نتائج البحث عن (أسرى) 21 نتيجة

(أسرى) اللَّيْل وَبِه سرى وَفُلَانًا وبفلان سرى بِهِ
(أسرى) الشَّيْء عَنهُ سراه (سرى) الشَّيْء عَنهُ: سراه وَيُقَال سري عَن فلَان زَالَ مَا بِهِ من هم
س ر ي [أسرى]قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا .قال: سبحان تنزيه له وحده لا شريك له الذي أسرى محمدا صلّى الله عليه وسلّم من المسجد الحرام إلى البيت المقدس، ثم ردّه الله إلى المسجد الحرام.قال: وهل تعرف العرب ذلك؟قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول:قلت له لما علا فخره...سبحان من علقمة الفاخر
الإسرا، إلى المقام الأسرى
للشيخ، محيي الدين: محمد بن علي بن عربي.
المتوفى: سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
مختصر.
ذكر فيه: أنه قصد اختصار ترتيب الرحلة، من العالم الكوني إلى الموقف الآني، وتبيين كيفية انكشاف اللباب، بتجريد الأثواب، لأولي الأبصار والألباب، ومعراج الأرواح إلى مقام ما لا يقال، ولا يمكن ظهوره بالعلم إلا بالحال.
التَّعْرِيفُ:
1 - الأَْسْرَى جَمْعُ أَسِيرٍ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أُسَارَى وَأَسَارَى. وَالأَْسِيرُ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الإِْسَارِ، وَهُوَ الْقَيْدُ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَشُدُّونَهُ بِالْقَيْدِ. فَسُمِّيَ كُل أَخِيذٍ أَسِيرًا وَإِنْ لَمْ يُشَدَّ بِهِ. وَكُل مَحْبُوسٍ فِي قَيْدٍ أَوْ سِجْنٍ أَسِيرٌ. قَال مُجَاهِدٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (2) الأَْسِيرُ: الْمَسْجُونُ. (3)
2 - وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَ الْمَاوَرْدِيُّ الأَْسْرَى بِأَنَّهُمُ: الرِّجَال الْمُقَاتِلُونَ مِنَ الْكُفَّارِ، إِذَا ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ أَحْيَاءً. (4) وَهُوَ تَعْرِيفٌ أَغْلَبِيٌّ، لاِخْتِصَاصِهِ بِأَسْرَى الْحَرْبِيِّينَ عِنْدَ الْقِتَال، لأَِنَّهُ بِتَتَبُّعِ
__________
(1) بلغة السالك 3 / 381، والقليوبي 2 / 301، وشرح روض الطالب 2 / 206، والمغني 4 / 505، وابن عابدين 5 / 10.
(2) سورة الإنسان / 8.
(3) لسان العرب، والصحاح، والقاموس باب الراء فصل الألف.
(4) الأحكام السلطانية ص 131 ط أولى سنة 1380 هـ.

اسْتِعْمَالاَتِ الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى كُل مَنْ يُظْفَرُ بِهِمْ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ، وَيُؤْخَذُونَ أَثْنَاءَ الْحَرْبِ أَوْ فِي نِهَايَتِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ فِعْلِيَّةٍ، مَا دَامَ الْعَدَاءُ قَائِمًا وَالْحَرْبُ مُحْتَمَلَةٌ.
مِنْ ذَلِكَ قَوْل ابْنِ تَيْمِيَّةَ: أَوْجَبَتِ الشَّرِيعَةُ قِتَال الْكُفَّارِ، وَلَمْ تُوجِبْ قَتْل الْمَقْدُورِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ، بَل إِذَا أُسِرَ الرَّجُل مِنْهُمْ فِي الْقِتَال أَوْ غَيْرِ الْقِتَال، مِثْل أَنْ تُلْقِيَهُ السَّفِينَةُ إِلَيْنَا، أَوْ يَضِل الطَّرِيقَ، أَوْ يُؤْخَذَ بِحِيلَةٍ فَإِنَّهُ يَفْعَل بِهِ الإِْمَامُ الأَْصْلَحَ. وَفِي الْمُغْنِي: هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَقِيل: يَكُونُ فَيْئًا. (1)
وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الأَْسِيرِ أَيْضًا عَلَى: مَنْ يَظْفَرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ إِذَا دَخَلُوا دَارَ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ (2) ، وَعَلَى مَنْ يَظْفَرُونَ بِهِ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ عِنْدَ مُقَاتَلَتِهِمْ لَنَا. يَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. (3)
كَمَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الأَْسِيرِ عَلَى: الْمُسْلِمِ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ الْعَدُوُّ. يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَفُكَّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَال. . . وَيَقُول: وَإِذَا كَانَ الْحِصْنُ فِيهِ أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطْفَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (4) . . . إِلَخْ.
__________
(1) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 193 ط الثانية 1951، والمغني 10 / 441 ط أولى مطبعة المنار.
(2) البدائع 7 / 109.
(3) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 92 ط الثانية، وبداية المجتهد لابن رشد 2 / 458 ط الثالثة مصطفى الحلبي.
(4) التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق مطبوع بهامش مواهب الجليل 3 / 387 ط دار الكتاب اللبناني بيروت، والمهذب 2 / 260 ط عيسى الحلبي، وبداية المجتهد 1 / 385، 388.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرَّهِينَةُ:
3 - الرَّهِينَةُ: وَاحِدَةُ الرَّهَائِنِ وَهِيَ كُل مَا اُحْتُبِسَ بِشَيْءٍ، وَالأَْسِيرُ وَالرَّهِينَةُ كِلاَهُمَا مُحْتَبَسٌ، إِلاَّ أَنَّ الأَْسِيرَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا (1) ، وَاحْتِبَاسُهُ لاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُقَابِل حَقٍّ.

ب - الْحَبْسُ:
4 - الْحَبْسُ: ضِدُّ التَّخْلِيَةِ، وَالْمَحْبُوسُ: الْمُمْسَكُ عَنِ التَّوَجُّهِ حَيْثُ يَشَاءُ، فَالْحَبْسُ أَعَمُّ مِنَ الأَْسْرِ (2) .

ج - السَّبْيُ:
5 - السَّبْيُ وَالسَّبَاءُ: الأَْسْرُ، فَالسَّبْيُ أَخْذُ النَّاسِ عَبِيدًا وَإِمَاءً (3) ، وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ لَفْظَ السَّبْيِ عَلَى مَنْ يَظْفَرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ حَيًّا مِنْ نِسَاءِ أَهْل الْحَرْبِ وَأَطْفَالِهِمْ. وَيُخَصِّصُونَ لَفْظَ الأَْسْرَى - عِنْدَ مُقَابَلَتِهِ بِلَفْظِ السَّبَايَا - بِالرِّجَال الْمُقَاتِلِينَ، إِذَا ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ أَحْيَاءً. (4)
صِفَةُ الأَْسْرِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
6 - الأَْسْرُ مَشْرُوعٌ، وَيَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا
__________
(1) كتب اللغة باب النون فصل الراء.
(2) لسان العرب، والصحاح، والقاموس باب السين فصل الحاء.
(3) اللسان، والصحاح، والقاموس مادة (سبى) .
(4) البدائع 7 / 117، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 127، والسيرة الحلبية 2 / 70.

أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} (1) وَلاَ يَتَنَافَى ذَلِكَ مَعَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَْرْضِ} (2) لأَِنَّهَا لَمْ تَرِدْ فِي مَنْعِ الأَْسْرِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا جَاءَتْ فِي الْحَثِّ عَلَى الْقِتَال، وَأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أَسْرَى قَبْل الإِْثْخَانِ فِي الأَْرْضِ، أَيِ الْمُبَالَغَةِ فِي قَتْل الْكُفَّارِ. (3)

الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الأَْسْرِ:
7 - هِيَ كَسْرُ شَوْكَةِ الْعَدُوِّ، وَدَفْعُ شَرِّهِ، وَإِبْعَادُهُ عَنْ سَاحَةِ الْقِتَال، لِمَنْعِ فَاعِلِيَّتِهِ وَأَذَاهُ، وَلِيُمْكِنَ افْتِكَاكُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِهِ. (4)

مَنْ يَجُوزُ أَسْرُهُمْ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ:
8 - يَجُوزُ أَسْرُ كُل مَنْ وَقَعَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ، صَبِيًّا كَانَ أَوْ شَابًّا أَوْ شَيْخًا أَوِ امْرَأَةً، الأَْصِحَّاءِ مِنْهُمْ وَالْمَرْضَى، إِلاَّ مَنْ لاَ يُخْشَى مِنْ تَرْكِهِ ضَرَرٌ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَسْرُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ.
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُؤْسَرُ مَنْ لاَ ضَرَرَ مِنْهُمْ، وَلاَ فَائِدَةَ فِي أَسْرِهِمْ، كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالأَْعْمَى
__________
(1) سورة محمد / 4.
(2) سورة الأنفال / 67.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8 / 47 و 72 و 16 / 226 ط دار الكتب المصرية.
(4) المبسوط للسرخسي 10 / 64 مطبعة السعادة بالقاهرة، والمهذب 2 / 33 ط عيسى الحلبي، والمغني 10 / 403 الطبعة الأولى مطبعة المنار، والإنصاف 4 / 129 طبعة أولى.

وَالرَّاهِبِ إِذَا كَانُوا مِمَّنْ لاَ رَأْيَ لَهُمْ. (1)
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ كُل مَنْ لاَ يَقْتُل يَجُوزُ أَسْرُهُ، إِلاَّ الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا رَأْيٌ فَإِنَّهُمَا لاَ يُؤْسَرَانِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنَ الْمَعْتُوهِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالأَْعْمَى فَإِنَّهُمْ وَإِنْ حَرُمَ قَتْلُهُمْ يَجُزْ أَسْرُهُمْ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُمْ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ وَمِنْ غَيْرِ أَسْرٍ. (2)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَسْرُ الْجَمِيعِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ. (3)
9 - وَلاَ يَجُوزُ أَسْرُ أَحَدٍ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهَا عَهْدُ مُوَادَعَةٍ، لأَِنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ أَفَادَ الأَْمَانَ، وَبِالأَْمَانِ لاَ تَصِيرُ الدَّارُ مُسْتَبَاحَةً، وَحَتَّى لَوْ خَرَجَ قَوْمٌ مِنَ الْمُوَادِعِينَ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُوَادَعَةٌ، فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ، فَهَؤُلاَءِ آمِنُونَ، لاَ سَبِيل لأَِحَدٍ عَلَيْهِمْ،
__________
(1) المغني والشرح الكبير 10 / 404، 409 ط أولى مطبعة المنار 1348 هـ، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد 4 / 133 ط أولى 1375 هـ، وبدائع الصنائع 7 / 102، 119 ط أولى 1328 هـ، والمبسوط 10 / 24، 64، 137 ط مطبعة السعادة بمصر، والهداية والفتح 4 / 290، 292، 305 ط أولى بولاق بمصر 1316 هـ، وتبيين الحقائق 3 / 244، 245 ط أولى بولاق 1313 هـ، وحاشية ابن عابدين 3 / 224، والسير الكبير لمحمد بن الحسن 2 / 261، 3 / 284.
(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 177 ط دار الفكر، والتاج والإكليل للمواق 3 / 351 ط دار الكتاب اللبناني، وبداية المجتهد لابن رشد 1 / 382، 384 ط مصطفى الحلبي 1379 هـ.
(3) نهاية المحتاج 8 / 61 ط مصطفى الحلبي 1357 هـ، والمهذب 2 / 233 ط عيسى الحلبي، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 194 ط دار إحياء التراث العربي، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي وحاشية الشرواني 8 / 33 ط أولى، والوجيز 2 / 189 ط 1317 هـ بمصر.

لأَِنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ أَفَادَ الأَْمَانَ لَهُمْ، فَلاَ يُنْتَقَضُ بِالْخُرُوجِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ. وَكَذَا لَوْ دَخَل فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ دَارِهِمْ بِأَمَانٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَهُوَ آمِنٌ لاَ يَجُوزُ أَسْرُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا دَخَل دَارَ الْمُوَادَعِينَ بِأَمَانِهِمْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَمِثْلُهُ مَا لَوْ وُجِدَ الْحَرْبِيُّ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَسْرُهُ، وَمَا لَوْ أَخَذَ الْحَرْبِيُّ الأَْمَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ فِي حِصْنِ الْحَرْبِيِّينَ (1) .

الأَْسِيرُ فِي يَدِ آسِرِهِ وَمَدَى سُلْطَانِهِ عَلَيْهِ:
10 - الأَْسِيرُ فِي ذِمَّةِ آسِرِهِ لاَ يَدَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلاَ حَقَّ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ، إِذْ الْحَقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ مَوْكُولٌ لِلإِْمَامِ، وَعَلَيْهِ بَعْدَ الأَْسْرِ أَنْ يَقُودَهُ إِلَى الأَْمِيرِ لِيَقْضِيَ فِيهِ بِمَا يَرَى، وَلِلآْسِرِ أَنْ يَشُدَّ وَثَاقَهُ (2) إِنْ خَافَ انْفِلاَتَهُ، أَوْ لَمْ يَأْمَنْ شَرَّهُ، كَمَا يَجُوزُ عَصْبُ عَيْنَيْهِ أَثْنَاءَ نَقْلِهِ لِمَنْعِهِ مِنَ الْهَرَبِ.
فَمِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَمْنَعَ الأَْسِيرَ مِنَ الْهَرَبِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ فُرْصَةً لِمَنْعِهِ إِلاَّ قَتْلَهُ فَلاَ بَأْسَ، وَقَدْ فَعَل هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. (3)
11 - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (4) عَلَى أَنَّ الأَْسِيرَ إِذَا صَارَ فِي
__________
(1) البدائع 7 / 109، وشرح السير الكبير 1 / 366، 369 ط مطبعة مصر سنة 1957 م.
(2) الأم للشافعي 8 / 449 ط شركة الطباعة الفنية بمصر، والمبسوط 10 / 25.
(3) السير الكبير 3 / 1328، والمغني 10 / 407.
(4) شرح السير الكبير 2 / 651، 690 وما بعدهما، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 187، والمهذب 2 / 238، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع 5 / 14 مطبعة صبيح سنة 1384 هـ، والمغني 10 / 423 ط أولى المنار.

يَدِ الإِْمَامِ فَلاَ اسْتِحْقَاقَ لِلآْسِرِ فِيهِ إِلاَّ بِتَنْفِيل الإِْمَامِ، لاَ بِنَفْسِ الأَْسْرِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُنَادِيَ فِي الْعَسْكَرِ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ قَال ذَلِكَ فَأَعْتَقَ الرَّجُل أَسِيرَهُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ. وَلَوْ أَصَابَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ، لأَِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الاِسْتِحْقَاقُ لَهُمْ بِالإِْصَابَةِ صَارَ الأَْسِيرُ مَمْلُوكًا لآِسِرِهِ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً. بَل قَالُوا: لَوْ قَال الأَْمِيرُ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ. فَأَسَرَ الْعَسْكَرُ بَعْضَ الأَْسْرَى، ثُمَّ قَتَل أَحَدُ الأُْسَرَاءِ رَجُلاً مِنَ الْعَدُوِّ، كَانَ السَّلَبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، إِنْ لَمْ يُقَسِّمِ الأَْمِيرُ الأُْسَرَاءَ، وَإِنْ كَانَ قَسَمَهُمْ أَوْ بَاعَهُمْ فَالسَّلَبُ لِمَوْلَى الأَْسِيرِ الْقَاتِل.
وَقَدْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَنْ أَسَرَ أَسِيرًا أَثْنَاءَ الْقِتَال مُسْتَنِدًا إِلَى قُوَّةِ الْجَيْشِ، وَبَيْنَ مَنْ أَسَرَ أَسِيرًا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ الآْسِرُ مِنَ الْجَيْشِ، أَوْ مُسْتَنِدًا لَهُ خُمُسٌ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ، وَإِلاَّ اخْتَصَّ بِهِ الآْسِرُ.

حُكْمُ قَتْل الآْسِرِ أَسِيرَهُ:
12 - لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْغُزَاةِ أَنْ يَقْتُل أَسِيرَهُ بِنَفْسِهِ، إِذِ الأَْمْرُ فِيهِ بَعْدَ الأَْسْرِ مُفَوَّضٌ لِلإِْمَامِ، فَلاَ يَحِل الْقَتْل إِلاَّ بِرَأْيِ الإِْمَامِ اتِّفَاقًا، إِلاَّ إِذَا خِيفَ ضَرَرُهُ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْل أَنْ يُؤْتَى بِهِ إِلَى الإِْمَامِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ مَنْ أَسَرَهُ قَتْلُهُ (1) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ فَيَقْتُلَهُ (2) .
__________
(1) المبسوط 10 / 64، وبداية المجتهد 1 / 393 ط 1386 هـ، والمغني 10 / 407.
(2) حديث " لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه فيقتله ". أورده السرخسي في المبسوط من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا، ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار برواية جابر، وإنما أخرجه أحمد بن حنبل والطبراني من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه مرفوعا بلفظ " لا يتعاطى أحدكم من أسير أخيه فيقتله " قال الهيثمي: وفيه إسحاق بن ثعلبة وهو ضعيف (مسند أحمد بن حنبل 5 / 18 ط الميمنية، ومجمع الزوائد 5 / 333 نشر مكتبة القدسي، والمبسوط للسرخسي 9 / 64 ط مطبعة السعادة، والفتح الرباني 14 / 104، 105 الطبعة الأولى 1370 هـ) .

فَلَوْ قَتَل رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَالْحَنَفِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ قَبْل الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْل الْقِسْمَةِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قِيمَةٍ، لأَِنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ، إِذْ لِلإِْمَامِ فِيهِ خِيَرَةُ الْقَتْل، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، أَوْ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيُرَاعَى فِيهِ حُكْمُ الْقَتْل، لأَِنَّ دَمَهُ صَارَ مَعْصُومًا، فَكَانَ مَضْمُونًا بِالْقَتْل، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ. (1) وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ هُوَ الآْسِرُ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الإِْطْلاَقُ.
وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَّجِهُونَ وُجْهَةَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الضَّمَانِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّفْرِقَةَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْل أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا، وَيَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَل مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْل أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ. (2)
وَالشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا يُلْزِمُونَ الْقَاتِل بِالضَّمَانِ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ اخْتِيَارِ رِقِّهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَكَانَ فِي الْغَنِيمَةِ. وَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْمَنِّ عَلَيْهِ لَزِمَهُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ قَتَلَهُ
__________
(1) البدائع 7 / 121 ط الجمالية، والمبسوط 10 / 64، 137، وفتح القدير 4 / 305، والسير الكبير 3 / 1207.
(2) شرح منح الجليل على مختصر خليل 1 / 712، والتاج والإكليل 3 / 358، وحاشية الدسوقي 2 / 184.

بَعْدَ الْفِدَاءِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ غَنِيمَةً، إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ الإِْمَامُ الْفِدَاءَ، وَإِلاَّ فَدِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ اخْتِيَارِ الإِْمَامِ قَتْلَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ عُزِّرَ. (1)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ قَتَل أَسِيرَهُ أَوْ أَسِيرَ غَيْرِهِ قَبْل الذَّهَابِ لِلإِْمَامِ أَسَاءَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ. (2)

مُعَامَلَةُ الأَْسِيرِ قَبْل نَقْلِهِ لِدَارِ الإِْسْلاَمِ:
13 - مَبَادِئُ الإِْسْلاَمِ تَدْعُو إِلَى الرِّفْقِ بِالأَْسْرَى، وَتَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسَاءِ لَهُمْ، وَاحْتِرَامِ آدَمِيَّتِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكَيْنَا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (3) ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لأَِصْحَابِهِ فِي أَسْرَى بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَمَا احْتَرَقَ النَّهَارُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ: (4) أَحْسِنُوا أُسَارَاهُمْ. وَقَيِّلُوهُمْ (5) ، وَاسْقُوهُمْ (6) وَقَال: لاَ تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ وَحَرَّ السِّلاَحِ. . . (7) وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنْ رَأَى
__________
(1) حاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 197 ط الميمنية بمصر 1305 هـ، وأسنى المطالب 4 / 193 ط الميمنية 1313 هـ، والمهذب 2 / 236، وفتح الوهاب 2 / 173، وشرح البهجة 5 / 121، والإقناع 5 / 7.
(2) المغني 10 / 400، 401، والإنصاف 4 / 128، ومطالب أولي النهى 2 / 522.
(3) سورة الإنسان / 8.
(4) يوم صائف: أي يوم من أيام الصيف اشتدت فيه الحرارة.
(5) قيلوهم: أي أريحوهم بالقيلولة، وهي راحة نصف النهار عند حر الشمس.
(6) إمتاع الأسماع 1 / 248 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر 1941 م.
(7) شرح السير الكبير 3 / 1029 مطبعة مصر 1960 م. وحديث " لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم. . . " أورده الإمام محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير بلفظ: قال عليه السلام في بني قريظة بعد ما احترق النهار في يوم صائف: " لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح،

الإِْمَامُ قَتْل الأُْسَارَى فَيَنْبَغِي لَهُ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ، وَلَكِنَّهُ يَقْتُلُهُمْ قَتْلاً كَرِيمًا. (1)
وَيَجُوزُ حَبْسُ الأَْسْرَى فِي أَيِّ مَكَانٍ، لِيُؤْمَنَ مَنْعُهُمْ مِنَ الْفِرَارِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الرَّسُول حَبَسَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (2)

التَّصَرُّفُ فِي الأَْسْرَى قَبْل نَقْلِهِمْ لِدَارِ الإِْسْلاَمِ:
14 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ التَّصَرُّفِ فِي الْغَنَائِمِ - وَمِنْهَا الأَْسْرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ - وَقَبْل نَقْلِهِمْ لِدَارِ الإِْسْلاَمِ. قَال مَالِكٌ: الشَّأْنُ أَنْ تُقْسَمَ الْغَنَائِمُ وَتُبَاعَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ، وَرَوَى الأَْوْزَاعِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ وَالْخُلَفَاءَ لَمْ يَقْسِمُوا غَنِيمَةً قَطُّ إِلاَّ فِي دَارِ الشِّرْكِ، قَال أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا وَأَحْبَبْنَا الْعَزْل، فَأَرَدْنَا الْعَزْل وَقُلْنَا: نَعْزِل وَرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْل أَنْ نَسْأَلَهُ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ وَهِيَ كَائِنَةٌ (3) فَإِنَّ سُؤَالَهُمُ
__________
(1) المرجع السابق. وانظر التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 353.
(2) فتح الباري 1 / 555 ط السلفية، وصحيح مسلم بشرح النووي 12 / 87.
(3) حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المصطلق. . . " أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم (فتح الباري 7 / 428، 429 ط السلفية، وصحيح مسلم بشرح النووي 10 / 9، 10 ط المطبعة المصرية بالأزهر) .

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَزْل فِي وَطْءِ السَّبَايَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ قَدْ تَمَّتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْجِيل مَسَرَّةِ الْغَانِمِينَ وَغَيْظِ الْكَافِرِينَ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ لِبَلَدِ الإِْسْلاَمِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْغَانِمُونَ جَيْشًا وَأَمِنُوا مِنْ كَرِّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ. (1)
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ لِلْغَانِمَيْنِ التَّمَلُّكَ قَبْل الْقِسْمَةِ لَفْظًا، بِأَنْ يَقُول كُلٌّ بَعْدَ الْحِيَازَةِ، وَقَبْل الْقِسْمَةِ: اخْتَرْتُ مِلْكَ نَصِيبِي، فَتَمَلَّكَ بِذَلِكَ.
وَقِيل: يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ، لِزَوَال مِلْكِ الْكُفَّارِ بِالاِسْتِيلاَءِ. وَقِيل: الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ. وَالْمُرَادُ عِنْدَ مَنْ قَال يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ: الاِخْتِصَاصُ، أَيْ يَخْتَصِمُونَ. (2)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِجَوَازِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي ثَوْرٍ لِفِعْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلأَِنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالاِسْتِيلاَءِ. (3)
15 - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُقْسَمُ الْغَنَائِمُ إِلاَّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ الْمِلْكَ لاَ يَتِمُّ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالاِسْتِيلاَءِ التَّامِّ، وَلاَ يَحْصُل إِلاَّ بِإِحْرَازِهَا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْحَقِّ الْقَهْرُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، لأَِنَّهُمْ قَاهِرُونَ يَدًا مَقْهُورُونَ دَارًا، فَلاَ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ - وَمِنْهَا الأَْسْرَى - أَوْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، خَشْيَةَ تَقْلِيل الرَّغْبَةِ فِي لُحُوقِ الْمَدَدِ بِالْجَيْشِ، وَتَعَرُّضِ الْمُسْلِمِينَ لِوُقُوعِ
__________
(1) التاج والإكليل 3 / 375، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 194 ط دار الفكر.
(2) نهاية المحتاج 8 / 73 ط مصطفى الحلبي 1357 هـ.
(3) المغني 10 / 466.

الدَّبَرَةِ عَلَيْهِمْ، بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيَسْتَقِل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَمْل نَصِيبِهِ. وَمَعَ هَذَا فَقَالُوا: وَإِنْ قَسَمَ الإِْمَامُ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ، لأَِنَّهُ أَمْضَى فَصْلاً مُخْتَلَفًا فِيهِ بِالاِجْتِهَادِ. (1) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ قِسْمَةَ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ (2) .

تَأْمِينُ الأَْسِيرِ:
16 - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحِقُّ لِلإِْمَامِ إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لِلأَْسِيرِ بَعْدَ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ عُمَرَ لَمَّا قُدِمَ عَلَيْهِ بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا قَال. لاَ بَأْسَ عَلَيْكَ، ثُمَّ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَال لَهُ أَنَسٌ: قَدْ أَمَّنْتُهُ فَلاَ سَبِيل لَكَ عَلَيْهِ، وَشَهِدَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ فَعَدُّوهُ أَمَانًا (3) ، وَلأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ، وَالأَْمَانُ دُونَ الْمَنِّ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَى حُكْمِ التَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي دُونَ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا عَقَدَهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنَ الأَْمَانِ
__________
(1) شرح السير الكبير 3 / 1005، 1011، والمغني 10 / 466، واللجنة ترى أن هذا مفوض إلى رأي القائد يجري فيه على حسب ما يرى فيه المصلحة.
(2) حديث تأخير قسمة الغنائم يفهم مما أخرجه البخاري من حديث أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة - بين مكة والمدينة - ومعه بلال، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: أبش (فتح الباري 8 / 46 ط السلفية، وكتاب الخراج لأبي يوسف ص 196) .
(3) الأثر عن عمر رضي الله عنه أخرجه البيهقي مطولا، وأورده ابن حجر في التلخيص وسكت عنه (السنن الكبرى للبيهقي 9 / 96 ط دائرة المعارف العثمانية بالهند، والتلخيص الحبير 4 / 120) .

جَازَ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَأَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، لأَِنَّ أَمْرَ الأَْسِيرِ مُفَوَّضٌ إِلَى الإِْمَامِ، فَلَمْ يَجُزْ الاِفْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَقَتْلِهِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ، لأَِنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بَعْدَ أَسْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانَهَا (1) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَمَان) .

حُكْمُ الإِْمَامِ فِي الأَْسْرَى (2) :
17 - يَرْجِعُ الأَْمْرُ فِي أَسْرَى الْحَرْبِيِّينَ إِلَى الإِْمَامِ، أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ عَنْهُ.
وَجَعَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مَصَائِرَ الأَْسْرَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَبْل إِجْرَاءِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فِي أَحَدِ أُمُورٍ: فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَخْيِيرِ الإِْمَامِ فِي
__________
(1) حديث " أن زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها ". أخرجه ابن إسحاق مطولا بلا إسناد، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية، ولم يعزه إلى مصدر آخر، وأخرجه ابن جرير الطبري من طريق ابن إسحاق من حديث يزيد بن رومان مرسلا (البداية والنهاية 3 / 332 ط مطبعة السعادة، والسير النبوية لابن هشام 2 / 312، 313 ط مصطفى الحلبي 1355 هـ وتاريخ الطبري بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 2 / 471 نشر دار سويدان بيروت) . انظر المغني 10 / 434، والسير الكبير 1 / 253، 263، والبحر الرائق 5 / 88، والتاج والإكليل 3 / 360، والمهذب 2 / 236.
(2) جعلت الشريعة للإمام حق استرقاق الأسرى، وتصرفه في ذلك منوط بالمصحلة، وحيث إن هناك اتفاقا دوليا بمنع الاسترتاق، فإن هذا لا يناقض الشريعة، ولا ينافي أن هذا من حق الإمام، لأن الشريعة في كثير من نصوصها تحث على فك الرقاب، فلا ينبغي للإمام الآن أن يلجأ إلى

الرِّجَال الْبَالِغِينَ مِنْ أَسْرَى الْكُفَّارِ، بَيْنَ قَتْلِهِمْ، أَوِ اسْتِرْقَاقِهِمْ، أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ، أَوْ مُفَادَاتِهِمْ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ. (1)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَصَرُوا التَّخْيِيرَ عَلَى ثَلاَثَةِ أُمُورٍ فَقَطِ: الْقَتْل، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِهِمْ أَهْل ذِمَّةٍ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يُجِيزُوا الْمَنَّ عَلَيْهِمْ دُونَ قَيْدٍ، وَلاَ الْفِدَاءَ بِالْمَال إِلاَّ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، أَوْ إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِحَاجَةٍ لِلْمَال. وَأَمَّا مُفَادَاتُهُمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فَمَوْضِعُ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ. (2)
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ يُخَيَّرُ فِي الأَْسْرَى بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: فَإِمَّا أَنْ يَقْتُل، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَرِقَّ، وَإِمَّا أَنْ يُعْتِقَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ الْفِدَاءَ، وَإِمَّا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ الذِّمَّةَ وَيَضْرِبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَالإِْمَامُ مُقَيَّدٌ فِي اخْتِيَارِهِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ. (3)
18 - وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي السَّبَايَا مِنَ النِّسَاءِ وَالصَّبِيَّةِ أَنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ. فَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلدَّرْدِيرِ: وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ فَلَيْسَ فِيهِمْ إِلاَّ
__________
(1) الإقناع 5 / 8 ط صبيح 1384 هـ، ونهاية المحتاج 8 / 65، وشرح البهجة 5 / 621، والمهذب 2 / 235، والمغني 10 / 400، والإنصاف 4 / 130، والفروع 3 / 596، ومطالب أولي النهى 2 / 520.
(2) البدائع 7 / 121، والزيلعي 4 / 249، وفتح القدير 4 / 305، والمبسوط 10 / 24، 138، وحاشية ابن عابدين 3 / 229، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 89.
(3) التاج والإكليل 3 / 358، وبداية المجتهد 1 / 292، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير 2 / 184.

الاِسْتِرْقَاقُ أَوِ الْفِدَاءُ. (1) وَتَفْصِيلُهُ فِي (سَبْي) .
كَمَا يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الأَْسِيرَ الْحَرْبِيَّ الَّذِي أَعْلَنَ إِسْلاَمَهُ قَبْل الْقِسْمَةِ، لاَ يَحِقُّ لِلإِْمَامِ قَتْلُهُ، لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ عَاصِمٌ لِدَمِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
19 - وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ خَفِيَ عَلَى الإِْمَامِ أَوْ أَمِيرِ الْجَيْشِ الأَْحَظُّ حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ، لأَِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الاِجْتِهَادِ، وَيُصَرِّحُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ هَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ تَأْمِينٌ لَهُمْ. (2)

20 - وَقَال قَوْمٌ: لاَ يَجُوزُ قَتْل الأَْسِيرِ، وَحَكَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ.
وَالسَّبَبُ فِي الاِخْتِلاَفِ تَعَارُضُ الآْيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَتَعَارُضُ الأَْفْعَال، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لأَِنَّ ظَاهِرَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِْمَامِ بَعْدَ الأَْسْرِ إِلاَّ الْمَنُّ أَوِ الْفِدَاءُ. وقَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَْرْضِ} (3) وَالسَّبَبُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْقَتْل أَفْضَل مِنْ الاِسْتِبْقَاءِ. وَأَمَّا فِعْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَدْ قَتَل الأَْسَارَى فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الآْيَةَ الْخَاصَّةَ بِالأَْسَارَى نَاسِخَةٌ لِفِعْلِهِ قَال:
__________
(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 184.
(2) شرح السير الكبير 2 / 590، وحاشية ابن عابدين 3 / 229، وفتح القدير 4 / 305، والزيلعي 3 / 249، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 3 / 358، وحاشية الدسوقي 2 / 184، وبداية المجتهد 1 / 392، وتحفة المحتاج 8 / 39، وشرح روض الطالب 4 / 693، وحاشية الجمل على المنهج 5 / 697، والإنصاف 4 / 130، والمغني 10 / 400، ومطالب أولي النهى 2 / 519.
(3) سورة الأنفال / 67.

لاَ يُقْتَل الأَْسِيرُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الآْيَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِقَتْل الأَْسِيرِ وَلاَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا حَصْرُ مَا يُفْعَل بِالأَْسَارَى قَال بِجَوَازِ قَتْل الأَْسِيرِ. (1)

21 - وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْسْرَى مِنْ نِسَاءِ الْحَرْبِيِّينَ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَالْخُنْثَى وَالْمَجْنُونِ، وَكَذَا الْعَبِيدُ الْمَمْلُوكُونَ لَهُمْ يُسْتَرَقُّونَ بِنَفْسِ الأَْسْرِ، وَيَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ قَبْل الاِسْتِيلاَءِ وَالأَْسْرِ لاَ يُسْتَرَقُّ، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ الاِسْتِتَابَةُ وَالْعَوْدَةُ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَإِلاَّ فَالسَّيْفُ. (2)
22 - أَمَّا الرِّجَال الأَْحْرَارُ الْمُقَاتِلُونَ مِنْهُمْ.، فَقَدِ اتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ الأَْعَاجِمِ، وَثَنِيِّينَ كَانُوا أَوْ أَهْل كِتَابٍ. وَاتَّجَهَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَهُمْ. وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ اسْتِرْقَاقَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.

الْفِدَاءُ بِالْمَال:
23 - الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: جَوَازُ فِدَاءِ أَسْرَى الْحَرْبِيِّينَ الَّذِينَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلإِْمَامِ فِيهِمْ
__________
(1) بداية المجتهد 1 / 392، 394.
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 229، وحاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق 3 / 249، والعناية بهامش الفتح 4 / 306، وشرح السير الكبير 3 / 1024، 1036، والبدائع 7 / 117، وبداية المجتهد 1 / 392، وحاشية الدسوقي 2 / 184، والتاج والإكليل ومواهب الجليل 3 / 359، والمهذب 2 / 235، وفتح الوهاب 2 / 173، وحاشية الجمل 5 / 197، وتحفة المحتاج 8 / 40، والمغني 10 / 400، والإنصاف 4 / 131، ومطالب أولي النهى 2 / 522.

بِالْمَال. (1) غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُجِيزُونَهُ بِمَالٍ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الأَْسِيرِ (2) ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - كَمَا نَقَل السَّرَخْسِيُّ عَنِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ - تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمَال، وَقَيَّدَ الْكَاسَانِيُّ هَذَا بِمَا إِذَا كَانَ الأَْسِيرُ شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يُرْجَى لَهُ وَلَدٌ. (3) وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْمَال دُونَ قَيْدٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ حَاجَةٌ لِلْمَال، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَفْدِيَ الأَْسْرَى بِالْمَال يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ، أَكَانَ مِنْ مَالِهِمْ أَمْ مِنْ مَالِنَا الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَنْ نَفْدِيَهُمْ بِأَسْلِحَتِنَا الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ. أَمَّا أَسْلِحَتُهُمْ الَّتِي بِأَيْدِينَا فَفِي جَوَازِ مُفَادَاةِ أَسْرَانَا بِهَا وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا عِنْدَهُمُ الْجَوَازُ. (4)
وَاسْتَدَل الْمُجِيزُونَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (5) ، وَبِفِعْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ فَادَى أَسَارَى بَدْرٍ بِالْمَال وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلاً، كُل رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ (6) ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِهِ الْجَوَازُ وَالإِْبَاحَةُ.
24 - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، فِي غَيْرِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ
__________
(1) المبسوط 10 / 138، والبدائع 7 / 119، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 3 / 358، وحاشية الدسوقي 2 / 184، والإقناع 5 / 8، والمهذب 2 / 237، والإنصاف 4 / 130، والمغني والشرح الكبير 10 / 401، ومطالب أولي النهى 2 / 521.
(2) التاج والإكليل 3 / 358.
(3) المبسوط 10 / 138، والبدائع 7 / 619، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار 3 / 229.
(4) شرح روض الطالب 4 / 193، وتحفة المحتاج 8 / 40، والمهذب 2 / 237، ونهاية المحتاج 8 / 65، والإقناع 5 / 8، وفتح الوهاب 2 / 174.
(5) سورة محمد / 4.
(6) حديث: " مفاداة أسارى بدر ". أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة ". قال الشوكاني: أخرجه أيضا النسائي والحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص، ورجاله ثقا وأما عدد أسارى بدر فقد أخرجه مسلم من حديث ابن عباس بلفظ " فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين " (عون المعبود 3 / 14 ط الهند، ونيل الأوطار 7 / 323 ط مصطفى الحلبي 1380 هـ، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1383 - 1385 ط عيسى الحلبي 1375 هـ) .

رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلاَّمٍ عَدَمُ جَوَازِ الْفِدَاءِ بِمَالٍ. (1)
وَيَدُل عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ قَتْل الأَْسَارَى مَأْمُورٌ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَْعْنَاقِ} (2) وَأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى مَا بَعْدَ الأَْخْذِ وَالاِسْتِرْقَاقِ، وقَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (3) وَالأَْمْرُ بِالْقَتْل لِلتَّوَسُّل إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلاَّ لِمَا شُرِعَ لَهُ الْقَتْل، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يَحْصُل مَعْنَى التَّوَسُّل بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَال، كَمَا أَنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً لأَِهْل الْحَرْبِ، لأَِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْمَنَعَةِ، فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَقَتْل الْمُشْرِكِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَرْضٌ مُحْكَمٌ، وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ إِقَامَةِ هَذَا الْفَرْضِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَال فِي الأَْسِيرِ: لاَ تُفَادُوهُ وَإِنْ أُعْطِيتُمْ بِهِ مُدَّيْنِ مِنْ ذَهَبٍ " (4) وَلأَِنَّهُ صَارَ بِالأَْسْرِ مِنْ أَهْل دَارِنَا، فَلاَ يَجُوزُ
__________
(1) المبسوط 10 / 138، وتبيين الحقائق 3 / 249، والبحر الرائق 5 / 90، ومواهب الجليل 3 / 359، والأموال ص 117 فقرة 313، والإنصاف 4 / 130، وابن عابدين 3 / 229.
(2) سورة الأنفال / 12.
(3) سورة التوبة / 5.
(4)) الأثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أخرجه أبو يوسف في كتاب الخراج بلفظ " إن أخذتم أحدا من المشركين فأعطيتم به مدين دنانير فلا تفادوه " (كتاب الخراج ص 196 نشر المكتبة السلفية 1352 هـ) والمدي +: مكيال لأهل الشام.

إِعَادَتُهُ لِدَارِ الْحَرْبِ، لِيَكُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَفِي هَذَا مَعْصِيَةٌ، وَارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ لِمَنْفَعَةِ الْمَال لاَ يَجُوزُ، وَلَوْ أَعْطَوْنَا مَالاً لِتَرْكِ الصَّلاَةِ لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَل ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ، فَكَذَا لاَ يَجُوزُ تَرْكُ قَتْل الْمُشْرِكِ بِالْمُفَادَاةِ (1) .
وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ لِلإِْمَامِ حَقَّ الْمُفَادَاةِ بِالْمَال، فَإِنَّ هَذَا الْمَال يَكُونُ لِلْغَانِمِينَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُسْقِطَ شَيْئًا مِنَ الْمَال الَّذِي يَفْرِضُهُ عَلَيْهِمْ مُقَابِل الْفِدَاءِ إِلاَّ بِرِضَى الْغَانِمِينَ. (2)

فِدَاءُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْرَى الأَْعْدَاءِ:
25 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (3) مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِ تَبَادُل الأَْسْرَى، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل النَّبِيِّ أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ (4) وَقَوْلِهِ إِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ، وَيُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ (5) وَفَادَى النَّبِيُّ رَجُلَيْنِ مِنِ الْمُسْلِمِينَ
__________
(1) البدائع 7 / 119، 120، والمبسوط 10 / 138، 139. ولا يخفى أن ظاهر الآية إن تعين القتل أولا قبل الإثخان، فإذا أثخنوا أجرى عليهم ما في الآية من المن أو الفداء.
(2) حاشية الدسوقي والشرح الكبير 2 / 184، والمهذب 2 / 237، والمغني 10 / 403.
(3) تبيين الحقائق 3 / 249، وحاشية ابن عابدين 3 / 229، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 184، وبداية المجتهد 1 / 392، وأحكام القرآن لابن العربي 2 / 868، والإقناع 5 / 8، ونهاية المحتاج 8 / 65، والمهذب 2 / 237، والمغني والشرح الكبير 10 / 401، والإنصاف 4 / 130، ومطالب أولي النهى 2 / 521.
(4) حديث: " أطعموا الجائع. . . . ". أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري (فتح الباري 10 / 112 ط السلفية) .
(5) حديث: " إن على المسلمين في فيئهم. . . . " أخرجه سعيد بن منصور من حديث حبان بن أبي جبلة. والحديث مرسل (سنن سعيد بن منصور، القسم الثاني من المجلد الثالث ص 317 ط الهند) .

بِالرَّجُل الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ (1) . وَفَادَى بِالْمَرْأَةِ الَّتِي، اسْتَوْهَبَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ (2) نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدْ أُسِرُوا بِمَكَّةَ وَلأَِنَّ فِي الْمُفَادَاةِ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِ مِنْ عَذَابِ الْكُفَّارِ وَالْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ، وَإِنْقَاذُ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ إِهْلاَكِ الْكَافِرِ.
وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْمُفَادَاةُ قَبْل الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا.
أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ قَصَرَ جَوَازَ الْمُفَادَاةِ عَلَى مَا قَبْل الْقِسْمَةِ، لأَِنَّهُ قَبْل الْقِسْمَةِ لَمْ يَتَقَرَّرْ كَوْنُ أَسِيرِهِمْ مِنْ أَهْل دَارِنَا حَتَّى جَازَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَقَدْ تَقَرَّرَ كَوْنُهُ مِنْ أَهْل دَارِنَا حَتَّى لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ. أَيْ فَلاَ يُعَادُ بِالْمُفَادَاةِ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ. وَلأَِنَّ فِي الْمُفَادَاةِ بَعْدَهَا إِبْطَال مِلْكِ الْمَقْسُومِ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مِثْل قَوْل أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَجَازَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ لأَِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لأَِجْلِهِ جُوِّزَ ذَلِكَ قَبْل الْقِسْمَةِ، الْحَاجَةُ إِلَى تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ مِنْ عَذَابِهِمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَحَقُّ الْغَانِمِينَ فِي الاِسْتِرْقَاقِ ثَابِتٌ قَبْل
__________
(1) حديث: " فداه النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل ". أخرجه مسلم مطولا من حديث عمران بن حصين (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1262، 1263 ط عيسى الحلبي) .
(2) حديث: " فداء النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناسا من المسلمين ". أخرجه مسلم مطولا من حديث سلمة رضي الله عنه (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1375، 1376 ط عيسى الحلبي) .

الْقِسْمَةِ، وَقَدْ صَارَ الأَْسِيرُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْل دَارِنَا، ثُمَّ تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ لِهَذِهِ الْحَاجَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
وَقَدْ نَقَل الْحَطَّابُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ لَيْسَ فِيهِمْ إِلاَّ الاِسْتِرْقَاقُ، أَوِ الْمُفَادَاةُ بِالنُّفُوسِ دُونَ الْمَال.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِيَ مَنْعُ مُفَادَاةِ الأَْسِيرِ بِالأَْسِيرِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ قَتْل الْمُشْرِكِينَ فَرْضٌ مُحْكَمٌ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْمُفَادَاةِ. (1)
26 - وَلَوْ أَسْلَمَ الأَْسِيرُ لاَ يُفَادَى بِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، أَيْ لأَِنَّهُ فِدَاءُ مُسْلِمٍ بِمُسْلِمٍ، إِلاَّ إِذَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَهُوَ مَأْمُونٌ عَلَى إِسْلاَمِهِ: (2)
27 - وَيَجُوزُ مُفَادَاةُ الأَْكْثَرِ بِالأَْقَل وَالْعَكْسُ كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، لَكِنْ فِي كُتُبِهِمْ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ، لاِسْتِدْلاَلِهِمْ بِالأَْحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى لَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْ أَسَرَانَا، وَيُؤْخَذُ بَدَلَهُ أَسِيرَانِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. (3)

جَعْل الأَْسْرَى ذِمَّةً لَنَا وَفَرْضُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ:
28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَضَعَ الْجِزْيَةَ فِي رِقَابِ الأَْسْرَى مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ
__________
(1) المبسوط 10 / 139، 140، والبدائع 2 / 120، وتبيين الحقائق 3 / 249، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 184، ومواهب الجليل 3 / 359، والمغني 8 / 449 ط ثالثة.
(2) تبيين الحقائق 3 / 249، والبحر الرائق 5 / 90، والمغني 10 / 403.
(3) الإقناع 2 / 253، والمغني 10 / 401، ومطالب أولي النهى 2 / 251، والبدائع 7 / 121. وترى اللجنة أن ذلك ينبغي أن يكون الرأي فيه للإمام حسب المصلحة.

عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ إِجَابَتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ إِذَا سَأَلُوهُ، كَمَا يَجِبُ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ فِي غَيْرِ أَسْرٍ. (1)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِفِعْل عُمَرَ فِي أَهْل السَّوَادِ (2) وَقَالُوا: إِنَّهُ أَمْرٌ جَوَازِيٌّ، لأَِنَّهُمْ صَارُوا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَكَيْلاَ يَسْقُطَ بِذَلِكَ مَا ثَبَتَ مِنِ اخْتِيَارٍ. (3) وَهَذَا إِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.
وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ حَيْثُ قَال: وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَال قَوْمٌ: تُؤْخَذُ مِنْ كُل مُشْرِكٍ، وَبِهِ قَال مَالِكٌ (4) .
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ لِلإِْمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْسَارَى مِنْ غَيْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ، وَوَضَعُوا قَاعِدَةً عَامَّةً هِيَ: كُل مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ مِنَ الرِّجَال، يَجُوزُ أَخْذُ
__________
(1) المهذب 2 / 236.
(2) الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أخرجه يحيى بن آدم في كتاب الخراج: " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أتاه رؤساء السواد وفيهم ابن الرفيل. فقالوا: يا أمير المؤمنين: إنا من قوم من أهل السواد، وكان أهل فارس قد ظهروا عليا وأضروا بنا، ففعلوا وفعلوا - ومصنف عبد الرزاق 6 / 69 نشر المكتب الإسلامي) .
(3) مطالب أولي النهى 2 / 522، والمهذب 2 / 236.
(4) بداية المجتهد 1 / 399، 400.

الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، كَأَهْل الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَجَمِ، وَمَنْ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ، كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ. (1)

رُجُوعُ الإِْمَامِ فِي اخْتِيَارِهِ:
29 - لَمْ نَقِفْ فِيمَا رَجَعْنَا إِلَيْهِ مِنْ كُتُبٍ عَلَى مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا، إِلاَّ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: لَمْ يَتَعَرَّضُوا فِيمَا عَلِمْتُ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ لَوِ اخْتَارَ خَصْلَةً لَهُ الرُّجُوعِ عَنْهَا أَوْ لاَ، وَلاَ إِلَى أَنَّ اخْتِيَارَهُ هَل يَتَوَقَّفُ عَلَى لَفْظٍ أَوْ لاَ. وَقَال: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ، فَلَوِ اخْتَارَ خَصْلَةً وَظَهَرَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ أَنَّهَا الأَْحَظُّ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الأَْحَظَّ غَيْرُهَا، فَإِنْ كَانَتْ رِقًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْغَانِمِينَ وَأَهْل الْخُمُسِ مَلَكُوا بِمُجَرَّدِ ضَرْبِ الرِّقِّ، فَلَمْ يَمْلِكْ إِبْطَالَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَتْلاً جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ فِدَاءً أَوْ مَنًّا لَمْ يُعْمَل بِالثَّانِي، لاِسْتِلْزَامِهِ نَقْضَ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ، إِلاَّ إِذَا كَانَ اخْتِيَارُهُ أَحَدَهُمَا لِسَبَبٍ ثُمَّ زَال السَّبَبُ، وَتَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي الثَّانِي عَمِل بِقَضِيَّتِهِ. وَلَيْسَ هَذَا نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِاجْتِهَادٍ، بَل بِمَا يُشْبِهُ النَّصَّ، لِزَوَال مُوجِبِهِ الأَْوَّل بِالْكُلِّيَّةِ.

مَا يَكُونُ بِهِ الاِخْتِيَارُ:
30 - وَأَمَّا تَوَقُّفُ الاِخْتِيَارِ عَلَى لَفْظٍ، فَإِنَّ الاِسْتِرْقَاقَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ يَدُل عَلَيْهِ، وَلاَ يَكْفِي
__________
(1) شرح السير الكبير 3 / 1036، والبدائع 7 / 119، وفتح القدير 4 / 306.

فِيهِ مُجَرَّدُ الْفِعْل، وَكَذَا الْفِدَاءُ، نَعَمْ يَكْفِي فِيهِ لَفْظٌ مُلْتَزِمٌ الْبَدَل مَعَ قَبْضِ الإِْمَامِ لَهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، بِخِلاَفِ الْخَصْلَتَيْنِ الأُْخْرَيَيْنِ لِحُصُولِهِمَا بِمُجَرَّدِ الْفِعْل. (1)

إِسْلاَمُ الأَْسِيرِ:
31 - إِذَا أَسْلَمَ الأَْسِيرُ بَعْدَ أَسْرِهِ وَقَبْل قَضَاءِ الإِْمَامِ فِيهِ الْقَتْل أَوِ الْمَنَّ أَوِ الْفِدَاءَ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَل إِجْمَاعًا، لأَِنَّهُ بِالإِْسْلاَمِ قَدْ عُصِمَ دَمُهُ.
أَمَّا اسْتِرْقَاقُهُ فَفِيهِ رَأْيَانِ: فَالْجُمْهُورُ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاحْتِمَالٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ الإِْمَامَ فِيهِ مُخَيَّرٌ فِيمَا عَدَا الْقَتْل، لأَِنَّهُ لَمَّا سَقَطَ الْقَتْل بِإِسْلاَمِهِ بَقِيَتْ بَاقِي الْخِصَال.
وَالْقَوْل الظَّاهِرُ لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِرْقَاقُهُ، لأَِنَّ سَبَبَ الاِسْتِرْقَاقِ قَدِ انْعَقَدَ بِالأَْسْرِ قَبْل إِسْلاَمِهِ، فَصَارَ كَالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، فَيَتَعَيَّنُ اسْتِرْقَاقُهُ فَقَطْ، فَلاَ مَنَّ وَلاَ فِدَاءَ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُفَادِيَ بِهِ لِتَخْلِيصِهِ مِنَ الرِّقِّ. (2)

أَمْوَال الأَْسِيرِ:
32 - الْحُكْمُ فِي مَال الأَْسِيرِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ فِي نَفْسِهِ، فَلاَ عِصْمَةَ لَهُ عَلَى مَالِهِ وَمَا مَعَهُ، فَهُوَ فَيْءٌ لِكُل الْمُسْلِمِينَ مَا دَامَ أُسِرَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، أَوْ كَانَ
__________
(1) تحفة المحتاج 8 / 40 ط أولى.
(2) شرح السير الكبير 3 / 1025، والبحر الرائق 5 / 90، وتبيين الحقائق 3 / 249، وفتح القدير 4 / 306، والبدائع 7 / 122، والمهذب 2 / 239، ونهاية المحتاج 8 / 66، وفتح الوهاب 2 / 174، والوجيز 2 / 190، والمغني 10 / 402، ومطالب أولي النهى 2 / 527، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 125 ط أولى 1356 هـ، والطرق الحكمية ص 172 ط 1317 هـ.

الأَْسْرُ مُسْتَنِدًا لِقُوَّةِ الْجَيْشِ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَسْرِهِ وَاسْتُرِقَّ تَبِعَهُ مَالُهُ، أَمَّا لَوْ كَانَ إِسْلاَمُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْل أَخْذِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى ظَهَرْنَا عَلَى الدَّارِ، عَصَمَ نَفْسَهُ وَصِغَارَهُ وَكُل مَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ، لِحَدِيثِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ (1) وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْقُول، وَكَذَا الْعَقَارُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: وَخَرَجَ عَقَارُهُ لأَِنَّهُ فِي يَدِ أَهْل الدَّارِ وَسُلْطَانِهَا فَيَكُونُ غَنِيمَةً. (2) وَقِيل: إنَّ مُحَمَّدًا جَعَلَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ. (3)
وَإِذَا قَال الأَْمِيرُ: مَنْ خَرَجَ مِنْ أَهْل الْعَسْكَرِ فَأَصَابَ شَيْئًا فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرُّبُعُ، وَسَمِعَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَسِيرٌ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، فَخَرَجَ فَأَصَابَ شَيْئًا فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ الأَْسِيرَ فَيْءٌ لَهُمْ وَكَسْبَ
__________
(1) حديث: " من أسلم على مال فهو له ". أخرجه ابن عدي والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: " من أسلم على شيء فهو له ". وفي إسناده ياسين بن معاذ الزيات. قال البيهقي: ياسين بن معاذ الزيات كوفي ضعيف جرحه يحيى بن معين والبخاري وغيرهما من الحفاظ. وأخرجه سعيد بن منصور من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما، قال محمد بن عبد الهادي في تنقيح التحقيق: هذا الحديث مرسل لكنه صحيح الإسناد، وروي الحديث كذلك عن ابن أبي مليكة مرسلا. قال الألباني: والحديث عندي حسن بمجموع طرقه (السنن الكبرى للبيهقي 9 / 113 ط دائرة المعارف العثمانية بالهند، وكتاب السنن لسعيد بن منصور القسم الأول من المجلد الثالث ص 54، 55 ط علمي بريس ماليكاون، وفيض القدير 6 / 62 نشر المكتبة التجارية، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني 6 / 156، 157 نشر المكتب الإسلامي) .
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 233 ط 1272 هـ، وحاشية الدسوقي 2 / 187.
(3) البحر الرائق 5 / 94، والمغني 10 / 475.

الْعَبْدِ لِمَوْلاَهُ. (1)

33 - وَإِذَا وَقَعَ السَّبْيُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْرَجَ مَالاً كَانَ مَعَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَيَنْبَغِي لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ، لأَِنَّ الأَْمِيرَ إِنَّمَا مَلَّكَهُ بِالْقِسْمَةِ رَقَبَةَ الأَْسِيرِ لاَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَال، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْل فِي الْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْعَدْل إِذَا كَانَتِ الْقِسْمَةُ لاَ تَتَنَاوَل إِلاَّ مَا كَانَ مَعْلُومًا. وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلاً اشْتَرَى جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا قَدْ خَلَصَتْ لَهُ أَخْرَجَتْ حُلِيًّا كَانَ مَعَهَا، فَقَال الرَّجُل: مَا أَدْرِي هَذَا؟ وَأَتَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْبَرَهُ فَقَال: اجْعَلْهُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ. لأَِنَّ الْمَال الَّذِي مَعَ الأَْسِيرِ كَانَ غَنِيمَةً، وَفِعْل الأَْمِيرِ تَنَاوَل الرَّقَبَةَ دُونَ الْمَال، فَبَقِيَ الْمَال غَنِيمَةً (2) . وَهَذَا الْحُكْمُ يَصْدُقُ أَيْضًا عَلَى الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ الَّتِي لَهُ لَدَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. فَإِنْ كَانَتْ لَدَى حَرْبِيٍّ فَهِيَ فَيْءٌ لِلْغَانِمِينَ.

34 - وَإِذَا كَانَ عَلَى الأَْسِيرِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قُضِيَ مِنْ مَالِهِ الَّذِي لَمْ يُغْنَمْ قَبْل اسْتِرْقَاقِهِ، فَإِنَّ حَقَّ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْغَنِيمَةِ، إِلاَّ إِذَا سَبَقَ الاِغْتِنَامُ رِقَّهُ. وَلَوْ وَقَعَا مَعًا فَالظَّاهِرُ - عَلَى مَا قَال الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - تَقْدِيمُ الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَعْتِقَ. (3)

بِمَ يُعْرَفُ إِسْلاَمُهُ:
35 - رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ
__________
(1) شرح السير الكبير 3 / 835، والمهذب 2 / 239، والمدونة مع المقدمات 1 / 379.
(2) شرح السير الكبير 3 / 1037، 1038.
(3) الوجيز 2 / 191.

وَتَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ بِالإِْسْلاَمِ دُونَ اعْتِرَافٍ جَازِمٍ، بَيَّنَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَْسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْل فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} (1) .
وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ كَشَفَ نِيَّاتِ بَعْضِ الأَْسْرَى لِرَسُولِهِ، فَإِنَّ الْمُحَارِبِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْبَحْثِ عَنْ هَذِهِ النِّيَّاتِ، وَلَقَدْ حَدَّثَ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَْسْوَدِ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَال: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُول اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَقْتُلْهُ. قَال فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ قَطَعَ يَدِيّ، ثُمَّ قَال ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْل أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْل أَنْ يَقُول كَلِمَتَهُ الَّتِي قَال (2) .
وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُِسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ (3) . وَلِذَا فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا: لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا أُسَرَاءَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ، فَقَال
__________
(1) سورة الأنفال 70 - 71. وانظر أحكام القرآن لابن العربي قسم ثان ص 784.
(2) حديث المقداد بن الأسود " يا رسول الله: أرأيت إن لقيت رجلا. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1 / 95 ط عيسى الحلبي) .
(3) حديث " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ". أخرجه مسلم من حديث أسامة بن زيد مرفوعا ضمن قصة (صحيح مسلم 1 / 96 ط عيسى الحلبي) .

رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا مُسْلِمٌ، فَلاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ حَتَّى يَسْأَلُوهُ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ وَصَفَهُ لَهُمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَصِفَهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصِفُوهُ لَهُ، ثُمَّ يَقُولُوا لَهُ: هَل أَنْتَ عَلَى هَذَا؟ فَإِنْ قَال: نَعَمْ، فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَلَوْ قَال: لَسْتُ بِمُسْلِمٍ وَلَكِنِ اُدْعُونِي إِلَى الإِْسْلاَمِ حَتَّى أُسْلِمَ لَمْ يَحِل قَتْلُهُ. (1)

أَسْرَى الْبُغَاةِ:
36 - الْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ بَغَى، وَهُوَ بِمَعْنَى عَلاَ وَظَلَمَ وَعَدَل عَنِ الْحَقِّ وَاسْتَطَال. (2) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} . (3)
وَالْبُغَاةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُمُ الْخَارِجُونَ عَلَى الإِْمَامِ الْحَقِّ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَهُمْ مَنَعَةٌ. وَيَجِبُ قِتَالُهُمْ لِرَدْعِهِمْ لاَ لِقَتْلِهِمْ (4) وَسَنَتَصَدَّى لِلْكَلاَمِ عَنْ حُكْمِ أَسْرَاهُمْ.
37 - أَسْرَى الْبُغَاةِ تُعَامِلُهُمُ الشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ مُعَامَلَةً خَاصَّةً، لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِمُجَرَّدِ دَفْعِهِمْ عَنِ الْمُحَارَبَةِ، وَرَدِّهِمْ إِلَى الْحَقِّ، لاَ لِكُفْرِهِمْ. (5) رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: يَا ابْنَ
__________
(1) أحكام القرآن للجصاص 2 / 296، وشرح السير الكبير 2 / 513.
(2) القاموس مادة: (بغى) .
(3) سورة الحجرات / 9.
(4) حاشية ابن عابدين 3 / 308، وحاشية الدسوقي 4 / 298، وحاشية الجمل 5 / 194، والفروع 3 / 541 ط المنار.
(5) الشرح الكبير مطبوع مع المغني 10 / 59.

أُمِّ عَبْدٍ مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى عَلَى أُمَّتِي؟ قَال: فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلاَ يُقْتَل أَسِيرُهُمْ، وَلاَ يُقْسَمُ فَيْؤُهُمْ. (1)

38 - وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ سَبْيِ نِسَاءِ الْبُغَاةِ وَذَرَارِيِّهِمْ. بَل ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى قَصْرِ الأَْسْرِ عَلَى الرِّجَال الْمُقَاتِلِينَ وَتَخْلِيَةِ سَبِيل الشُّيُوخِ وَالصِّبْيَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا وَقَعَ الْقِتَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، قَرَّرَ عَلِيٌّ عَدَمَ السَّبْيِ وَعَدَمَ أَخْذِ الْغَنِيمَةِ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ كَانُوا فِي صُفُوفِهِ، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ: أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ؟ أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ قُلْتُمْ لَيْسَتْ أُمَّكُمْ كَفَرْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (2) وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهَا أُمُّكُمْ وَاسْتَحْلَلْتُمْ سَبْيَهَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} (3) . فَلاَ يُسْتَبَاحُ مِنْهُمْ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الْقِتَال (4) وَيَبْقَى حُكْمُ الْمَال وَالذُّرِّيَّةِ عَلَى أَصْل الْعِصْمَةِ. وَلِفُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ تَفْصِيلٌ فِي حُكْمِ أَسْرَى الْبُغَاةِ.
__________
(1) حديث " لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيؤهم " أخرجه الحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: يا بن مسعود أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال ابن مسعود:
(2) سورة الأحزاب / 6.
(3) سورة الأحزاب / 53.
(4) الشرح الكبير مع المغني 10 / 65، وفتح القدير 4 / 413.

وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ اسْتِرْقَاقِ أَسْرَى الْبُغَاةِ، لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يَمْنَعُ الاِسْتِرْقَاقَ ابْتِدَاءً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال يَوْمَ الْجَمَل: لاَ يُقْتَل أَسِيرُهُمْ، وَلاَ يُكْشَفُ سِتْرٌ، وَلاَ يُؤْخَذُ مَالٌ " أَيْ لاَ يُسْتَرَقُّونَ وَلِذَا فَإِنَّهُ لاَ تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَلاَ ذَرَارِيُّهُمْ. (1) وَالأَْصْل أَنَّ أَسِيرَهُمْ لاَ يُقْتَل لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَتَّى قَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ قَتَل أَهْل الْبَغْيِ أُسَارَى أَهْل الْعَدْل لَمْ يَجُزْ لأَِهْل الْعَدْل قَتْل أُسَارَاهُمْ، لأَِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَيَتَّجِهُ الْمَالِكِيَّةُ وُجْهَةَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي عَدَمِ قَتْل الأَْسْرَى. (2) غَيْرَ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِل. وَقِيل: يُؤَدَّبُ وَلاَ يُقْتَل (3) وَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلإِْمَامِ قَتْلُهُ. وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً، إِذَا خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ. (4)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لأَِسْرَى الْبُغَاةِ فِئَةٌ، وَبَيْنَ مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَقَالُوا: لَوْ كَانَ لِلْبُغَاةِ فِئَةٌ أُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَاتُّبِعَ هَارِبُهُمْ لِقَتْلِهِ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 311، 312، والبحر الرائق 5 / 152 - 153، وفتح القدير 4 / 411، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي 3 / 595، وغنية ذوي الأحكام بهامش درر الحكام 1 / 305، والتاج والإكليل 6 / 278، والشرح الصغير 2 / 415، وحاشية الدسوقي 4 / 299، وبداية المجتهد 2 / 498، والخرشي 5 / 302، وحاشية الجمل 5 / 117، 118، وشرح روض الطالب 4 / 114 - 115، وفتح الوهاب 2 / 154، والمغني 10 / 63 - 65، والفروع 3 / 54، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 39.
(2) المراجع السابقة.
(3) بداية المجتهد 2 / 498.
(4) التاج والإكليل 6 / 278.

أَوْ أَسْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ فَلاَ، وَالإِْمَامُ بِالْخِيَارِ فِي أَسِرْهُمْ إِنْ كَانَ لَهُ فِئَةٌ: إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ لِئَلاَّ يَنْفَلِتَ وَيَلْحَقَ بِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ حَتَّى يَتُوبَ أَهْل الْبَغْيِ، قَال الشَّرْنَبَلاَلِيُّ: وَهُوَ الْحَسَنُ، لأَِنَّ شَرَّهُ يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ عَدَمِ قَتْل الأَْسِيرِ مُؤَوَّلٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ، وَقَالُوا: إِنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذَا أَخَذَ أَسِيرًا اسْتَحْلَفَهُ أَلاَّ يُعِينَ عَلَيْهِ وَخَلاَّهُ (1) ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ فَلاَ يُقْتَل أَسِيرُهُمْ. (2) وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ إِذَا أُسِرَتْ وَكَانَتْ تُقَاتِل حُبِسَتْ وَلاَ تُقْتَل، إِلاَّ فِي حَال مُقَاتَلَتِهَا. وَكَذَا الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ. (3)
40 - وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِدَاؤُهُمْ نَظِيرَ مَالٍ، وَإِنَّمَا إِذَا تَرَكَهُمْ مَعَ الأَْمْنِ كَانَ مَجَّانًا، لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يَعْصِمُ النَّفْسَ وَالْمَال (4) ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ مُوَادَعَتُهُمْ عَلَى مَالٍ، وَإِنْ وَادَعَهُمْ عَلَى مَالٍ بَطَلَتِ الْمُوَادَعَةُ وَنَظَرَ فِي الْمَال، فَإِنْ كَانَ مِنْ فَيْئِهِمْ أَوْ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَصَرَفَ الصَّدَقَاتِ فِي أَهْلِهَا، وَالْفَيْءَ فِي مُسْتَحَقِّيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَالِصِ أَمْوَالِهِمْ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ. (5)
41 - وَيَجُوزُ مُفَادَاتُهُمْ بِأُسَارَى أَهْل الْعَدْل، وَإِنْ أَبَى الْبُغَاةُ مُفَادَاةَ الأَْسْرَى الَّذِينَ مَعَهُمْ وَحَبَسُوهُمْ،
__________
(1) الأثر عن علي رضي الله عنه أخرجه أبو يوسف بإسناده عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر بلفظ: " كان علي رضي الله عنه إذا أتي بالأسير يوم صفين أخذ دابته وسلاحه، وأخذ عليه ألا يعود، وخلى سبيله " (الخراج لأبي يوسف ص 233 ط السلفية) .
(2) غنية ذوي الأحكام 1 / 305، والبحر الرائق 5 / 153، وتبيين الحقائق 3 / 295، وفتح القدير 4 / 411، 412.
(3) المغني 10 / 64، وغنية ذوي الأحكام 1 / 305، والبحر الرائق 5 / 152، وحاشية الدسوقي 4 / 299.
(4) الشرح الصغير 2 / 415.
(5) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 40.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: اُحْتُمِل أَنْ يَجُوزَ لأَِهْل الْعَدْل حَبْسُ مَنْ مَعَهُمْ، لِيَتَوَصَّلُوا إِلَى تَخْلِيصِ أُسَارَاهُمْ، وَيُحْتَمَل أَلاَّ يَجُوزَ حَبْسُهُمْ وَيُطْلَقُونَ، لأَِنَّ الْمُتَرَتِّبَ فِي أُسَارَى أَهْل الْعَدْل لِغَيْرِهِمْ. (1)
42 - وَعَلَى مَا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ قَتْلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْبَسُونَ وَلاَ يُخَلَّى سَبِيلُهُمْ، إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنَعَةٌ، وَلَوْ كَانَ الأَْسِيرُ صَبِيًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا إِنْ كَانُوا مُقَاتِلِينَ، وَإِلاَّ أُطْلِقُوا بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَيَنْبَغِي عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ وَمُبَايَعَةُ الإِْمَامِ. (2) وَلَوْ كَانُوا مُرَاهِقِينَ وَعَبِيدًا وَنِسَاءً غَيْرَ مُقَاتِلِينَ أَوْ أَطْفَالاً أُطْلِقُوا بَعْدَ الْحَرْبِ دُونَ أَنْ نَعْرِضَ عَلَيْهِمْ مُبَايَعَةَ الإِْمَامِ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْبَسُونَ، لأَِنَّ فِيهِ كَسْرًا لِقُلُوبِ الْبُغَاةِ. (3) وَقَالُوا: إِنْ بَطَلَتْ شَوْكَتُهُمْ وَيُخَافُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْحَال، فَالصَّوَابُ عَدَمُ إِرْسَال أَسِيرِهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. (4)

أَسْرَى الْحَرْبِيِّينَ إِذَا أَعَانُوا الْبُغَاةَ:
43 - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ عَلَى قِتَالِنَا بِقَوْمٍ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ وَأَمَّنُوهُمْ، أَوْ لَمْ يُؤْمِنُوهُمْ، فَظَهَرَ أَهْل الْعَدْل عَلَيْهِمْ، فَوَقَعُوا فِي الأَْسْرِ عِنْدَ أَهْل الْعَدْل، أَخَذُوا حُكْمَ أَسْرَى أَهْل الْحَرْبِ (5) ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَا إِذَا قَال الأَْسِيرُ: ظَنَنْتُ جَوَازَ إِعَانَتِهِمْ، أَوْ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ وَلِيَ إِعَانَةُ الْمُحِقِّ، وَأَمْكَنَ تَصْدِيقُهُ فَإِنَّهُ يُبَلَّغُ مَأْمَنَهُ، ثُمَّ يُقَاتَل كَالْبُغَاةِ. (6)
__________
(1) المغني 10 / 64.
(2) حاشية الجمل 5 / 117، وشرح روض الطالب 4 / 114.
(3) المغني 10 / 64.
(4) الفروع 3 / 544، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 39.
(5) فتح القدير 4 / 415، 416 والمغني 10 / 71.
(6) حاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 118.

الأَْسْرَى مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا أَعَانُوا الْبُغَاةَ:
44 - إِذَا اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ عَلَى قِتَالِنَا بِأَهْل الذِّمَّةِ، فَوَقَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الأَْسْرِ، أَخَذَ حُكْمَ الْبَاغِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يُقْتَل إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ، وَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ إِذَا كَانَتْ لَهُ فِئَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ. (1)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا اسْتَعَانَ الْبَاغِي الْمُتَأَوِّل بِذِمِّيٍّ فَلاَ يَغْرَمُ الذِّمِّيُّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلاَ يُعَدُّ خُرُوجُهُ مَعَهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ. أَمَّا إِنْ كَانَ الْبَاغِي مُعَانِدًا - أَيْ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ - فَإِنَّ الذِّمِّيَّ الَّذِي مَعَهُ يَكُونُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَيَكُونُ هُوَ وَمَالُهُ فَيْئًا. وَهَذَا إِنْ كَانَ مُخْتَارًا، أَمَّا إِنْ كَانَ مُكْرَهًا فَلاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ، وَإِنْ قَتَل نَفْسًا يُؤْخَذُ بِهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ مُكْرَهًا. (2)
وَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ كَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ. قَالُوا: لَوْ أَعَانَ الذِّمِّيُّونَ الْبُغَاةَ فِي الْقِتَال، وَهُمْ عَالِمُونَ بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارُونَ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، كَمَا لَوِ انْفَرَدُوا بِالْقِتَال.
أَمَّا إِنْ قَال الذِّمِّيُّونَ: كُنَّا مُكْرَهِينَ، أَوْ ظَنَنَّا جَوَازَ الْقِتَال إِعَانَةً، أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ فِيمَا فَعَلُوهُ، وَأَنَّ لَنَا إِعَانَةَ الْمُحِقِّ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمْ، فَلاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ، لِمُوَافَقَتِهِمْ طَائِفَةً مُسْلِمَةً مَعَ عُذْرِهِمْ، وَيُقَاتَلُونَ كَبُغَاةٍ.
وَمِثْلُهُمْ فِي ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. (3)
وَلِلْحَنَابِلَةِ قَوْلاَنِ فِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ، أَحَدُهُمَا: يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ، لأَِنَّهُمْ قَاتَلُوا أَهْل الْحَقِّ فَانْتَقَضَ عَهْدُهُمْ كَمَا لَوِ انْفَرَدُوا بِقَتْلِهِمْ. وَيَصِيرُونَ كَأَهْل
__________
(1) تبيين الحقائق 3 / 295، وفتح القدير 4 / 415.
(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 300.
(3) الجمل على شرح المنهاج 5 / 118.

الْحَرْبِ فِي قَتْل مُقْبِلِهِمْ وَاتِّبَاعِ مُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ.
وَالثَّانِي: لاَ يُنْتَقَضُ، لأَِنَّ أَهْل الذِّمَّةِ لاَ يَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِل، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُمْ. وَيَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَهْل الْبَغْيِ فِي قَتْل مُقْبِلِهِمْ، وَالْكَفِّ عَنْ أَسِيرِهِمْ وَمُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ.
وَإِنْ أَكْرَهَهُمُ الْبُغَاةُ عَلَى مَعُونَتِهِمْ، أَوِ ادَّعَوْا ذَلِكَ قُبِل مِنْهُمْ، لأَِنَّهُمْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ إِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ مَنِ اسْتَعَانَ بِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَتْنَا مَعُونَتُهُ، لأَِنَّ مَا ادَّعُوهُ مُحْتَمَلٌ، فَلاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ مَعَ الشُّبْهَةِ. (1)
وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ نُقِضَ عَهْدُهُمْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ أَقْوَى حُكْمًا، لأَِنَّ عَهْدَهُمْ مُؤَبَّدٌ، وَلاَ يَجُوزُ نَقْضُهُ لِخَوْفِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمْ، وَيَلْزَمُ الإِْمَامَ الدَّفْعُ عَنْهُمْ، وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ.
وَإِذَا أُسِرَ مَنْ يُرَادُ عَقْدُ الإِْمَامَةِ لَهُ، وَكَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْخَلاَصِ مِنْ الأَْسْرِ، مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ عَقْدِ الإِْمَامَةِ لَهُ.

أَسْرَى الْحِرَابَةِ:
45 - الْمُحَارِبُونَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْفَسَادِ، اجْتَمَعَتْ عَلَى شَهْرِ السِّلاَحِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ (2) ، وَيَجُوزُ حَبْسُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ لاِسْتِبْرَاءِ حَالِهِ (3) ، وَمَنْ ظَفِرَ بِالْمُحَارِبِ فَلاَ يَلِي قَتْلَهُ، وَيَرْفَعُهُ إِلَى الإِْمَامِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ أَنْ يَخَافَ أَلاَّ يُقِيمَ الإِْمَامُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ.
__________
(1) الشرح الكبير مع المغني 10 / 69.
(2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 51، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 42.
(3) الأحكام السلطانية للماوردي ص 51، 52، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 41، 44.

وَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ تَأْمِينُهُ (1) ، وَإِنِ اسْتَحَقُّوا الْهَزِيمَةَ فَجَرِيحُهُمْ أَسِيرٌ، وَالْحُكْمُ فِيهِمْ لِلإِْمَامِ، مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ ذِمِّيِّينَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالأَْوْزَاعِيِّ. وَمَوْضِعُ بَيَانِ ذَلِكَ مُصْطَلَحُ (حِرَابَة) .

أَسْرَى الْمُرْتَدِّينَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ أَحْكَامٍ
46 - الرِّدَّةُ فِي اللُّغَةِ: الرُّجُوعُ، فَيُقَال: ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ إِذَا كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمٍ.
وَتَخْتَصُّ الرِّدَّةُ - فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ - بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ. وَكُل مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يُقْتَل إِنْ لَمْ يَتُبْ، إِلاَّ الْمَرْأَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهَا تُحْبَسُ، وَلاَ يُتْرَكُ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَلاَ بِأَمَانٍ، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ حَتَّى لَوْ أُسِرَ بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، بِخِلاَفِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ بَعْدَ اللِّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ (رِدَّةٌ) .

47 - وَإِذَا ارْتَدَّ جَمْعٌ، وَتَجَمَّعُوا وَانْحَازُوا فِي دَارٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى صَارُوا فِيهَا ذَوِي مَنَعَةٍ وَجَبَ قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَيُسْتَتَابُونَ وُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَاسْتِحْبَابًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُقَاتَلُونَ قِتَال أَهْل الْحَرْبِ، وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ قُتِل صَبْرًا إِنْ لَمْ يَتُبْ، وَيُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّنَا نَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَال إِذَا امْتَنَعُوا بِنَحْوِ حِصْنٍ. (2)
__________
(1) التبصرة مطبوعة بهامش فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك 2 / 274، 275.
(2) الأحكام السلطانية ص 36، وأسنى المطالب 4 / 123.

وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ رِجَالُهُمْ، وَلَكِنْ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمُ الَّذِينَ حَدَثُوا بَعْدَ الرِّدَّةِ، لأَِنَّهَا دَارٌ تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ أَهْل الْحَرْبِ فَكَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُهَادَنُوا عَلَى الْمُوَادَعَةِ، وَلاَ يُصَالَحُوا عَلَى مَالٍ يَقَرُّونَ بِهِ عَلَى رِدَّتِهِمْ، بِخِلاَفِ أَهْل الْحَرْبِ. (1) وَقَدْ سَبَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَرَارِيَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَسَبَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَنِي نَاجِيَةَ.
وَإِنْ أَسْلَمُوا حُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ، وَمَضَى فِيهِمْ حُكْمُ السَّبَاءِ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، فَأَمَّا الرِّجَال فَأَحْرَارٌ لاَ يُسْتَرَقُّونَ، وَلَيْسَ عَلَى الرِّجَال مِنْ أَهْل الرِّدَّةِ سَبْيٌ وَلاَ جِزْيَةٌ، إِنَّمَا هُوَ الْقَتْل أَوِ الإِْسْلاَمُ. وَإِنْ تَرَكَ الإِْمَامُ السَّبَاءَ وَأَطْلَقَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ وَتَرَكَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَهُوَ فِي سَعَةٍ.

48 - وَيُصَرِّحُ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ إِنْ حَارَبُوا بِأَرْضِ الْكُفْرِ أَوْ بِأَرْضِ الإِْسْلاَمِ، يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: إِذَا حَارَبَ الْمُرْتَدُّ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل بِالْحِرَابَةِ، وَلاَ يُسْتَتَابُ، كَانَتْ حِرَابَتُهُ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ أَوْ بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إِلاَّ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِنْ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ كَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ، لاَ تِبَاعَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا فَعَل فِي حَال ارْتِدَادِهِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ إِسْلاَمُهُ عَنْهُ حُكْمَ الْحِرَابَةِ خَاصَّةً. (2) وَعَنِ ابْنِ
__________
(1) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 36، 37، والخراج ص 67 ط 1182 هـ، وفتح القدير 4 / 211، والمبسوط 10 / 113، 114، والمهذب 2 / 224، والأحكام السلطانية للماوردي ص 49.
(2) بداية المجتهد 2 / 498، والتاج والإكليل 6 / 281.

الْقَاسِمِ قَال: إِذَا ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ فِي حِصْنٍ فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ، وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ. وَقَال أَصْبَغُ: تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ.
وَهَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ الْعَرَبِ، فَقَدْ سَبَى أَبُو بَكْرٍ النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ، وَأَجْرَى الْمُقَاسَمَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ نَقَضَ ذَلِكَ. (1)

49 - وَيَتَّفِقُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الأَْسِيرَ الْمُرْتَدَّ يُقْتَل إِنْ لَمْ يَتُبْ وَيَعُدْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ، لِعُمُومِ حَدِيثِ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (2) .
50 - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُقْتَل، وَإِنَّمَا تُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ.
أَمَّا لَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُقَاتِل، أَوْ كَانَتْ ذَاتَ رَأْيٍ فَإِنَّهَا تُقْتَل اتِّفَاقًا. لَكِنَّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُقْتَل لاَ لِرِدَّتِهَا، بَل لأَِنَّهَا تَسْعَى بِالْفَسَادِ.
وَيَسْتَدِل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ قَتْل الْمَرْأَةِ الْمُرْتَدَّةِ إِذَا أُخِذَتْ سَبْيًا بِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَقْ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلاَ يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلاَ عَسِيفًا (3) ،
__________
(1) التاج والإكليل 3 / 386.
(2) حديث " من بدل دينه فاقتلوه ". أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا (فتح الباري 12 / 267 ط السلفية) .
(3) المبسوط 10 / 98، والمهذب 2 / 223، وأسنى المطالب 4 / 121، وبداية المجتهد 2 / 498، وحاشية الدسوقي 4 / 304، والمغني 10 / 74، والفروع 3 / 557، والفتح 4 / 389. وحديث " الحقْ بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا " أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم واللفظ له، من حديث رباح بن الربيع، وقال الحاكم: وهكذا رواه المغيرة بن عبد الرحمن وابن جريح عن أبي الزناد، فصار الحديث صحيحا على شرط الشيخين ولم (مسند أحمد بن حنبل 3 / 488 ط الميمنية، والفتح الرباني 14 / 64 الطبعة الأولى 1370 هـ، وعون المعبود 3 / 6 - 7 الهند، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 948 ط عيسى الحلبي، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص 398 ط دار الكتب العلمية، والمستدرك 2 / 122 نشر دار الكتاب العربي) .

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ وَالْكُفْرِ الطَّارِئِ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّةَ إِذَا سُبِيَتْ لاَ تُقْتَل. (1)

51 - وَيَتَّفِقُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْفِدَاءِ مِنَ الأَْسْرَى الْمُرْتَدِّينَ، وَلاَ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ بِأَمَانٍ مُؤَقَّتٍ أَوْ أَمَانٍ مُؤَبَّدٍ، وَلاَ يُتْرَكُ عَلَى رِدَّتِهِ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ. كَمَا يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ مِنَ الرِّجَال لاَ يَجْرِي فِيهِ إِلاَّ: الْعَوْدَةُ إِلَى الإِْسْلاَمِ أَوِ الْقَتْل، لأَِنَّ قَتْل الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ حَدٌّ، وَلاَ يُتْرَكُ إِقَامَةُ الْحَدِّ لِمَنْفَعَةِ الأَْفْرَادِ. (2)
52 - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ لاَ يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدَّةِ أَيْضًا، وَإِنْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِمْرَارُ أَحَدٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى الْكُفْرِ بِالاِسْتِرْقَاقِ، بَيْنَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَرَقُّ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ
__________
(1) المبسوط 10 / 108، 109، وتبيين الحقائق 3 / 285، والخراج لأبي يوسف ص 179، وحاشية ابن عابدين 3 / 298، والبحر الرائق 5 / 138، وغنية ذوي الأحكام بهامش درر الحكام شرح غرر الأحكام 1 / 301.
(2) المغني 10 / 75، والمقنع 3 / 516، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب 4 / 122، والمهذب 2 / 222، وحاشية الدسوقي 4 / 304، والمبسوط 10 / 108.

الإِْسْلاَمِ، كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ: أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَيْضًا.
وَقَالُوا فِي تَعْلِيل ذَلِكَ: إِنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ قَتْلُهَا، وَلاَ يَجُوزُ إِبْقَاءُ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ إِلاَّ مَعَ الْجِزْيَةِ أَوْ مَعَ الرِّقِّ، وَلاَ جِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ، فَكَانَ إِبْقَاؤُهَا عَلَى الرِّقِّ أَنْفَعُ. وَقَدِ اسْتَرَقَّ الصَّحَابَةُ نِسَاءَ مَنِ ارْتَدَّ. (1)

53 - وَبِالنِّسْبَةِ لأَِصْحَابِ الأَْعْذَارِ مِنَ الأَْسْرَى الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ أَيْضًا. وَنَقَل السَّرَخْسِيُّ قَوْلاً بِأَنَّ حُلُول الآْفَةِ بِمَنْزِلَةِ الأُْنُوثَةِ، لأَِنَّهُ تَخْرُجُ بِهِ بِنْيَتُهُ (هَيْئَتُهُ وَجِسْمُهُ) مِنْ أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً لِلْقِتَال، فَعَلَى هَذَا لاَ يُقْتَلُونَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، كَمَا لاَ يُقْتَلُونَ فِي الْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ. (2)
وَعَلَى قَوْل مَنْ يَرَى وُجُوبَ قَتْل الْمُرْتَدَّةِ - إِذَا كَانَتِ الأَْسِيرَةُ الْمُرْتَدَّةُ ذَاتَ زَوْجٍ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ - فَإِنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ قَبْل قَتْلِهَا خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أُخِّرَتْ حَتَّى تَضَعَ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ تَحِيضُ اُسْتُبْرِئَتْ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ حَمْلُهَا، وَإِلاَّ قُتِلَتْ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ. (3)
__________
(1) البحر الرائق 5 / 138، والمبسوط 10 / 111، 114، وفتح القدير 4 / 388، 389، وحاشية ابن عابدين 3 / 300، والبدائع 7 / 136، والمغني 10 / 74، وأسنى المطالب 4 / 122، والدسوقي 4 / 304.
(2) المبسوط 10 / 111.
(3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 304.

أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي يَدِ الأَْعْدَاءِ
:
اسْتِئْسَارُ الْمُسْلِمِ وَمَا يَنْبَغِي لاِسْتِنْقَاذِهِ عِنْدَ تَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِهِ:
أ - الاِسْتِئْسَارُ:
54 - الاِسْتِئْسَارُ هُوَ تَسْلِيمُ الْجُنْدِيِّ نَفْسَهُ لِلأَْسْرِ، فَقَدْ يَجِدُ الْجُنْدِيُّ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ الاِسْتِئْسَارُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِمَ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَنَدِهِ قَال: بَعَثَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً رَهْطًا عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَْنْصَارِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ - مَوْضِعٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ - ذُكِرُوا لِبَنِي لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتِي رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ - مَوْضِعٍ غَلِيظٍ مُرْتَفِعٍ - وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلاَّ نَقْتُل مِنْكُمْ أَحَدًا، قَال عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَوَاَللَّهِ لاَ أَنْزِل الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ خَبِّرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْل فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَل إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَْنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثْنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَال الرَّجُل الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّل الْغَدْرِ، وَاَللَّهِ لاَ أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي فِي هَؤُلاَءِ لأَُسْوَةً - يُرِيدُ الْقَتْلَى - فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ - أَيْ مَارَسُوهُ وَخَادَعُوهُ لِيَتْبَعَهُمْ - فَأَبَى فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثْنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ. . . (1) فَعَلِمَ
__________
(1) نيل الأوطار للشوكاني 7 / 268، 269 ط مصطفى الحلبي سنة 1380 هـ، والحديث: أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (6 / 165 - 166 ط السلفية) .

رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا حَدَثَ، وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ يَدُل عَلَى أَنَّ الاِسْتِئْسَارَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُرَخَّصٌ فِيهِ، وَقَال الْحَسَنُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُسْتَأْسَرُ الرَّجُل إِذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ. (1) وَإِلَى هَذَا اتَّجَهَ كُلٌّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

55 - وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى شُرُوطٍ يَلْزَمُ تَوَافُرُهَا لِجَوَازِ الاِسْتِئْسَارِ هِيَ: أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الاِسْتِسْلاَمِ قَتْلُهُ فِي الْحَال، وَأَلاَّ يَكُونَ الْمُسْتَسْلِمُ إِمَامًا، أَوْ عِنْدَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا يُمْكِنُهُ مِنَ الصُّمُودِ، وَأَنْ تَأْمَنَ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا الْفَاحِشَةَ.
وَالأَْوْلَى - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ - إِذَا مَا خَشِيَ الْمُسْلِمُ الْوُقُوعَ فِي الأَْسْرِ أَنْ يُقَاتِل حَتَّى يُقْتَل، وَلاَ يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلأَْسْرِ، لأَِنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالاِسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ، وَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. (2)

ب - اسْتِنْقَاذُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَمُفَادَاتُهُمْ:
56 - إِذَا وَقَعَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فَهُوَ حُرٌّ عَلَى حَالِهِ، وَكَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، يَلْزَمُهُمُ الْعَمَل عَلَى خَلاَصِهِ، وَلَوْ بِتَيْسِيرِ سُبُل الْفِرَارِ لَهُ، وَالتَّفَاوُضِ مِنْ أَجْل إِطْلاَقِ سَرَاحِهِ، فَإِذَا لَمْ يُطْلِقُوا سَرَاحَهُ تَرَبَّصُوا لِذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ الرَّسُول صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِتَخْلِيصِ الأَْسْرَى. رَوَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ أَنَّ قُرَيْشًا أَسَرَتْ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
__________
(1) العيني على صحيح البخاري 14 / 294.
(2) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 357، وفتح الوهاب 2 / 171، والمغني مع الشرح الكبير 10 / 553، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 30، والدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين 3 / 222.

فَلَمَّا لَمْ يَجِدِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيلَةً لإِِنْقَاذِهِمْ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ لإِِنْقَاذِهِمْ دُبُرَ كُل صَلاَةٍ، وَلَمَّا أَفْلَتَ أَحَدُهُمْ مِنَ الأَْسْرِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، سَأَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَفِيقَيْهِ فَقَال: أَنَا لَكَ بِهِمَا يَا رَسُول اللَّهِ، فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً عَلِمَ أَنَّهَا تَحْمِل الطَّعَامَ لَهُمَا فِي الأَْسْرِ فَتَبِعَهَا، حَتَّى اسْتَطَاعَ تَخْلِيصَهُمَا، وَقَدِمَ بِهِمَا عَلَى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ (1) .
وَقَدِ اسْتَنْقَذَ رَسُول اللَّهِ كُلًّا مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَدْ أَسَرَهُمَا الْمُشْرِكُونَ، بِأَنْ فَاوَضَ عَلَيْهِمَا، وَحَبَسَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ حَتَّى يُطْلِقُوا سَرَاحَهُمَا، وَكَذَلِكَ فَعَل فِي اسْتِنْقَاذِ عُثْمَانَ وَعَشَرَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ (2) .
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ قَال: إِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسْرَاهُمْ. وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَال: لأََنْ أَسْتَنْقِذَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
__________
(1) السير النبوية لابن هشام 1 / 474، 476 ط الثانية 1375 هـ، والخراج لأبي يوسف ص 311 ط المطبعة السلفية.
(2) حديث: " استنقذ رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه الطبري مرسلا من حديث السدى مطولا (تفسير الطبري بتحقيق محمود محمد شاكر 2 / 305، 306 نشر دار المعارف بمصر) . والسيرة النبوية لابن هشام ص 604، والبداية والنهاية 3 / 250 ط أولى 1351 هـ، وإمتاع الأسماع 1 / 57، 291.

57 - وَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُ الأَْسْرَى بِالْمُقَاتَلَةِ مَا دَامَ ذَلِكَ مَيْسُورًا، فَإِذَا دَخَل الْمُشْرِكُونَ دَارَ الإِْسْلاَمِ فَأَخَذُوا الأَْمْوَال وَالذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِمْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ دَخَلُوا بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ إِذَا غَلَبَ عَلَى رَأْيِهِمْ أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الْقِتَال لِتَخْلِيصِهِمْ فَتَرَكُوهُ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ فِي يَدِ الْكُفَّارِ بَعْضَ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَّا الْخُرُوجُ لِقِتَالِهِمْ لاِسْتِنْقَاذِ الأَْسْرَى. (1)
58 - وَالاِسْتِنْقَاذُ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ عَنْ طَرِيقِ الْقِتَال فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَنْ طَرِيقِ الْفِدَاءِ بِتَبَادُل الأَْسْرَى، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُ الْقَوْل فِيهِ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَال أَيْضًا، لِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ لأَِنَّ مَا يُخَافُ مِنْ تَعْذِيبِ الأَْسِيرِ أَعْظَمُ فِي الضَّرُورَةِ مِنْ بَذْل الْمَال، فَجَازَ دَفْعُ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا. (2)
وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوهُ. وَنَقَل أَبُو يُوسُفَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: " كُل أَسِيرٍ كَانَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَفِكَاكُهُ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ " (3) . وَهُوَ
__________
(1) شرح السير الكبير 1 / 207. والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 387، وفتح الوهاب شرح منهج الطلاب 2 / 171. وحاشية الجمل 5 / 152. والمغني 10 / 498.
(2) المغني 10 / 498، والتاج والإكليل 3 / 388، والمذهب 2 / 260.
(3) أثر: " كل أسير كان في أيدي المشركين. . . ". أخرجه أبو يوسف من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفا عليه. (كتاب الخراج لأبي يوسف ص 196 نشر المكتبة السلفية 1352 هـ) .

مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، كَمَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنِ ابْنِ بَشِيرٍ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَالأَْسِيرُ كَأَحَدِهِمْ، فَإِنْ ضَيَّعَ الإِْمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الأَْسِيرِ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا.
وَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (1)
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ بَذْل الْمَال لِفَكِّ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ - إِنْ خِيفَ تَعْذِيبُهُمْ - جَائِزٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ فِي مَالِهِمْ، وَيُنْدَبُ عِنْدَ الْعَجْزِ افْتِدَاءُ الْغَيْرِ لَهُ، فَمَنْ قَال لِكَافِرٍ: أَطْلِقْ هَذَا الأَْسِيرَ، وَعَلَيَّ كَذَا، فَأَطْلَقَهُ لَزِمَهُ، وَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الأَْسِيرِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي فِدَائِهِ (2) .

61 - وَأَسْرُ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ لاَ يُزِيل حُرِّيَّتَهُ، فَمَنِ اشْتَرَاهُ مِنَ الْعَدُوِّ لاَ يَمْلِكُهُ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا أَدَّى مِنْ فِدَائِهِ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَالْقِيَاسُ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ نَصًّا. (3)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ - كَمَا يَرْوِي الْمَوَّاقُ - أَنَّ لِلْمُشْتَرِيَّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، شَاءَ أَوْ أَبَى، لأَِنَّهُ فِدَاءٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاَلَّذِي فَدَاهُ وَاشْتَرَاهُ مِنَ الْعَدُوِّ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ. أَمَّا إِنْ كَانَ يَقْصِدُ الصَّدَقَةَ، أَوْ كَانَ الْفِدَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَال فَلاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الأَْسِيرُ
__________
(1) الخراج ص 196، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير 2 / 207، والتاج والإكليل 3 / 387، والمهذب 2 / 260.
(2) المهذب 2 / 260.
(3) شرح السير الكبير 3 / 1033، وحاشية الجمل 5 / 192.

يَرْجُو الْخَلاَصَ بِالْهُرُوبِ أَوِ التَّرْكِ. (1)

62 - وَلَوْ خَلَّى الْكُفَّارُ الأَْسِيرَ، وَاسْتَحْلَفُوهُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ، أَوْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ هَذَا نَتِيجَةَ إِكْرَاهٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ، وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ وَقَدَرَ عَلَى الْفِدَاءِ لَزِمَهُ، وَبِهَذَا قَال عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ، لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ، وَلأَِنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ الأُْسَارَى، وَفِي الْغَدْرِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ. وَقَال الشَّافِعِيُّ: لاَ يَلْزَمُهُ، لأَِنَّهُ حُرٌّ لاَ يَسْتَحِقُّونَ بَدَلَهُ.
وَأَمَّا إِنْ عَجَزَ عَنِ الْفِدَاءِ، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَإِنَّهُ لاَ يَحِل لَهَا الرُّجُوعُ إِلَيْهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} (2) ، وَلأَِنَّ فِي رُجُوعِهَا تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى وَطْئِهَا حَرَامًا.
وَإِنْ كَانَ رَجُلاً، فَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَرْجِعُ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ. وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَهُمْ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ قَوْل عُثْمَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا أَمْضَى اللَّهُ ذَلِكَ فِي الرِّجَال، وَنَسَخَهُ فِي النِّسَاءِ. (3)

ج - التَّتَرُّسُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ:
63 - التُّرْسُ بِضَمِّ التَّاءِ: مَا يُتَوَقَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ،
__________
(1) التاج والإكليل 3 / 388، وحاشية الدسوقي 2 / 207.
(2) سورة الممتحنة / 10.
(3) المغني 10 / 548، 549.

يُقَال: تَتَرَّسَ بِالتُّرْسِ إِذَا تَوَقَّى بِهِ (1) ، وَمِنْ ذَلِكَ تَتَرُّسُ الْمُشْرِكِينَ بِالأَْسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَال، لأَِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُمْ كَالتِّرَاسِ، فَيَتَّقُونَ بِهِمْ هُجُومَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، لأَِنَّ رَمْيَ الْمُشْرِكِينَ - مَعَ تَتَرُّسِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ - يُؤَدِّي إِلَى قَتْل الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ نَحْرِصُ عَلَى حَيَاتِهِمْ وَإِنْقَاذِهِمْ مِنَ الأَْسْرِ. وَقَدْ عُنِيَ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَنَاوَلُوهَا مِنْ نَاحِيَةِ جَوَازِ الرَّمْيِ مَعَ التَّتَرُّسِ بِالْمُسْلِمِينَ أَوِ الذِّمِّيِّينَ، كَمَا تَنَاوَلُوهَا مِنْ نَاحِيَةِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ، وَإِلَيْكَ اتِّجَاهَاتُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا:

أ - رَمْيُ التُّرْسِ:
64 - مِنْ نَاحِيَةِ رَمْيِ التُّرْسِ: يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ خَطَرٌ مُحَقَّقٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الرَّمْيُ بِرَغْمِ التَّتَرُّسِ، لأَِنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الإِْسْلاَمِ، وَقَتْل الأَْسِيرِ ضَرَرٌ خَاصٌّ. وَيُقْصَدُ عِنْدَ الرَّمْيِ الْكُفَّارُ لاَ التُّرْسُ، لأَِنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فِعْلاً فَقَدْ أَمْكَنَ قَصْدًا، وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ السَّرَخْسِيِّ أَنَّ الْقَوْل لِلرَّامِي بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ قَصَدَ الْكُفَّارَ، وَلَيْسَ قَوْل وَلِيِّ الْمَقْتُول الَّذِي يَدَّعِي الْعَمْدَ. (2)
__________
(1) حاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق 3 / 243.
(2) فتح القدير والعناية 4 / 287، والبدائع 7 / 100، 101، وحاشية ابن عابدين 3 / 623، وحاشية الدسوقي 2 / 178، والشرح الصغير وبلغة السالك عليه 1 / 357، ومنهج الطلاب وشرحه فتح الوهاب 1 / 172، وحاشية الجمل 5 / 124، والأحكام السلطانية للماوردي ص 42 الطبعة الأولى لمصطفى الحلبي، والأم 4 / 163، والمغني 10 / 505، والإنصاف 4 / 129.

أَمَّا فِي حَالَةِ خَوْفِ وُقُوعِ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ أَيْضًا، وَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ.
وَيَقُول الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْخَوْفِ لاَ يُبِيحُ الدَّمَ الْمَعْصُومَ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الْخَوْفُ عَلَى بَعْضِ الْغَازِينَ فَقَطْ. (1)
65 - وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْحِصَارِ الَّذِي لاَ خَطَرَ فِيهِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لاَ يُقْدَرُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ إِلاَّ بِرَمْيِ التُّرْسِ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ، وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ، لأَِنَّ الإِْقْدَامَ عَلَى قَتْل الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، وَتَرْكُ قَتْل الْكَافِرِ جَائِزٌ. أَلاَ يُرَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَلاَّ يَقْتُل الأُْسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلأَِنَّ مَفْسَدَةَ قَتْل الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْل الْكَافِرِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ رَمْيِهِمْ، وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ، وَأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ مُسْلِمٍ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل الضَّرُورَةِ. (2)

ب - الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ:
66 - وَمِنْ نَاحِيَةِ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ إِصَابَةِ أَحَدِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ رَمْيِ التُّرْسِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابُوهُ مِنْهُمْ لاَ يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ وَلاَ
__________
(1) الوجيز 2 / 190 ط 1317 هـ، والشرح الصغير وبلغة السالك 1 / 357 ط مصطفى الحلبي.
(2) المراجع السابقة.

كَفَّارَةٌ، لأَِنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ، وَالْغَرَامَاتُ لاَ تُقْرَنُ بِالْفُرُوضِ، لأَِنَّ الْفَرْضَ مَأْمُورٌ بِهِ لاَ مَحَالَةَ، وَسَبَبُ الْغَرَامَاتِ عُدْوَانٌ مَحْضٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، فَوُجُوبُ الضَّمَانِ يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْفَرْضِ، لأَِنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الضَّمَانِ، وَهَذَا لاَ يَتَعَارَضُ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الإِْسْلاَمِ دَمٌ مُفْرَجٌ (1) - أَيْ مُهْدَرٌ - لأَِنَّ النَّهْيَ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ الْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ، فَتُخَصُّ صُورَةُ النِّزَاعِ، كَمَا أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ خَاصٌّ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ. (2)
67 - وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ قَوْلاً وَاحِدًا، وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: تَجِبُ، لأَِنَّهُ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً، فَيَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا} (3) .
الثَّانِيَةُ: لاَ دِيَةَ، لأَِنَّهُ قَتَل فِي دَارِ الْحَرْبِ بِرَمْيٍ مُبَاحٍ، فَيَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (4) وَلَمْ
__________
(1) حديث: " ليس في الإسلام دم مفرج " أورده ابن الأثير في النهاية نقلا عن الهروي بلفظ " العقل على المسلمين عامة، فلا يترك في الإسلام دم مفرج " ولم يصرح بأنه حديث نبوي. وأخرج عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه أنه قال: " أيما قتيل بفلاة من الأرض فديته من بيت ال (النهاية لابن الأثير 3 / 423 ط عيسى الحلبي، وكنز العمال 15 / 143 نشر مكتبة التراث الإسلامي) .
(2) الفتح والعناية 4 / 287.
(3) سورة النساء / 94.
(4) سورة النساء / 92.

يَذْكُرْ دِيَةً. (1) وَعَدَمُ وُجُوبِ الدِّيَةِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (2)
68 - وَيَقُول الْجَمَل الشَّافِعِيُّ: وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ إِنْ عُلِمَ الْقَاتِل، لأَِنَّهُ قَتَل مَعْصُومًا، وَكَذَا الدِّيَةُ، لاَ الْقِصَاصُ، لأَِنَّهُ مَعَ تَجْوِيزِ الرَّمْيِ لاَ يَجْتَمِعَانِ. (3) وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْلَمَ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الإِْمْكَانِ تَوَقِّيهِ. (4)
وَيَنْقُل الْبَابَرْتِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَال: إِنْ قَصَدَهُ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الدِّيَةُ، عَلِمَهُ مُسْلِمًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِعَيْنِهِ بَل رَمَى إِلَى الصَّفِّ فَأُصِيبَ فَلاَ دِيَةَ عَلَيْهِ.
وَالتَّعْلِيل الأَْوَّل أَنَّ الإِْقْدَامَ عَلَى قَتْل الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، وَتَرْكَ قَتْل الْكَافِرِ جَائِزٌ، لأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقْتُل الأُْسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ تَرْكُهُ لِعَدَمِ قَتْل الْمُسْلِمِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ مَفْسَدَةَ قَتْل الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْل الْكَافِرِ. (5)
69 - وَلَمْ نَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذَا إِلاَّ مَا قَالَهُ الدُّسُوقِيُّ عِنْدَ تَعْلِيقِهِ عَلَى قَوْل خَلِيلٍ: وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ، فَقَال: وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِأَمْوَال الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ وَلاَ يُتْرَكُونَ. وَيَنْبَغِي ضَمَانُ قِيمَتِهِ عَلَى مَنْ رَمَاهُمْ، قِيَاسًا عَلَى مَا يُرْمَى مِنَ السَّفِينَةِ لِلنَّجَاةِ مِنَ الْغَرَقِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا إِتْلاَفُ مَالٍ لِلنَّجَاةِ. (6)
__________
(1) المغني 10 / 505.
(2) الإنصاف 4 / 129.
(3) حاشية الجمل 4 / 191.
(4) نهاية المحتاج 8 / 62.
(5) العناية على الفتح 4 / 287.
(6) حاشية الدسوقي 2 / 178.

مَدَى تَطْبِيقِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ
حَقُّ الأَْسِيرِ فِي الْغَنِيمَةِ:
70 - يَسْتَحِقُّ مَنْ أُسِرَ قَبْل إِحْرَازِ الْغَنِيمَةَ فِيمَا غُنِمَ قَبْل الأَْسْرِ، إِذَا عُلِمَ حَيَاتُهُ أَوِ انْفَلَتَ مِنَ الأَْسْرِ. لأَِنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِيهَا، وَبِالأَْسْرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلاً، لِتَقَرُّرِ حَقِّهِ بِالإِْحْرَازِ. وَلاَ شَيْءَ لَهُ فِيمَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ أَسْرِهِ، لأَِنَّ الْمَأْسُورَ فِي يَدِ أَهْل الْحَرْبِ لاَ يَكُونُ مَعَ الْجَيْشِ حَقِيقَةً وَلاَ حُكْمًا، فَهُوَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي إِصَابَةِ هَذَا، وَلاَ فِي إِحْرَازِهِ بِالدَّارِ. وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَصِيرُ هَذَا الأَْسِيرِ فِي يَدِ الْحَرْبِيِّينَ قُسِمَتِ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ يُوقَفْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ. وَإِنْ قُسِمَتِ الْغَنَائِمُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، لأَِنَّ حَقَّ الَّذِينَ قُسِمَ بَيْنَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ بِالْقِسْمَةِ وَثَبَتَ مِلْكُهُمْ فِيهَا، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ إِبْطَال الْحَقِّ الضَّعِيفِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا هَرَبَ فَأَدْرَكَ الْحَرْبَ قَبْل تَقَضِّيهَا أُسْهِمَ لَهُ، وَفِي قَوْلٍ لاَ شَيْءَ لَهُ. وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ. (1)
71 - وَمَنْ أُسِرَ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْغَنَائِمِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَيْعِهَا، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِحَاجَةِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهُ حَتَّى يَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ، أَوْ يَظْهَرَ مَوْتُهُ فَيَكُونَ لِوَرَثَتِهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الْمَال الْمُصَابِ بِالإِْحْرَازِ. (2)
وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: أَنَّ الْغَنِيمَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلْمُجَاهِدَيْنِ بِأَحَدِ شَرْطَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ
__________
(1) السير الكبير وشرحه 3 / 913، 914، والإنصاف 4 / 165.
(2) شرح السير الكبير 3 / 913، 914.

مِمَّنْ حَضَرَ الْقِتَال، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رِدْءًا لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَال. (1) وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي هَذَا مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ (غَنِيمَة) .

حَقُّ الأَْسِيرِ فِي الإِْرْثِ وَتَصَرُّفَاتُهُ الْمَالِيَّةُ:
72 - أَسِيرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي مَعَ الْعَدُوِّ يَرِثُ إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ فِي قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ الْكُفَّارَ لاَ يَمْلِكْنَ الأَْحْرَارَ بِالْقَهْرِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، فَيَرِثُ كَغَيْرِهِ. (2) وَكَذَلِكَ لاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ، لأَِنَّ تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ نَافِذٌ، وَلاَ أَثَرَ لاِخْتِلاَفِ الدَّارِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ. (3) فَقَدْ كَانَ شُرَيْحٌ يُوَرِّثُ الأَْسِيرَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ. . . (4) فَهَذَا الْحَدِيثُ بِعُمُومِهِ يُؤَيِّدُ قَوْل الْجُمْهُورِ أَنَّ الأَْسِيرَ إِذَا وَجَبَ لَهُ مِيرَاثٌ يُوقَفُ لَهُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثِ الأَْسِيرَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ يَرِثُ (5) .
73 - وَالْمُسْلِمُ الَّذِي أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، وَلاَ يُدْرَى أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ، مَعَ أَنَّ مَكَانَهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ دَارُ الْحَرْبِ، لَهُ حُكْمٌ فِي الْحَال، فَيُعْتَبَرُ حَيًّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، حَتَّى
__________
(1) بداية المجتهد 1 / 405.
(2) المغني 7 / 131.
(3) الشرح الكبير مطبوع مع المغني 2 / 446.
(4) حديث " من ترك مالا فلورثته " أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري 9 / 515، 516 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1237 ط عيسى الحلبي) .
(5) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري 9 / 443، 444 الطبعة السابقة سنة 1326 هـ، وفتح الباري 12 / 49 ط السلفية.

لاَ يُورَثَ عَنْهُ مَالُهُ، وَلاَ تُزَوَّجَ نِسَاؤُهُ، وَمَيِّتًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لاَ يَرِثَ مِنْ أَحَدٍ. وَلَهُ حُكْمٌ فِي الْمَآل، وَهُوَ الْحُكْمُ بِمَوْتِهِ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ (1) ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَفْقُودِ. اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (مَفْقُود) .

74 - وَيَسْرِي عَلَى الأَْسِيرِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ الْمَالِيَّةِ مَا يَسْرِي عَلَى غَيْرِهِ فِي حَال الصِّحَّةِ مِنْ أَحْكَامٍ، فَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ جَائِزٌ، مَا دَامَ صَحِيحًا غَيْرَ مُكْرَهٍ. قَال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أُجِيزَ وَصِيَّةُ الأَْسِيرِ وَعَتَاقُهُ وَمَا صَنَعَ فِي مَالِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَالُهُ يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ. (2)
أَمَّا إِنْ كَانَ الأَْسِيرُ فِي يَدِ مُشْرِكِينَ عُرِفُوا بِقَتْل أَسْرَاهُمْ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ، لأَِنَّ الأَْغْلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا، وَلَيْسَ يَخْلُو الْمَرَّةَ فِي حَالٍ أَبَدًا مِنْ رَجَاءِ الْحَيَاةِ وَخَوْفِ الْمَوْتِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الأَْغْلَبُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ الْخَوْفَ عَلَيْهِ، فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةَ مَرِيضٍ، وَإِذَا كَانَ الأَْغْلَبُ الأَْمَانَ كَانَتْ عَطِيَّتُهُ عَطِيَّةَ الصَّحِيحِ. (3) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَرَضُ الْمَوْتِ) .

جِنَايَةُ الأَْسِيرِ وَمَا يَجِبُ فِيهَا:
75 - يَتَّجِهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا صَدَرَ مِنَ الأَْسِيرِ حَال الأَْسْرِ مَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّهُ لاَ تَخْتَلِفُ الدَّارَانِ فِي
__________
(1) البحر الرائق 5 / 136 ط أولى، والشرح الكبير مطبوع مع المغني 7 / 146.
(2) إرشاد الساري 9 / 447.
(3) الأم 4 / 36 الطبعة الأولى، والبدائع 7 / 133.

تَحْرِيمِ الْفِعْل، فَلَمْ تَخْتَلِفْ فِيمَا يَجِبُ مِنَ الْعُقُوبَةِ. فَلَوْ قَتَل بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ قَذَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ شَرِبَ أَحَدُهُمْ خَمْرًا، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَيْهِمْ إِذَا صَارُوا إِلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَمْنَعُ الدَّارُ حُكْمَ اللَّهِ.
وَيَقُول الْحَطَّابُ: إِذَا أَقَرَّ الأَْسِيرُ أَنَّهُ زَنَى، وَدَامَ عَلَى إِقْرَارِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَإِذَا قَتَل الأَْسِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَطَأً، وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ، وَالأَْسِيرُ لاَ يَعْلَمُ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَقِيل الْكَفَّارَةُ فَقَطْ. وَإِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا، وَهُوَ لاَ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ عَمْدًا وَهُوَ يَعْلَمُ بِإِسْلاَمِهِ قُتِل بِهِ. وَإِذَا جَنَى الأَْسِيرُ عَلَى أَسِيرٍ مِثْلِهِ فَكَغَيْرِهِمَا (1) .
76 - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ - فِي جَرِيمَةِ الزِّنَى - بِعَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ (2) لاِنْعِدَامِ الْمُسْتَوْفِي، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ
__________
(1) المهذب 2 / 241. والأم 4 / 162، 199، والمغني 10 / 537، ومواهب الجليل 3 / 354.
(2) حديث: " لا تقام الحدود في دار الحرب " لم نجده بهذا اللفظ وإنما يدل عليه ما أخرجه الترمذي من حديث بسر بن أرطاة مرفوعا بلفظ: " لا تقطع الأيدي في الغزو " وما أخرجه النسائي وأبو داود مرفوعا بلفظ " لا تقطع الأيدي في السفر " قال الترمذي: هذا حديث غريب، وسكت عنه أبو داود، وقال الشوكاني: إسناده عند أبي داود ثقات إلى بسر، وفي إسناد الترمذي ابن لهيعة، وفي إسناد النسائي بقية بن الوليد، واختلف في صحبة بسر المذكور. وقال عبد القادر الأرناؤوط: وإسناده صحيح (تحفة الأحوذي 5 / 11، 12 نشر السلفية، وسنن النسائي 8 / 91 نشر المكتبة التجارية الكبرى، وعون المعبود 4 / 246 ط الهند، ونيل الأوطار 7 / 313 ط دار الجيل، وجامع الأصول بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط 3 / 579 نشر مكتبة الحلواني) .

حِينَ بَاشَرَ السَّبَبَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى وَكَانَ أَسِيرًا فِي مُعَسْكَرِ أَهْل الْبَغْيِ، لأَِنَّ يَدَ إِمَامِ أَهْل الْعَدْل لاَ تَصِل إِلَيْهِمْ. (1) وَقَالُوا: لَوْ قَتَل أَحَدُ الأَْسِيرَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الآْخَرَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ بِالأَْسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ، لِصَيْرُورَتِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلِهَذَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ. وَخُصَّ الْخَطَأُ بِالْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ عِقَابُ الآْخِرَةِ. وَقَال الصَّاحِبَانِ بِلُزُومِ الدِّيَةِ أَيْضًا فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ، لأَِنَّ الْعِصْمَةَ لاَ تَبْطُل بِعَارِضِ الأَْسْرِ وَامْتِنَاعِ الْقِصَاصِ لِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ الَّذِي فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. (2)

أَنْكِحَةُ الأَْسْرَى:
77 - ظَاهِرُ كَلاَمِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الأَْسِيرَ لاَ يَحِل لَهُ التَّزَوُّجُ مَا دَامَ أَسِيرًا، وَهَذَا قَوْل الزُّهْرِيِّ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ، لأَِنَّ الأَْسِيرَ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ رَقِيقًا لَهُمْ، وَلاَ يَأْمَنُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ، وَسُئِل أَحْمَدُ عَنْ أَسِيرٍ اُشْتُرِيَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَيَطَؤُهَا؟ فَقَال: كَيْفَ يَطَؤُهَا؟ فَلَعَل غَيْرَهُ مِنْهُمْ يَطَؤُهَا، قَال الأَْثْرَمُ: قُلْتُ لَهُ: وَلَعَلَّهَا تَعْلَقُ بِوَلَدٍ فَيَكُونُ مَعَهُمْ، قَال: وَهَذَا أَيْضًا. (3)
__________
(1) المبسوط 10 / 99، 100، ومواهب الجليل 3 / 354.
(2) البحر الرائق 5 / 108، والفتح 4 / 350، 351، والبدائع 7 / 131، 133.
(3) المغني 10 / 511.

وَيَقُول الْمَوَّاقُ: الأَْسِيرُ يُعْلَمُ تَنَصُّرُهُ فَلاَ يُدْرَى أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا فَلْتَعْتَدَّ زَوْجَتُهُ، وَيُوقَفْ مَالُهُ، وَيُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ ثَبَتَ إِكْرَاهُهُ بِبَيِّنَةٍ كَانَ بِحَال الْمُسْلِمِ فِي نِسَائِهِ وَمَالِهِ. (1) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ (إِكْرَاه) (وَرِدَّة) .

إِكْرَاهُ الأَْسِيرِ وَالاِسْتِعَانَةُ بِهِ:
78 - الأَْسِيرُ إِنْ أَكْرَهَهُ الْكُفَّارُ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ، لاَ تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ، وَلاَ يَحْرُمُ مِيرَاثُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُحْرَمُونَ مِيرَاثَهُمْ مِنْهُ، وَإِذَا مَا أُكْرِهَ عَلَى أَكْل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ دُخُول الْكَنِيسَةِ فَفَعَل وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الضَّرُورَاتِ. (2) وَلَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى أَنْ يَقْتُل مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لاَ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَنْ يَدُل عَلَى ثُغْرَةٍ يَنْفُذُ مِنْهَا الْعَدُوُّ إِلَى مُقَاتَلَتِنَا، وَلاَ الاِشْتِرَاكِ مَعَ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَال عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الأَْوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ (3) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ (إِكْرَاهٌ) .

الأَْمَانُ مِنَ الأَْسِيرِ وَتَأْمِينُهُ:
79 - لاَ يَصِحُّ الأَْمَانُ مِنَ الأَْسِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الأَْمَانَ لاَ يَقَعُ مِنْهُ بِصِفَةِ النَّظَرِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، بَل لِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ، وَلأَِنَّ الأَْسِيرَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إِنْ أَمِنُوهُ وَأَمِنَهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهُمْ كَمَا يَفُونَ لَهُ، وَلاَ يَسْرِقَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ
__________
(1) التاج والإكليل مطبوع بهامش مواهب الجيل 6 / 285.
(2) الأم 4 / 698.
(3) التاج والإكليل مطبوع بهامش مواهب الجليل 3 / 389.

نَفْسِهِ، وَقَدْ شُرِطَ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِهِمْ. وَهُوَ مَا قَالَهُ اللَّيْثُ (1) . وَوَافَقَهُمْ كُلٌّ مِنَ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذَا مَا كَانَ الأَْسِيرُ مَحْبُوسًا أَوْ مُقَيَّدًا، لأَِنَّهُ مُكْرَهٌ، وَأَعْطَى الشَّافِعِيَّةُ مَنْ أَمَّنَ آسِرَهُ حُكْمَ الْمُكْرَهِ، وَقَالُوا: إِنَّ أَمَانَهُ فَاسِدٌ. (2) أَمَّا إِذَا كَانَ مُطْلَقًا وَغَيْرَ مُكْرَهٍ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ أَسِيرَ الدَّارِ - وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِبِلاَدِ الْكُفَّارِ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا - يَصِحُّ أَمَانُهُ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا يَكُونُ مُؤَمَّنُهُ آمِنًا بِدَارِهِمْ لاَ غَيْرُ، إِلاَّ أَنْ يُصَرِّحَ بِالأَْمَانِ فِي غَيْرِهَا. (3) وَسُئِل أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ شَذَّ عَنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَطَلَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَال الْعَدُوُّ لِلأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ: أَعْطِنَا الأَْمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ الأَْمَانَ، فَقَال: إِذَا كَانَ أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ، وَقَوْل الأَْسِيرِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ. (4)
وَيُعَلِّل ابْنُ قُدَامَةَ لِصِحَّةِ أَمَانِ الأَْسِيرِ إِذَا عَقَدَهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ، بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ مِنْ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ. . . كَمَا أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ (5) .
__________
(1) شرح السير الكبير 1 / 286، وتبيين الحقائق 3 / 247، والفتح 4 / 300، والبحر الرائق 5 / 88، ومواهب الجليل 3 / 361، وفتح الوهاب 2 / 176، والمغني 10 / 433.
(2) الوجيز 2 / 195.
(3) فتح الوهاب 2 / 176، وحاشية الجمل 5 / 205، وشرح البهجة 5 / 132.
(4) التاج والإكليل 3 / 361.
(5) المغني 10 / 433 وحديث: " ذمة المسلمين. . . " أخرجه مسلم من حديث الأعمش مرفوعا (صحيح مسلم بتحقيق محمد عبد الباقي 2 / 999 ط عيسى الحلبي) .

صَلاَةُ الأَْسِيرِ فِي السَّفَرِ، وَالاِنْفِلاَتِ، وَمَا يَنْتَهِي بِهِ الأَْسْرُ
80 - الأَْسِيرُ الْمُسْلِمُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ إِنْ عَزَمَ عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الأَْسْرِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْكُفَّارُ أَقَامُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُرِيدُونَ الْمُقَامَ فِيهِ الْمُدَّةَ الَّتِي تُعْتَبَرُ إِقَامَةً، وَلاَ تَقْصُرُ بَعْدَهَا الصَّلاَةُ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ الصَّلاَةَ، لأَِنَّهُ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ نِيَّتَهُمْ فِي السَّفَرِ وَالإِْقَامَةِ، لاَ نِيَّتَهُ. وَإِنْ كَانَ الأَْسِيرُ انْفَلَتَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إِقَامَةِ شَهْرٍ فِي غَارٍ أَوْ غَيْرِهِ قَصَرَ الصَّلاَةَ، لأَِنَّهُ مُحَارِبٌ لَهُمْ، فَلاَ تَكُونُ دَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعَ الإِْقَامَةِ فِي حَقِّهِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ. (1) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) .

81 - وَالأَْسْرُ يَنْتَهِي بِمَا يُقَرِّرُ الإِْمَامُ، مِنْ قَتْلٍ أَوِ اسْتِرْقَاقٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ بِمَالٍ، أَوْ عَنْ طَرِيقِ تَبَادُل الأَْسْرَى عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، كَمَا يَنْتَهِي الأَْسْرُ بِمَوْتِ الأَْسِيرِ قَبْل قَرَارِ الإِْمَامِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْتَهِي بِفِرَارِ الأَْسِيرِ، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: لَوِ انْفَلَتَ أَسِيرٌ قَبْل الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ وَالْتَحَقَ بِمَنْعَتِهِمْ يَعُودُ حُرًّا، وَيَنْتَهِي أَسْرُهُ، وَلَمْ يَعُدْ فَيْئًا، لأَِنَّ حَقَّ أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ لاَ يَتَأَكَّدُ إِلاَّ بِالأَْخْذِ حَقِيقَةً، وَلَمْ يُوجَدْ. (2)
82 - وَيُصَرِّحُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ إِنْ أَطَاقُوهُ، وَلَمْ يُرْجَ ظُهُورُ الإِْسْلاَمِ
__________
(1) شرح السير الكبير 1 / 248.
(2) البدائع 7 / 117، ومواهب الجليل 3 / 366، والتاج والإكليل 3 / 688.

بِبَقَائِهِمْ، لِلْخُلُوصِ مِنْ قَهْرِ الأَْسْرِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْوُجُوبَ بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ إِظْهَارِ الدِّينِ (1) ، لَكِنْ جَاءَ فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: وَإِنْ أُسِرَ مُسْلِمٌ، فَأُطْلِقَ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَرَضِيَ بِالشَّرْطِ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ لِحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ (2) وَإِنْ أُطْلِقَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ، إِلاَّ الْمَرْأَةَ فَلاَ يَحِل لَهَا الرُّجُوعُ. (3)
وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ - إِذَا ائْتَمَنَ الْعَدُوُّ الأَْسِيرَ طَائِعًا عَلَى أَلاَّ يَهْرُبَ، وَلاَ يَخُونَهُمْ - أَنَّهُ يَهْرُبُ وَلاَ يَخُونُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَأَمَّا إِنِ ائْتَمَنُوهُ مُكْرَهًا، أَوْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ، فَلَهُ أَنْ
__________
(1) فتح الوهاب 2 / 177، وحاشية الجمل 5 / 209.
(2) حديث: " المؤمنون عند شروطهم. . . ". أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عطاء مرسلا بهذا اللفظ، وعلقه البخاري بلفظ: " المسلمون عند شروطهم ". قال ابن حجر: هذا أحد الأحاديث التي لم يوصلها المصنف في مكان آخر، وقد جاء من حديث عمرو بن عوف المزني، فأخرجه إسحاق في مسنده من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده مرفوعا، وكذلك أخرجه الت (فتح الباري 4 / 451 - 452 ط السلفية، وتحفة الأحوذي 4 / 584، 585 نشر المكتبة السلفية، وسنن أبي داود 4 / 19، 20 ط استانبول، والمستدرك 2 / 49 نشر دار الكتاب العربي، ونيل الأوطار 5 / 254، 255 ط المطبعة العثمانية) .
(3) مطالب أولي النهى 2 / 583، والإنصاف 4 / 209.

يَأْخُذَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ. وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِنْ عَاهَدُوهُ عَلَى أَلاَّ يَهْرُبَ فَلْيُوَفِّ بِالْعَهْدِ (1) ، فَإِنْ تَبِعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَلْيَدْفَعْهُمْ حَتْمًا إِنْ حَارَبُوهُ وَكَانُوا مِثْلَيْهِ فَأَقَل، وَإِلاَّ فَنَدْبًا. (2)

فِكَاكُ الأَْسْرَى

الموسوعة الفقهية الكويتية

اُنْظُرْ: أَسْرَى
__________
* أسرى الحرب قسمان:
1 - النساء والأطفال: يسترقون بمجرد السبي.
2 - الرجال المقاتلون: يخيَّر الإمام فيهم بين إطلاقهم بلا فداء، أو مفاداتهم، أو قتلهم، أو استرقاقهم حسب المصلحة.

9 - أحكام الأسرى والسبي

موسوعة الفقه الإسلامي

9 - أحكام الأسرى والسبي
- الأسرى: هم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأَسْرهم أحياء.
- السبي: هم نساء وصبيان الكفار إذا ظفر بهم المسلمون أحياء.
- أقسام الأسرى:
أسرى الحرب من الكفار من جملة الغنائم، وهم على قسمين:
1 - النساء والصبيان، وهؤلاء يُسترقّون بمجرد السبي، ويُقسمون مع الغنائم كما يُقسم المال.
2 - الرجال المقاتلون، وهؤلاء يخير فيهم الإمام بين أربعة أمور:
المنّ عليهم .. أو الفداء بمال أو بأسرى .. أو قتلهم .. أو استرقاقهم.
يفصل الإمام بما هو الأصلح والأنفع للإسلام والمسلمين.
وتقدير المصلحة يتم بحسب ما يُرى في الأسير من قوة بأس، وشدة نكاية، أو أنه مرجو الإسلام، أو مأمون الخيانة، أو مطاع في قومه، أو أن المسلمين في حاجة إلى المال أو المهنة ونحو ذلك.
1 - قال الله تعالى: {{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)}} [الأنفال: 67].
2 - وقال الله تعالى: {{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}} ... [محمد: 4].

إعدام آلاف الأسرى المسلمين لدى البيزنطيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إعدام آلاف الأسرى المسلمين لدى البيزنطيين.
241 - 855 م
كان الفداء بين المسلمين والروم، بعد أن قتلت تدورة، ملكة الروم، من أسرى المسلمين اثني عشر ألفا فإنها عرضت النصرانية على الأسرى، فمن تنصر جعلته أسوة من قبله من المنتصرة، ومن أبى قتلته، وأرسلت تطلب المفاداة لمن بقي منهم، فأرسل المتوكل شنيفاً الخادم، فأذن له فحضره واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب، وهو شاب، ووقع الفداء على نهر اللامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبع مائة وخمسة وثمانين رجلا ومن النساء مائة وخمساً وعشرين امرأة.

ملك الروم يبعث بأسرى من المسلمين ويسأل المفاداة بمن عنده ..

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك الروم يبعث بأسرى من المسلمين ويسأل المفاداة بمن عنده ..
245 صفر - 859 م
بعث ملك الروم بأسرى من المسلمين ويسأل المفاداة بمن عنده وكان الذي قدم من قبل صاحب الروم رسولا إلى المتوكل شيخا يدعى أطرو بيليس معه سبعة وسبعون رجلا من أسرى المسلمين أهداهم ميخائيل بن توفيل ملك الروم إلى المتوكل وكان قدومه عليه لخمس بقين من صفر من هذه السنة فأنزل على شنيف الخادم ثم وجه المتوكل نصر بن الأزهر مع رسول صاحب الروم فشخص في هذه السنة ولم يقع الفداء إلا في سنة ست وأربعين.

بعض الغزوات وفداء الأسرى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

بعض الغزوات وفداء الأسرى.
246 - 860 م
غزا عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة عشر ألف رأس، وغزا قريباس، وأخرج خمسة آلاف رأس، وغزا الفضل بن قارن بحراً في عشرين مركبا فافتتح حصن أنطاكية، وغزا بلكاجور، فغنم وسبى، وغزا علي بن يحيى الأرمني، فأخرج خمسة آلاف رأس، ومن الدواب، والرمك، والحمير، ونحواً من عشرة آلاف رأس، وفيها كان الفداء على يد علي بن يحيى الأرمني، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستين نفساً.

مفاداة الأسرى بين الروم والمسلمين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مفاداة الأسرى بين الروم والمسلمين.
295 ذو القعدة - 908 م
تم الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة، وكان عدة من فودي به من الرجال والنساء ثلاثة آلاف نفس.

الهدنة مع الروم وفداء الأسرى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الهدنة مع الروم وفداء الأسرى.
326 ذو القعدة - 938 م
ورد كتاب من ملك الروم إلى الراضي مكتوب بالرومية والتفسير بالعربية، فالرومي بالذهب والعربي بالفضة، وحاصله طلب الهدنة بينه وبينه، ووجه مع الكتاب بهدايا وألطاف كثيرة فاخرة، فأجابه الخليفة إلى ذلك، وفودي من المسلمين ستة آلاف أسير، ما بين ذكر وأنثى على نهر البدندون.
فداء الأسرى مع الروم.
335 - 946 م
كان الفداء بالثغور بين المسلمين والروم على يد نصر الثملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وكان عدة الأسرى ألفين وأربعمائة أسير وثمانين أسيراً من ذكر وأنثى، وفضل للروم على المسلمين مائتان وثلاثون أسيراً لكثرة من معهم من الأسرى، فوفاهم ذلك سيف الدولة.

فداء أسرى المسلمين من الروم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فداء أسرى المسلمين من الروم.
355 رجب - 966 م
وقع الفداء بين سيف الدولة وبين الروم فاستنقذ منهم أسارى كثيرة، منهم ابن عمه أبو فراس بن سعيد بن حمدان، وأبو الهيثم بن حصن القاضي، وذلك في رجب منها ولما لم يبق معه (أي مع سيف الدولة) من أسرى الروم أحد اشترى الباقين (ما بقي من أسارى المسلمين) كل نفس باثنين وسبعين دينار حتى نفذ ما معه من المال فاشترى الباقين ورهن عليهم بدنته الجوهر المعدومة المثل، فخلص من الأسر ما بين أمير إلى راجل ثلاثة آلاف ومئتان وسبعون نفسا.

تنكز نائب السلطان بدمشق يشتري أسرى مسلمين من تجار الفرنج ويكرمهم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تنكز نائب السلطان بدمشق يشتري أسرى مسلمين من تجار الفرنج ويكرمهم.
727 - 1326 م
قدم إلى ميناء بيروت من سواحل الشام تجار الفرنج بمائة وأربعين من أسارى المسلمين، قد اشتروهم من الجزائر، فاشتراهم الأمير تنكز، وأفاد التجار في كل أسير مائة وعشرين درهماً على ما اشتراه به، وكسا تنكز الجميع وزودهم، وحملهم إلى مصر، فسر المسلمون بقدومهم، وجد تجار الفرنج في شراء الأسرى رغبة في الفائدة.

فكاك الأسرى المسلمين من قبرص.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فكاك الأسرى المسلمين من قبرص.
818 محرم - 1415 م
قدم كتاب أقبغا النظامي - أحد خواص الناصر فرج - من جزيرة قبرص، وقد توجه إليها لفك الأسرى، بأنه وجد بالجزيرة من أسارى المسلمين خمسمائة وخمسة وثلاثين أسيراً، فكاكهم بثلاثة عشر ألف دينار وثلاثمائة دينار، وأنه قد أوصل إلى متملك قبرص العشرة آلاف دينار المجهزة معه، فانفك بها أربعمائة أسير، كل أسير بخمسمائة درهم، عنها خمسة وعشرون ديناراً، وقد افتك متملك قبرص من مائة وخمسة وثلاثين أسيراً، بثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسة وسبعين ديناراً، وقد حمل منهم إلى جهة مصر في البحر مائتي أسير، وفرق في جهات السواحل الشامية باقيهم.

-فصل في غنائم بدر والأسرى

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ - إِبِلَهُ. فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: مَا بَالُكَ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ، لَيْسَ تَحْتَكَ بِسَاطٌ، وَعَلَيْكَ هَذِهِ الأَخْلاقُ؟ قَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ حَقًّا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُحْدِثُوا تَوَاضُعًا عِنْدَمَا مَا أَحْدَثَ لَهُمْ مِنْ نِعْمَتِهِ. فَلَمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لِي نَصْرَ نَبِيِّهِ أَحْدَثْتُ لَهُ هَذَا التَّوَاضُعَ.
ذَكَرَ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الْوَاقِدِيُّ فِي مَغَازِيهِ بِلَا سَنَدٍ.

-فَصْلٌ
فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ وَالْأَسْرَى
قَالَ خَالِدٌ الطَّحَّانُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - يوم بَدْرٍ: مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَتِ الْمَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ، لَوِ انْهَزَمْتُمْ، فِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَلَا تَذْهَبُوا بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى. فَأَبَى الْفِتْيَانُ وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ " إِلَى قَوْلِهِ: " وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ".
يَقُولُ: فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ. فَكَذَلِكَ أَيْضًا أَطِيعُونِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِعَاقِبَةِ هَذَا مِنْكُمْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
ثُمَّ سَاقَةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ. وَقَالَ: فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسَّوَاءِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ يُونُسُ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ،

الإسرا إلى المقام الأسرى

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الإسرا، إلى المقام الأسرى
للشيخ، محيي الدين: محمد بن علي بن عربي.
المتوفى: سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
مختصر.
ذكر فيه: أنه قصد اختصار ترتيب الرحلة، من العالم الكوني إلى الموقف الآني، وتبيين كيفية انكشاف اللباب، بتجريد الأثواب، لأولي الأبصار والألباب، ومعراج الأرواح إلى مقام ما لا يقال، ولا يمكن ظهوره بالعلم إلا بالحال.

كتاب: الأسرار لعله: (الإسرا إلى مقام الأسرى)

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

كتاب: الأسرار، لعله: (الإسرا، إلى مقام الأسرى)
للشيخ: محيي الدين بن عربي.
شرحه:
تلميذه، شارح (المشاهد) .
بالقول.
وسماه: (كتاب النجاه، من حجب الاشتباه، في شرح مشكل الفوائد، من كتاب الإسراء والمشاهد) .
وفي برهانه كتاب:
لحسن بن الصباح.
وأتمه: أخوه: إبراهيم.
جمع أسير، ويجمع أيضا على أسارى، وأسارى، والأسير:
لغة، مأخوذ من الإسار، وهو القيد، لأنهم كانوا يشدونه بالقيد فسمّى كل أخيذ أسيرا، وإن لم يشد به، وكل محبوس في قيد أو سجن أسير، قال مجاهد في تفسير قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [سورة الإنسان، الآية 8]. الأسير: المسجون.
اصطلاحا: عرف الماوردي الأسرى: بأنهم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بهم أحياء، وهو تعريف أغلى، لاختصاصه بأسرى الحربيين عند القتال، لأنه بتتبع استعمالات الفقهاء لهذا اللفظ يتبين أنهم يطلقونه على كل من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم، ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها أو من غير حرب فعلية ما دام العداء قائما والحرب محتملة. انظر: «أساس البلاغة (أسر) ص 16، والمفردات ص 17، 18، والموسوعة الفقهية 4/ 195».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت