُ النِّيَّةِ:
4 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال: هَل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْنَا: لاَ، فَقَال: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ (2) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ التَّبْيِيتُ كَالْفَرْضِ. لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل فَلاَ صِيَامَ لَهُ (3) فَلاَ تَكْفِي النِّيَّةُ بَعْدَ الْفَجْرِ، لأَِنَّ
__________
(1) فتح القدير 2 / 45، الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 350، القوانين الفقهية ص 132، مغني المحتاج 1 / 445، وكشاف القناع 2 / 337.
(2) حديث عائشة: " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم. . . ". أخرجه مسلم (2 / 809) .
(3) حديث: " من لم يبيت الصيام. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 823 - 824) والطحطاوي في شرح المعاني (2 / 54) وأورده ابن حجر في التلخيص (2 / 188) ونقل عن غير واحد من العلماء أنهم أعلوه بالوقف.

النِّيَّةَ الْقَصْدُ، وَقَصْدُ الْمَاضِي مُحَالٌ عَقْلاً.
5 - وَاخْتَلَفَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي آخِرِ وَقْتِ نِيَّةِ التَّطَوُّعِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ الضَّحْوَةُ الْكُبْرَى.
وَالْمُرَادُ بِهَا: نِصْفُ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ، وَالنَّهَارُ الشَّرْعِيُّ: مِنِ اسْتِطَارَةِ الضَّوْءِ فِي أُفُقِ الْمَشْرِقِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ وُقُوعِ النِّيَّةِ قَبْل الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى، فَلاَ تُجْزِئُ النِّيَّةُ عِنْدَ الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى اعْتِبَارًا لأَِكْثَرِ الْيَوْمِ كَمَا قَال الْحَصْكَفِيُّ (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ قَبْل الزَّوَال، وَاخْتُصَّ بِمَا قَبْل الزَّوَال لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَال لِعَائِشَةَ يَوْمًا: هَل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لاَ. قَال: فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ (2) . إِذِ الْغَدَاءُ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَل قَبْل الزَّوَال، وَالْعَشَاءُ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَل بَعْدَهُ؛ وَلأَِنَّهُ مَضْبُوطٌ بَيِّنٌ، وَلإِِدْرَاكِ مُعْظَمِ النَّهَارِ بِهِ كَمَا فِي رَكْعَةِ الْمَسْبُوقِ. قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهَذَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِمَّنْ يُرِيدُ صَوْمَ النَّفْل وَإِلاَّ فَلَوْ نَوَى قَبْل الزَّوَال - وَقَدْ مَضَى مُعْظَمُ النَّهَارِ - صَحَّ صَوْمُهُ.
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 85.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة يوما: هل عندكم شيء. . . " تقدم ف: 4.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ - إِلَى امْتِدَادِ وَقْتِ النِّيَّةِ إِلَى مَا بَعْدَ الزَّوَال، قَالُوا: إِنَّهُ قَوْل مُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَا يُخَالِفُهُ صَرِيحًا، وَلأَِنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ فِي جُزْءِ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ وُجُودَهَا قَبْل الزَّوَال بِلَحْظَةٍ.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ نِيَّةِ النَّفْل فِي النَّهَارِ: أَنْ لاَ يَكُونَ فَعَل مَا يُفْطِرُهُ قَبْل النِّيَّةِ، فَإِنْ فَعَل فَلاَ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ حِينَئِذٍ (1) .

ب - تَعْيِينُ النِّيَّةِ:
6 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ التَّعْيِينُ، فَيَصِحُّ صَوْمُ التَّطَوُّعِ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَقَال النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ التَّعْيِينُ فِي الصَّوْمِ الْمُرَتَّبِ، كَصَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَالأَْيَّامِ الْبِيضِ، وَالسِّتَّةِ مِنْ شَوَّالٍ، وَنَحْوِهَا، كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الرَّوَاتِبِ مِنْ نَوَافِل الصَّلاَةِ.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلاَفُ مَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ، قَال الْمَحَلِّيُّ: وَيُجَابُ بِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الأَْيَّامِ الْمَذْكُورَةِ مُنْصَرِفٌ إِلَيْهَا، بَل لَوْ نَوَى بِهِ غَيْرَهَا حَصَلَتْ أَيْضًا - كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ - لأَِنَّ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 85، حاشية الدسوقي 1 / 530، شرح الخرشي على خليل 2 / 246، مغني المحتاج 1 / 424، كشاف القناع 2 / 317.

الْمَقْصُودَ وُجُودُ الصَّوْمِ فِيهَا، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مُعْتَمَدٌ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ، وَإِنْ كَانَ التَّعْيِينُ أَوْلَى مُطْلَقًا (1) .

مَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ مِنَ الأَْيَّامِ:
أ - صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ:
7 - مِنْ صِيَامِ التَّطَوُّعِ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ، وَهُوَ أَفْضَل صِيَامِ التَّطَوُّعِ (2) ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ: وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْل، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (3) وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ أَفْضَل الصِّيَامِ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ. فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ (4) .
قَال الْبُهُوتِيُّ: لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لاَ يَضْعُفَ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 87، تبيين الحقائق (1 / 316، ومواهب الجليل 1 / 515 ط مكتبة النجاح - ليبيا) . المجموع 6 / 295، القليوبي وعميرة 2 / 53، الإنصاف 3 / 293.
(2) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 351، مغني المحتاج 1 / 448، كشاف القناع 2 / 337.
(3) حديث: " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود. . . ". أخرجه البخاري (3 / 16) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(4) حديث: " صم يوما وأفطر يوما. . . ". أخرجه البخاري (4 / 220) .

الْبَدَنُ حَتَّى يَعْجَزَ عَمَّا هُوَ أَفْضَل مِنَ الصِّيَامِ، كَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ اللاَّزِمَةِ، وَإِلاَّ فَتَرْكُهُ أَفْضَل (1) .

ب - صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ:
8 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى سُنِّيَّةِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ - وَهُمَا: الْيَوْمُ الْعَاشِرُ، وَالتَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمِ - لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ: أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (2) وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ (3) .
وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأََصُومَنَّ التَّاسِعَ (4) .
وَقَدْ كَانَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَرْضًا فِي الإِْسْلاَمِ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، فَخَيَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فِي صَوْمِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ كَثِيرِينَ وَاخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (5) ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الأُْصُولِيُّونَ.
__________
(1) الروض المربع 1 / 145.
(2) حديث: " احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله. . . ". أخرجه مسلم (2 / 819) من حديث أبي قتادة.
(3) حديث معاوية: " هذا يوم عاشوراء. . . ". أخرجه البخاري (4 / 244) .
(4) حديث: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع. . . ". أخرجه مسلم (2 / 798) .
(5) كشاف القناع 2 / 339، والإنصاف 3 / 346.

وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ - كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ - يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَةٍ مَاضِيَةٍ. وَالْمُرَادُ بِالذُّنُوبِ: الصَّغَائِرُ، قَال الدُّسُوقِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَغَائِرَ، حُتَّتْ مِنْ كَبَائِرِ سَنَةٍ، وَذَلِكَ التَّحْتِيتُ مَوْكُولٌ لِفَضْل اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَبَائِرُ رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ.
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ كَفَّارَةُ الصَّغَائِرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَغَائِرُ رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كَبَائِرُ رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ مُنْفَرِدًا عَنِ التَّاسِعِ، أَوْ عَنِ الْحَادِيَ عَشَرَ.
كَمَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ إِفْرَادُ عَاشُورَاءَ بِالصَّوْمِ، وَهَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ.
قَال الْحَطَّابُ: قَال الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ صَوْمَ يَوْمٍ قَبْلَهُ وَيَوْمٍ بَعْدَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ غَرِيبٌ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ أَوْجُهًا:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: صُومُوا يَوْمَ

عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا فِيهِ الْيَهُودَ وَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا (1) .
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْل يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ، كَمَا نَهَى أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ.
الثَّالِثُ: الاِحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلاَل وَوُقُوعِ الْغَلَطِ، فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرَ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ.
وَاسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ صَوْمَ الْحَادِيَ عَشَرَ، إِنْ لَمْ يَصُمِ التَّاسِعَ. قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: بَل نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ وَالإِْمْلاَءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ الثَّلاَثَةِ (2) .

ج - صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ:
9 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ - وَهُوَ: الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ - وَصَوْمُهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ: سَنَةً مَاضِيَةً، وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً، رَوَى أَبُو قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي
__________
(1) حديث: " صوموا يوم عاشوراء. . . ". أخرجه أحمد (1 / 241) من حديث ابن عباس، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3 / 188) وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام.
(2) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (350 ط دار الإيمان) ، حاشية الدسوقي 1 / 516، مواهب الجليل 2 / 403، القليوبي وعميرة 2 / 273، المجموع (6 / 283 ط. المكتبة السلفية.) كشاف القناع 2 / 339.

قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ (1) .
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهُوَ أَفْضَل الأَْيَّامِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ (2) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ لِلْحَاجِّ، وَلَوْ كَانَ قَوِيًّا، وَصَوْمُهُ مَكْرُوهٌ لَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَخِلاَفُ الأَْوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْفَضْل بِنْتُ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَ (3) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ (4) ، لأَِنَّهُ يُضْعِفُهُ عَنِ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَل، وَقِيل: لأَِنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيُسَنُّ فِطْرُهُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ مُطْلَقًا، وَقَالُوا: يُسَنُّ صَوْمُهُ لِحَاجٍّ لَمْ يَصِل عَرَفَةَ إِلاَّ لَيْلاً؛ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ.
__________
(1) حديث أبي قتادة: " صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر. . . ". أخرجه مسلم (2 / 819) .
(2) حديث: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه. . . ". أخرجه مسلم (2 / 983) من حديث عائشة.
(3) حديث أم الفضل: " أنها أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. . . ". أخرجه البخاري (4 / 237) ومسلم (2 / 791) .
(4) حديث: " ابن عمر أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم ". أخرجه الترمذي (2 / 116) وقال: حديث حسن.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْحَاجِّ - أَيْضًا - إِذَا لَمْ يُضْعِفْهُ عَنِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَلاَ يُخِل بِالدَّعَوَاتِ، فَلَوْ أَضْعَفَهُ كُرِهَ لَهُ الصَّوْمُ (1) .

د - صَوْمُ الثَّمَانِيَةِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ:
10 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ الأَْيَّامِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّةِ قَبْل يَوْمِ عَرَفَةَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعًا: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَل الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَْيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ - قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ؟ قَال: وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ (2) .
قَال الْحَنَابِلَةُ: وَآكَدُهُ الثَّامِنُ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ هَذِهِ الأَْيَّامِ لِلْحَاجِّ أَيْضًا. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ صِيَامَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ لِلْحَاجِّ. قَال فِي الْمُتْيَطِيَّةِ: وَيُكْرَهُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَصُومَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ تَطَوُّعًا. قَال الْحَطَّابُ: بِمِنًى
__________
(1) ابن عابدين 2 / 83، حاشية الدسوقي 1 / 515، مواهب الجليل 2 / 403، القليوبي وعميرة 2 / 73، مغني المحتاج 1 / 446 كشاف القناع 2 / 339.
(2) حديث ابن عباس: " ما من أيام العمل الصالح فيهن. . . ". أخرجه البخاري (2 / 459) .

يَعْنِي فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، يُسَمَّى عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ يَوْمَ مِنًى (1) .

هـ - صَوْمُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ:
11 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بَعْدَ صَوْمِ رَمَضَانَ، لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ (2) وَعَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُنَّ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ (3) يَعْنِي: أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، الشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَالأَْيَّامُ السِّتَّةُ بِسِتِّينَ يَوْمًا، فَذَلِكَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّ صَوْمَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ - بَعْدَ رَمَضَانَ - يَعْدِل صِيَامَ سَنَةٍ فَرْضًا، وَإِلاَّ فَلاَ يَخْتَصُّ ذَلِكَ
__________
(1) الفتاوى الهندية (1 / 201 ط. الأميرية 1310 هـ) حاشية الدسوقي 1 / 515، مغني المحتاج 1 / 446، القليوبي وعميرة 2 / 73، كشاف القناع 2 / 338.
(2) حديث: " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال. . . ". أخرجه مسلم (2 / 822) .
(3) حديث ثوبان: " صيام شهر رمضان بعشرة أشهر. . . ". أخرجه الدارمي (2 / 21) ، وإسناده صحيح.

بِرَمَضَانَ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، لأَِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا.
وَنُقِل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَرَاهَةُ صَوْمِ سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، مُتَفَرِّقًا كَانَ أَوْ مُتَتَابِعًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: كَرَاهَتُهُ مُتَتَابِعًا، لاَ مُتَفَرِّقًا. لَكِنَّ عَامَّةَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ، نَقْلاً عَنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِهِ التَّجْنِيسِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، لأَِنَّ الْكَرَاهَةَ إِنَّمَا كَانَتْ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ مِنْ رَمَضَانَ، فَيَكُونَ تَشَبُّهًا بِالنَّصَارَى، وَالآْنَ زَال ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَاعْتَبَرَ الْكَاسَانِيُّ مَحَل الْكَرَاهَةِ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَصُومَ بَعْدَهُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَأَمَّا إِذَا أَفْطَرَ يَوْمَ الْعِيدِ ثُمَّ صَامَ بَعْدَهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، بَل هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَسُنَّةٌ.
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ صَوْمَهَا لِمُقْتَدًى بِهِ، وَلِمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا، إِنْ صَامَهَا مُتَّصِلَةً بِرَمَضَانَ مُتَتَابِعَةً وَأَظْهَرَهَا، أَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ سُنِّيَّةَ اتِّصَالِهَا، فَإِنِ انْتَفَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ اسْتُحِبَّ صِيَامُهَا.
قَال الْحَطَّابُ: قَال فِي الْمُقَدِّمَاتِ: كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنْ أَهْل الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ، وَأَمَّا الرَّجُل فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلاَ يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ لاَ تَحْصُل الْفَضِيلَةُ بِصِيَامِ السِّتَّةِ فِي غَيْرِ شَوَّالٍ، وَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، لِظَاهِرِ الأَْخْبَارِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: اسْتِحْبَابُ صَوْمِهَا لِكُل أَحَدٍ، سَوَاءٌ أَصَامَ رَمَضَانَ أَمْ لاَ، كَمَنْ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ صِبًا أَوْ كُفْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ، كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ كَثِيرِينَ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ أَنْ يُتْبِعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَلَفْظِ الْحَدِيثِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُسْتَحَبُّ صِيَامُهَا إِلاَّ لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ.
12 - كَمَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَفْضَلِيَّةِ تَتَابُعِهَا عَقِبَ الْعِيدِ مُبَادَرَةً إِلَى الْعِبَادَةِ، وَلِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنَ الآْفَاتِ.
وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ التَّتَابُعِ وَالتَّفْرِيقِ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُسْتَحَبُّ السِّتَّةُ مُتَفَرِّقَةً، كُل أُسْبُوعٍ يَوْمَانِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَذَهَبُوا إِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهَا مُتَّصِلَةً بِرَمَضَانَ مُتَتَابِعَةً، وَنَصُّوا عَلَى حُصُول الْفَضِيلَةِ وَلَوْ صَامَهَا فِي غَيْرِ شَوَّالٍ، بَل اسْتَحَبُّوا صِيَامَهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، ذَلِكَ أَنَّ مَحَل تَعْيِينِهَا فِي الْحَدِيثِ فِي شَوَّالٍ عَلَى

التَّخْفِيفِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ، لاِعْتِيَادِهِ الصِّيَامَ، لاَ لِتَخْصِيصِ حُكْمِهَا بِذَلِكَ.
قَال الْعَدَوِيُّ: إِنَّمَا قَال الشَّارِعُ: (مِنْ شَوَّالٍ) لِلتَّخْفِيفِ بِاعْتِبَارِ الصَّوْمِ، لاَ تَخْصِيصَ حُكْمِهَا بِذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلاَ جُرْمَ إِنْ فَعَلَهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ مَا رُوِيَ فِي فَضْل الصِّيَامِ فِيهِ أَحْسَنُ، لِحُصُول الْمَقْصُودِ مَعَ حِيَازَةِ فَضْل الأَْيَّامِ الْمَذْكُورَةِ. بَل فِعْلُهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَسَنٌ أَيْضًا، وَالْحَاصِل: أَنَّ كُلَّمَا بَعُدَ زَمَنُهُ كَثُرَ ثَوَابُهُ لِشِدَّةِ الْمَشَقَّةِ (1) .

و صَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ:
13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى اسْتِحْبَابِ كَوْنِهَا الأَْيَّامَ الْبِيضَ - وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُل شَهْرٍ عَرَبِيٍّ - سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَكَامُل ضَوْءِ الْهِلاَل وَشِدَّةِ الْبَيَاضِ فِيهَا، لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلاَثَ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 125، بدائع الصنائع 2 / 78 (دار الكتاب العربي 1974) الفتاوى الهندية (1 / 201 ط الأميرية 1310 هـ.) حاشية الدسوقي 1 / 517، الخرشي على خليل 2 / 243، ومواهب الجليل 2 / 414 (مكتبة النجاح - ليبيا.) ، مغني المحتاج 1 / 447، كشاف القناع 2 / 337 (مكتبة النصر الحديث - الرياض.) . (الإنصاف 3 / 343 ط دار إحياء التراث العربي 1980 م.) .

عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ (1) .
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَالأَْحْوَطُ صَوْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ مَعَهَا - أَيْضًا - لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ قَال: إِنَّهُ أَوَّل الثَّلاَثَةِ، وَيُسْتَثْنَى ثَالِثَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ فَلاَ يَجُوزُ صَوْمُهُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. فَيُبَدَّل بِالسَّادِسِ عَشَرَ مِنْهُ كَمَا قَال الْقَلْيُوبِيُّ (2) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الأَْيَّامِ الْبِيضِ، فِرَارًا مِنَ التَّحْدِيدِ، وَمَخَافَةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا. وَمَحَل الْكَرَاهَةِ: إِذَا قَصَدَ صَوْمَهَا بِعَيْنِهَا، وَاعْتَقَدَ أَنَّ الثَّوَابَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِصَوْمِهَا خَاصَّةً. وَأَمَّا إِذَا قَصَدَ صِيَامَهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ فَلاَ كَرَاهَةَ.
قَال الْمَوَّاقُ: نَقْلاً عَنْ ابْنِ رُشْدٍ: إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ صَوْمَهَا لِسُرْعَةِ أَخْذِ النَّاسِ بِقَوْلِهِ، فَيَظُنُّ الْجَاهِل وُجُوبَهَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَصُومُهَا، وَحَضَّ مَالِكٌ - أَيْضًا - الرَّشِيدَ عَلَى صِيَامِهَا.
وَصَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ كَصَوْمِ الدَّهْرِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْصُل بِصِيَامِهَا أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ بِتَضْعِيفِ الأَْجْرِ، الْحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ
__________
(1) حديث أبي ذر: " يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 125) وقال: " حديث حسن ".
(2) حاشية القليوبي على شرح المنهاج للمحلى 2 / 73.

أَمْثَالِهَا؛ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. قَال: قَال: وَهُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ (1) أَيْ كَصِيَامِ الدَّهْرِ (2) .

ز - صَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ مِنْ كُل أُسْبُوعٍ:
14 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ مِنْ كُل أُسْبُوعٍ (3) .
لِمَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ. فَسُئِل عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَال: إِنَّ أَعْمَال الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ (4) ، وَلِمَا
__________
(1) حديث قتادة بن ملحان: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 821) وفي إسناده اضطراب كما في مختصر السنن للمنذري (3 / 329 - 330) .
(2) حاشية ابن عابدين 2 / 83، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح 350، حاشية الدسوقي 1 / 517، مواهب الجليل 2 / 414.
(3) الطحطاوي على مراقي الفلاح 350، بدائع الصنائع 2 / 79، حاشية الدسوقي 1 / 517، مغني المحتاج 1 / 446، كشاف القناع 2 / 337.
(4) حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس أخرجه أبو داود (2 / 814) دون قوله: " وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم " فأخرجه النسائي (4 / 202) وأعل المنذري في " مختصر السنن " (3 / 320) إسناد أبي داود، وحسن إسناد النسائي.

وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عَنْ صَوْمِ الاِثْنَيْنِ فَقَال: فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِل عَلَيَّ (1) .

ح - صَوْمُ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ:
15 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ أَفْضَل الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ: الْمُحَرَّمُ، ثُمَّ رَجَبٌ، ثُمَّ بَاقِيهَا: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَل الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِي جَوْفِ اللَّيْل، وَأَفْضَل الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ (2) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَصُومَ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ مِنْ كُل شَهْرٍ مِنْ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ فَقَطْ مِنَ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ اسْتِحْبَابَ صَوْمِ الأَْشْهُرِ
__________
(1) حديث أبي قتادة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين. . . ". أخرجه مسلم (2 / 820) .
(2) حديث: " أفضل الصلاة بعد المكتوبة: جوف الليل ". أخرجه مسلم (2 / 821) من حديث أبي هريرة.

الْحُرُمِ، لَكِنَّ الأَْكْثَرَ لَمْ يَذْكُرُوا اسْتِحْبَابَهُ، بَل نَصُّوا عَلَى كَرَاهَةِ إِفْرَادِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ (1) . وَلأَِنَّ فِيهِ إِحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ. وَتَزُول الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا، أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنَ السَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَل رَجَبًا (2) .

ط - صَوْمُ شَهْرِ شَعْبَانَ:
16 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ شَهْرِ شَعْبَانَ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ (3) . وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانَ، بَل كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ (4)
__________
(1) حديث ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب ". أخرجه ابن ماجه (1 / 554) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 307) " هذا إسناد فيه داود بن عطاء المدني، وهو متفق على تضعيفه ".
(2) الفتاوى الهندية (1 / 201 ط الأميرية 1310 هـ) حاشية الدسوقي 1 / 516، ومغني المحتاج 1 / 449، كشاف القناع 2 / 338، 340، الفروع 3 / 119.
(3) حديث عائشة: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان. . . ". أخرجه البخاري (4 / 213) ومسلم (2 / 810) .
(4) حديث عائشة: " كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ". أخرجه النسائي (4 / 199) بإسناد حسن.

قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (1) .
قَال الْعُلَمَاءُ: اللَّفْظُ الثَّانِي مُفَسِّرٌ لِلأَْوَّل، فَالْمُرَادُ بِكُلِّهِ غَالِبُهُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَل صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ رَمَضَانَ (2) . قَال الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَكْمِل ذَلِكَ لِئَلاَّ يُظَنَّ وُجُوبُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ شَعْبَانَ، وَذَلِكَ فِي قَوْل الأَْكْثَرِ، وَاسْتَحَبَّهُ صَاحِبُ الإِْرْشَادِ (3) .

ى - صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ:
17 - لاَ بَأْسَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِصَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِانْفِرَادِهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَيُنْدَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ وَلاَ يُفْطِرُ.
__________
(1) حديث: " كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله ". أخرجه مسلم (2 / 811) .
(2) حديث عائشة: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان ". أخرجه البخاري (4 / 213) ومسلم (2 / 810) .
(3) الفتاوى الهندية 1 / 202، مواهب الجليل 2 / 407 مكتبة النجاح - ليبيا، حاشية الدسوقي 1 / 516، مغني المحتاج 1 / 449، كشاف القناع 2 / 340.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: جَاءَ حَدِيثٌ فِي كَرَاهَتِهِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، فَكَانَ الاِحْتِيَاطُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ طَلَبُهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ، وَالآْخَرُ مِنْهُمَا النَّهْيُ؛ لأَِنَّ فِيهِ وَظَائِفَ، فَلَعَلَّهُ إِذَا صَامَ ضَعُفَ عَنْ فِعْلِهَا.
وَمَحَل النَّهْيِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ مَخَافَةُ فَرْضِيَّتِهِ، وَقَدِ انْتَفَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ، لِحَدِيثِ: لاَ يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ (1) وَلِيَتَقَوَّى بِفِطْرِهِ عَلَى الْوَظَائِفِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهِ، أَوْ لِئَلاَّ يُبَالَغَ فِي تَعْظِيمِهِ كَالْيَهُودِ فِي السَّبْتِ، وَلِئَلاَّ يُعْتَقَدَ وُجُوبُهُ، وَلأَِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَطَعَامٍ (2) .

حُكْمُ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ:
18 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى لُزُومِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ إِتْمَامُهُ إِذَا بَدَأَ فِيهِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ
__________
(1) حديث: " لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله ". أخرجه البخاري (4 / 232) ومسلم (2 / 801) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(2) ابن عابدين 2 / 83، وحاشية الدسوقي 2 / 534، ومغني المحتاج 1 / 447، وكشاف القناع 2 / 340.

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَل، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ (1) قَوْلُهُ " فَلْيُصَل " أَيْ فَلْيَدْعُ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: ثَبَتَ هَذَا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ الْفِطْرُ جَائِزًا لَكَانَ الأَْفْضَل الْفِطْرَ، لإِِجَابَةِ الدَّعْوَةِ الَّتِي هِيَ السُّنَّةُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ لُزُومِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ تَطَوُّعًا إِتْمَامُهُ إِذَا بَدَأَ فِيهِ، وَلَهُ قَطْعُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ (2) ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَال: أَرِنِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَل، وَزَادَ النَّسَائِيُّ إِنَّمَا مِثْل صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِثْل الرَّجُل يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا (3) . وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ (4) .
__________
(1) حديث: " إذا دعي أحدكم فليجب. . . ". أخرجه مسلم (2 / 1054) من حديث أبي هريرة.
(2) تبيين الحقائق 1 / 337، حاشية الدسوقي 1 / 527، مغني المحتاج 1 / 448، كشاف القناع 2 / 343.
(3) حديث عائشة: " يا رسول الله. أهدي لنا حيس. . . ". أخرجه مسلم (2 / 809) ، وزيادة النسائي هي في سننه (4 / 193 - 194) .
(4) حديث: " الصائم المتطوع أمين نفسه. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 100) والبيهقي (4 / 276) وقال ابن التركماني في هامش سنن البيهقي (4 / 278) : " هذا الحديث مضطرب إسنادا ومتنا ".

إِفْسَادُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:
19 - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَةِ إِفْسَادِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ مَا نَصُّهُ: ذَكَرَ الرَّازِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الإِْفْطَارَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ لاَ يَحِل، هَكَذَا فِي الْكَافِي.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ قَطْعِهِ بِلاَ عُذْرٍ، وَاسْتِحْبَابِ إِتْمَامِهِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (1) ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَ إِتْمَامَهُ.
وَمِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ الْفِطْرِ: الْحَلِفُ عَلَى الصَّائِمِ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ إِنْ لَمْ يُفْطِرْ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى نَدْبِ الْفِطْرِ دَفْعًا لِتَأَذِّي أَخِيهِ الْمُسْلِمِ. لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا جَوَازَ الْفِطْرِ إِلَى مَا قَبْل نِصْفِ النَّهَارِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَلاَ يَجُوزُ.
وَكَذَلِكَ مِنَ الأَْعْذَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الضِّيَافَةُ لِلضَّيْفِ وَالْمُضِيفِ إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ لاَ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ الْحُضُورِ، وَكَانَ الصَّائِمُ يَتَأَذَّى بِتَرْكِ الإِْفْطَارِ، شَرِيطَةَ أَنْ يَثِقَ بِنَفْسِهِ بِالْقَضَاءِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ الْفِطْرِ بِالْحَلِفِ بِالطَّلاَقِ بِتَعَلُّقِ قَلْبِ الْحَالِفِ بِمَنْ حَلَفَ
__________
(1) سورة محمد: 33.

بِطَلاَقِهَا، بِحَيْثُ يَخْشَى أَنْ لاَ يَتْرُكَهَا إِنْ حَنِثَ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ الْفِطْرُ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَمِنَ الأَْعْذَارِ - أَيْضًا -: أَمْرُ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَهُ بِالْفِطْرِ. وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ الإِْفْطَارِ بِمَا إِذَا كَانَ أَمْرُ الْوَالِدَيْنِ إِلَى الْعَصْرِ لاَ بَعْدَهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَعَل وَجْهَهَا أَنَّ قُرْبَ وَقْتِ الإِْفْطَارِ يَرْفَعُ ضَرَرَ الاِنْتِظَارِ.
وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالأَْبَوَيْنِ الشَّيْخَ فِي السَّفَرِ، الَّذِي أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ أَنْ لاَ يُخَالِفَهُ، وَمِثْلُهُ عِنْدَهُمْ: شَيْخُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ قَطْعِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ، كَمُسَاعَدَةِ ضَيْفٍ فِي الأَْكْل إِذَا عَزَّ عَلَيْهِ امْتِنَاعُ مُضِيفِهِ مِنْهُ، أَوْ عَكْسِهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَعِزَّ عَلَى أَحَدِهِمَا امْتِنَاعُ الآْخَرِ عَنْ ذَلِكَ فَالأَْفْضَل عَدَمُ خُرُوجِهِ مِنْهُ.

20 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قَضَاءِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ عِنْدَ إِفْسَادِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ قَضَاءِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ عِنْدَ إِفْسَادِهِ. لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ - وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا - فَقَالَتْ:

يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَقَال: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ (1) .
وَلأَِنَّ مَا أَتَى بِهِ قُرْبَةٌ، فَيَجِبُ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ عَنِ الْبُطْلاَنِ، وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الإِْفْسَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (2) ، وَلاَ يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلاَّ بِإِتْيَانِ الْبَاقِي، فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الإِْفْسَادِ ضَرُورَةً، فَصَارَ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ التَّطَوُّعَيْنِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ عِنْدَ الإِْفْسَادِ مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ أُفْسِدَ عَنْ قَصْدٍ - وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ - أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ، بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلصَّائِمَةِ الْمُتَطَوِّعَةِ، وَذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ: صَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلاَ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، لاَ أَدَاءً وَلاَ قَضَاءً، إِذَا أُفْسِدَ، لاِرْتِكَابِهِ النَّهْيَ بِصِيَامِهَا، فَلاَ تَجِبُ صِيَانَتُهُ، بَل يَجِبُ إِبْطَالُهُ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الصِّيَانَةِ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاءً، كَمَا لَمْ يَجِبْ أَدَاءً.
وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ كَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلاَ عُذْرٍ،
__________
(1) حديث عائشة: " كنت أنا وحفصة صائمتين. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 103) وأعله بأن الصواب إرساله.
(2) سورة محمد / 33.

قَال الْحَطَّابُ: احْتَرَزَ بِالْعَمْدِ مِنَ النِّسْيَانِ وَالإِْكْرَاهِ، وَبِالْحَرَامِ عَمَّنْ أَفْطَرَ لِشِدَّةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَرِّ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ تَجَدُّدُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ، وَكَذَلِكَ عَمَّنْ أَفْطَرَ لأَِمْرِ وَالِدَيْهِ وَشَيْخِهِ، وَعَدُّوا السَّفَرَ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرِ الْعَمْدِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ، لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، لَمْ يَكُنِ الْقَضَاءُ وَاجِبًا، لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ الْقَضَاءُ، سَوَاءٌ أَفْسَدَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ تَطَوُّعًا لَمْ يُثَبْ عَلَى مَا مَضَى، إِنْ خَرَجَ مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ إِنْ خَرَجَ بِعُذْرٍ (1) .

الإِْذْنُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ:
21 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ تَطَوُّعًا إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ، إِلاَّ
__________
(1) تبيين الحقائق 1 / 337، حاشية ابن عابدين 2 / 120، 121، حاشية الدسوقي 1 / 527، مواهب الجليل 2 / 430، الخرشي على خليل 2 / 251، مغني المحتاج 1 / 448، كشاف القناع 2 / 343، تصحيح الفروع مع الفروع 2 / 139.

بِإِذْنِهِ (1) ، وَلأَِنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فَرْضٌ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِنَفْلٍ.
وَلَوْ صَامَتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا صَحَّ مَعَ الْحُرْمَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ خَصُّوا الْحُرْمَةَ بِمَا يَتَكَرَّرُ صَوْمُهُ، أَمَّا مَا لاَ يَتَكَرَّرُ صَوْمُهُ كَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ فَلَهَا صَوْمُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِلاَّ إِنْ مَنَعَهَا.
وَلاَ تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إِلَى إِذْنِ الزَّوْجِ إِذَا كَانَ غَائِبًا، لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَلِزَوَال مَعْنَى النَّهْيِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَعِلْمُهَا بِرِضَاهُ كَإِذْنِهِ. وَمِثْل الْغَائِبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - الْمَرِيضُ، وَالصَّائِمُ وَالْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا أَوْ صَائِمًا أَوْ مُحْرِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَهَا أَنْ تَصُومَ وَإِنْ نَهَاهَا.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَصُومُ الأَْجِيرُ تَطَوُّعًا إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ، إِنْ كَانَ صَوْمُهُ يَضُرُّ بِهِ فِي الْخِدْمَةِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَضُرُّهُ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
22 - وَإِذَا صَامَتِ الزَّوْجَةُ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا فَلَهُ أَنْ يُفَطِّرَهَا، وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ تَفْطِيرِهَا بِالْجِمَاعِ فَقَطْ، أَمَّا بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ احْتِيَاجَهُ إِلَيْهَا الْمُوجِبَ
__________
(1) حديث: " لا تصم المرأة وبعلها شاهد. . . ". أخرجه مسلم (2 / 711) من حديث أبي هريرة.

لِتَفْطِيرِهَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ (1) .

التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ قَبْل قَضَاءِ رَمَضَانَ:
23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْل قَضَاءِ رَمَضَانَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْل قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِكَوْنِ الْقَضَاءِ لاَ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ عَلَى الْفَوْرِ لَكُرِهَ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ تَأْخِيرًا لِلْوَاجِبِ عَنْ وَقْتِهِ الضَّيِّقِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ، كَالْمَنْذُورِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ. سَوَاءٌ كَانَ صَوْمُ التَّطَوُّعِ الَّذِي قَدَّمَهُ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ، أَوْ كَانَ مُؤَكَّدًا، كَعَاشُورَاءَ وَتَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى حُرْمَةِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْل قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَعَدَمِ صِحَّةِ التَّطَوُّعِ حِينَئِذٍ وَلَوِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِلْقَضَاءِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَرْضِ حَتَّى يُقْضِيَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ بَعْدَ الْفَرْضِ أَيْضًا، لِمَا رَوَى أَبُو
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 201، حاشية الدسوقي 1 / 541، الخرشي على خليل 2 / 465، البيان والتحصيل 2 / 310، القليوبي وعميرة 2 / 74، المجموع 6 / 392، حاشية الجمل 2 / 354، ومغني المحتاج 1 / 449، كشاف القناع 5 / 188.

هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُتَقَبَّل مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ (1) ، وَقِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ تَطَوُّعًا قَبْل حَجِّ الْفَرِيضَةِ (2)
وَمَسْأَلَةُ انْقِلاَبِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ إِلَى تَطَوُّعٍ، وَالنِّيَابَةِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ - سَبَقَ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (تَطَوُّع ف 19، 27)
__________
(1) حديث: هريرة: " من صام تطوعا وعليه من رمضان. . . ". أخرجه أحمد (2 / 352) وفيه اضطراب كما في علل الحديث لابن أبي حاتم الرازي (1 / 259) .
(2) حاشية ابن عابدين 2 / 117، الفتاوى الهندية 1 / 201، حاشية الدسوقي 1 / 518، مغني المحتاج 1 / 445، كشاف القناع 2 / 334.

15 - صلاة التطوع
* من رحمة الله بعباده أنه شرع لكل فرض تطوعاً من جنسه، ليزداد المؤمن إيماناً بفعل هذا التطوع، ويكمل به الفرائض يوم القيامة، فالفرائض يعتريها النقص.
والصلاة منها الواجب والتطوع، والصيام منه الواجب والتطوع، وهكذا الحج، والصدقة ونحوها، ولا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه الله تعالى.
* صلاة التطوع أنواع:
1 - منها ما يشرع له الجماعة كالتراويح والاستسقاء والكسوف والعيدين.
2 - ومنها ما لا يشرع له الجماعة كصلاة الاستخارة.
3 - ومنها ما هو تابع للفرائض كالسنن الرواتب.
4 - ومنها ما ليس بتابع كصلاة الضحى.
5 - ومنها ما هو مؤقت كصلاة التهجد.
6 - ومنها ما ليس بمؤقت كالنوافل المطلقة.
7 - ومنها ما هو مقيد بسبب كتحية المسجد وركعتي الوضوء.
8 - ومنها ما ليس مقيداً بسبب كالنوافل المطلقة.
9 - ومنها ما هو مؤكد كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والوتر.
10 - ومنها ما ليس بمؤكد كالصلاة قبل صلاة المغرب ونحوها.
وهذا من فضل الله على عباده، حيث شرع لهم ما يتقربون به إليه، ونوَّع لهم الطاعات ليرفع لهم بها الدرجات، ويحط عنهم السيئات، ويضاعف لهم الحسنات، فلله الحمد والشكر.

9 - صدقة التطوع حكمة مشروعية الصدقة

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

9 - صدقة التطوع
* حكمة مشروعية الصدقة:
دعا الإسلام إلى البذل وحض عليه رحمة بالضعفاء، ومواساة للفقراء، إلى جانب ما فيه من كسب الأجر، ومضاعفته، والتخلق بأخلاق الأنبياء، من البذل والإحسان.

الفصل الأول ما يستحب صومه (صوم التطوع)

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

الفصل الأول: ما يُستحبُّ صومه (صوم التطوع)
• المبحث الأول: تعريف التطوع.
• المبحث الثاني: فضل صوم التطوع.
• المبحث الثالث: أحكام النية في صوم التطوع.
• المبحث الرابع: أنواع صوم التطوع.

المبحث الأول تعريف التطوع

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الأول: تعريف التطوع
التطوع لغةً: التبرع. (¬1)
التطوع اصطلاحاً: التقرُّبُ إلى الله تعالى بما ليس بفرضٍ من العبادات. (¬2)
¬_________
(¬1) ((أنيس الفقهاء للقونوي)) (ص 33).
(¬2) ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 445).

المبحث الثاني فضل صوم التطوع

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الثاني: فضل صوم التطوع
1. عن سهل رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم. فيقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد)). أخرجه البخاري ومسلم (¬1).
2. عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)). أخرجه البخاري ومسلم (¬2).
¬_________
(¬1) رواه البخاري (1896)، ومسلم (1152) واللفظ له.
(¬2) رواه مسلم (1153).

المبحث الثالث أحكام النية في صوم التطوع

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الثالث: أحكام النية في صوم التطوع
• المطلب الأول: وقت النية.
• المطلب الثاني: آخر وقت نية التطوع.
• المطلب الثالث: تعيين النية في صوم التطوع.

المطلب الثاني آخر وقت نية التطوع

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الثاني: آخر وقت نية التطوع
يجوز أن ينوي أثناء النهار، سواء قبل الزوال أو بعده، إذا لم يتناول شيئاً من المفطرات بعد الفجر (¬1)، وهذا مذهب الحنابلة (¬2)، وقولٌ عند الشافعية (¬3)، وقول طائفة من السلف (¬4) واختاره ابن تيمية (¬5)، وابن عثيمين (¬6).
الأدلة:
1 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، فقال: فإني إذاً صائم)). أخرجه مسلم (¬7).
2 - عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ قالت: ((أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم)) ... الحديث (¬8).
3 - أنه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، ولم يُنقَل عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم ما يخالفه صراحة (¬9).
¬_________
(¬1) وذلك أنه لما كان الليل محلاً للنية في صوم الفريضة، واستوى حكم جميعه، ثم كان النهار محلاً للنية في صوم التطوع، وجب أن يستوي حكم جميعه. وكذلك فإن النية وجدت في جزءٍ من النهار، فأشبه ما لو وُجِدَت قبل الزوال بلحظة.
(¬2) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 10)، ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 211).
(¬3) ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 406)، ((المجموع للنووي)) (6/ 292).
(¬4) قال ابن عبدالبر: (وهو قول الثوري وإبراهيم والحسن بن صالح) ((الاستذكار)) (10/ 35).
(¬5) قال ابن تيمية: (والأظهر صحته - أي الصوم بنية التطوع بعد الزوال - كما نقل عن الصحابة) ((مجموع الفتاوى)) (25/ 120).
(¬6) ((الشرح الممتع)) (6/ 358 - 359)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (19/ 185 - 186).
(¬7) رواه مسلم (1154).
(¬8) رواه البخاري (1960) واللفظ له، ورواه مسلم (1136).
(¬9) ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 317).

المطلب الثالث تعيين النية في صوم التطوع

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الثالث: تعيين النية في صوم التطوع
لا يُشترَط في نية صوم التطوع تعيين يومٍ معين، فيصح صوم التطوع بمطلق النية، وذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4).
الدليل:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، فقال: فإني إذاً صائم)). أخرجه مسلم (¬5).
¬_________
(¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 83)، ((الهداية للمرغيناني)) (1/ 119).
(¬2) ((مواهب الجليل للحطاب)) (3/ 336).
(¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 295).
(¬4) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 26)، ((الإنصاف للمرداوي)) (3/ 293).
(¬5) رواه مسلم (1154).

المبحث الرابع أنواع صوم التطوع

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الرابع: أنواع صوم التطوع
• المطلب الأول: صوم التطوع المطلق.
• المطلب الثاني: صوم التطوع المقيد.

المطلب الأول صوم التطوع المطلق

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الأول: صوم التطوع المطلق
يستحب صوم التطوع المطلق، ما عدا الأيام التي ثبت تحريم صيامها.
الدليل:
عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفاً)). أخرجه البخاري ومسلم (¬1).
¬_________
(¬1) رواه البخاري (2840)، ومسلم (1153) واللفظ له.

المطلب الثاني صوم التطوع المقيد

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الثاني: صوم التطوع المقيد
الفرع الأول: صوم ستة أيامٍ من شوال
يسن صوم ستة أيامٍ من شوال بعد صوم رمضان، وهو قول الشافعي (¬1)، وأحمد (¬2) وداود (¬3)، وإليه صار عامة متأخري الحنفية (¬4)، (¬5).
الأدلة:
1. عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر)). أخرجه مسلم (¬6).
2. عن ثوبان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بعدهن بشهرين، فذلك تمام سنة)) (¬7).
الفرع الثاني: الأيام الثمانية الأول من ذي الحجة
يستحب صوم الأيام الثمانية الأول من شهر ذي الحجة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (¬8)، والمالكية (¬9)، والشافعية (¬10)، والحنابلة (¬11)، والظاهرية (¬12)، وقد صرح المالكية (¬13)، والشافعية (¬14) بأنه يسن صوم هذه الأيام الثمانية للحاج أيضًا.
الأدلة:
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء)) (¬15).
وجه الدلالة:
اندراج الصوم في العمل الصالح الذي يُستحَبُّ في هذه الأيام.
الفرع الثالث: صوم يوم عرفة لغير الحاج
يستحب لغير الحاج صوم يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية (¬16)، والمالكية (¬17)، والشافعية (¬18)، والحنابلة (¬19)، والظاهرية (¬20).
الدليل:
عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده (¬21))). أخرجه مسلم (¬22).
¬_________
(¬1) ((الحاوي الكبير للماوردي)) (3/ 475)، ((المجموع للنووي)) (6/ 379).
(¬2) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 112)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 337).
(¬3) انظر ((المجموع للنووي)) (6/ 379).
(¬4) ((تبيين الحقائق للزيلعي)) (1/ 332)، ((الفتاوى الهندية)) (2/ 257).
(¬5) قال ابن قدامة: (وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحبٌّ عند كثيرٍ من أهل العلم، روي ذلك عن كعب الأحبار, والشعبي, وميمون بن مهران) ((المغني)) (3/ 56).
(¬6) رواه مسلم (1164).
(¬7) رواه أحمد (5/ 280) (22465)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (2/ 162) (2860)، والدارمي (2/ 34) (1755)، والبيهقي (4/ 293) (8216). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (3851).
(¬8) ((الفتاوى الهندية)) (1/ 201).
(¬9) ((حاشية الدسوقي)) (1/ 515،516).
(¬10) ((المجموع للنووي)) (6/ 386).
(¬11) ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 338).
(¬12) ((المحلى لابن حزم)) (7/ 19).
(¬13) ((مواهب الجليل للحطاب)) (3/ 312).
(¬14) ((مغني المحتاج للخطيب الشربيني)) (1/ 446).
(¬15) رواه البخاري (969) بلفظ: ((ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه)). قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ((ولا الجهاد، إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)). ورواه أحمد (1/ 346) (3228)، وأبو داود (2438)، والترمذي (757)، وابن ماجه (1414)، وابن حبان (2/ 30) (324).
(¬16) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 79)، ((فتح القدير للكمال ابن الهمام)) (2/ 350).
(¬17) ((مواهب الجليل للحطاب)) (3/ 312)، ((الفواكه الدواني للنفراوي)) (1/ 91).
(¬18) ((المجموع للنووي)) (6/ 380)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 446).
(¬19) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 57)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 88).
(¬20) ((المحلى لابن حزم)) (7/ 17).
(¬21) قال النووي: (قالوا: والمراد بها الصغائر) ((شرح مسلم)) (8/ 51).
(¬22) رواه مسلم (1162).

المطلب الثالث حكم صيام التطوع قبل قضاء صيام الفرض

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الثالث: حكم صيام التطوع قبل قضاء صيام الفرض
يجوز أن يصوم المرء تطوعاً قبل قضاء ما عليه إن كان الوقت متسعاً، وهذا قول الجمهور من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، وهو روايةٌ عن أحمد (¬4)، وهو اختيار ابن باز (¬5)؛ وابن عثيمين (¬6)، وعبر بعض هؤلاء بالجواز مع الكراهة؛ وذلك لأنَّ وقت القضاء موسَّعٌ وليس مضيقًا.
¬_________
(¬1) قال ابن عابدين: (ولو كان الوجوب على الفور لكره؛ لأنه يكون تأخيراً للواجب عن وقته الضيق) ((حاشية رد المحتار لابن عابدين)) (2/ 423).
(¬2) ((حاشية الدسوقي)) (1/ 518).
(¬3) ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 445).
(¬4) قال ابن قدامة: (وروي عن أحمد أنه يجوز له التطوع لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع) ((المغني)) (3/ 40 - 41).
(¬5) ((فتاوى اللجنة الدائمة)) (10/ 399).
(¬6) قال ابن عثيمين: (الراجح جواز التطوع وصحته، ما لم يضق الوقت عن القضاء) ((الشرح الممتع)) (6/ 466).

المبحث الثاني من شرع في صوم تطوع هل يلزمه إتمامه، وحكم قضائه إن أفسده

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الثاني: من شرع في صوم تطوعٍ هل يلزمه إتمامه، وحكم قضائه إن أفسده
• المطلب الأول: من شرع في صوم تطوع هل يلزمه إتمامه.
• المطلب الثاني: حكم قضاء صوم التطوع إن أفسده.

المطلب الأول من شرع في صوم تطوع هل يلزمه إتمامه

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الأول: من شرع في صوم تطوع هل يلزمه إتمامه
من شرع في صوم تطوعٍ فيُستحَبُّ إتمامه ولا يلزمه، وهذا مذهب الشافعية (¬1)، والحنابلة (¬2)، وهو قول طائفةٍ من السلف (¬3).
الأدلة:
1 - عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ((دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإني إذًا صائم، ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائماً. فأكل)). أخرجه مسلم (¬4).
2 - عن أبي جحيفة قال: ((آخى النبي صلي الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له في الدنيا حاجة. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال: كل فإني صائم. قال ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم. فنام ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فنام، ثم ذهب يقوم، قال: نم. فنام. فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن. فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلي الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: صدق سلمان)). أخرجه البخاري (¬5).
3 - عن أم هانئ قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر)) (¬6).
¬_________
(¬1) قال النووي: (قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب البقاء فيهما، وأن الخروج منهما بلا عذر ليس بحرام، ولا يجب قضاؤهما، وبهذا قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق) ((المجموع للنووي)) (6/ 421)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 448).
(¬2) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 44)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 342).
(¬3) نقل النووي وابن قدامة هذا القول عن ابن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود وابن عمر وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، وكذا عن سفيان الثوري وإسحاق. ((المغني)) (3/ 44) ((المجموع للنووي)) (6/ 493).
(¬4) رواه مسلم (1154).
(¬5) رواه البخاري (1968).
(¬6) رواه أحمد (6/ 341) (26937)، والترمذي (732) بلفظ: ((أمين نفسه)) بدلاً من ((أمير نفسه))، والطيالسي (3/ 180)، والحاكم (1/ 604)، والبيهقي (4/ 276) (8607). قال أحمد في ((شرح ثلاثيات المسند)) (2/ 35): صحيح، وقال النووي في ((المجموع)) (6/ 395): إسناده جيد، وحسنه ابن حجر في ((تحريج مشكاة المصابيح)) (2/ 350) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه العجلوني في ((كشف الخفاء)) (2/ 26)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)).

المطلب الثاني حكم قضاء صوم التطوع إن أفسده

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الثاني: حكم قضاء صوم التطوع إن أفسده
إذا أفسد الإنسان صومه النفل، فلا يجب عليه القضاء، وهذا مذهب الشافعية (¬1)، والحنابلة (¬2)؛ وهو قول طائفةٍ من السلف (¬3)، وذلك لأن القضاء يتبع المقضي عنه، فإذا لم يكن واجباً، لم يكن القضاء واجباً، لكن يندب له القضاء، سواء أفسد صوم التطوع بعذرٍ أم بغير عذر.
¬_________
(¬1) ((المجموع للنووي)) (6/ 394)، ((مغني المحتاج للشربيني الخطيب)) (1/ 448).
(¬2) قال ابن قدامة: (من دخل في صيام تطوع استحب له إتمامه ولم يجب فإن خرج منه فلا قضاء عليه) ((المغني)) (3/ 44)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 343).
(¬3) قال النووي: (قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب البقاء فيهما – أي في صوم تطوع أو صلاة تطوع - وأنَّ الخروج منهما بلا عذر ليس بحرام، ولا يجب قضاؤهما، وبهذا قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق) ((المجموع للنووي)) (6/ 394).

الفصل الثالث حكم السعي والتطوع به

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

الفصل الثالث: حكم السعي والتطوع به
المبحث الأول: حكم السعي
السعي بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج والعمرة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (¬1)، والشافعية (¬2)، والحنابلة (¬3)، وهو قول عائشة وابن عمر رضي الله عنهما، وطائفة من السلف (¬4).
الأدلة:
أولاً من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: 158].
وجه الدلالة:
أن تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله، يدل على أن السعي بينهما أمرٌ حتمٌ لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن تكون شعيرةً، ثم لا تكون لازمةً في النسك؛ فإن شعائر الله عظيمة، لا يجوز التهاون بها، وقد قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ الآية [المائدة: 2]، وقال: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ الآية (¬5) [الحج: 32].
ثانياً: من السنة:
1 - أن طواف النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة، بيانٌ لنصٍّ مجملٍ في كتاب الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ [158]، وقد قرأها عليه الصلاة والسلام لما صعد إلى الصفا، وقال: ((نبدأ بما بدأ الله به)) (¬6) وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان لبيان نصٍّ مجملٍ من كتاب الله؛ فإن ذلك الفعل يكون لازما (¬7).
¬_________
(¬1) ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/ 118)، ((الشرح الكبير)) للدردير (2/ 34).
(¬2) ((المجموع)) للنووي (8/ 63، 77)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/ 91)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/ 513).
(¬3) ((الإنصاف)) للمرداوي (4/ 43)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/ 521).
(¬4) منهم: جابر رضي الله عنهما، ووعروة وإسحاق وأبو ثور وداود. قال النووي: (مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن السعي بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحج لا يصح إلا به ولا يُجبَر بدمٍ ولا غيره) ((شرح صحيح مسلم)) (9/ 20). ينظر: ((الإشراف)) لابن المنذر (3/ 291)، و ((الاستذكار)) لابن عبدالبر (4/ 222) و ((الحاوي الكبير)) للماوردي (4/ 154)، و ((المجموع)) (8/ 77).
(¬5) ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/ 417).
(¬6) رواه مسلم (1218) بلفظ: ((أبدأ بما بدأ الله به))، وأبو داود (1905)، والترمذي (862)، والنسائي (5/ 239)، وأحمد (3/ 388) (15209)، ومالك (3/ 544) (1377)، وابن حبان (9/ 250)، (3943)، والبيهقي (1/ 85) (405). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: (حسنٌ صحيح)، وقال أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (3/ 233): (صحيحٌ ثابتٌ من حديث جعفر)، وصححه ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (24/ 414)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (862).
(¬7) قال ابن عبدالبر: (قد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسك الحج ومشاعره، فبين في ذلك السعي بين الصفا والمروة، فصار بياناً للآية) ((الاستذكار)) (4/ 223)، وينظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص (1/ 119)، ((شرح العمدة)) لابن تيمية (3/ 653)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/ 417).

3 - باب صلاة التطوع

موسوعة الفقه الإسلامي

3 - باب صلاة التطوع
ويشتمل على ما يلي:
1 - السنن الراتبة.
2 - صلاة التهجد.
3 - صلاة الوتر.
4 - صلاة التراويح.
5 - صلاة العيدين.
6 - صلاة الكسوف.
7 - صلاة الاستسقاء.
8 - صلاة الضحى.
9 - صلاة ركعتي الوضوء.
10 - صلاة تحية المسجد.
11 - صلاة القدوم من السفر.
12 - صلاة التوبة.
13 - صلاة الاستخارة.
14 - صلاة التطوع المطلق.

14 - صلاة التطوع المطلق

موسوعة الفقه الإسلامي

14 - صلاة التطوع المطلق
- صلاة التطوع المطلق: هي كل صلاة لم تقيد بزمن ولا سبب.
- أقسام صلاة التطوع:
صلاة التطوع قسمان:
تطوع مطلق، وتطوع مقيد.
فالتطوع المقيد أفضل في الوقت الذي قُيِّد به، أو في الحال التي قُيِّد بها.
فصلاة تحية المسجد، وركعتي الوضوء، وكل صلاة من ذوات الأسباب أفضل من التطوع بالليل، ولو كانت بالنهار.
أما التطوع المطلق ففي الليل أفضل منه في النهار.
فالصلاة مثلاً بين المغرب والعشاء أفضل من الصلاة بين الظهر والعصر؛ لأنها صلاة ليل.
والتطوع المطلق يسن الإكثار منه كل وقت إلا أوقات النهي.
- حكم صلاة التطوع المطلق:
تسن صلاة التطوع المطلق كل وقت عدا أوقات النهي، وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، والثلث الأخير من الليل أفضل؛ لأنه وقت نزول الرب عز وجل إلى السماء الدنيا.
فيصلي المسلم من الصلوات المطلقة ما شاء، ركعتين ركعتين، في غير أوقات النهي، وله أن يصلي نهاراً أربعاً بسلام واحد.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت