كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
جزء رشيد الدين
أبي الحسين: يحيى بن علي القرشي، العطار، الحافظ. فيه ثمانية أحاديث. |
مقاييس اللغة لابن فارس
|
(شَيَدَ)الشِّينُ وَالْيَاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُ عَلَى رَفْعِ الشَّيْءِ. يُقَالُ شِدْتُ الْقَصْرَ أَشِيدُهُ شَيْدًا. وَهُوَ قَصْرٌ مَشِيدٌ، أَيْ مَعْمُولٌ بِالشِّيدِ. وَسُمِّيَ شِيدًا لِأَنَّ بِهِ يُرْفَعُ الْبِنَاءُ. يُقَالُ قَصْرٌ مَشِيدٌ أَيْ مُطَوَّلٌ. وَالْإِشَادَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ وَالتَّنْوِيهُ.
|
معجم الصحابة للبغوي
|
رشيد بن مالك أبو عميرة
سكن الكوفة. 778 - حدثنا عمي نا أبو نعيم وأحمد بن يونس قالا: نا معرف بن واصل //190// قال حدثتني امرأة من الحي يقال لها: حفصة ابنة طلق سنة تسعين قالت: حدثنا أبو عميرة رشيد بن مالك قال معرف: وهو جدي أوجد أبي قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم يوما فجاء رجل بطبق من تمر فقال له: " ما هذا أصدقة أم هدية؟ " قال: صدقة. قال: فقذفها للقوم وحسين يتعفر بين يديه وأخذ الصبي تمرة فجعلها في فيه فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل أصبعه في في الصبي فقذف بها ثم قال: " إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. |
معجم الصحابة للبغوي
|
أبو عبد الله رشيد الفارسي
مولى بني معاوية سكن المدينة. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا. 779 - حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة خمس وعشرين ومائتين إملاء نا خالد بن مخلد نا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة قال: حدثني عبد الرحمن بن ثابت وداود بن الحصين عن الفارس مولى ربيعة أنه ضرب رجلا يوم يعني أحد فقال: خذها وأنا الغلام الفارسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منعك أن تقول: الأنصاري وأنت منهم؟ إن مولى القوم منهم. وقال محمد بن عمر: ضرب رشيد الفارسي رجلا على رأسه وعليه المغفر ففلق هامته وقال: خذها وأنا الغلام الأنصاري فتبسم رسول الله |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
1678- رشيد الهجري
ب د ع: أسيرة رشيد الهجري ويقال: الفارسي، مولي بني معاوية من الأنصار، ثم من الأوس. قال ابن منده، وَأَبُو نعيم: لا تثبت له صحبة. قال أَبُو عمر: شهد مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدًا، وكناه أبا عَبْد اللَّهِ، قال الواقدي في غزوة أحد: كان رشيد مولى بني معاوية الفارسي، لقي رجلًا من المشركين من بني كنانة مقنعًا في الحديد، يقول: أنا ابن عويف. فتعرض له سعد مولى حاطب فضربه ضربة جز له باثنتين، ويقبل عليه رشيد فيضربه عَلَى عاتقه، فقطع الدرع حتى جز له باثنتين، ويقول: خذها، وأنا الغلام الفارسي. ورسول اللَّه يرى ذلك ويسمعه، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هلا قلت: خذها، وأنا الغلام الأنصاري ". فتعرض له أخوه يعدو كأنه كلب، قال: أنا ابن عويف، ويضربه رشيد عَلَى رأسه وعليه المغفر ففلق رأسه، ويقول: خذها وأنا الغلام الأنصاري. فتبسم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: " أحسنت يا أبا عَبْد اللَّهِ ". فكناه يومئذ، ولا ولد له. أخرجه الثلاثة. |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
1679- رشيد بن مالك
ب د ع: رشيد بْن مالك أَبُو عميرة السعدي التميمي عداده في الكوفيين. (436) أخبرنا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ الثَّقَفِيُّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ: حدثنا أسيد بْنُ عَاصِمٍ، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أخبرنا مَعْرُوفُ بْنُ وَاصِلٍ، عن حَفْصَةَ بِنْتِ طَلْقٍ، قَالَت: قَالَ أَبُو عُمَيْرَةَ رُشَيْدُ بْنُ مَالِكٍ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِطَبَقٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ، فَقَالَ لَهُ: " مَا هَذَا، أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: صَدَقَةٌ، قَالَ: " فَقَدَّمَهُ إِلَى الْقَوْمِ "، قَالَ: وَالْحَسَنُ صَغِيرٌ. قَالَ: فَأَخَذَ الصَّبِيُّ تَمْرَةً فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ. قَالَ: فَفَطَنَ لَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَهُ فِي فِيِّ الصَّبِيِّ فَانْتَزَعَ التَّمْرَةَ فَقَذَفَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ". وَرَوَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ وَغَيْرُهُمْ، عن مَعْرُوفِ بْنِ وَاصِلٍ، نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ وجعله أَبُو عمر تميميًا، وجعله ابن ماكولا مزنيًا، وجعله أَبُو أحمد العسكري أسديًا، من أسد بْن خزيمة، وقال: هو جد معروف بْن واصل. عميرة: بفتح العين. وأسيد: بفتح الهمزة. |
تكملة معجم المؤلفين
|
المنجد" الذي صدر عن القرآن عام 1392 هـ. ثم تلاه بكتابه النفيس "تيسير التفسير" الذي صدر منه جزآن قبل وفاته (¬1) راجعه وقام بضبطه عمران أحمد أبو حجلة. - عمان، الأردن، د. ن، 1402 هـ).
إبراهيم محمد رشيد القصَّابي (1311 - 1403 هـ) (1894 - 1983 م) قائد عسكري، من أعيان دمشق. يعرف بقصَّاب حسن. أصله من الموصل، مولده ونشأته ووفاته دمشق. من قواد الجيش السوري برتبة عقيد، عضو رابطة المحاربين القدماء دمشق. رئيس معهد العلوم الإسلامية بباب الجابية بدمشق. وهو عميد أسرته، ¬__________ (¬1) مجلة مجمع اللغة العربية الأردني س 8 ع 25 - 26 (شوال 1404 ربيع الآخر 1405 هـ) ص 245 - 246. وله ترجمة: الأدب والأدباء والكتاب المعاصرون الأردن ص 104. |
تكملة معجم المؤلفين
|
1949 م. ومعجم في النحو. كما شارك أنور سلطان في إخراج سلاسل كتب دينية (¬3).
رشيد سليم الخوري (1305 - 1404 هـ) (1887 - 1984 م) أديب، شاعر مهجري. ولد في قرية البربارة بلبنان، وهاجر إلى البرازيل عام 1913 م. ولقب بشاعر القومية العربية، كما لقب في البرازيل بقروي الجبل، ثم اشتهر بلقب الشاعر القروي. وقد شاعت أشعاره إلى درجة أنها كانت تدرج في برامج الثانويات العربية في أغلب الأقطار العربية .. وهو صاحب القول العجيب الغريب، الذي ينبذه كل مسلم على وجه الأرض: هبوني عيداً يجعل العرب وحدة ... وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على "كفر" يوحِّد بيننا ... وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم ¬__________ (¬3) تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري 3/ 488. |
تكملة معجم المؤلفين
|
رشيد شقير
(1306 - 1400 هـ) (1888 - 1979 م) شاعر، صحفي متجول. ولد في أرصون، وتخرج في مدارس الشويفات بلبنان، وكان يتقن إلى جانب العربية: الفرنسية والتركية والإنجليزية، ثم درس القانون والشرع الإسلامي، ونال الإجازة من اللجنة العدلية في متصرفية جبل لبنان للمرافعة أمام الحاكم. أصدر بالاشتراك مع الصحفي أسعد داغر جريدة "العقاب". وبعد معركة ميسلون - التي شارك فيها - جاء سراً إلى لبنان، وسافر باسم مستعار إلى السنغال حيث بقي مدة وضع خلالها كتاب "سوريا المستقلة" وتنقل سراً بين أوروبا وأفريقيا متنكراً، إلى أن سافر إلى البرازيل، حيث أقام إلى أن وافته المنية. وله قصائد لم تجمع (¬2). ¬__________ (¬2) محجم أعلام الدروز 2/ 57. |
تكملة معجم المؤلفين
|
رشيد المعلوف
(1334 - 1400 هـ) (1915 - 1980 م) صحفي، أديب. من لبنان. عمل في جريدة (الجريدة) زمناً، ثم أصدر جريدة الصفاء (1962 - 1969). اشتهر بزاوية "مختصر مفيد" التي كان يضمِّنها - يومياً - تعليقات حول الأحداث السياسية والاجتماعية. من آثاره: - البرلمان الأمثل، 1942. - أول الربيع: شعر، 1944 (¬1). رشيد ميموني (1365 - 1415 هـ) (1945 - 1995 م) كاتب روائي. نال عدداً من الجوائز الأدبية في الجزائر. وقد أقام بالمغرب قبل سنة من وفاته هرباً من تهديدات الإسلاميين، بينهم أشقاؤه. ¬__________ (¬1) معجم أعلام المورد ص 428. |
تكملة معجم المؤلفين
|
رشيد المعلوف
(1334 - 1400 هـ) (1915 - 1980 م) صحفي، أديب. من لبنان. عمل في جريدة (الجريدة) زمناً، ثم أصدر جريدة الصفاء (1962 - 1969). اشتهر بزاوية "مختصر مفيد" التي كان يضمِّنها - يومياً - تعليقات حول الأحداث السياسية والاجتماعية. من آثاره: - البرلمان الأمثل، 1942. - أول الربيع: شعر، 1944 (¬1). رشيد ميموني (1365 - 1415 هـ) (1945 - 1995 م) كاتب روائي. نال عدداً من الجوائز الأدبية في الجزائر. وقد أقام بالمغرب قبل سنة من وفاته هرباً من تهديدات الإسلاميين، بينهم أشقاؤه. ¬__________ (¬1) معجم أعلام المورد ص 428. |
تكملة معجم المؤلفين
|
- يسوع والمحنة.
- أعجوبة الوجود (¬2). وبالعربية: - الآثار. - بيروت: دار النهار، 1397 هـ. شاعر الجزيرة والفرات = جورج سعدو شاعر الشواطئ = جوزيف إبراهيم الخوري الشاعر القروي = رشيد سليم الخوري ¬__________ (¬2) معجم أعلام المورد ص 413. وردٌّ طويل عليه ص 21 - 46 في كتاب: في العروبة والقومية/أحمد السكاف. - الكويت: شركة الربيعان للشر، 1403 هـ، حيث أورد انبهاره بالصهيونية وما إلى ذلك. |
تكملة معجم المؤلفين
|
لأسباب السعادة، الهدي النبوي في الطب، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، الورد اليومي، وسائل حفظ الأمن، وصف النار وأسباب دخولها وما ينجي منها (مختصر من كتاب التخويف من النار لابن رجب).
عبد الله خورشيد البري (000 - 1410 هـ) (000 - 1990 م) كاتب، باحث. أستاذ الدراسات الإسلامية والأدب المصري بكلية الألسن، ورئيس قسم اللغة العربية بها. وهو من تلاميذ أمين الخولي "الأمناء"، تأثر بمبدأ الإقليمية، وأفاد من أثر البيئة في البحث الأدبي. له مقالات في مجلات عديدة، منها "الأدب" و"المصور" (¬1). ومن مؤلفاته: - القبائل العربية في مصر ¬__________ (¬1) القاهرة ع 113 - ربيع الأول 1411 هـ. |
تكملة معجم المؤلفين
|
الكرامة. - بيروت: دار الكاتب العربي، 1394 هـ، 195 ص.
- مدحت باشا: أبو الدستور العثماني. - ط 3. - بيروت: دار العلم للملايين. - الناس والآخرون. - بيروت: دار المكشوف. القروي = رشيد سليم الخوري قصاب حسن = إبراهيم محمد رشيد القصابي |
تكملة معجم المؤلفين
|
الكرامة. - بيروت: دار الكاتب العربي، 1394 هـ، 195 ص.
- مدحت باشا: أبو الدستور العثماني. - ط 3. - بيروت: دار العلم للملايين. - الناس والآخرون. - بيروت: دار المكشوف. القروي = رشيد سليم الخوري قصاب حسن = إبراهيم محمد رشيد القصابي |
تكملة معجم المؤلفين
|
- شاعر مجرم: مالك بن الريب المازني.
مترجمات غير مطبوعة: - ما أعتقد/برتراند رسل (¬1). محمد خورشيد العدناني (1321 - 1401 هـ) (1903 - 1981 م) أديب، شاعر، لغوي. ولد في مدينة جنين، وأتم دراسته في مدرسة الفنون الأمريكية بصيدا. بعد النكبة نزح إلى الأردن، فسوريا حيث تولى التدريس في جامعة دمشق، ثم جامعة حلب، وداري المعلمين والمعلمات. اختير مديراً لكلية المقاصد الإسلامية في صيدا، ثم مديراً لشركة ¬__________ (¬1) تعريف به في كتاب: كنوز التلمود: سجل للتلمود مع مختارات مبوبة من كتابات الأحبار/تحرير س. ليفي؛ ترجمة محمد خليفة التونسي - لندن: ر. مازن: الكويت. مكتبة دار البيان، 1409 هـ، 122 ص، وجريدة الشرق الأوسط ع 3332 - 23/ 5/1408 هـ. |
تكملة معجم المؤلفين
|
كتبه المطبوعة:
فلسطين العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، 1945. والصليبية الجديدة في فلسطين، 1948. سايكس بيكو دعامة الاستعمار الأوروبي في بلاد العرب. قضية فلسطين قبل الفتح العربي. منها تدريس المسألة الفلسطينية في وزارة المعارف السورية، 1948. إسرائيل: أيها العربي اعرف عدوك، 1950. تاريخ المسألة الفلسطينية: ثلاثة كتب مدرسية لصفوف الشهادات الثلاث الابتدائية والتكميلية والبكالوريا السورية، 1953. وله مقالات كثيرة في مختلف الصحف والمجلات (¬3). وديع رشيد الخوري (1316 - 1397 هـ) (1898 - 1977 م) شاعر بارع، كاتب عصامي. ¬__________ (¬3) معجم أعلام الدروز 1/ 261 - 262. |
|
: بالتصغير، الفارسيّ، مولى بني معاوية من الأنصار. ومن قال فيه رشيد الهجريّ فقد وهم، لأنه آخر متأخر من صغار التابعين وأتباعهم.
روى حديثه البغويّ، من طريق خالد بن مخلد، عن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن ثابت، عن رشيد [الفارسيّ، مولى بني معاوية. وقال ابن مندة: روى حديثه أبو عامر العقديّ، عن ابن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن ثابت عن رشيد] «2» الهجريّ مولى بني معاوية- أنه ضرب رجلا يوم أحد، فقال: خذها وأنا الغلام الفارسيّ فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم: «ما منعك أن تقول الأنصاريّ، فإنّ مولى القوم منهم؟» «3» ووقع في روايته رشيد الهجريّ، فقال: رشيد يروي حديثا مرسلا. وقد ذكر الواقدي هذه القصّة فقال: كان رشيد الفارسيّ مولى بني معاوية لقي رجلا من المشركين. فذكر القصّة، قال: فقال له النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم: «أحسنت يا أبا عبد اللَّه» «4» ، فكناه يومئذ ولم يولد له. وروى نحو هذه القصّة ابن إسحاق، لكنه قال: عقبة الفارسيّ. وسيأتي في العين، وقد جزم بعضهم بأنه أبو عقبة رشيد، فاللَّه أعلم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
يأتي في رويشد، بالتصغير.
|
|
أبو عميرة المزني.
قال ابن يونس: ذكره في أهل مصر، وله بمصر حديث رواه ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن شيبان الغساني، عن رجل من مزينة يقال له أبو عميرة من أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم أنهم كانوا إذا كانوا في الغزو لم يقاتلوا حتى يسألوا: هل لأحد منكم أمان؟ |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: أبو عميرة السعديّ، من بني تميم، ويقال الأسديّ من أسد بن خزيمة.
قال الدّولابيّ: له صحبة، وروى البخاريّ في التاريخ وابن السكن والباورديّ، والطّبرانيّ، وأبو أحمد الحاكم كلّهم من طريق معروف بن واصل، حدثتني امرأة من الحيّ يقال لها حفصة بنت طلق، حدثني أبو عميرة وهو رشيد بن مالك، قال: كنت عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ذات يوم فجاء رجل بطبق عليه تمر، فقال: «هذا صدقة، فقدّمها إلى القوم والحسن متعفّر بين يديه، فأخذ تمرة فأدخل إصبعه في فيه فقذفها، ثمّ قال: إنّا آل محمّد لا نأكل الصّدقة. «2» اتفق أبو نعيم، وعبد اللَّه بن نمير، وآخرون على هذا الإسناد، وخالفهم أسباط بن محمد، عن معروف كما سيأتي بيانه، في عمير في القسم الأخير. الراء بعدها العين |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: الشاعر المشهور.
ذكره المرزبانيّ وقال: مخضرم. قال: وهو القائل في محرز بن المكعبر الضبي: ولقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كلّ ضبّيّ من اللّؤم أزرق [الطويل] قال: وله أشعار في يوم الشيّطين «4» ، وهو يوم كان لبكر بن وائل على بني تميم في عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم. الراء بعدها الفاء |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
ذكره أبو موسى مختصرا، وقال: أورده بعضهم في الصحابة، ونسبه إلى البخاري.
قلت: ولم أر له في التاريخ ذكرا. |
|
: بالتصغير، الفارسيّ، مولى بني معاوية من الأنصار. ومن قال فيه رشيد الهجريّ فقد وهم، لأنه آخر متأخر من صغار التابعين وأتباعهم.
روى حديثه البغويّ، من طريق خالد بن مخلد، عن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن ثابت، عن رشيد [الفارسيّ، مولى بني معاوية. وقال ابن مندة: روى حديثه أبو عامر العقديّ، عن ابن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن ثابت عن رشيد] «2» الهجريّ مولى بني معاوية- أنه ضرب رجلا يوم أحد، فقال: خذها وأنا الغلام الفارسيّ فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم: «ما منعك أن تقول الأنصاريّ، فإنّ مولى القوم منهم؟» «3» ووقع في روايته رشيد الهجريّ، فقال: رشيد يروي حديثا مرسلا. وقد ذكر الواقدي هذه القصّة فقال: كان رشيد الفارسيّ مولى بني معاوية لقي رجلا من المشركين. فذكر القصّة، قال: فقال له النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم: «أحسنت يا أبا عبد اللَّه» «4» ، فكناه يومئذ ولم يولد له. وروى نحو هذه القصّة ابن إسحاق، لكنه قال: عقبة الفارسيّ. وسيأتي في العين، وقد جزم بعضهم بأنه أبو عقبة رشيد، فاللَّه أعلم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
يأتي في رويشد، بالتصغير.
|
|
أبو عميرة المزني.
قال ابن يونس: ذكره في أهل مصر، وله بمصر حديث رواه ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن شيبان الغساني، عن رجل من مزينة يقال له أبو عميرة من أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم أنهم كانوا إذا كانوا في الغزو لم يقاتلوا حتى يسألوا: هل لأحد منكم أمان؟ |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: أبو عميرة السعديّ، من بني تميم، ويقال الأسديّ من أسد بن خزيمة.
قال الدّولابيّ: له صحبة، وروى البخاريّ في التاريخ وابن السكن والباورديّ، والطّبرانيّ، وأبو أحمد الحاكم كلّهم من طريق معروف بن واصل، حدثتني امرأة من الحيّ يقال لها حفصة بنت طلق، حدثني أبو عميرة وهو رشيد بن مالك، قال: كنت عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ذات يوم فجاء رجل بطبق عليه تمر، فقال: «هذا صدقة، فقدّمها إلى القوم والحسن متعفّر بين يديه، فأخذ تمرة فأدخل إصبعه في فيه فقذفها، ثمّ قال: إنّا آل محمّد لا نأكل الصّدقة. «2» اتفق أبو نعيم، وعبد اللَّه بن نمير، وآخرون على هذا الإسناد، وخالفهم أسباط بن محمد، عن معروف كما سيأتي بيانه، في عمير في القسم الأخير. الراء بعدها العين |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: الشاعر المشهور.
ذكره المرزبانيّ وقال: مخضرم. قال: وهو القائل في محرز بن المكعبر الضبي: ولقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كلّ ضبّيّ من اللّؤم أزرق [الطويل] قال: وله أشعار في يوم الشيّطين «4» ، وهو يوم كان لبكر بن وائل على بني تميم في عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم. الراء بعدها الفاء |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
ذكره أبو موسى مختصرا، وقال: أورده بعضهم في الصحابة، ونسبه إلى البخاري.
قلت: ولم أر له في التاريخ ذكرا. |
سير أعلام النبلاء
|
الرشيد العراقي، صقر بن يحيى:
5906- الرشيد العراقي 1: أبو الفضل إسماعيل ابْنُ الإِمَامِ المُقْرِئِ نَزِيْلِ دِمَشْقَ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ العِرَاقِيُّ الأَوَانِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الحَنْبَلِيُّ، مِنْ جُباة دَارِ الطُّعْمِ. رَوَى عَنِ: السِّلَفِيِّ، وَشُهْدَةَ، وَعَبْدِ الحَقِّ، وَخَطِيْبِ المَوْصِلِ، وَأَبِي العباس الترك، وجماعة بالإجازة. وَعَنْهُ: المُنْذِرِيُّ، وَالدِّمْيَاطِيُّ، وَشَمْسُ الدِّيْنِ ابْن التَّاجِ، وَالجَمَالُ ابْن شُكرٍ، وَالعِمَادُ ابْن البَالِسِيِّ، وَإِبْرَاهِيْمُ ابْنُ الملكِ الحَافِظِ. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، عَنْ نَيِّفٍ وثمانين سنة. 5907- صقر بن يحيى 2: ابن سالم بن يحيى بن عيس بن صقر المُفْتِي، كَبِيْرُ الشَّافِعِيَّةِ، ضِيَاءُ الدِّيْنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الكَلْبِيُّ، الحَلَبِيُّ، مِنْ كِبَارِ الأَئِمَّة. دَرَّس مُدَّةً، وَأَفَادَ، مَعَ الدِّين وَالصيَانَةِ. حَدَّثَ عَنْ: يَحْيَى الثَّقَفِيّ، وَحَنْبَلٍ، وَالخُشُوْعِيِّ. وَعَنْهُ: ابْنُ الظَّاهِرِي، وَالدِّمْيَاطِيّ، وَسُنْقُرُ القَضَائِيّ، وَتَاجُ الدِّيْنِ الجَعْبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ النَّحَّاسِ، وَالعَفِيْفُ إِسْحَاقُ. مَاتَ فِي صَفَرٍ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً. وَعَاشَ رَجُلٌ إِلَى سَنَةِ ثَلاَثِيْنَ وَسَبْعِ مائَةٍ شَيْخٌ حرَّانِيٌّ بِحَلَبَ يَرْوِي عَنْهُ، لَقِيَهُ ابن رافع. __________ 1 ترجمته في النجوم الزاهرة "7/ 33"، وشذرات الذهب "5/ 255". 2 ترجمته في النجوم الزاهرة "7/ 34"، وشذرات الذهب "5/ 261". |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
مولى لبني معاوية بطن من الأوس، كناه النبي ﷺ يوم أحد أبا عبد الله. قَالَ الواقدي في غزوة أحد: وكان رشيد مولى بني معاوية الفارسي، لقي رجلا من المشركين من بني كنانة مقنعا في الحديد يقول: أنا ابن عويف، فتعرض له سعد مولى حاطب فضربه ضربة جزله باثنتين، ويقبل عليه رشيد فيضربه على عاتقه، فقطع الدرع حتى جزّله باثنتين، ويقول: خذها وأنا الغلام الفارسي، ورسول الله ﷺ يرى ذَلِكَ ويسمعه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هلا قلت: خذها، وأنا الغلام الأنصاري! فتعرض له أخوه يعدو كأنه كلب، قَالَ: أنا ابن عويف، ويضربه رشيد على رأسه وعليه المغفر ففلق رأسه، ويقول: خذها وأنا الغلام الأنصاري، فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: أحسنت يا أبا عبد الله، فكناه يومئذ، ولا ولد له. |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
أبو عميرة التميمي السعدي، حديثه أن رَسُول اللَّهِ ﷺ انتزع تمرة من فم الحسن ثم قذف بها، وَقَالَ: إنا- آل محمد- لا تحل لنا الصدقة، يعد في الكوفيين، روت عنه حفصة بنت طلق امرأة من الحي باب رفاعة |
الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة
|
اللغوي، المقرئ: إسماعيل بن عثمان بن محمد بن عبد الكريم بن تمّام بن محمد، المعروف بابن المعلم، رشيد الدين، أبو الفداء، القرشي، الحنفي.
ولد: سنة (623 هـ) ثلاث وعشرين ومائة. من مشايخه: قرأ على السخاوي، وسمع من أبي عبد الله الحسيني بن الزبيدي، وابن الصلاح وغيرهم. من تلامذته: تفقه عليه شمس الدين الحريري، والصفدي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * معرفة القراء: "تغير عقله وذهنه قبل موته ¬__________ * الشقائق (214)، الكواكب (2/ 123)، الشذرات (10/ 349)، إيضاح المكنون (1/ 141)، معجم المؤلفين (1/ 369). * معجم شيوخ الذهبي (140)، ذيول العبر (77)، معرفة القرّاء (2/ 732)، الوافي (9/ 173)، البداية والنهاية (14/ 74)، غاية النهاية (1/ 166)، الدرر الكامنة (1/ 394)، المقفى الكبير (2/ 126)، الدارس (1/ 482)، بغية الوعاة (1/ 401) , الشذرات (8/ 61)، الطبقات السنية (2/ 195)، درة الحجال (1/ 212)، السلوك (2/ 1401). بسنتين" أ. هـ. * معجم شيوخ الذهبي: "وكان عارفًا بالعربية بصيرًا بالرأي وكان فيه زهد وتنسك وانجماع عن الناس .. ووقع في الهرم واختلط قبل موته بعامين" أ. هـ. * غاية النهاية: "إمام عالم .. " أ. هـ. * المقفى: "شيخ الحنفية في عصره ... وكان من كبار أئمة العصر في الفقه والعربية والقراءات، لكنه كان ضيق الخلق، فلم يقدر الناس على الأخذ منه. وكان الشيخ تقي الدين محمد بن دقيق العيد يعظمه ويثني على فضله وديانته ... " أ. هـ. * بغية الوعاة: "كان ذا زهد وانقباض" أ. هـ. * درة الحجال: "وكان قيمًا بمعرفة النحو، ... وعمر ورُدّ إلى أرذل العمر، وفجع بولد وتغير ذهنه قبل موته بنحو سنتين وضعف عقله .. " أ. هـ. * الجواهر المضية: "وعنده زهد وانقطاع عن الناس ... عرض عليه قضاء دمشق فامتنع" أ. هـ. وفاته: سنة (714 هـ) أربع عشرة وسبعمائة في القاهرة. |
|
المفسر: رشيد بن حسن آغا، المشهور بحمكا الكردي.
¬__________ * تاريخ ابن قاضي شهبة (3/ 401)، إنباء الغمر (3/ 87)، النجوم (12/ 123)، بغية الوعاة (1/ 488)، تاريخ التراجم (79)، الشذرات (8/ 561)، معجم المؤلفين (1/ 713، 500)، البدر الطالع (1/ 186)، روضات الجنات (2/ 238). * غاية النهاية (1/ 284)، معرفة القراء (1/ 401)، تبين كذب المفتري (260)، الشذرات (5/ 194)، تهذيب تاريخ دمشق (5/ 324)، تاريخ الإسلام (وفيات 444) ط. تدمري، مختصر تاريخ دمشق (8/ 324)، تاريخ دمشق (18/ 148)، العبر (3/ 206). * تاريخ علماء بغداد (200). من مشايخه: العلامة المولوي غلام رسول الهندي، والعلامة محمود شكري الألوسي وغيرهما. كلام العلماء فيه: * تاريخ علماء بغداد: "كان سلفي العقيدة لا يميل إلى التأويل ومن أشد الناس على البدع والخرافات لا تأخذه في الله لومة لائم" أ. هـ. وفاته: سنة (1374 هـ) أربع وسبعين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: له "تفسير القرآن الكريم". |
|
اللغوي: رشيد بن شاهين بن أسعد عطية اللبناني الأديب.
ولد: سنة (1299 هـ) تسع وتسعين ومائتين وألف. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "أديب لغوي، من كبار الكتاب صحفي، مدرس، نعته صيرح بشيخ الصحافة ومعلم اللغة العربية في البرازيل، ولد وتعلم في سوق الغرب (بلبنان)، ودرس في المدرسة البطريركية" أ. هـ. * قلت: وهو نصراني. وفاته: سنة (1375 هـ) خمس وسبعين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "الإعراب عن قواعد لغة الإعراب"، "أقرب الرسائل في إنشاء الرسائل" وغير ذلك. |
|
النحوي: عبد الله بن نصر بن سعد القوصيُّ المنعوتُ بالرَّشيد.
ولد: سنة (600 هـ) ستمائة. كلام العلماء فيه: • الطالع السعيد: "وتصدَّر لإقرائه مدَّة، وتولى عدَّة ولايات، وسمع الحديث وحدَّث. وذكره الفقيه المحدَّث عبد الغفار بن عبد الكافي ¬__________ * تاريخ ابن الفرات (7/ 71) ط، الجامعة الأمريكية، الطالع السعيد (282)، بغية الوعاة (2/ 65). في معجمه: وقال عنه: اللغوي ويعرف بالهزيع. وقال: كان إماما في اللغة، وقال: إنه ذكر أنه وهو صغير سمع كتاب الترمذي من أبي الحسن بن البنا، وقال: قرأ عليه الجزء الأول منه" أ. هـ. وفاته: سنة (675 هـ) خمس وسبعين وستمائة. |
|
النحوي، اللغوي، المفسر، المقرئ: محمّد بن عمر بن محمّد بن عمر بن محمّد بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسين بن محمّد بن عمر بن رشيد، أبو بكر، الفهري الأندلسي السبتي المالكي، محب الدين.
ولد: سنة (657 هـ) سبع وخمسين وستمائة. من مشايخه: أبو الحسين بن أبي الربيع، وأبو محمّد عبد الله بن هارون وغيرهما. كلام العلماء فيه: • الديباج: "الخطيب المحدث المتبحر في علوم الرواية والإسناد، عالي الإسناد، صحيح النقل، أصيل الضبط تام العناية بصناعة الحديث. ." أ. هـ. • الإحاطة: "كان متضلعًا بالعربية واللغة والعروض، فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظًا وأدبًا وسمتًا وهديًا، كثير السماع، عالي الإسناد، صحيح النقل تام العناية بصناعة الحديث، قيمًا عليها بصيرًا بها محققًا فيها، ذاكرًا للرجال، فقيهًا، أصيل النظر، ذاكرًا للتفسير، ريان من الأدب حافظًا للأخبار والتواريخ مشاركًا في الأصلين، عارفًا بالقراءات، عظيم الوقار والسكينة بارع الخط حسن الخلق، كثير التواضع، دقيق الوجه، مبذول الجاه، كهفًا لأصناف الطلبة. ." أ. هـ. • المقفى: "وكان إمامًا عالمًا حافظًا متقنًا ثبتًا حجه، له معرفة تامة بالنحو والأدب ويد طولى في علم الحديث والفقه على مذهب مالك" أ. هـ. • الدرر: "قال الذهبي: كان ورعًا مقتصدًا منقبضًا عن الناس ذا هيبة ووقار يسارع في حوائج الناس يجلب المصالح ورد المفاسد يؤثر الفقراء والغرباء والطلبة ولا تأخذه في الله لومة لائم. قال وأخبرني ابن المرابط قال: كان شيخنا ابن رشيد على مذهب أهل الحديث في الصفات يمرها ولا يتأول وكان يسكت لدعاء الإستفتاح ويسر البسملة وكتبوا عليه محضر بأنه ليس مالكيًا فاتفق ابن القاضي الذي شرع في المحضر مات فجأة وبطل المحضر انتهى" أ. هـ. • أزهار الرياض: "قال القاضي أبو البركات ابن الحاج في حقه: ابن رشيد ثقة عدل من أهل هذا الشأن المتحققين بشانه انتهى" أ. هـ. • جذوة الاقتباس: ". . إمامًا مشار إليه، وقدوة معتمدًا عليه، مع كمال الثقة وشهرة العدالة" أ. هـ. • الأعلام: "رحالة، عالم بالأدب، عارف بالتفسير والتاريخ. ولي الخطابة بجامع غرناطة الأعظم. ." أ. هـ. وفاته: سنة (721 هـ) إحدى وعشرين وسبعمائة، وقيل بعدها. من مصنفاته: (تلخيص القوانين) نحو، و"ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الرحلة إلى مكة وطيبة" قال ابن حجر: فيه من الفوائد شيء كثير ¬__________ * الإحاطة (3/ 135)، الدرر (4/ 229)، أزهار الرياض (2/ 347)، المقفى (6/ 432)، الديباج (2/ 297)، الوافي (4/ 284)، بغية الوعاة (1/ 199)، طبقات الحفاظ للسيوطي (355)، شجرة النور (216)، الأعلام (6/ 314)، نشر الرياحين (2/ 680)، جذوة الإقتباس (1/ 289). وقفت عليه وانتخبت منه انتهى وغيرها. |
|
النحوي، اللغوي: محمد بن محمد بن عبد الجليل بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله .. ، ويصل نسبه إلى عمر بن الخطاب، ويعرف بالرشيد الوطواط.
من مشايخه: الزمخشري وغيره. كلام العلماء فيه: • معجم الأدباء: "الأديب الكاتب الشاعر كان من نوادر الزمان وعجائبه وأفراد الدهر وغرائبه أفضل زمانه في النظم والنثر وأعلم الناس بدقائق كلام العرب وأسرار النحو والبلاغة" أ. هـ. قلت: أورد له ياقوت في معجمه رسالة يثني بها على الزمخشري وعلمه. • معجم المؤلفين: "أديب كاتب شاعر عارف بكلام العرب وأسرار النحو .. وأكبر شهرته في شعره الفارسي" أ. هـ. وفاته: سنة (573 هـ) ثلاث وسبعين وخمسمائة. من مصنفاته: ديوان شعر وديوان رسائل عربي، وتحفة الصديق من كلام أبي بكر الصديق وغيرها. |
|
المفسر: محمّد رشيد بن علي رضا بن محمّد شمس الدين بن محمّد، بهاء الدين بن ملّا علي خليفة القلموشي البغدادي الأصل، الحسيني النسب.
ولد: سنة (1282 هـ) إثنتين وثمانين ومائتين وألف. من مشايخه: محمّد عبده، وحسين الجسر الأزهري، ومحمود نشابة وغيرهم. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي من الكتاب، العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير" أ. هـ. * معجم المؤلفين: "صحب عبد الغني الرافعي، فاستفاد منه في الأدب والتصوف ودخل الطريقة النقشبندية، وحبب إليه التصوف لإكثاره من مطالعة إحياء علوم الدين للغزالي، وغدا يجاهد نفسه على طريقة الصوفية بترك أطيب الطعام والتزام التقشف، ودخل فيما دخل فيه الصوفية فمارس رؤية الأرواح وإستحضارها والمكاشفات ¬__________ * الأعلام (6/ 113). * عجائب الآثار (1/ 325)، هدية العارفين (2/ 334)، معجم المطبوعات لسركيس (920)، الأعلام (6/ 123)، معجم المؤلفين (3/ 290). * الأعلام (6/ 126)، معجم المؤلفين (3/ 293)، معجم المطبوعات لسركيس (934)، المجددون في الإسلام (539)، أعلام الأدب والفن (2/ 357)، الأدب العصري (126) التفسير والمفسرون (2/ 571 - 589)، العصرانيون (6842)، المفسرون بين التأويل والإثبات (1/ 243). والمنامات والكرامات، ولما ارتوى من كل ذلك في بلده رأى أنه مستعد للاستزادة من العلم والإختيار مما لا يجدها في وطنه فهاجر إلى مصر سنة (1315 هـ) وفيها لحق بمحمد عبده، وأنشأ مجلة المنار، جعل موضوعها الأول الإصلاح الإسلامي ونزع إلى مذهب السلف، وفي هذا الدور كان استفاد من كتبهم ونقل عنهم واهتدى بآرائهم كابن تيمية وتلميذه ابن القيم .. وكان له أنصار وخصوم، وأكبر خصومه مشايخ الأزهر" أ. هـ. * قلت: يعتبر محمد رشيد رضا من أعلام المدرسة الإصلاحية، وقد كان لهذه المدرسة منهج خاص في التفسير تكلم عنه صاحب كتاب "العصرانيون" فقال: "يحدد رجال المدرسة أن المطلوب من التفسير هو: "فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة .. وما وراء ذلك من المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله". ثم يقول: "والحقيقة إن هؤلاء قد يتفقون مع منهج السلف في بعض أسس منهجهم، وقد يخالفونه، كما أنهم قد يتفقون معهم في بعضها، من ناحية تقرير الأساس والتسليم به، لكنهم يتطرفون في تطبيقه، ويتجاوزون حدود السلف فيه مما جعلهم يخلطون الصحيح بالسقيم". ثم يشرع في بيان أبرز أصولهم في التفسير وهي: 1 - القرآن هو المصدر الأول للتشريع: ماذا يعني ذلك في مفهومهم؟ هذا الأصل حق إلا أنهم يقصدون من ذلك نبذ السنّة ومن ثَم فصلها عن الشريعة، وقد تسرب هذا إليهم من بعض الفرق كالشيعة والمعتزلة والخوارج. واستغل المبشرون والمستشرقون هذا الأمر أبشع إستغلال، وربوا عليه تلاميذهم ... إن الإصلاحيين يأخذون بالقرآن، أما إذا تعارض مع الحديث حسب معطيات عقولهم فإنه يرد، ويرد عمومًا إذا تعارض مع عقولهم، من ذلك حديث سحر رسول الله - ﷺ - على يد يهودي، ولو كان الحديث في صحيح البخاري. 2 - المنهج العقلي في التفسير: يضخم الإصلاحيون دور العقل شأن المعتزلة، ويتخذونه حكمًا ودليلًا في أمور الدين كلها، ومنها علم التفسير، وقد وجدوا بعض التفاسير السابقة مليئًا بما يناقضه العقل من الأقوال فنقدوه وأبطلوه، ووجدوا في معظمها إيمانًا وتسليمًا بما لا يدركه العقل فأوّلوه وحرّفوه، وكان لهم صولات وجولات، كان الصواب حليفهم حينًا، وكان التحريف سبيلهم أحيانًا كثيرة. ومن نماذج تفسيرهم وتأويلهم: أن الشيخ محمّد رشيد رضا يفسر (الإمداد) في قوله تعالى: {{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}} [الأنفال: 5 بقوله: "إن هذا الإمداد أمر روحاني، يؤثر في القلوب فيزيد في قوتها المعنوية .. " وقال: "وظاهر نص القرآن أنه إنزال الملائكة، وإمداد المسلمين بهم فائدة معنوية، وأنهم لم يكونوا محاربين" وقال: "وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر، وببعض الروايات الغريبة التي يردها العقل، ولا يثبتها ما له قيمة من النقل". (¬1) 3 - التقليل من شأن التفسير بالمأثور: ويشمل هذا النوع من التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة النبوية، وبأقوال الصحابة والتابعين. وقد أشاد السلف بهذا النوع من التفسير، فأفرد المحدّثون منهم، كالبخاري ومسلم وغيرهما أبوابًا للتفسير، جمعوا فيها ما صحّ عندهم من التفسير المأثور عن النبي - ﷺ -. أما المدرسة الإصلاحية، فهم يقبلون المنهج السابق، ولكن بغير الحماس الذي يظهرونه لقبول المنهج العقلي. لهذا فهم حين يشكل عليهم حديث، لا يترددون في تأويله، فإن قبل التأويل، وإلا أبطلوه وكذبوه وطعنوا في رواته، ولو كان في الصحيحين. ويوضح هذا المنهج الشيخ محمّد رشيد رضا بقوله: "وأما الروايات المأثورة عن النبي - ﷺ - وأصحابه وعلماء التابعين في التفسير، فمنها ما هو ضروري أيضًا، لأن ما صحّ من المرفوع لا يقدم عليه شيء، ويليه ما صح من علماء الصحابة، مما يتعلق بالمعاني اللغوية، أو عمل عصرهم، والصحيح من هذا وذاك قيل، وأكثر التفسير المأثور قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس، ومسلمة أهل الكتاب". (¬2) والحق أن السيد محمّد رشيد رضا، لم يستمر في سلوكه هذا المنهج، فقد خالفه بعد موت أستاذه إذ يقول: "هذا وإني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه رحمه الله تعالى؛ بالتوسع فيما يتعلق بالآية، من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها أو في حكمها" (¬3). 4 - التحذير من التفسير بالإسرائيليات: المقصود بالإسرائيليات: الروايات المنسوبة إلى بني إسرائيل ومنها أيضًا ما نسب إلى النصارى وأهل الكتاب عامة، وللسلف منها موقف يتلخص في: أ - أن ما وافق شريعتنا تجوز روايته للاستشهاد، لا للاعتقاد. ب - أن ما خالف شريعتنا لا تصح روايته. جـ - أن ما ليس في شريعتنا من الأمور التي لا توافقها ولا تخالفها، فلا بأس من حكايتها من غير تصديق ولا تكذيب. إلا أن أصحاب المدرسة العقلية، شنوا حملة شعواء على الإسرائيليات وحذروا من الخوض فيها، وذموا على المفسرين السابقين تناولهم لها. وكعادتهم في مجاوزة حد الاعتدال المحمود إلى التطرف والإسراف، فإنهم تطرفوا في التحذير من هذه الإسرائيليات، وأدى بهم هذا التطرف إلى تكذيب بعضها، مع موافقتها لما صح من شريعتنا، بل ردوا بعض الأحاديث التي توافقها، وإن صحت، حتى ولو رواها البخاري ومسلم. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل تناولوا بعض ¬__________ (¬1) تفسير المنار (2/ 561) و (9/ 566). (¬2) تفسير المنار (1/ 7 - 8). (¬3) تفسير المنار (1/ 16). الصحابة بالتجريح، وشككوا في إيمان بعض التابعين الذين شهد لهم السلف الصالح بالعدالة، وروى لهم البخاري ومسلم، ونسبوا مَنْ وثقهم من علماء الحديث إلى الغفلة. (¬1) ومن أشد رجال المدرسة العقلية حربًا للإسرائيليات ورفضًا لها، هو الأستاذ محمّد رشيد رضا، حيث يقول: "وأكثر التفسير المأثور، قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب". (¬2) وقد نسب أباطيل الروايات الإسرائيلية إلى "مقاصد كعب الأحبار وأمثاله"، وقال عن كعب أخيرًا: "كعب الأحبار الذي أجزم بكذبه، بل لا أثق بإيمانه" (¬3). وقال عن كعب ووهب بن منبه: "إن بطلي الإسرائيليات وينبوعي الخرافات، كعب الأحبار، ووهب بن منبه". (¬4) والحقيقة أن هذا تطاول، لا يعتمد إلا على الهوى، والبعد عن التقيد بالسنة، وآراء الصحابة ومن تبعهم بإحسان .. "يقول رشيد رضا ما سبق بيانه، رغم أن أبا هريرة وابن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما من الصحابة، قد رووا عن كعب، فهل يرى هؤلاء أن الصحابة رضي الله عنهم، يروون عن كذاب وضّاع؟ ألا نقبل نقد هذا بتزكية صحابة رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم؟ 5 - إنكار التقليد والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد: من خلال ما تقدم تبيّن لنا أن الشيخ محمّد عبده وصحبه، كانوا يعرضون عن الأدلة والروايات الصحيحة، ويتمسكون بالروايات الضعيفة، أو الموضوعة إذا وافقت هواهم، وهذا هو أسلوب المستشرقين. ثم تراهم بعد ذلك ينكرون التقليد في مجالات الفقه - خاصة - ويزعمون لأنفسهم حقًّا في الاجتهاد، ويخالفون فيه النصوص القطعية الشرعية -كما سنرى - محاولة فصل الدين عن الحياة. ولا خلاف بين العلماء يذكر، في النهي عن التقليد في جانب العقائد وبيقى أمر التقليد في الأحكام الشرعية الفقهية. وقد أباحوا الربا: ففي تفسير قوله تعالى: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}} [آل عمران: 130. "قال السيد رشيد رضا: إن المحرم هو ما كان أضعافًا مضاعفة، وأن المراد بالربا فيها، ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها، لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة ربا" (¬5). وهذا استجابة منه لدعوة أستاذه الذي دعا إلى إباحة الربا حفاظًا على اقتصاد البلاد حيث يقول: "إن أهل بخارى جوزوا الربا لضرورة الوقت عندهم، والمصريون قد ابتلوا بهذا فشدد الفقهاء على أغنياء البلاد، فصاروا يرون أن الدين ناقص، فاضطر الناس إلى الاستدانة من ¬__________ (¬1) تفسير المنار (1/ 8). (¬2) نفس المرجع (9/ 27). (¬3) نفس المرجع (9/ 27). (¬4) نفس المرجع (9/ 438). (¬5) تفسير المنار (4/ 123). الأجانب بأرباح فاحشة استنزفت ثروة البلاد. 6 - موقفهم من المعجزات وأخبار الغيب: وقف الإصلاحيون من أخبار الغيب موقفًا متناقضًا غريبًا، إذ سلطوا على آيات القرآن وأخبار السنة الصحيحة التأويل أو الإنكار، إرضاءً لترهات عقولهم، ودعاوى الإفرنج وآراء المستشرقين. أما المعجزات: فهم لا ينكرون وقوعها، وإنما ينكرون حجيتها ودلالتها على الرسالة .. لأنها لا تصلح لذلك - برأيهم - ويرى السيد رشيد رضا: أنه لولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد بها موسى وعيسى عليهما السلام، لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر واهتداؤهم به أسرع وأعم، لأن أساسه قد بني على العقل والعلم وموافقة الفطرة البشرية" (¬1). أحرار الإفرنج الذين بني دينهم المحرف على التثليث وخرافات لا يرضى بها أطفال المسلمين، يخشى السيد رضا من عدم اقتناعهم بالإسلام لمجرد نقل القرآن لبعض معجزات موسى وعيسى عليهما السلام .. إنه لأمر عجاب! أما معجزات محمّد - ﷺ -: فلهم فيها رأي آخر أشد خطرًا مما سبق إذ أنكروا معجزاته كلها، سوى القرآن الكريم، وجردوا نبوته من أي معجزة أخرى، وسلكوا في ذلك سبلًا، إما بإنكار صحتها، وإما بتفسيرها بأمر لا تكون به معجزة. وقد أرجع الدكتور رمزي نعناعة هذا السلوك من السيد رشيد رضا ورجال المدرسة العقلية إلى المبالغة في تحكيم العقل. يقول: "ولا أدري كيف خفي عليه -وهو المدافع عن الإسلام- أنه يوجد في هذا الزمان نوع من الإلحاد الخفي المآل، وهو تأويل كل آية أو حديث صحيح يدل على معجزة رسول من الرسل، حتى يكون مفادها أمرًا غير خارق للعادة، وهذا النوع أخطر أنواع الإلحاد لأنه سبيل إلى إنكار الأديان السماوية، وإلى هدمها من أساس، لأن أساس إثباتها المعجزات التي أجراها الله على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام". لقد ردوا كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، لتساير أهواءهم ونظرياتهم من ذلك: حادثة انشقاق القمر رغم ورودها في البخاري ومسلم. "عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - إشهدوا، وفي رواية: "بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله - ﷺ - إشهدوا". فقد شكك السيد رشيد رضا في تواتر الحديث ثم أورد الشبهات العقلية والعلمية على تلك المعجزة، وقد أوّل الآية الكريمة: {{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}} أي طلع وانتشر نوره .. أما الجن: فيرون أنه قد يكون نوعًا من الميكروبات الخفية. يقول رشيد رضا: "وقد قلنا في المنار غير مرة إنه يصح أن يقال إن الأجسام الحية الخفية التي عرفت في هذا العصر. بواسطة النظارات المكبرة، وتسمى "الميكروبات"، يصح أن تكون نوعًا من الجن، وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض، قلنا ذلك في تأويل ما ورد من ¬__________ (¬1) انظر تفسير المنار (11/ 155). أن الطاعون من وخز الجن" (¬1). يشير إلى حديث أبي موسى: "الطاعون وخز أعدائكم من الجنّ، وهو لكم شهادة" (¬2). ومن ذلك تأويله للحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. وجاء فيه: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" يقول فيه ولا شك أن الجراثيم تلك تجري في خلايا جسم الإنسان وفي دمه، حيث تنقل الأمراض، وحيث تسري في البدن، مع أن المراد به في الحديث وسوسة الشيطان في صدر بني آدم ولكن لفظه عام. ومن تأويلاتهم المرفوضة في أمر الجن ما زعموه في أمر رؤيتهم وحملهم، أنها من قبل التخييل والوهم، وأولوا من أجلها الأحاديث الصحيحة" (¬3). قلت: تم الكلام عن منهج المدرسة الإصلاحية في التفسير، نقلناه عن كتاب "العصرانيون" بتصرف. أما عن موقف هذه المدرسة من السنة النبوية فننقل هنا ما يتعلق بالشيخ محمّد رشيد رضا فقد قال -أي صاحب الكتاب- في أحاديث الآحاد التي ردّها الإصلاحيون، لأنها تفيد ظنًّا، ولا مجال للظن في أمور العقائد: "وأكد هذا المنهج السيد محمّد رشيد رضا بقوله: "أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمنًا .. لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد .. ". أما عن تأثر الإصلاحيين بالمستشرقين في إثارة الشبه حول السنة، فقد قال صاحب كتاب "العصرانيون": "وقد تأثر الإصلاحيون بشبه المستشرقين، وآراء المعتزلة، وكانوا جسرًا يسير فوقه العصرانيون في إثارة الشبه نفسها حول السنة النبوية". ثم قال: "وقد شككوا في بعض ما في الصحيحين: قال الشيخ محمّد رشيد رضا: "ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى، لا يسهل على أحد إثباتها، ولكنه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامات الوضع، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه .. فإذا تأملتم هذا وذاك، علمتم أنه ليست من أصول الإيمان، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه .. فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض نلك الأحاديث، لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم، قد يكون بعضها صوابًا، وبعضها خطأ، ولا يعد أحدهم طاعنًا في دين الإسلام". وإذا كانت دعوة السيد رشيد رضا مغلفة، فقد جاء من أنكر كثيرًا مما في الصحيحين من أتباع هذه المدرسة، كأحمد أمين، ومحمود أبي رية. ولرد هذه الضلالة ننقل بعض أقوال العلماء .. قال الإمام النووي رحمه الله: "اتفق العلماء ¬__________ (¬1) تفسير المنار (3/ 96). (¬2) انظر تفسير المنار (7/ 319). (¬3) انظر تفسير المنار (7/ 526 - 528). رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة". وقال ابن تيمية رحمه الله: "فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن". وقال الدهلوي رحمه الله: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون من أمرهما فهو مبتدع غير سبيل المؤمنين". أما عن التشكيك في تدوين الحديث النبوي، فقد قال: "زعم هؤلاء جريًا وراء ترهات المستشرقين أن الحديث لم يكتب في عهد الرسول - ﷺ - مما يدعو إلى التلاعب والفساد، ما قد حصل. ولذا طرأ على السنة من التبديل والزيادة، كما طرأ على أهل الكتاب لعدم كتابتها في عهده، وعدم حصر الصحابة لها في كتاب معين، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظها لهم جيدًا في صدورهم. قال الشيخ محمّد أبو زهو: "فهذه الدعوى من الشيخ - يقصد محمّد رشيد رضا - عفا الله عنه، لا أساس لها، بل تخالف نصوص القرآن الكريم وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول - ﷺ - الأمين، ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون في كافة الأزمان من عهد النبي إلى اليوم". وعن تقسيمهم السنة إلى عملية وغير عملية فيقول: "لا يلتزم الإصلاحيون إلا بالسنّة العملية دون القولية. قال الشيخ محمّد رشيد رضا: "إن سنته التي يجب أن تكون أصل القدوة هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملًا وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية" وقال: "فالعمدة في الدين هو القرآن، وسنة الرسول المتواترة، وهي السنة العملية كصفة الصلاة، والمناسك مثلًا، وبعض الأحاديث القولية التي أخذ بها جمهور السلف، وما عدا هذا من أحاديث الآحاد التي هي غير قطعية الرواية، أو غير قطعية الدلالة فهي محل اجتهاد". ثم يرد على قول محمّد رشيد رضا فيقول: "هذا وإن السنة تشمل أقواله - ﷺ - وأفعاله وتقريراته. "وهذا الذي عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا، كما تطلق على الأحاديث المتواترة والآحاد، والقول بأن السنة هي السنة العملية المتواترة فقط، قول لا صحة له، بل هو اصطلاح حادث لا يخفى بطلانه" أ. هـ. • المفسرون بين التأويل والإثبات: "الشيخ محمّد رشيد رضا من المدرسة التي تزعمت الإصلاح وهو أحد رجالاتها الذين كان لهم الباع الطويل في خدمة منهجها، وقد ذكره أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح. وإن كان بعض الناس يرى أن أصحاب هذه المدرسة كان لهم اتصال بالتنظيم الماسوني، فالله أعلم. هل هي دعاية من المغرضين ومن الحاقدين أو هي شيء اقتضته الضرورة أو هي شيء سابق لم يستطع التخلص منه، كل هذه الأسئلة ترد، والله أعلم بالجواب إن كانت الدعوى صحيحة. والذي يهمنا من شخصية الشيخ محمّد رشيد رضا هو ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، أما ما وقع فيه من انحرافات في العقيدة عمومًا تبعًا لشيخه في ذلك، كإنكار نزول المسيح، وخروج الدجال، ومعجزات الرسول - ﷺ - غير القرآن والجن، وقتال الملائكة يوم بدر فهذا شيء مسجل في كتاب "المنار". فالشيخ رشيد رضا اتصل بمحمد عبده، واقتنع بشخصيته ودعوته وجعله مثالًا يقتدى به وجعل فكره منبعًا لثقافته، لكنه استطاع التخلص مما كان عليه شيخه من العقيدة الأشعرية، فنراه كثيرًا ما يرد عليه، وللشيخ محمّد عبده رسالة سماها بالتوحيد من قرأها عرف عقيدته وتأثره بالعقيدة الأشعرية واقتناعه بها، وأظهر ذلك في تفسير آيات الصفات كما يرى ذلك فيما أثبتناه في هذا البحث المبارك. أما الشيخ رشيد رضا فقد أظهر مذهبًا سلفيًّا جيدًا فيما جمعه في تفسير المنار وقد أثبت في معظم الصفات مذهب السلف الصالح ودافع عنه وإن كان يقع في التأويل في بعض الصفات كتأويل صفة الإتيان والمجيء وكما وقع له الخلط في صفة اليد، فهو يعتبر من الذين غلبت عليهم الصبغة السلفية، ومدحه للإمام القاسمي: يدل على إعجابه بالمذهب السلفي الذي نصره الإمام القاسمي. صفة الرحمة: قال في تفسير البسملة: ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة (وهذه الأسماء المشتقة كل منها يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التي اشتق منها معًا بالمطابقة، وعلى الذات وحدها أو الصفة بالتضمن، ولكل منها لوازم تدل عليها بالالتزام كدلالة الرحمن على الإحسان والإنعام ودلالة الحكيم على الإتقان والنظام، ودلالة الرب على البعث والجزاء لأن الرب الكامل لا يترك مربوبيه سدى. ومن عرف الأسماء الحسنى والصفات العليا عرف أن اسم الجلالة الأعظم (الله) يدل عليها كلها وعلى لوازمها الكمالية وعلى تنزهه عن أضدادها السلبية فدلّ هذا الاسم الأعلى على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال وتنزهه عن جميع النقائص وسبحان الله والحمد لله والله أكبر). (¬1) تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولًا ومحصلة أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها عليه فيجب تأويلها بلازمها وهو الإحسان فتكون من صفات الأفعال كالخالق والرازق، وقال بعضهم: يمكن تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة فتكون صفة مستقلة، وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح. والتحقيق أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافًا للمعتزلة فإن معاني هذه الصفات كلها عسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على ¬__________ (¬1) تفسير المنار (1/ 46). الله تعالى: إذ العلم بحسب مدلوله اللغوي، هو سورة المعلومات في الذهن التي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر وهي بهذا المعنى محال على الله تعالى فإن علمه تعالى قديم يقدمه غير عرض منتزع من صور المعلومات وكذلك يقال في سمعه تعالى وبصره، وقد عدّوهما من صفات المعاني القائمة بنفسه والرحمة مثلها في هذا. فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات خلقه الثابتة عقلًا ونقلًا بقوله عزَّ وجلَّ: {{لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ}}. فنقول: إن لله علمًا حقيقيًّا هو وصف له ولكنه لا يشبه علمنا وإن له سمعًا حقيقيًّا هو وصف له لا يشبه سمعنا وإن له رحمة هي صفة لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال النفس وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فنجمع بذلك بين النقل والعقل، وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من مجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية، كما قالوا في الرحمة والغضب وأمثالها دون العلم والسمع والبصر وأمثالها فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها فإما أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتار أن واضع اللغة وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم شبهها بها من باب التجوز. (¬1) صفة الاستهزاء: قال عند قوله تعالى: {{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}}. أصل الاستهزاء الإستخفاف وعدم العناية بالشيء في النفس وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضا تهكمًا، وهذا المعنى محال على الله تعالى والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه، والمستهزئ بإنسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعلمه مع اعتقاد قبحه غير مبال به ولا معتنى بعلمه ولا بعمله حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه ويلزمه استرسال المستهزئ في عمله القبيح. فمعنى {{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}} أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته وتبطأ عنهم نقمته ثم سقطوا من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون. إلى أن قال: وأشهر الأقوال أن معناه يجازيهم بالعقاب على استهزائهم أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم {{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}} الآية. وقال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}} إلى قوله: {{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ}}. وقيل: إن استهزاءه تعالى بهم إجراؤه أحكام المسلمين عليهم في الدنيا كما مرّ في خداعه لهم (¬2). ¬__________ (¬1) تفسير المنار (1/ 76 - 77). (¬2) نفس المرجع (1/ 163 - 164). التعليق: والصواب إثبات صفة المكر والاستهزاء والخداع لله تعالى على ما يليق به على جهة العدل، فهو تعالى أفعاله كلها عدل ولا يشتق له من هذه الصفات إسم فلا يقال: مستهزئ وماكر، ومخادع، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. صفه الاستواء: ذهب الشيخ رشيد رضا في تفسيره عند قوله تعالى: {{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}} مذهب السلف الصالح في صفة الاستواء فقال ما لفظه: لم يشتبه أحد من الصحابة في معنى استواء الرب تعالى على العرش على علمهم بتنزهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق إذ كانوا يفهمون أن استواءه تعالى على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السماوات والأرض له، وانفراده هو بتدبيره وأن الإيمان بذلك لا يتوقف على معرفة كنه ذلك التدبير وصفته، وكيف يكون بل لا يتوقف على وجود عرش، ولكن ورد في الكتاب والسنة أن لله عرشًا خلقه قبل خلق السماوات والأرض وأن له حملة من الملائكة فهو كما تدل اللغة مركز تدبير العالم كله، قال تعالى في سورة هود: {{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}} ولكن عقيدة التنزيه القطعية الثابتة بالنقل والعقل كانت مانعة لكل منهم أن يتوهم أن في التعبير بالاستواء على العرش شبهة تشيه الخالق بالمخلوق كيف وأن بعض القرائن الضعيفة لفظية أو معنوية تمنع في لغتهم حمل اللفظ على معناه البشري فكيف إذا كان لا يعقل. فكيف والاستواء على الشيء مستعمل في البشر استعمالًا مجازيًا وكنائيًا كما تقدم والقاعدة التي كانوا عليها في كل ما أسنده الرب تعالى إلى نفسه من الصفات والأفعال التي وردت اللغة في استعمالها في الخلق أن يؤمنوا بما تدل عليه من معنى الكمال والتصوف مع التنزيه عن تشبيه الرب بخلقه فيقولون أنه اتصف بالرحمة والمحبة واستوى على عرشه بالمعنى الذي يليق به لا بمعنى الانفعال الحادث الذي نجده للحب والرحمة في أنفسنا ولا ما نعهده من الاستواء والتدبير هي ملوكنا وحسبنا أن نستفيد من وصفه بهاتين الصفتين أثرهما في خلقه وأن نطلب رحمته ونعمل ما يكسبنا محبته وما يترتب عليهما من مثوبته وإحسانه ونستفيد من الاستواء على عرشه كون الملك والتدبير له وحده فلا نعبد غيره ولذلك قرنه في آخر آية يونس بقوله: {{مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}} وفي سورة ألم السجدة {{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}}، وهذا يؤيد ما صدرنا به تفسير الآية من أنها كأمثالها تقرر وحدانية الربوبية على أنها حجة لوحدانية الألوهية وإبطال عبادة غيره تعالى معه بمعنى ما كانوا يدعون من الشفاعة. صفة الكلام: وقد اختار الشيخ رضا مذهب السلف الصالح في إثبات الكلام لله تعالى وألقى اللوم على الذين اشتغلوا بالكلام وتركوا النصوص الصريحة وذكر بعض أساطين النظار الذين تراجعوا عن الاشتغال بالكلام مثل: الإمام أبي محمّد عبد الله الجوني والد إمام الحرمين. فقد نقل في بحثه في الكلام رسالة هذا الرجل العظيم الذي اعترف بما كان عليه سابقًا من حيرة وتساؤلات نفسية كانت تطرحها الفطرة عليه ولا يجد لها جوابًا لأن المشايخ الذين كان يثق بعلمهم ويعظمهم في نفسه كانوا على مذهب أهل الكلام والمذهب الأشعري الذي هو فرع منه ولكن الله هداه وفتح قلبه على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية، ولم يكتف الاقتناع بنفسه بل ألف في ذلك رسالة سماها: نصيحة المسلمين قرر فيها مذهب السلف في مسائل الصفات ومنها الكلام بحرف وصوت وأحرج الأشاعرة في إثباتهم لبعض الصفات وتركهم للبعض، فقد ذكر الشيخ رشيد رضا بحثًا طويلًا في تفسيره عند قوله تعالى: {{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}} فذكر بعض المخترعات العلمية التي يتحير الإنسان في وجودها، وأثبت بها أن الله تبارك وتعالى أقوى وأتدر من أن يتكلم كيف يشاء ومتى شاء زيادة على النصوص المعتمدة في الباب". ثم قال في صفه المجيء والإتيان: "قال عند قوله تعالى: {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}}. الاستفهام في الآية بمعنى النفي وينظرون بمعنى ينتظرون وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في الكتاب العزيز ولا سيما في أمور الآخرة كقوله: {{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً}} {{مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً}}. وإتيان الله تعالى فسره الجلال وآخرون بإتيان أمره أي عذابه كقوله في آية أخرى {{هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}}. أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها، وأقر الأستاذ الإمام الجلال على ذلك وبين في الدرس أن هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازًا وأوضحه أتم الإيضاح فهو على حد {{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}} ومن المفسرين من قال أن الإسناد حقيقي وإنما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب وعده آخرون من المتشابهات فقالوا: إن الله تعالى يأتي بذاته ولكن لا كإتيان البشر، بل إتيانه من صفاته التي لا نبحث عن كيفيتها اتباعًا للسلف وأما تأويل الإتيان بما نقله البيهقي عن الأشعري فلا نذكره لأنه مما يزيد المعنى بعدًا عن الفهم وقد يقال أنه ليس من مقتضى مذهب السلف أن يجعل كلما يسند إلى الله تعالى في المتشابهات التي لا تفهم بحال ولا تفسر ولو بإجمال فحسبنا أن نقول على رأي من فسر إتيان الله ها هنا بإتيان أمره وما وعد به من العذاب أو إتيانه بما وعد به. إننا نفوض إليه تعالى كيفية ذلك وبذلك نكون على طريقة السلف في التفويض مع العلم بأن الله تعالى ينذر الذين زلوا عن صراطه وفرقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق، ومما يدلنا على أن المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى: {{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا}}. مع الآيات الكثيرة الناطقة إلى أن قال: وذكر الأستاذ الإمام في تفسير الآية وجه آخر يعد بيانًا للقول بأن الإتيان مسند إلى الله تعالى على أنه هو الذي يأتي على ظاهر مذهب السلف لا عذابه ولا يومه الموعود وهو من الآيات الكبرى وأسرار المعارف العليا. إلى أن قال: وإما أن يكون هذا الإتيان في ظلل من الغمام فهو من الأمور الأخروية الغيبية التي قلنا مرارًا أننا لا نبحث عن حقيقتها، فكون معرفة الله تعالى واليقين به مما يحصل للجاهلين والغافلين بحصول ظلل من الغمام نفوض سره إلى الله وما يدرينا أن في ذلك الغمام آيات بينات وحججًا باهرات، وإتيان الملائكة على هذا التأويل أظهر منه في التأويل لأن المقام مقام تمثيل ظهور سلطان الله تعالى وعظمته واستغراق القلوب في الخضوع لجلاله عندما يغشاها نور المعرفة ولا ريب أن حضور الملك في جنده الأكبر هو أبين لكمال العظمة وأظهر ولذلك قال في سورة الفجر: {{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}} وفي سورة النبأ {{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا}}. والمراد بهذا المعنى الذي قرره الأستاذ الإمام تقريب هذا المذهب من الأفهام ولا يعني أن هذا بيان لكيفية الإتيان في الغمام، ثم ختم البحث بقوله: هذا وأنت ترى أن الوجه الأول في تفسير الآية، هو المتبادر والمنطق على الآيات الأخرى في نذر القيامة وفي كل منهما عبرة وهداية للمؤمنين، وأما المرتابون الممارون فلا يزيدهم الكلام على الآخرة إلا ظلمًا ورجسًا إلى رجسهم لأنهم محجوبون في حسهم حتى عن أنفسمهم {{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ}} (¬1). التعليق: الشيخ الإمام محمّد عبده في صفة الإتيان والمجيء الذي يظهر أن الإثبات عنده والتأويل مستويا الطرفين، وإن كنت أرى أن التأويل عنده أرجح لأنه حكى مذهب المتأولة وقرره وحكى مذهب السلف ووجهه على قليل من التخليط بين مذهب السلف ومذهب المفوضة وأما تلميذه الشيخ محمّد رشيد رضا فقد مال في هذه الصفة إلى مذهب أهل التأويل والله المستعان". ثم قال في صفة اليد: "أما صاحب المنار فقد ذهب في صفة اليد في آية المائدة: {{وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}}، مذهب المؤولة وألقى اللوم على ابن جرير الطبري الذي أثبت صفة اليد لله تعالى واتهمه بالتعصب واتهم غيره من أنصار مذهب السلف، وظهر بأنه لا يفرق بين مذهب السلف ومذهب المفوضة واختلط عليه الأمر كما اختلط على غيره في تشبيه مذهب المفوضة بمذهب السلف، والفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا. فالسلف يثبتون وينزهون والمفوضة يقرأون ويجهلون وهذه بعض عبارته في كتابه، قال: "ثم ردّ عليهم تعالى في قوله: {{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشَاءُ}} أي بل صاحب ¬__________ (¬1) تفسير المنار (2/ 262). الجود الكامل والعطاء الشامل عبر عن ذلك ببسط اليدين لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه وصفوه بغاية البخل والإمساك فأبطل قولهم وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء ولا غرو فكل ما يتقلب فيه العالم كله من الخير والنعيم هو سجل من ذلك الجود والكرم والنكتة في قوله: {{كَيفَ يَشَاءُ}} بيان أن تقتير الرزق على بعض العباد الجاري على وفق الحكمة وسنن الله تعالى في الإجتماع لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق. والعجب من الإمام الجليل أبي جعفر بن جرير الطبري كف صور استعمال نفظ اليد هنا أحسن تصوير ثم خفيت عنه نكتة تثنيته فجعلها حجة المفوضة على أهل التأويل ونحن معه في إثبات الصفات ننعي على المؤولين النفاة ولا يمنعنا ذلك أن نفهم نكتة تثنية اليد من استعمال لفظها المفرد، قال ابن جرير بعد تفسير غل اليد بالإمساك: وحسب العطاء عن الاتساع ما نصه ثم نقل كلام ابن جرير الذي نقلناه عنه في صفة اليد ثم قال: نعم إن التثنية ليست بمعنى الجمع واليد واليدين لم يقصد بلفظهما النعمة ولا القوة ولا الملك وإنما الاستعمال في الموضعين من الكناية، ونكتة التثنية إفادة سعة العطاء ومنتهى الجود والكرم وليس في هذا القول المروي عن ابن عباس تأويل ولا نفي لما أثبته الباري لنفسه من صفة اليد واليدين والأيدي في آيات أخرى، وما سبب ذهول ابن جرير عن نكتة التثنية إلا توجهه إلى الرد على أهل الجدل في المذهب الذي كانوا قد انتحلوه في تأويل الصفات ومتى وجه الإنسان همه إلى شيء يكون له منه حجاب ما عن غيره. وتقرير الحقيقة لذاتها غير الرد على من يعدون من خصومها {{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ}} ولهذا غلط كثير من أنصار مذهب السلف في مسائل خالفوا فيها المذهب من حيث يريدون تأييده وهذه آفة من آفات عصبية المذاهب لا تنفك عنها. (¬1) التعليق: وهذا الذي ذكره صاحب المنار وألقى فيه اللوم على ابن جرير في انتصاره لمذهب السلف وعبّر عنه بالمفوضة واتهمه بالتعصب هو وغيره قد قرره غير واحد من فحول العلماء وهذا إمام المعقول والمنقول شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر هذا في غير موضع من كتبه ويجعل التثنية في اليد من أعظم الحجج في إثبات صفة اليد لله تعالى، وهذا تلميذه الإمام اللغوي: ابن قيم الجوزية يقرر هذا في كتبه وخصوصًا في كتابه "الصواعق المرسلة" كما نقلناه عنه في مناقشة القرطبي. وغير هؤلاء ممن ألّف في مذهب السلف يذكر هذه الآية مستدلًا بها على إثبات صفة اليد كالإمام ابن خزيمة والإمام البخاري والإمام اللالكائي وغيرهم ممن ذكرنا كثرة. أما اتهامه لأنصار مذهب السلف بأنهم يتعصبون لهذا المذهب حتى يؤدي بهم إلى نصر ما هو ضد المذهب فهذه دعوى ليس عليها ¬__________ (¬1) تفسير المنار (6/ 456). برهان والمعروف عند أئمة السلف والسلفيين هو الاستدلال بالنصوص والوقوف عندها وفقهم الله وأكثر من سوادهم وردّ كيد من يريدهم بسوء في نحره". ثم قال في إثبات الرؤية: "قال عند قوله تعالى من سورة الأعراف: {{قَال لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}}. لقد ذكر الشيخ ها هنا رحمة الله عليه مباحث متعددة في صفة الرؤية ثم قال: الكلمة الجامعة الخاتمة في مسألة الرؤية: خلاصة الخلاصة أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق وأنها أعلى وأكمل النعيم الروحاني الذي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة والرضوان وأنها أحق ما يصدق عليه قوله تعالى في كتابه الجيد: {{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}}. وقوله في الحديث القدسي الذي رواه عنه رسول الله - ﷺ -: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، وأن هذا وذاك مما يدل على مذهب السلف الذي عبر عنه بعضهم بأوجز عبارة اتفق عليها جميعهم وهي أنها رؤية بلا كيف ويؤيد ذلك اضطراب جميع أصناف العلماء في النصوص الواردة في نفيها وإثباتها سواء منهم أهل اللغة وأساطين البيان ونظار الفلسفة وعلم الكلام ورواة الأحاديث والآثار ومرتادو الصوفية وأولو الكشف والإلهام فلم تتفق طائفة من هؤلاء على قول فصل قطعي تضع به بقية الطوائف بدليلها اللغوي أو الأصولي أو العقلي أو فهم النص النقلي أو تسليم إلهامها الكشفي ولكن من نظر في جميع ما قالوا نظرة استقلال وإنصاف يجزم بأن ما كان عليه عامة السلف من إثبات كل ما صح به النقل والتفويض تأويله الذي يكون عليه في الآخرة إلى الله عزَّ وجلَّ هو الحق الذي يطمئن به القلب ويؤيده العلم والعقل وهو الأسلم والأحكم والأعلم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (¬1). • التفسير والمفسرون -وقد تكلم عن منهجه في التفسير-: "وأما منهجه فيه فهو عين ما نهجه الأستاذ الإمام، فلا تقيد بأقوال المفسرين، ولا تحكم للعقيدة في نص القرآن، ولا خوض في إسرائيليات، ولا تعيين لمبهمات، ولا تعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم، بل شرح للآيات باسلوب رائع، وكشف عن المعاني بعبارة سهلة مقبولة، وتوضيح لمشكلات القرآن، ودفاع عنه يرد ما أثير حوله من شبهات، وبيان لهدايته، ودلالة إلى عظيم إرشاده، وتوقيف على حكم تشريعه، ومعالجة لأمراض المجتمع بناجع دوائه، وبيان لسنن الله في خليقته. ولكنا نجد الشيخ رشيد -رحمه الله- يحيد عن هذا المنهج بعض الشيء وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل، ويحدثنا هو بذلك فيقول: (وإنني لما استقللت بالعلم بعد وفاته، خالفت منهجه -رحمه الله تعالى- بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها، ¬__________ (¬1) تفسير المنار (9/ 177). أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفي بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها، بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس (¬1) " أ. هـ. ثم قال عن تذرعه بالمجاز والتشبيه: "كذلك نجد صاحب المنار يصرف بعض ألفاظ القرآن عن ظواهرها ويعدل بها إلى ناحية المجاز أو التشبيه، وذلك فيما يبدو مستبعدًا ومستغربًا لو أجرى على حقيقته، وهذا المسلك الذي جرى عليه الشيخ رشيد هو مسلك شيخه، ومسلك الزمخشري وغيره من المعتزلة، الذين اتخذوا التشبيه والتمثيل سبيلًا للفرار من الحقائق التي يصرح بها القرآن، ولا تعجز عنها قدرة الله، وإن بعدت عن منال البشر. فمثلًا نجد صاحب المنار عندما نعرض لقوله تعالى في الآية (47) من سورة النساء: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ... الآية}}، نراه يستظهر أن المعنى المراد هنا هو (آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم إليها في كيد الإسلام، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وفضيحتكم فيما تأتونه باسم الدين والعلم الذي جاء به الأنبياء، وقد كان لهم عند نزول الآية شيء من المكانة والمعرفة والقوة، فهذا ما نفسرها به، على جعل الطمس والرد على الأدبار معنويين .. ثم سرد بعض أقوال المفسرين في هذه الآية، ثم بيّن أن ما اختاره هو رأي شيخه الذي مال إليه في دروسه (¬2) ". ثم تكلم عن رأيه في السحر فقال: "ثم إن صاحب المنار لا يرى السحر إلا ضربًا من التمويه والخداع، وليس له حقيقة كما يقول أهل السنة، وهو يوافق بهذا القول شيخه وقول المعتزلة من قبله: ولهذا نراه عندما فسّر قوله تعالى في الآية (7) من سورة الأنعام: {{وَلَوْ ن |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*محمد رشيد رضا هو محمد رشيد بن على رضا بن محمد شمس الدين.
أحد رجال الإصلاح فى العصر الحديث. وُلد سنة (1282 هـ = 1865 م) فى القلمون، من أعمال طرابلس، وبها نشأ وتعلم. رحل إلى مصر سنة (1315 هـ)، فلازم الإمام محمد عبده وتتلمذ على يديه، وقد اتصل به من قبل فى بيروت، واستقر فى مصر. وتعددت رحلات الشيخ رشيد إلى سوريا والهند والحجاز وأوربا، وكان من دعاة الجامعة الإسلامية تحت رعاية الخليفة العثمانى، وعُرف عنه أنه كان لا يلتزم بمذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة. وكانت له آراء جرَّت عليه حملات كثيرة. وقد ترك الشيخ رشيد رضا عدداً من الآثار الفكرية، يأتى فى مقدمتها: مجلته المعروفة المنار، وأصدر منها (34) مجلداً، وتفسير القرآن الكريم فى (12) مجلداً، ولم يكمله، والوحى المحمدى، والوهابيون والحجاز. وتُوفَّى الشيخ رشيد بمصر فجأة فى سيارة كان راجعاً بها من السويس إلى القاهرة، سنة (1354 هـ = 1935 م). |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور 170هـ ـ 193 ه
الرشيد : هارون أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد علي بن عبد الله بن العباس استخلف بعهده من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين و مائة قال الصولي : هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون و لم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة و قام خليفة و ولد خليفة إلا هذه الليلة و كان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر حدث عن أبيه و جده و مبارك بن فضالة و روى عنه ابنه المأمون و غيره و كان من أميز الخلفاء و أجل ملوك الدنيا و كان كثير الغزو و الحج كما قال فيه أبو المعالي الكلابي : ( فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور ) ( ففي أرض العدو على طمر ... و في أرض الترفه فوق كور ) مولده بالري ـ حين كان أبوه أميرا عليها و على خراسان ـ و في سنة ثمان و أربعين و مائة و أمه أم ولد تسمى الخيزران و هي أم الهادي و فيها يقول مروان بن أبي حفصة : ( يا خيزران هناك ثم هناك ... أمسى يسوس العالمين ابناك ) و كان أبيض طويلا جميلا مليحا فصيحا له نظر في العلم و الأدب و كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة و يتصدق من صلب ماله يوم بألف درهم و كان يحب العلم و أهله و يعظم حرمات الإسلام و يبغض المراء في الدين و الكلام في معارضة النص و بلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال لئن ظفرت به لأضربن عنقه و كان يبكي على نفسه و على إسرافه و ذنوبه سيما إذا وعظ و كان يحب المديح و يجيز عليه الأموال الجزيلة و له شعر دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ في احترامه فقال له ابن السماك : تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه و كان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض قال عبد الرزاق : كنت مع الفضل بمكة فمر هارون فقال فضيل : الناس يكرهون هذا و ما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أمورا عظاما قال أبو معاوية الضرير : ما ذكرت النبي صلى الله عليه و سلم بين يدي الرشيد إلا قال : صلى الله على سيدي و حدثته بحديثه صلى الله عليه و سلم [ و وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى فأقتل ] فبكى حتى انتحب و حدثته يوما حديث [ احتج آدم و موسى ] و عنده رجل من وجوه قريش فقال القريشي : فأين لقيه ؟ فغضب الرشيد و قال : النطع و السيف زنديق يطعن في حديث النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو معاوية : فما زلت أسكنه أقول : يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن و عن أبي معاوية أيضا قال : أكلت مع الرشيد يوما ثم صب على يدي رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد : تدري من يصب عليك ؟ قلت : لا قال : أنا إجلالا للعلم و قال المنصور بن عمار : ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة : الفضيل بن عياض و الرشيد و آخر و قال عبيد الله القواريري : لما لقي الرشيد الفضيل قال له : يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد {{ وتقطعت بهم الأسباب }} قال : الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكي و يشهق و من محاسنه أنه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء و أمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك قال نفطويه : كان الرشيد يقتفي آثار جده أبي جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه : أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف و أجاز إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف و أجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار و خلعة و فرسا من مراكبه و عشرة من رقيق الروم و قال الأصمعي : قال لي الرشيد : يا أصمعي ما أغفلك عنا و أجفاك لنا ! قلت : و الله يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال : ما لاقتني ؟ قلت : ( كفاك كف ما تليق درهما ... جوادا و أخرى تعطي بالسيف الدما ) فقال : أحسنت و هكذا فكن و قرنا في الملا و علمنا في الخلا و أمر لي بخمسة آلاف دينار و في مروج المسعودي قال : رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم و بحر القزم مما يلي الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكي : كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام و تدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه و قال الجاحظ : اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره : وزراؤه البرامكة و قاضيه أبو يوسف رحمه الله و شاعره مروان بن أبي حفصة و نديمه العباس بن محمد عم أبيه و حاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس و أعظمهم و مغنيه إبراهيم الموصلي و زوجته زبيدة و قال غيره : كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس و قال الذهبي : أخبار الرشيد يطول شرحها و محاسنه جمة و له أخبار في اللهو و اللذات المحظورة و الغناء سامحه الله مات في أيامه من الأعلام : مالك بن أنس و الليث بن سعد و أبو يوسف صاحب أبي حنيفة و القاسم بن معن و مسلم بن خالد الزنجي و نوح الجامع و الحافظ أبو عوانة اليشكري و إبراهيم بن سعد الزهري و أبو اسحاق الفزاري و إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي و أسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة و إسماعيل بن عياش و بشر بن المفضل و جرير بن عبد الحميد و زياد البكائي و سليم المقرئ صاحب حمزة و سيبويه إمام العربية و ضيغم الزاهد و عبد الله العمري الزاهد و عبد الله بن المبارك و عبد الله بن إدريس الكوفي و عبد العزيز بن أبي حازم و الدراوردي و الكسائي شيخ القراء و النحاة و محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ـ كلاهما في يوم و علي بن مسهر و غنجار و عيسى بن يوسف السبعي و الفضيل بن عياض و ابن السماك الواعظ و مروان بن أبي حفصة الشاعر و المعافى بن عمران الموصلي و معتمر بن سليمان و المفضل بن فضالة قاضي مصر و موسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء و النعمان بن عبد السلام الأصبهاني و هشيم و يحيى بن أبي زائدة و يزيد بن زريع و يونس بن حبيب النحوي و يعقوب بن عبد الرحمن قارئ المدينة و صعصة بن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك و عبد الرحمن بن القاسم أكبر أصحاب مالك و العباس بن الأحنف الشاعر المشهور و أبو بكر بن عياش المقري و يوسف بن الماجشون و خلائق آخرون كبار و من الحوادث في أيامه : في سنة خمس و سبعين افترى عبد الله بن مصعب الزبيري على يحيى بن عبد الله بن حسن العلوي أنه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد و شبك يده في يده و قال قل : اللهم إن كنت تعلم أن يحيى لم يدعني إلى الخلافة و الخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي و قوتي و اسحتني بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبيري و قالها ثم قال يحيى مثل ذلك و قاما فمات الزبيري ليومه و في سنة ست و سبعين فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك ابن صالح العباسي و في سنة تسع و سبعين اعتمر الرشيد في رمضان و دام على إحرامه إلى أن حج و مشى من مكة إلى عرفات و في سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى سقط منها رأس منارة الإسكندرية و في سنة إحدى و ثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة و هو الفاتح له و في سنة ثلاث و ثمانين خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام و سفكوا و سبوا أزيد من مائة ألف نسمة و جرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله و في سنة سبع و ثمانين أتاه كتاب من ملك الروم [ نقفور ] بنقص الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين و بين الملكة [ ريني ] ملكة الروم و صورة الكتاب : من [ نقفور ] ملك الروم إلى [ هارون ] ملك العرب : أما بعد : فإن الملكة التي قبلي كانت أقامتك مقام الرخ و أقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها أحمالا و ذلك لضعف النساء و حمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها و إلا فالسيف بيننا و بينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه و تفرق جلساؤه من الخوف و استعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة و كتب على ظهر كتابه : [ بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك ياابن الكافرة و الجواب ما تراه لا ما تسمعه ] ثم سار ليومه فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل و كانت غزوة مشهورة و فتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة و التزم بخراج يحمله كل سنة فأجيب فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كره الرشيد في البرد فلم يجترئ أحد أن يبلغ الرشيد نقضه بل قال عبد الله بن يوسف التيمي : ( نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور ) ( أبشر أمير المؤمنين فإنه ... غنم أتاك به الإله كبير ) و قال أبو العتاهية أبياتا و عرضت على الرشيد فقال : أوقد فعلها ؟ فكر راجعا في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده و حاز جهاده و في ذلك يقول أبو العتاهية : ( ألا نادت هرقلة بالخراب ... من الملك الموفق للصواب ) ( غدا هارون يرعد بالمنايا ... و يبرق بالمذكرة القضاب ) ( و رايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب ) و في سنة تسع و ثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم و في سنة تسعين فتح هرقلة و بث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة و افتتح يزيد بن مخلد ملقونية و سار حميد بن معيوف إلى قبرس فهدم و حرق و سبى من أهلها ستة عشر ألفا و في سنة اثنتين و تسعين توجه الرشيد نحو خراسان فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال : يا صباح لا أحسبك تراني بعدها فقلت : بل يردك الله سالما ثم قال : و لا أحسبك تدري ما أجد فقلت : لا و الله فقال : تعال حتى أريك و انحرف عن الطريق و أومأ إلى الخواص فتنحوا ثم قال : أمانة الله يا صباح أن تكتم علي و كشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه فقال : هذه علة أكتمها الناس كلهم و لكل واحد من ولدي علي رقيب فمسرور رقيب المأمون و جبريل بن بختيشوع رقيب الأمين و نسيت الثالث ما منهم أحد إلا و يحصي أنفاسي و يعد أيامي و يستطيل دهري فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي ثم دعا ببرذون فجاؤوا به كما وصف فنظر إلي ثم ركبه وودعني و سار إلى جرجان ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث و تسعين و هو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات و كان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس و سبعين و لقبه الأمين و له يومئذ خمس سنين لحرص أمه زبيدة على ذلك قال الذهبي : فكان هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة ثم بايع لابنه عبد الله من بعد الأمين في سنة اثنتين و ثمانين و لقبه المأمون و ولاه ممالك خراسان بأسرها ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست و ثمانين و لقبه المؤتمن و ولاه الجزيرة و الثغور و هو صبي فلما قسم الدنيا من هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء : لقد ألقى بأسهم بينهم و غائلة ذلك تضر بالرعية و قالت الشعراء في البيعة المدائح ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق و في ذلك يقول إبراهيم الموصلي : ( خير الأمور مغبة ... و أحق أمر بالتمام ) ( أمر قضى أحكامه ال ... رحمن في البيت الحرام ) و قال عبد الملك بن صالح في ذلك : ( حب الخليفة حب لا يدين له ... عاصي الإله و شار يلقح الفتنا ) ( الله قلد هارونا سياسته ... لما اصطفاه فأحيا الدين و السننا ) ( و قلد الأرض هارون لرأفته ... بنا أمينا و مأمونا و مؤتمنا ) قال بعضهم : و قد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أميا فساقها الله إليه و جعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته و لم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة و قال سلم الخاسر في العهد للأمين : ( قل للمنازل بالكثيب الأعفر ... أسقيت غادية السحاب الممطر ) ( قد بايع الثقلان مهدي الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر ) ( قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخلافة للهجان الأزهر ) ( فهو الخليفة عن أبيه و جده ... شهدا عليه بمنظر و بمخبر ) فحشت زبيدة فاه جوهرا باعه بعشرين ألف دينار فصل في نبذ من أخبار الرشيد عفا الله عنه أخرج السلفي في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال : لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي فراودها عن نفسها فقالت : لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي فشغف بها فأرسل إلى أبي يوسف فسأله : أعندك في هذا شيء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئا ينبغي أن تصدق لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة قال ابن المبارك : فلم أدر ممن أعجب : من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين و أموالهم يتحرج عن حرمة أبيه أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين أو من هذا فقيه الأرض و قاضيها ! قال : اهتك حرمة أبيك و اقض شهوتك و صيره في رقبتي و أخرج أيضا عن عبد الله بن يوسف قال : قال الرشيد لأبي يوسف : إني اشتريت جارية و أريد أن أطأها الآن قبل الاستبراء فهل عندك حيلة ؟ قال : نعم تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها و أخرج عن ابن إسحاق بن راهوية قال : دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فأفتاه فأمر له بمائة ألف درهم فقال أبو يوسف : إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها قبل الصبح فقال : عجلوها فقال بعض من عنده : إن الخازن في بيته و الأبواب مغلقة فقال أبو يوسف : فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني ففتحت و أسند الصولي [ عن يعقوب بن جعفر قال : خرج الرشيد في السنة التي ولي الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم و انصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة و فرق بالحرمين مالا كثيرا و كان رأى النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقال له : إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز و حج و وسع على أهل الحرمين ] ففعل هذا كله و أسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال : أول شعر قاله الرشيد أنه حج سنة ولي الخلافة فدخل دارا فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط : ( ألا يا أمير المؤمنين أما ترى ... فديتك هجران الحبيب كبيرا ) فدعا بدواة و كتب تحته بخطه : ( بلى و الهدايا المشعرات و ما مشى ... بمكة مرفوع الأظل حسيرا ) و أخرج عن سعيد بن مسلم قال : كان فهم الرشيد فهم العلماء أنشده العماني في صفة فرس : ( كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا ) فقال الرشيد : دع كأن و قل : تخال أذنيه حتى يستوي الشعر و أخرج عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال : حلف الرشيد أن لا يدخل إلى جارية له أياما و كان يحبها فمضت الأيام و لم تسترضه فقال : ( صد عني إذ رآني مفتتن ... و أطال الصبر لما أن فطن ) ( كان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن ) ثم أحضر أبو العتاهية فقال : أجزهما فقال : ( عزة الحب أرته ذلتي ... في هواه و له وجه حسن ) ( فلهذا صرت مملوكا له ... و لهذا شاع ما بي و علن ) و أخرج ابن عساكر عن ابن علية قال : أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق : لم تضرب عنقي ؟ قال له : أريح العباد منك قال : فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه و سلم كلها ما فيها حرف نطق به ؟ قال فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري و عبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا ؟ و أخرج الصولي عن ابن إسحاق الهاشمي قال : كنا عند الرشيد فقال : بلغني أن العامة يظنون في بغض علي بن أبي طالب و و الله ما أحب أحدا حبي له و لكن هؤلاء أشد الناس بغضا لنا و طعنا علينا و سعيا في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم و مساهمتنا إياهم ما حويناه حتى إنهم لأميل إلى بني أمية منهم إلينا فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل و السابقون إلى الفضل و لقد حدثني [ أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن علي عن أبيه ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول في الحسن و الحسين : من أحبهما فقد أحبني و من أبغضهما فقد أبغضني ] وسمعه يقول : [ فاطمة سيدة نساء العالمين غير مريم ابنة عمران و آسية بنت مزاحم ] روي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما فاستقى فأتى بكوز فلما أخذه قال : على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها ؟ قال : بنصف ملكي قال : اشرب هنأك الله تعالى قال : أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها ؟ قال : بجميع ملكي قال : إن ملكا قيمته شربة ماء و بولة لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون بكاء شديدا و قال ابن الجوزي قال الرشيد لشيبان : عظني قال : لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد : فسر لي هذا قال : من يقول لك : أنت مسؤول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول : أنتم أهل بيت مغفور لكم و أنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه و سلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله و في كتاب الأوراق للصولي بسنده : لما ولي الرشيد الخلافة و استوزر يحيى بن خالد قال إبراهيم الموصلي : ( ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها ) ( تلبست الدنيا جمالا بملكه ... فهارون واليها و يحيى وزيرها ) فأعطاه مائة ألف درهم و أعطاه يحيى خمسين ألفا و لداود بن رزين الواسطي فيه : ( بهارون لاح النور في كل بلدة ... و قام به في عدل سيرته النهج ) ( إمام بذات الله أصبح شغله ... فأكثر ما يعنى به الغزو و الحج ) ( تضيق عيون الخلق عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج ) ( تفسحت الآمال في جود كفه ... فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو ) و قال القاضي الفاضل في بعض رسائله : ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين و المأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله قال : و كان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال : ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر بن عوف و لا أعلم لهما ثالثا و لمنصور النمري فيه : ( جعل القران إمامه و دليله ... لما تخيره القران ذماما ) و له فيه من قصيدة : ( إن المكارم و المعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع ) و يقال : إنه أجازه عليها بمائة ألف و قال الحسين بن فهم : كان الرشيد يقول : من أحب ما مدحت به إلي : ( أبو أمين و مأمون و مؤتمن ... أكرم به والدا برا و ما ولدا ) و قال إسحاق الموصلي : دخلت على الرشيد فأنشدته : ( و آمرة بالبخل قلت لها : اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل ) ( أرى الناس خلان الجواد و لا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل ) ( و إني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال : بخيل ) ( و من خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئا أن يكون ينيل ) ( عطائي عطاء المكثرين تكرما ... و مالي كما قد تعلمين قليل ) ( و كيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... و رأي أمير المؤمنين جميل ) فقال : لا كيف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم لله در أبيات يأتينا بها ! ما أجود أصولها و أحسن فصولها ! فقلت : يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعري فقال : يا فضل أعطه مائة ألف أخرى و في الطوريات بسنده إلى إسحاق الموصلي قال أبو العتاهية لأبي نواس : البيت الذي مدحت به الرشيد لوددت أني كنت سبقتك به إليه : ( قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله ) و قال محمد بن علي الخراساني : الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة و الكرة و رمى النشاب في البرجاس و أول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس و قال الصولي : هو أول من جعل للمغنين مراتب و طبقات و من شعر الرشيد يرثي جاريته هيلانة أورده الصولي : ( قاسيت أوجاعا و أخزانا ... لما استخص الموت هيلانا ) ( فارقت عيشي حين فارقتها ... فما أبالي كيف ما كانا ) ( كانت هي الدنيا فلما ثوت ... في قبرها فارقت دنيانا ) ( قد كثر الناس و لكنني ... لست أرى بعدك إنسانا ) ( و الله لا أنساك ما حركت ... ريح بأعلى نجد أغصانا ) و له أيضا أنشده الصولي : ( يا ربة المنزل بالفرك ... و ربة السلطان و الملك ) ( ترفقي بالله في قتلنا ... لسنا من الديلم و الترك ) مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان و دفن بها في ثالث جمادى الآخرة سنة ثلاث و تسعين و مائة و له خمس و أربعون سنة و صلى عليه ابنه صالح قال الصولي : خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار و من الأثاث و الجوهر و الورق و الدواب ما قيمته مائة ألف ألف دينار و خمسة و عشرون ألف دينار و قال غيره : غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فهم أن يفصل أعضاءه فقال : انظرني إلى غد فإنك تصبح في عافية فمات ذلك اليوم و قيل : إن الرشيد رأى مناما أنه يموت بطوس فبكى و قال : احفروا لي قبرا فحفر له ثم حمل في قبة على جمل و سيق به حتى نظر إلى القبر فقال : ياابن آدم تصير إلى هذا ؟ و أمر قوما فنزلوا فختموا فيه ختمة و هو في محفة على شفير القبر و لما مات بويع لولده الأمين في المعسكر ـ و هو حينئذ ببغداد ـ فأتاه الخبر فصلى بالناس الجمعة و خطب و نعى الرشيد إلى الناس و بايعوه و أخذ رجاء الخادم البرد و القضيب و الخاتم و سار على البريد في اثني عشر يوما من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين و لأبي الشيص يرثي الرشيد : ( غربت في الشرق شمس ... فلها عيني تدمع ) ( ما رأينا قط شمسا ... غربت من حيث تطلع ) و قال أبو نواس جامعا بين العزاء و الهناء : ( جرت جوار بالسعد و النحس ... فنحن في مأتم و في عرس ) ( القلب يبكي و العين ضاحكة ... فنحن في وحشة و في أنس ) ( يضحكنا القائم الأمين و يب ... كينا وفاة الإمام بالأمس ) ( بدران بدر أضحى ببغداد في ال ... خلد و بدر بطوس في الرمس ) و مما رواه الرشيد من الحديث قال الصولي : [ حدثنا عبد الرحمن بن خلف حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته : حدثني مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اتقوا النار و لو بشق تمرة ] حدثني محمد بن علي [ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال النبي صلى الله عليه و سلم نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن ] |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الأمين محمد بن هارون الرشيد 193هـ ـ 198ه
الأمين : محمد أبو عبد الله بن الرشيد كان ولي عهد أبيه فولي الخلافة بعده و كان من أحسن الشباب صورة أبيض طويلا جميلا ذا قوة مفرطة و بطش و شجاعة معروفة يقال : إنه قتل مرة أسدا بيده و له فصاحة و بلاغة و أدب و فضيلة لكن كان سيء التدبير كثير التبذير ضعيف الرأي أرعن لا يصلح للإمارة فأول ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة ثم في سنة أربع و تسعين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه و وقعت الوحشة بينه و بين أخيه المأمون و قيل إنه الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه فأغر الأمين به و حثه على خلعه و أن يولي العهد لأبنه موسى و لم بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين و أسقط اسمه من الطرز و الضرب ثم أمن الأمين أرسل إليه يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه و يذكر أنه قد سماه الناطق بالحق فرد المأمون ذلك و أباه و خامر الرسول معه و بايعه بالخلافة سرا ثم كان يكتب إليه بالأخبار و يناصحه من العراق و لما رجع و أخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد و طلب الكتاب الذي كتبه الرشيد و جعله بالكعبة فأحضره و مزقه وقويت الوحشة و نصح الأمين أولو الرأي و قال له خزيمة بن خازم : يا أمير المؤمنين لن ينصحك من كذبك و لن يغشك من صدقك لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك و لا تحملهم على نكث العهد فينكثوا ببيعتك و عهدك فإن الغادر مغلول و الناكث مخذول فلم ينتصح و أخذ يستميل القواد بالعطاء و بايع بولاية العهد لابنه موسى و لقبه الناطق بالحق و هو إذ ذاك طفل رضيع فقال بعض الشعراء في ذلك : ( أضاع الخلافة غش الوزير ... و فسق الأمير و جهل المشير ) ( لواط الخليفة أعجوبة ... و أعجب منه حلق الوزير ) ( فهذا يدوس و هذا يداس ... كذاك لعمري خلاف الأمور ) ( فلو يستعفان هذا بذاك ... لكانا بعرضة أمر ستير ) ( و أعجب من ذا و ذا أننا ... نبايع للطفل فينا الصغير ) ( و من ليس يحسن غسل استه ... و لم يخل من بوله حجر ظير ) ( و ما ذاك إلا بفضل و بكر ... يريدان طمس الكتاب المنير ) ( و ما ذان لولا انقلاب الزما ... ن في العير هذان أو في النفير ) و لما تيقن المأمون خلعه تسمى بإمام المؤمنين و كوتب بذلك و ولي الأمين علي بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال همذان و نهاوند و قم و أصبهان في سنة خمس و تسعين فخرج علي بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخر و معه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفا في هيئة لم ير مثلها و أخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف فكانت الغلبة له و ذبح علي و هزم جيشه و حملت رأسه إلى المأمون فطيف بها في خراسان و سلم على المأمون بالخلافة و جاء الخبر الأمين و هو يتصيد السمك فقال للذي أخبره : ويلك ! دعني فإن كوثرا صاد سمكتين و أنا ما صدت شيئا بعد و قال عبد الله بن صالح الجرمي : لما قتل أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا و ندم الأمين على خلعه أخاه وطمع الأمراء فيه و شغبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين و استمر القتال بينه و بين أخيه و بقي أمر الأمين كل يوم في الإدبار لا نهماكه في اللعب و الجهل و أمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين و أكثر البلاد بالعراق و فسد الحال على الأمين جدا و تلف أمر العسكر و نفذت خزائنه و ساءت أحوال الناس بسبب ذلك و عظم الشر و كثر الخراب و الهدم من القتال و رمي المجانيق و النفط حتى درست محاسن بغداد و عملت فيها المراثي و من جملة ما قيل في بغداد : ( بكيت دما على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق ) ( أصابتها من الحساد عين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق ) و دام حصار بغداد خمسة عشر شهرا و لحق غالب العباسيين و أركان الدولة بجند المأمون و لم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد و الحرافشة إلى أن استهلت سنة ثمان و تسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قصرا فخرج الأمين بأمه و أهله من القصر إلى مدينة المنصور و تفرق عامة جنده و غلمانه و قل عليهم القوت و الماء قال محمد بن راشد : أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين بمدينة المنصور قال : فطلبني ليلة فقال : ما ترى طيب هذه الليلة و حسن القمر و ضوءه في الماء ؟ فهل لك في الشراب ؟ قلت : شأنك فشربنا ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيرت من اسمها فأمرها أن تغني فغنت بشعر النابغة الجعدي : ( كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... و أيسر ذنبا منك ضرج بالدم ) فتطير بذلك و قال : غني غير هذا فغنت : ( أبكى فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء ) ( ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا و ريب الدهر عداء ) ( فاليوم أبكيهم جهدي و أندبهم ... حتى أؤوب و ما في مقلتي ماء ) فقال لها : لعنك الله ! ما تعرفين غير هذا ؟ فقالت : ظننت أنك تحب هذا ثم غنت : ( أما ورب السكون و الحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك ) ( ما اختلف الليل و النهار و لا ... دارت نجوم السماء في الفك ) ( إلا لنقل السلطان عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك ) ( و ملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان و لا بمشترك ) فقال لها : قومي لعنك الله ! فقامت فعثرت في قدح بلور له قيمة فكسرته فقال : ويحك يا إبراهيم ! أما ترى ؟ و الله ما أظن أمري إلا قرب فقلت : بل يطيل الله عمرك و يعز ملكك فسمعت صوتا من دجلة : {{ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان }} فوثب محمد مغتما و قتل بعد ليلتين أخذ و حبس في موضع ثم أدخل عليه قوم من العجم ليلا فضربوه بالسيف ثم ذبحوه من قفاه و ذهبوا برأسه إلى طاهر فنصبها على حائط بستان و نودي : هذا رأس المخلوع محمد و جرت جثته بحبل ثم بعث طاهر بالرأس و البرد و القضيب و المصلى و هو من سعف مبطن إلى المأمون و اشتد على المأمون قتل أخيه و كان يجب أن يرسل إليه حيا ليرى فيه رأيه فحقد بذلك على طاهر بن الحسين و أهمله نسيا منسبا إلى أن مات طريدا بعيدا و صدق قول الأمين فإنه كان كتب بخطه رقعة إلى طاهر بن الحسين لما انتدب لحربه فيها : يا طاهر ما قام لنا منذ قمنا قائم بحقنا فكان جزاؤه عندنا إلا السيف فانظر لنفسك أو دع : يلوح بأبي مسلم و أمثاله الذين بذلوا نفوسهم في النصح لهم فكان مآلهم القتل منهم و لإبراهيم بن المهدي في قتل الأمين : ( عوجا بمغنى طل داثر ... بالخلد ذات الصخر و الآجر ) ( و المرمر المسنون يطلى به ... و الباب باب الذهب الناضر ) ( و أبلغا عني مقالا إلى ال ... مولى عن المأمور و الآمر ) ( قولا له : با ابن ولي الهدى ... طهر بلاد الله من طاهر ) ( لم يكفه أن حز أوداجه ... ذبح الهدايا بمدى الجازر ) ( حتى أتى يسحب أوصاله ... في شطن هذا مدى السائر ) ( قد برد الموت على جفنه ... فطرفه منكسر الناظر ) و مما قيل فيه : ( لم نبكيك ؟ لماذا ؟ للطرب ... يا أبا موسى و ترويج اللعب ) ( و لترك الخمس في أوقاتها ... حرصا منك على ماء العنب ) ( و شنيف أنا لا أبكي له ... و على كوثر لا أخشى العطب ) ( لم تكن تصلح للملك و لم ... تعطك الطاعة بالملك العرب ) ( لم نبكيك لما عرضتنا ... للمجانيق و طورا للسلب ) و لخزيمة بن الحسن على لسان زبيدة قصيدة يقول فيها : ( أتى طاهر لا طهر الله طاهرا ... فما طاهر فيما أتى بمطهر ) ( فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا ... و أنهب أموالي و أخرب أدؤري ) ( يعز على هارون ما قد لقيته ... و مربي من ناقص الخلق أعور ) ( تذكر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي حرمة متذكر ) قال ابن جرير : لما ملك الأمين اتباع الخصيان و غالى بهم و صيرهم لخلوته و رفض النساء و الجواري و قال غيره : لما ملك وجه إلى البلدان في طلب الملهين و أجرى لهم الأرزاق و اقتنى الوحش و السباع و الطيور و احتجب عن أهل بيته و أمرائه و استخف بهم و محق ما في بيوت الأموال و ضيع الجواهر و النفائس و بنى عدة قصور للهو في أماكن و أجاز مرة من غنى له : ( هجرتك حتى قلت : لا يعرف القلى ... و زرتك حتى قلت : ليس له صبر ) بملء زورقة ذهبا و عمل خمس حراقات ـ جمع حراقة : بالفتح و التشديد ضرب من السفن فيها مرامي نيران يرمي به العدو ـ على خلقه الأسد و الفيل و العقاب و الحية و الفرس و أنفق في عملها أموالا فقال أبو نواس : ( سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب ) ( فإذا ما ركابه سرن برا ... سار في الماء راكبا ليث غاب ) ( أسدا باسطا ذراعيه يهوي ... أهرت الشدق كالح الأنياب ) قال الصولي : حدثنا أبو العيناء حدثنا محمد بن عمرو الرومي قال : خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه فجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال : ( ضربوا قرة عيني ... و من أجلي ضربوه ) ( أخذ الله لقلبي ... من أناس أحرقوه ) و لم يقدر على زيادة فأحضر عبد اللع بن التيمي الشاعر فقال له : قل عليهما فقال : ( ما لمن أهوى شبيه ... فبه الدنيا تتيه ) ( و صله حلو و لكن ... هجره مر كريه ) ( من رأى الناس له الفض ... ل عليهم حسدوه ) ( مثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه ) فأوقر له ثلاث بغال دراهم فلما قتل الأمين جاء التيمي إلى المأمون و امتدحه فلم يأذن له فالتجأ إلى الفضل بن سهل فأوصله إلى المأمون فلما سلم عليه قال : هيه يا تيمي : ( مثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه ) فقال التيمي : ( نصر المأمون عبد الله ... لما ظلموه ) ( نقض العهد الذي قد ... كان قدما أكدوه ) ( لم يعالمه أخوه ... بالذي أوصى أبوه ) فعفا عنه و أمر له بعشرة آلاف درهم و قيل : إن سليمان بن منصور رفع إلى الأمين أن أبا نواس هجاه فقال : يا عم أقتله بعد قوله : ( أهدى الثناء إلى الأمين محمد ... ما بعده بتجارة متربص ) ( صدق الثناء على الأمين محمد ... و من الثناء تكذب و تخرص ) ( قد ينقص البدر المنير إذا استوى ... و بهاء نور محمد ما ينقص ) ( و إذا بنو المنصور عد خصالهم ... فمحمد يا قوتها المتخلص ) قال أحمد بن حنبل : إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن علية فإنه أدخل عليه فقال له : يا ابن الفاعلة أنت الذي تقول : كلام الله مخلوق ؟ قال المسعودي : ما ولي الخلافة إلى و وقتنا هذا هاشمي ابن هاشمية سوى علي بن أبي طالب و ابنه الحسن و الأمين فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور و اسمها أمة العزيزة و زبيدة لقب لها و قال إسحاق الموصلي : اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره كان أحسن الناس وجها و أسخاهم و أشرف الخلفاء أبا و أما حسن الأدب عالما بالشعر لكن غلب عليه الهوى و اللعب و كان مع سخائه بالمال بخيلا بالطعام جدا و قال أبو الحسن الأحمر : كنت ربما أنسيت البيت الذي يستشهد في النحو فينشدنيه و ما رأيت في أولاد الملوك أذكى منه و من المأمون و كان قتله في المحرم سنة ثمان و تسعين و مائة و له سبع و عشرون سنة مات في أيامه من الأعلام : إسماعيل بن علية و غندر و شقيق البلخي الزاهد و أبو معاوية الضرير و مؤرج السدوسي و عبد الله بن كثير المقرئ و أبو نواس الشاعر و عبد الله بن وهب صاحب مالك و ورش المقرئ و وكيع و آخرون و قال علي بن محمد النوفلي و غيره : لم يدع للسفاح و لا للمنصور و لا للمهدي و لا للهادي و لا الرشيد على المنابر بأوصافهم و لا كتبت في كتبهم حتى ولي الأمين فدعي له بالأمين على المنابر و كتب عنه : من عبد الله محمد أمير المؤمنين و كذا قال العسكري في الأوائل أول من دعي له بلقبه على المنابر الأمين و من شعر الأمين يخاطب أخاه المأمون و يعيره بأمه لما بلغ عنه أنه لما بلغه عنه أنه يعدد مثالبه و يفضل نفسه عليه أنشده الصولي : ( لا تفخرن عليك بعد بقية ... والفخر يكمل للفتى المتكامل ) ( و إذا تطاولت الرجال بفضلها ... فأربع فإنك لست بالمتطاول ) ( أعطاك ربك ما هويت و إنما ... تلقى خلاف هواك عند مراجل ) ( تعلو المنابر كل يوم آملا ... ما لست من بعدي إليه بواصل ) ( فتعيب من يعلو عليك بفضله ... و تعيد في حقي مقال الباطا ) قلت : هذا نظم عال فإن كان له فهو أحسن من نظم أخيه و أبيه قال الصولي : و مما رواه جماعة له في خادمه كوثر و قد سقاه و هو على بساط نرجس و البدر قد طلع و قد رواه بعضهم للحسين بن الضحاك الخليع و كان نديمه لا يفارقه : ( وصف البدر حسن ... وجهك حتى خلت أني أراه لست أراكا ) ( و إذا ما تنفس النرجس الغ ... ض توهمته نسيم ثناكا ) ( خدع للمني تعللني في ... ك بإشراق ذا و نكهة ذاكا ) ( لأقيمن ما حييت على الشكر لهذا و ذاك إذ حكياكا ) و له في خادمة أيضا : ( ما يريد الناس من ص ... ب بمن يهوى كثيب ) ( كوثر ديني و دنيا ... ي و سقمي و طبيبي ) ( أعجز الناس الذي يلح ... ى محبا في حبيب ) و له لما يئس من الملك و علا عليه طاهر : ( يا نفس قد حق الحذر ... أين المفر من القدر ؟ ) ( كل امرئ مما يخا ... ف و يرتجيه على خطر ) ( من يرتشف صفو الزما ... ن يغص يوما بالكدر ) و أسند الصولي أن الأمين قال لكتابه : اكتب [ من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين : سلام عليك أما بعد فإن الأمر قد خرج بيني و بين أخي إلى هتك الستور و كشف الحرم و لست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا و اختلاف كلمتنا و قد رضيت أن تكتب لي أمانا لأخرج إلى أخي فإن تفضل علي فأهل لذلك و إن قتلني فمروة كسرت مروة و صمصامة قطعت صمصامة و لأن يفترسني السبع أحب إلي أن ينبحني الكلب ] فأبى طاهر عليه و أسند عن إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال : كان أبي يكلم الأمين و المأمون بكلام يتفصحان به و يقول : كان أولاد الخلفاء من بني أمية يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصحوا و أنتم أولى بالفصاحة منهم قال الصولي : و لا نعرف للأمين رواية في الحديث إلا هذا الحديث الواحد : حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال : رأيت عند الحسين بن الضحاك جماعة من بني هاشم فيهم بعض أولاد المتوكل فسألوه عن الأمين و أدبه فوصف الحسين أدبا كثيرا قيل : فالفقه قال المأمون أفقه منه قيل : فالحديث قال : ما سمعت منه حديثا إلا مرة فغنه نعي إليه غلام له مات بمكة فقال : [ حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن ابن عباس عن أبيه سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : من مات محرما حشر ملبيا ] قال الثعالبي في لطائف المعارف : كان أبو العيناء يقول : لو نشرت زبيدة ضفائرها ما تعلقت إلا بخليفة أو ولي عهد فإن المنصور جدها و السفاح أخو جدها و المهدي عمها و الرشيد زوجها و الأمين ابنها و المأمون و المعتصم ابنا زوجها و الواثق و المتوكل ابنا ابن زوجها و أما ولاة العهود فكثيرة و نظيرتها من بني أمية عاتكة بنت يزبد بن معاوية : يزيد أبوها و معاوية جدها و معاوية بن يزيد أخوها و مروان بن الحكم حموها و عبد الملك زوجها و يزيد ابنها و الوليد بن يزيد ابن ابنها و الوليد و هشام و سليمان بنو زوجها و يزيد و إبراهيم ابنا الوليد بن عبد الملك ابنا ابن زوجها |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المأمون عبد الله بن هارون الرشيد 198 هـ ـ 218ه
المأمون : عبد الله ابن العباس بن الرشيد ولد سنة سبعين و مائة في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول و هي الليلة التي مات فيها الهادي و استخلف أبوه و أمه أم ولد اسمه مراجل ماتت في نفاسها به و قرأ العلم في صغره سمع الحديث من أبيه و هشيم و عباد بن العوام و يوسف بن عطية و أبي معاوية الضرير و إسماعيل بن علية و حجاج الأعور و طبقتهم و أدبه اليزيدي و جمع الفقهاء من الآفاق و برع في الفقه و العربية و أيام الناس و لما كبر عني بالفلسفة و علوم الأوائل و مهر فيها فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن روى عنه : ولد الفضل و يحيى بن أكثم و جعفر بن أبي عثمان الطيالسي و الأمير عبد الله بن طاهر و أحمد بن الحارث الشيعي و دعبل الخزاعي و آخرون و كان أفضل رجال بني العباس حزما و عزما و حلما و علما و رأيا و دهاء و هيبة و شجاعة و سؤددا و سماحة و له محاسن و سيرة طويلة لو لا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن و لم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه و كان فصيحا مفوها و كان يقول : معاوية بعمره و عبد الملك بحجاجه و أنا بنفسي و كان يقال : لبني العباس فاتحة و واسطة و خاتمة فالفاتحة السفاح و الواسطة المأمون و الخاتمة المعتضد و قيل : إنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثا و ثلاثين ختمة و كان معروفا بالتشيع و قد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن و العهد بالخلافة إلى علي الرضى كما سنذكره قال أبو معشر المنجم : كان المأمون أمارا بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء و عن الرشيد قال : إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور و نسك المهدي و عزة الهادي و لو أشاء أن أنسبه إلى الرابع ـ يعني نفسه ـ لنسبته و قد قدمت محمدا عليه و إني لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يده يشاركه في رأيه الإماء و النساء و لو لا أم جعفر و ميل بني هاشم لقدمت عبد الله عليه استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمان و تسعين و هو بخراسان و اكتنى بأبي جعفر قال الصولي : و كانوا يحبون هذه الكنية لأنها كنية المنصور و كان لها في نفوسهم جلالة و تفاؤل بطول عمر من كني بها كالمنصور و الرشيد و في سنة إحدى و مائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد و جعل ولي العهد من بعده علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل : إنه هم أن يخلع نفسه و يفوض الأمر إليه و هو الذي لقبه الرضى و ضرب الدراهم باسمه و زوجه ابنته و كتب إلى الآفاق بذلك و أمر بترك السواد و لبس الخضرة فاشتد ذلك على بني العباس جدا و خرجوا عليه و بايعوا إبراهيم بن المهدي و لقب [ المبارك ] فجهز المأمون لقتاله و جرت أمور و حروب و سار المأمون إلى نحو العراق فلم ينشب علي الرضى أن مات في سنة ثلاث فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم ما نقموا عليه إلا ببيعته لعلي و قد مات فردوا جوابه أغلظ جواب فسار المأمون و بلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده فاختفى في ذي الحجة فكانت أيامه سنتين إلا أياما و بقي في اختفائه مدة ثمان سنين و وصل المأمون بغداد في صفر سنة أربع فكلمه العباسيون و غيرهم في العود إلى لبس السواد و ترك الخضرة فتوقف ثم أجاب إلى ذلك و أسند الصولي أن بعض آل بيته قالت : إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب و الأمر فيك أقدر منك على برهم و الأمر فيهم فقال : إنما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولي لم يول أحدا من بني هاشم شيئا ثم عمر ثم عثمان كذلك ثم ولي علي فولى عبد الله بن عباس البصرة و عبيد الله اليمن و معبدا مكة و قثم البحرين و ما ترك أحدا منهم حتى ولاه شيئا فكانت هذه منة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت و في سنة عشر تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل و بلغ جهازها ألوفا كثيرة و قام أبوها بخلع القواد و كلفتهم مدة سبعة عشر يوما و كتب رقاعا فيها أسماء ضياع له و نثرها على القواد و العباسيين فمن وقعت في يده رقعة باسم ضيعة تسلمها و نثر صينية ملئت جوهرا بين يدي المأمون عندما زفت إليه و في سنة إحدى عشرة أمر المأمون بأن ينادي : برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير و أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب و في سنة اثنتي عشر أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل علي على أبي بكر و عمر فاشمأزت النفوس منه و كاد البلد يفتتن و لم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة و في سنة خمس عشرة سار المأمون إلى غزو الروم ففتح حصن قرة عنوة و حصن ماجدة ثم سار إلى دمشق ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم و افتتح عدة حصون ثم عاد إلى دمشق ثم توجه إلى مصر و دخلها فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسين ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق و الروم و في سنة ثمان عشرة امتحن الناس بالقول بخلق القرآن فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول فيه : و قد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم و السواد الأكبر من حشوة الرعية و سفلة العامة ممن لا نظر له و لا روية و لا استضاءة بنور العلم و برهانه أهل جهالة بالله و عمى عنه و ضلالة عن حقيقة دينه و قصور أن يقدروا الله حق قدره و يعرفوه كنه معرفته و يفرقوا بينه و بين خلقه و ذلك أنهم ساووا بين الله و بين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله و يخترعه و قد قال الله تعالى : {{ إنا جعلناه قرآنا عربيا }} فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال الله تعالى : {{ وجعل الظلمات والنور }} و قال : {{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق }} فأخبر أنه قصص الأمور أحدثه بعدها و قال : {{ أحكمت آياته ثم فصلت }} و الله محكم كتابه و مفصله فهو خالقه و مبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة و أظهروا أنهم أهل الحق و الجماعة و أن من سواهم أهل الباطل و الكفر فاستطالوا بذلك و غروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب و التخشع لغير الله إلى موافقتهم فتركوا الحق إلى باطلهم و اتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم إلى أن : قال فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظا و أوعية الجهالة و أعلام الكذب و لسان إبليس الناطق في أوليائه و الهائل على أعدائه من أهل دين الله و أحق من يتهم في صدقه و تطرح شهادته و لا يوثق به من عمي عن رشده و حظه من الإيمان بالله و بالتوحيد و كان عما سوى ذلك أعمى و أضل سبيلا و لعمر أمير المؤمنين أن أكذب الناس من كذب على الله و وحيه و تخرص الباطل و لم يعرف الله حق معرفته فأجمع من بحضرتك من القضاة فأقرأ عليهم كتابنا و امتحنهم فيما يقولون و اكشفهم عما يعتقدون في خلقه و إحداثه و أعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإذا أقروا بذلك و وافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود و مسألتهم عن علمهم في القرآن و ترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق و اكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم و الأمر لهم بمثل ذلك و كتب المأمون إليه أيضا في إشخاص سبعة أنفس و هم : محمد بن سعد كاتب الواقدي و يحيى بن معين و أبو خيثمة و أبو مسلم مستملي يزيد بن هارون و إسماعيل بن داود و إسماعيل بن أبي مسعود و أحمد بن إبراهيم الدورقي فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد و سبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ثم أجابوه تقية و كتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء و مشايخ الحديث و يخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة و امتنع آخرون فكان يحيى بن معين و غيره يقولون : أجبنا خوفا من السيف ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق و أمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم : أحمد بن حنبل و بشر بن الوليد الكندي و أبو حسان الزيادي و علي بن أبي مقاتل و الفضل بن غانم و عبيد الله القواريري و علي بن الجعد و سجادة و الذيال بن الهيثم و قتيبة بن سعد و سعدوية الواسطي و إسحاق بن أبي إسرائيل وابن الهرس و ابن علية الأكبر و محمد بن نوح العجلي و يحيى بن عبد الرحمن العمري و أبو نصر التمار و أبو معمر القطيعي و محمد بن حاتم بن ميمون و غيرهم و عرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا و وروا و لم يجيبوا و لم ينكروا فقال لبشر بن الوليد : ما تقول ؟ قال : قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال : و الآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال : أقول : كلام الله قال : لم أسألك عن هذا أمخلوق هو ؟ قال : ما أحسن غير ما قلت لك و قد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه ثم قال لعلي بن أبي مقاتل : ما تقول ؟ قال : القرآن كلام الله و إن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا و أطعنا و أجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك ثم قال لأحمد بن حنبل : ما تقول ؟ قال : كلام الله قال : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله لا أزيد على هذا ثم امتحن الباقين و كتب بجواباتهم و قال ابن البكاء الأكبر : أقول : القرآن مجعول و محدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم : و المجعول مخلوق ؟ قال : فالقرآن مخلوق ؟ قال : لا أقول مخلوق ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون فورد عليه كتاب المأمون : بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة و ملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى و الرواية و يقول في الكتاب : فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين و بينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص و القول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره و إن أصر على شركة و دفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره و إلحاده فاضرب عنقه و ابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب و إلا فاضرب عنقه و أما علي بن أبي مقاتل فقل له : ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل و تحرم ؟ و أما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله و أما أحمد بن يزيد أبو العوام و قوله [ إنه لا يحسن الجواب في القرآن ] فأعمله أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل يحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك و أما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته و استدل على جهله و أفنه بها و أما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر و ما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني في ولاية القضاء و أما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء أول دعي فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه و إنما قيل له [ الزيادي ] لأمر من الأمور قال : و أما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة مدجره و أما ابن نوح ـ و المعروف بأبي معمر ـ و ابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد و إن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم و ما نزل به كتاب الله في أمثالهم لا ستحل ذلك فكيف بهم و قد جمعوا مع الإرباء شركا و صاروا للنصارى شبها ؟ و أما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس و المستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام و أما سعدويه الواسطي فقل له : قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث و الحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة ! و أما المعروف بسجادة و إنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى و حكه لإصلاح سجادته و بالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى و غيره ما أذهله عن التوحيد و أما القواريري ففيما تكشف من أحواله و قبوله الرشا و المصانعات ما أبان عن مذهبه و سوء طريقته و سخافة عقله و دينه و أما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف و أما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه و إنه بعد صبي محتاج إلى أن يعلم و قد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها و تلجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فأنصصه عن إقراره فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك و أظهره و من لم يرجع عن شركه ـ ممن سميت بعد بشر و ابن المهدي ـ فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف قال : فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل و سجادة و محمد بن نوح و القواريري فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد ـ و هم في القيود ـ فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثا فأجاب القواريري و وجه بأحمد بن حنبل و محمد بن نوح إلى الروم ثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين فغضب و أمر بإحضارهم إليه فحملوا إليه فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه و لطف الله بهم و فرج عنهم و أما المأمون فمرض بالروم فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه و هو يظن أنه لا يدركه فأتاه و هو مجهود و قد نفذت الكتب إلى البلدان فيها : من عبد الله المأمون و أخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص فقيل : إن ذلك وقع بأمر المأمون و قيل : بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه و مات المأمون يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة بالبذندون من أقصى الروم و نقل إلى طرسوس فدفن بها قال المسعودي : كان نزل على عين البذندون فأعجبه برد مائها و صفاؤه و طيب حسن الموضع و كثرة الخضرة فرأى فيها سمكة كأنها سبيكة فضة فأعجبته فلم يقدر أحد يسبح في العين لشدة بردها فجعل لمن يخرجها سيفا فنزل فراش فاصطادها وطلع فاضطربت و فرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون و نحره و ابتل ثوبه ثم نزل الفراش ثانية فأخذها فقال المأمون : تقلى الساعة ثم أخذته رعدة فغطي باللحف ـ و هو يرتعد و يصيح ـ فأوقدت حوله نار فأتى بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله ثم أفاق المأمون من غمرته فسأل عن تفسير المكان بالعربي ؟ قيل : مد رجليك فتطير به ثم سأل عن اسم البقعة فقيل : الرقة و كان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة فكان يتجنب نزول الرقة فرقا من الموت فلما سمع هذا من الروم عرف و أيس و قال : يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه و لما وردت وفاته بغداد قال أبو سعيد المخزومي : ( هل رأيت النجوم أغنت عن المأ ... مون أو عن ملكه المأسوس ) ( خلفوه بعرصتي طرسوس ... مثل ما خلفوا أباه بطوس ) قال الثعالبي : لا يعرف أب و ابن من الخلفاء أبعد قبرا من الرشيد و المأمون قال : و كذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد و لم ير الناس مثلهم : فقبر عبد الله بالطائف و عبيد الله بالمدينة و الفضل بالشام و قثم بسمرقند و معبد بإفريقية |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المعتصم محمد بن هارون الرشيد 218هـ ـ 227ه
المعتصم بالله : أبو إسحاق محمد بن الرشيد ولد سنة ثمانين و مائة كذا قال الذهبي و قال الصولي : في شعبان سنة ثمان و سبعين و أمة أم ولد من مولدات الكوفة اسمها ماردة و كانت أحظى الناس عند الرشيد روى عن أبيه و أخيه المأمون و روى عنه : إسحاق الموصلي و حمدون بن إسماعيل و آخرون و كان ذا شجاعة وقوة وهمة و كان عريا من العلم فروى الصولي عن محمد بن سعيد عن إبراهيم بن محمد الهاشمي قال : كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه فمات الغلام فقال له الرشيد أبوه : يا محمد مات غلامك قال : نعم يا سيدي و استرح من الكتاب فقال : و إن الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلموه قال : فكان يكتب و يقرأ قراءة ضعيفة و قال الذهبي : كان المعتصم من أعظم الخلفاء و أهيبهم لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن و قال نفطوية و الصولي : للمعتصم مناقب و كان يقال له : المثمن لأنه ثامن الخلفاء من بني العباس و الثامن من ولد العباس و ثامن أولاد الرشيد و ملك سنة ثمان عشرة و ملك ثمان سنين و ثمانية أشهر و ثمانية أيام و مولده سنة ثمان و سبعين و عاش ثمانيا و أربعين سنة و طالعه العقرب و هو ثامن برج و فتح ثمانية فتوح و قتل ثمانية أعداء و خلف ثمانية أولاد و من الإناث كذلك و مات لثمان بقين من ربيع الأول و له محاسن و كلمات فصيحة و شعر لا بأس به غير أنه إذا غضب لا يبالي من قتل و قال ابن أبي دؤاد : كان المعتصم يخرج ساعده إلي و يقول : يا أبا عبد الله عض ساعدي بأكثر قوتك فأمتنع فيقول : إنه لا يضرني فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن الأسنان و قال نفطويه : و كان من أشد الناس بطشا كان يجعل زند الرجل بين أصبعيه فيكسره و قال غيره : هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان و كان يتشبه بملوك الأعاجم و يمشي مشيهم و بلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا و قال ابن يونس هجا دعبل المعتصم ثم نذر به فخاف و هرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب و الأبيات التي هجاه بها هذه : ( ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... و لم يأتينا في ثامن منهم الكتب ) ( كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... غداة ثووا فيها و ثامنهم كلب ) ( و إني لأزهى كلبهم عنك رغبة ... لأنك ذو ذنب وليس له ذنب ) ( لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم ... و صيف و أشناس و قد عظم الخطب ) ( و إني لأرجو أن ترى من مغيبها ... مطالع شمس قد يغص الشرب ) ( و همك تركي عليه مهانة ... فأنت له أم و أنت له أب ) بويع له بالخلافة بعد المأمون وفي شهر رجب سنة ثمان عشرة و مائتين فسلك ما كان المأمون عليه و ختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن فكتب إلى البلاد بذلك و أمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك و قاسى الناس منه مشقة في ذلك و قتل عليه خلقا من العلماء و ضرب الإمام أحمد بن حنبل و كان ضربه في سنة عشرين و فيها تحول المعتصم من بغداد و بنى [ سر من رأى ] و ذلك أنه اعتنى باقتناء الترك فبعث إلى سمرقند و فرغانة و النواحي في شرائهم و بذل فيهم الأموال و ألبسهم أنواع الديباج و مناطق الذهب فكانوا يطردون خيلهم في بغداد و يؤذون الناس و ضاقت بهم البلد فاجتمع إليه أهل بغداد و قالوا : إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك قال : و كيف تحاربونني ؟ قالوا : بسهام الأسهار قال : لا طاقة لي بذلك فكان ذلك سبب بنائه [ سر من رأى ] و تحوله إليها و في سنة ثلاث و عشرين غزا المعتصم الروم فكأنهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة و شتت جموعهم و خرب ديارهم و فتح عمورية بالسيف و قتل منها ثلاثين ألفا و سبى مثلهم و كان لما تجهز لغزوها حكم المنجون أن ذلك طالع نحس و أنه يكسر فكان من نصره و ظفره ما لم يخف فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة و هي هذه : ( السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد و اللعب ) ( و العلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب ) ( أين الرواية ؟ أم أين النحوم ؟ و ما ... صاغوه من زخرف فيها و من كذب ) ( تخرصا و أحاديثا ملفقة ... ليست بعجم إذا عدت و لا عرب ) مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع و عشرين و كان قد ذلل العدو بالنواحي و يقال : إنه قال في مرض موته : [ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ] و لما احتضر جعل يقول : ذهبت الحيلة فليس حيلة و قيل : جعل يقول : أوخذ من بين هذا الخلق و قيل : إنه قال : اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي و لا أخافك من قبلك و أرجوك من قبلك و لا أرجوك من قبلي و من شعره : ( قرب النحام و اعجل يا غلام ... و اطرح السرج عليه و اللجام ) ( أعلم الأتراك أني خائض ... لجة الموت فمن شاء أقام ) و كان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العباس لاستيلاء الأموي عليها فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال : قال لي المعتصم : إن بني أمية ملكوا و ما لأحد منا ملك و ملكنا نحن و لهم بالأندلس هذا الأموي فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته و شرع في ذلك فاشتدت علته و مات و قال الصولي : سمعت المغيرة بن محمد يقول : يقال : إنه لم يجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم و لا ظفر ملك قط كظفره أسر ملك أذربيجان و ملك طبرستان وملك استيسان و ملك الشياصح و ملك فرغانة و ملك طخارستان و ملك الصفة و ملك كابل و قال الصولي : و كان نقش خاتمه [ الحمد لله الذي ليس كمثله شيء ] و من أخبار المعتصم : أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال : لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان و جلس فيه دخل عليه الناس فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها إلا أنه افتتحها بقوله : ( يا دار غيرك البلى و محاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك ؟ ) فتطير المعتصم و تطير الناس و تغامزوا و يعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه و علمه و طول خدمته للملوك ؟ و خرب المعتصم القصر بعد ذلك و أخرج عن إبراهيم بن العباس قال : كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد و زاد عليه و كان أول من ثرد الطعام و كثره حتى بلغ ألف دينار إلى اليوم و أخرج عن أبي العيناء قال : سمعت المعتصم يقول : إذا نصر الهوى بطل الرأي و أخرج عن إسحاق قال : كان المعتصم يقول : من طلب الحق بما له و عليه أدركه و أخرج عن محمد بن عمر الرومي قال : كان المعتصم غلام يقال له عجيب لم يرى الناس مثله قط و كان مشغوفا به فعمل فيه أبيات ثم دعاني و قال : قد علمت أني دون أخوتي في الأدب لحب أمير المؤمنين لي و ميلي إلى اللعب و أنا حدث فلم أنل ما نالوا و قد عملت في عجيب أبياتا فإن كانت حسنة و إلا فاصدقني حتى أكتمها ثم أنشد شعرا : ( لقد رأيت عجيبا ... يحكي الغزال الربيبا ) ( الوجه منه كبدر ... و القد يحكي القضيبا ) ( و إن تناول سيفا ... رأيت ليثا حريبا ) ( و إن رمى بسهام ... كان المجيد المصيبا ) ( طبيب ما بي من الحب ... فلا عدمت الطبيبا ) ( إني هويت عجيبا ... هوى أراه عجيبا ) فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء فطابت نفسه و أمر لي بخمسين ألف درهم و قال الصولي : حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال : كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابا يهدده فيه فلما قرئ عليه قال للكاتب : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك و سمعت خطابك و الجواب ما ترى لا ما تسمع و سيعلم الكفار لمن عقبى الدار و أخرج الصولي عن الفضل اليزيدي قال : وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه : من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد ؟ : ( إن المكارم و المعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع ) ( من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع ) ( إن أخلف القطر لم تخلف فواضله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع ) فقال أبو وهيب : فينا من يقول خيرا منه فيك و قال : ( ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها : ... شمس الضحى و أبو إسحاق و القمر ) ( تحكي أفاعيله في كل نائبة ... الليث و الغيث و الصمصامة الذكر ) و لما مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك جامعا بين العزاء و الهناء فقال : ( قد قلت إذ غيبوك و اصطفت ... عليك أيد بالترب و الطين ) ( اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال ... دنيا و نعم الظهير للدين ) ( ما يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون ) حديث رواه المعتصم قال الصولي : [ حدثنا العلائي حدثنا عبد الملك بن الضحاك حدثني هشام بن محمد حدثني المعتصم قال : حدثني أبي الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما [ عن أبيه ] : [ أن النبي صلى الله عليه و سلم نظر إلى القوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ : {{ والشجرة الملعونة في القرآن }} فقيل له : أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها ؟ فقال : ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية إذا ملكوا جاروا وإذا اؤتمنوا خانوا و ضرب بيده على ظهر عمه العباس فقال : يخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يده ] قلت : الحديث موضوع و آفته العلائي و قال ابن عساكر : أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن أحمد حدثني علي بن الحسين الحافظ حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي حدثنا ابن خلاد حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي حدثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ قال : كنت عند المعتصم أعوده فقلت : أنت في عافية فقال : كيف و قد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس مرفوعا : [ من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه مات فيه ] قال ابن عساكر : سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي و إسحاق ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي عن أحمد بن محمد بن الليث عن منصور بن النضر عن إسحاق و ممن مات في أيام المعتصم من الأعلام : الحميدي شيخ البخاري و أبو نعيم الفضل بن دكين و أبو غسان المهدي و قالون المقرئ و خلاد المقرئ و آدم بن أبي إياس و عفان و القعنبي و عبدان المروزي و عبد الله بن صالح كاتب الليث و إبراهيم بن المهدي و سليمان بن حرب و علي بن محمد المدائني و أبو عبيد القاسم بن سلام و قرة بن حبيب و عارم و محمد بن عيسى الطباع الحافظ و أصبغ بن الفرج الفقيه المالكي و سعدويه الواسطي و أبو عمر الجرمي النحوي و محمد بن سلام البيكندي و سنيد و سعيد بن كثير بن عفير و يحيى بن يحيى التميمي و آخرون |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الواثق بالله هارون بن المعتصم بن الرشيد 227 هـ ـ 232 ه
الواثق بالله : هارون أبو جعفر و قيل : أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد رومية اسمها قراطيس ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست و تسعين و مائة و ولي الخلافة بعهد من أبيه بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع و عشرين و في سنة ثمان و عشرين استخلف على السلطنة أشناس التركي و ألبسه وشاحين مجوهرين و تاجا مجوهرا و أظن أنه أول خليفة استخلف سلطانا فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه و في سنة إحدى و ثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة و المؤذنين بخلق القرآن و كان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخره أمره و في هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي و كان من أهل الحديث قائما بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أحضره من بغداد إلى سامرا مقيدا و سأله عن القرآن فقال : ليس بمخلوق و عن الرؤية في القيامة فقال : كذا جاءت الرواية و روى له الحديث فقال الواثق له : تكذب فقال للواثق : بل تكذب أنت فقال : ويحك ! يرى كما يرى المحدود المتجسم و يحويه مكان و يحصره الناظر ؟ إنما كفرت برب صفته ما تقولون فيه ؟ فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله : هو حلال الضرب فدعا بالسيف و قال : إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربا لا نعبده و لا نعرفه بالصفة التي وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه و هو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه و أمر بحمل رأسه إلى بغداد فصلب بها و صلبت جثته في سر من رأى و استمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل فأنزله و دفنه و لما صلب كتب ورقة و علقت في أذنه فيها : هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن و نفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فعجله الله إلى ناره و وكل بالرأس من يحفظه و يصرفه عن القبلة برمح فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدبر إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق رويت هذه الحكاية من غير وجه و في هذه السنة استفك من الروم ألفا و ستمائة أسير مسلم فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله : من قال من الأسارى : [ القرآن مخلوق ] خلصوه و أعطوه دينارين و من امتنع دعوه في الأسر قال الخطيب : كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق و حمله على التشدد في المنحة و دعا الناس إلى القول بخلق القرآن و يقال : إنه رجع عنه قبل موته و قال غيره : حمل إليه رجل فيمن حمل مكبل بالحديد من بلاده فلما دخل ـ و ابن أبي دؤاد حاضر ـ قال المقيد : أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه أعلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يدع الناس إليه أم شيء لم يعلمه ؟ قال ابن أبي دؤاد : بل علمه قال : فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه و أنتم لا يسعكم ؟ قال : فبهتوا و ضحك الواثق و قام قابضا على فمه و دخل بيتا و مد رجليه و هو يقول : وسع النبي صلى الله عليه و سلم أن يسكت عنه و لا يسعنا فأمر له أن يعطى ثلاثمائة دينار و أن يرد إلى بلده و لم يمتحن أحدا بعدها و مقت ابن أبي دؤاد من يومئذ و الرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود و النسائي قال ابن أبي الدنيا : كان الواثق أبيض تعلوه صفرة حسن اللحية في عينه نكتة قال يحيى بن أكثم : ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ما مات و فيهم فقير و قال غيره : كان الواثق وافر الأدب مليح الشعر و كان يحب خادما أهدي له من مصر فأغضبه الواثق يوما ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم و الله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فقال الواثق : ( يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ... ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا ) ( لولا الهوى لتجارينا على قدر ... و إن أفق منه يوما ما فسوف ترى ) و من شعر الواثق في خادمه : ( مهج يملك المهج ... بسجي اللحظ و الدعج ) ( حسن القد مخطف ... ذو دلال و ذو غنج ) ( ليس للعين إن بدا ... عنه باللحظ منعرج ) و قال الصولي : كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه و فضله و كان المأمون يعظمه و يقدمه على ولده و كان الواثق أعلم الناس بكل شيء و كان شاعرا و كان أعلم الخلفاء بالغناء و له أصوات و ألحان عملها نحو مائة صوت و كان حاذقا بضرب العود راوية للأشعار و الأخبار و قال الفضل اليزيدي : لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق فقيل له : كان أروى من المأمون ؟ فقال : نعم كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم و الطب و المنطق و كان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئا و قال يزيد المهلبي : كان الواثق كثير الأكل جدا و قال ابن فهم : كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلا و كل ما على الخوان من غضارة و صفحة و سكرجة من ذهب فسأله ابن أبي دؤاد أن لا يأكل عليه للنهي عنه فأمر أن يكسر ذلك و يضرب و يحمل إلى بيت المال و قال الحسين بن يحيى : رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة و أن قائلا يقول له : لا يهلك على الله إلا من قبله مرت فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك فلم عرفوا معناه فوجه إلى أبي محلم و أحضره فسأله عن الرؤيا و المرت فقال أبو المحلم : المرت القفر الذي لا ينبت شيئا فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قبله خال من الإيمان خلو المرت من النبات فقال له الواثق : أريد شاهدا من الشعر في المرت فبادر بعض من حضر فأنشد بيتا لبني أسد : ( و مرت مروتاة يحار بها القطا ... و يصبح ذو علم بها و هو جاهل ) فضحك أبو محمل و قال : و الله لا أبرح حتى أنشدك فأنشده للعرب مائة قافية معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت فأمر له الواثق بمائة ألف دينار و قال حمدون بن إسماعيل : ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق و لا أصبر على أذى و لا خلاف منه و قال أحمد بن حمدون : دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه فأكرمه إلى الغاية فقيل له : من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل ؟ فقال : هذا أول من فتق لساني بذكر الله و أدناني من رحمة الله و من مديح علي بن الجهم فيه : ( و ثقت بالملك ال ... واثق بالله النفوس ) ( و ملك يشقى به الما ... ل و لا يشقى الجليس ) ( أسد يضحك عن شد ... اته الحرب العبوس ) ( أنس السيف به واس ... توحش الطلق النفيس ) ( يا بني العباس يأبى الل ... ه إلا أن تروسوا ) مات الواثق بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة مائتين و اثنتين و ثلاثين و لما احتضر جعل يردد هذين البيتين : ( الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى و لا ملك ) ( ما ضر أهل قليل في تفارقهم ... و ليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ) و حكي أنه لما مات ترك وحده و اشتغل الناس بالبيعة للمتوكل فجاء جرذون فاستل عينه فأكلها مات في أيامه من الأعلام : مسدد و خلف بن هشام البزار المقرئ و إسماعيل بن سعيد الشالخي شيخ أهل طبرستان و محمد بن سعد كاتب الواقدي و أبو تمام الطائي الشاعر و محمد بن زياد ابن الأعرابي اللغوي و البوطي صاحب الشافغي مسجونا مقيدا في المحنة و علي بن المغيرة الأثرم اللغوي و آخرون و من أخبار الواثق : أسند الصولي عن جعفر بن الرشيد قال : كنا بين يدي الواثق و قد اصطبح فناوله خادمه مهج وردا و نرجسا فأنشد ذلك بعد يوم لنفسه : ( حياك بالنرجس و الورد ... معتدل القامة و القد ) ( فألهبت عيناه نار الهوى ... و زاد في اللوعة و الوجد ) ( أملت بالملك له قربه ... فصال ملكي سبب البعد ) ( و رئحته سكرات الهوى ... فمال بالوصل إلى الصد ) ( إن سئل البذل ثنى عطفه ... و أسبل الدمع على الخد ) ( غر بما تجنيه ألحاظه ... لا يعرف الإنجاز للوعد ) ( مولى تشكى الظلم من عبده ... فأنصفوا المولى من العبد ) قال : فأجمعوا أنه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات و قال الصولي : حدثني عبد الله بن العتز قال : أنشدني بعض أهلنا للواثق و كان يهوى خادمين لهذا يوم يخدمه فيه و لهذا يوم يخدمه فيه : ( قلبي قسيم بين نفسين ... فمن رأى روحا بجسمين ) ( يغضب ذا غن جاد ذا بالرضا ... فالقلب مشغول بشجوين ) و أخرج عن الحزنبل قال : غني في مجلس الواثق بشعر الأخطل : ( و شادن مربح بالكاس نادمني ... لا بالحصور و لا فيها بسوار ) فقال : أسوار أو سار ؟ فوجه إلى ابن الأعرابي يسأل عن ذلك ؟ فقال : سوار وثاب يقول : لا يثب على ندمائه و سآر مفصل في اكأس سؤرا و قد رويا جميعا فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم و قال : حدثني ميمون بن إبراهيم حدثني أحمد بن الحسين بن هشام قال : تلاحى الحسين بن الضحاك و مخارق يوما في مجلس الواثق في أبي نواس و أبي العتاهية أيهما أشعر ؟ فقال الواثق : اجعلا بينكما خطرا فجعلا بينهما مائتي دينار فقال الواثق : من ههنا من العلماء ؟ فقيل : أبو محلم فأحضره فسئل عن ذلك ؟ فقال : أبو النواس أشعر و أذهب في فنون العرب و أكثر افتنانا من أفانين الشعر فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن الرشيد 232 هـ ـ 247 ه
المتوكل على الله : جعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد اسمها شجاع ولد سنة خمس ـ و قيل : سبع ـ و مائتين و بويع له في ذي الحجة سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين بعد الواثق فأظهر الميل إلى السنة و نصر أهلها و رفع المحنة و كتب بذلك إلى الآفاق و ذلك في سنة أربع و ثلاثين و استقدم المحدثين إلى سامرا و أجزل عطاياهم و أكرمهم و أمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات و الرؤية و جلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس و جلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه أيضا نحو من ثلاثين ألف نفس و توفر دعاء الخلق للمتوكل و بالغوا في الثناء عليه و التعظيم له حتى قال قائلهم : الخلفاء ثلاثة : أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتل أهل الردة و عمر بن عبد العزيز في رد المظالم و المتوكل في إحياء السنة و إماتة التجهم و قال أبو بكر بن الخبازة في ذلك : ( و بعد فإن السنة اليوم أصبحت ... معززة حتى كأن لم تذلل ) ( تصول و تسطو إذ أقيم منارها ... وحط منار الإفك و الزور من عل ) ( و ولى أخو الإبداع في الدين هاربا ... إلى النار يهوي مدبرا غير مقبل ) ( شفى الله منهم بالخليفة جعفر ... خليفته ذي السنة المتوكل ) ( خليفة ربي و ابن عم نبيه ... و خير بني العباس من منهم ولي ) ( و جامع شمل الدين بعد تشتت ... و فاري رؤوس المارقين بمنصل ) ( أطال لنا رب العباد بقاءه ... سليما من الأهوال غير مبدل ) ( و بوأه بالنصر للدين جنة ... يجاور في روضاتها خير مرسل ) و في هذه السنة أصاب ابن أبي دؤاد فالج صيره حجرا ملقى فلا آجره الله و من عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم و لم يعهد مثلها أحرقت زرع الكوفة و البصرة و بغداد و قتلت المسافرين و دامت خمسين يوما و اتصلت بهمذان و أحرقت الزرع و المواشي و اتصلت بالموصل و سنجار و منعت الناس من المعاش في الأسواق و من المشي في الطرقات و أهلكت خلقا عظيما و في السنة التي قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق سقطت منها دور و هلك تحتها خلق وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها و إلى الجزيرة فأحرقتها و إلى الموصل فيقال : هلك من أهلها خمسون ألفا و في سنة خمس و ثلاثين ألزم المتوكل كل النصارى بلبس الغل و في سنة ست و ثلاثين أمرهم بهدم قبر الحسين و هدم ما حوله من الدور و أن يعمل مزارع و منع الناس من زيارته و خرب و بقي صحراء و كان المتوكل معروفا بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك و كتب أهل بغداد شتمه على الحيطان و المساجد و هجاه الشعراء فمما قيل في ذلك : ( بالله إن كانت أمية قد أتت ... قتل ابن بنت نبيها مظلوما ) ( فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... هذا لعمري قبره مهدوما ) ( أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قتله فتتبعوه رميما ) و في سنة سبع و ثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر : أبي بكر محمد بن أبي الليث و أن يضربه و يطوف به على حمار ففعل ـ و نعم ما فعل ـ فإنه كان ظالما من رؤوس الجهمية و ولي القضاء بدله الحارث بن سكين من أصحاب مالك بعد تمنع و أهان القاضي المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطا ليرد الظلمات إلى أهلها و في هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت و البيادر و لم تزل تحرق إلى ثلث الليل ثم كفت و في سنة ثمان و ثلاثين كبست الروم دمياط و نهبوا و أحرقوا و سبوا منها ستمائة امرأة و ولوا مسرعين في البحر و في سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء فمات منها خلق كثير و وقع برد بالعراق كبيض الدجاج و خسف بثلاث عشر قرية بالمغرب و في سنة إحدى و أربعين ماجت النجوم في السماء و تناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل و كان أمرا مزعجا لم يعهد و في سنة اثنتين و أربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس و أعمالها و الري و خراسان و نيسابور و طبرستان و أصبهان و تقطعت الجبال و تشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق و رجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء و وزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال و سار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين و وقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح : يا معشر الناس اتقوا الله الله الله و صاح أربعين صوتا ثم طار و جاء من الغد ففعل كذلك و كتب البريد بذلك و أشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه و فيها حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل و تعجب الناس من ذلك و في سنة ثلاث و أربعين قدم المتوكل دمشق فأعجبته و بنى له القصر بداريا و عزم على سكناها فقال يزيد بن محمد المهلبي : ( أظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق ) ( فإن تدع العراق و ساكنيه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق ) فبدا له و رجع بعد شهرين أو ثلاثة و في سنة أربع و أربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز و المؤيد فقال لابن السكيت : من أحب إليك هما أو الحسن و الحسين ؟ فقال : قنبر ـ يعني مولى علي ـ خير منهما فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات و قيل : أمر بسل لسانه و أرسل إلى ابنه بديته و كان المتوكل رافضيا و في سنة خمس و أربعين عمت الزلازل الدنيا فأخربت المدن و القلاع و القناطر و سقط من أنطاكية جبل في البحر و سمع من السماء أصواتا هائلة و زلزلت مصر و سمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة فمات خلق من أهل بلبيس و غارت عيون مكة فأرسل المتوكل مائة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها و كان المتوكل جوادا ممدحا يقال : ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى المتوكل و فيه يقول مروان بن أبي الجنوب : ( فأمسك ندى كفيك عني و لا تزد ... فقد خفت أن أطغى و أن أتجبرا ) فقال : لا أمسك حتى يغرقك جودي و كان أجازه على قصيدة بمائة ألف و عشرين ألفا و دخل عليه علي بن الجهم يوما و بيديه درتان يقلبهما فأنشده قصيدة له فرمى إليه بدرة فقلبها فقال : تستنقص بها و هي و الله خير من مائة ألف و لكني فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى فقال : قل فقال : ( بسر من را إمام عدل ... تغرف من بحره البحار ) ( الملك فيه و في بنيه ... ما اختلف الليل و النهار ) ( يرجى و يخشى لكل خطب ... كأنه جنة و نار ) ( يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار ) ( لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثلها اليسار ) فرمى إليه بالدرة الأخرى قال بعضهم : سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة : منصور بن المهدي و العباس بن الهادي و أبو أحمد بن الرشيد و عبد الله بن الأمين و موسى بن المأمون و أحمد بن المعتصم و محمد بن الواثق و ابنه المنتصر و قال المسعودي : لا يعلم أحد متقدم في جد و لا هزل إلا و قد حظي في دولته و وصل إليه نصيب وافر من المال و كان منهمكا في اللذات و الشراب و كان له أربعة آلاف سرية و وطئ الجميع وقال علي بن الجهم : كان المتوكل مشغوفا بقبيحة أم ولده المعتز لا يصبر عنها فوقفت له يوما ـ و قد كتبت على خديها بالغالية جعفرا ـ فتأملها و أنشأ يقول : ( و كاتبه بالمسك في الخد جعفرا ... بنفسي محط المسك من حيث أثرا ) ( لئن أودعت سطرا من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا ) و في كتاب المحن للسلمي أن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال و مقامات أهل الولاية فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم ـ و كان رئيس مصر و من جلة أصحاب مالك ـ و أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف و رماه بالزندقة فدعاه أمير مصر و سأله عن اعتقاده فتكلم فرضي أمره و كتب به إلى المتوكل فأمر بإحضاره فحمل على البريد فلما سمع كلامه أولع به و أحبه و أكرمه حتى كان يقول : إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذي النون كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر ثم المعتز ثم المؤيد ثم إنه أراد تقديم المعتز لمحبته لأمه فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة و يحط منزلته و يتهدده و يشتمه و يتوعده و اتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه فدخل عليه خمسة و هو في جوف الليل في مجلس لهوه فقتلوه هو و وزيره الفتح بن خاقان و ذلك في خامس شوال سنة سبع أربعين و مائتين و رئي في النوم فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بقليل من السنة أحييتها و لما قتل رئته الشعراء و من ذلك قول يزيد المهلبي : ( جاءت منيته و العين هاجعة ... هلا أتته المنايا و القنا قصد ) ( خليفة لم ينل ما ناله أحد ... و لم يضع مثله روح و لا جسد ) و كان من حظاياه وصيفة تسمى محبوبة شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير فأمر بها يوما للمنادمة فجلست منكسة فقال : غني فاعتلت فأقسم عليها و أمر بالعود فوضع في حجرها فغنت ارتجالا : ( أي عيش يلذ لي ... لا أرى فيه جعفرا ؟ ) ( ملك قد رأيته ... في نجيع معفرا ) ( كل من كان ذا هيا ... م و سقم فقد برا ) ( غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى ) ( لاشترته بماحـ ... وته يداها لتقبرا ) ( إن موت الحزين أط ... يب من أن يعمرا ) فغضب بغا و أمر بها فسجنت فكان آخر العهد بها و من الغرائب أن المتوكل قال للبحتري : قل شعرا و في الفتح بن خاقان فإني أحب أن يحيا معي و لا أفقده فيذهب عيشي و لا يفقدني فقل في هذا المعنى فقال : ( يا سيدي كيف أخلفت وعدي ... و تثاقلت عن وفاء بعهدي ؟ ) ( لا أرتني الأيام فقدك يا فت ... ح و لا عرفتك ما عشت فقدي ) ( أعظم الرزء أن تقدم قبلي ... و من الرزء أن تؤخر بعدي ) ( حذرا أن تكون إلفا لغيري ... إذ تفردت بالهوى فيك وحدي ) فقتلا معا كما تقدم و من أخبار المتوكل : أخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكرا سليما نيئا سقط عليه من السماء مكتوبا عليه جعفر المتوكل على الله فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم : نسميه المنتصر فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه فوجده موافقا فأمضى و كتب به إلى الآفاق و أخرج عن هشام بن عمار قال : سمعت المتوكل يقول : واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه و أشاهده و أتعلم منه فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام و هو يقول : يا أيها الناس إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله و خلف فيكم علما حسنا فاتبعوه تهدوا ثم قال : اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمه واسعة و سهل على حفظ مذهبه و انفعني بذلك قلت استفدنا من أن المتوكل كان متمذهبا بمذهب الشافعي و هو أول من تمذهب له من الخلفاء و أخرج عن أحمد بن علي البصري قال : وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل و غيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله : إن هذا لا يرى بيعتنا فقال له : بلى يا أمير المؤمنين و لكن في بصره سوءا فقال أحمد بن المعدل : يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء و لكن نزهتك من عذاب الله قال النبي صلى الله عليه و سلم [ من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ] فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه و أخرج عن يزيد المهلبي قال : قال لي المتوكل : يا مهلبي إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها و أنا ألين لهم ليحبوني و يطيعوني و أخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال : دخلت على المتوكل فقال : يا أبا يحيى ما أبطأك عنا ! منذ ثلاث لم نرك كنا هممنا لك بشيء فصرفناه إلى غيرك فقلت : يا أمير المؤمنين جزاك الله على هذا الهم خيرا ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين ؟ قال : بلى فأنشدته : ( لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف ) ( و لا ألومك إذا لم يمضه قدر ... فالرزق بالقدر المحتوم مصروف ) فأمر لي بألف دينار و أخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال : دخلت على المتوكل لما توفيت أمه فقال : يا جعفر ربما قلت البيت الواحد فإذا جاوزته خلطت و قد قلت : ( تذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فندبت نفسي بالنبي محمد ) فأجازه بعض من حضر المجلس بقوله : ( و قلت لها : إن المنايا سبيلنا ... فمن لم تمت في يومه مات في غد ) و أخرج عن الفتح بن خاقان قال : دخلت يوما على المتوكل فرأيته مطرقا متفكرا فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا الفكر ؟ فو الله ما ظهر على الأرض أطيب منك عيشا و لا أنعم منك بالا فقال : يا فتح أطيب عيشا مني رجل له دار واسعة و زوجة صالحة و معيشة حاضرة لا يعرفنا فنؤذيه و لا يحتاج إلينا فنزدريه و أخرج عن أبي العيناء قال : أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل فقال لها : أشاعرة أنت ؟ قالت : هكذا زعم من باعني و اشتراني فقال : أنشدينا شيئا من شعرك فأنشدته : ( استقبل الملك إمام الهدى ... عام ثلاث و ثلاثينا ) ( خلافة أفضت إلى جعفر ... و هو ابن سبع بعد عشرينا ) ( إنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الملك ثمانينا ) ( لا قدس الله أمرا لم يقل ... عند دعائي لك : آمينا ) و أخرج عن علي بن الجهم قال : أهدي إلى المتوكل جارية يقال لها محبوبة قد نشأت بالطائف و تعلمت الأدب و روت الأشعار فأغري المتوكل بها ثم إنه غضب عليها و منع جواري القصر من كلامها فدخلت عليه يوما فقال لي : قد رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها فقلت : خيرا يا أمير المؤمنين فقال : قم بنا للنظر ما هي عليه فقمنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب على العود و تقول : ( أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه و لا يكلمني ) ( حتى كأني أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلصني ) ( فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى و صالحني ) ( حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجرة فصارمني ) فصاح المتوكل فخرجت فأكبت على رجليه تقبلهما فقالت : يا سيدي رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني قال : و أنا و الله قد رأيتك فردها إلى مرتبتها فلما قتل المتوكل صارت إلى بغا و ذكر الأبيات السابقة و أخرج عن علي أن البحتري قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة و يهجو ابن أبي دؤاد بقوله : ( أمير المؤمنين لقد شكرنا ... إلى آبائك الغر الحسان ) ( رددت الدين فذا بعد أن قد ... أراه فرقتين تخاصمان ) ( قصمت الظالمين بكل أرض ... فأضحى الظلم مجهول المكان ) ( و في سنة رمت متجبريهم ... على قدر بداهية عيان ) ( فما أبقت من ابن أبي دؤاد ... سوى حسد يخاطب بالمعاني ) ( تحير فيه سابور بن سهل ... فطاوله و مناه الأماني ) ( إذا أصحابه اصطحبوا بليل ... أطالوا الخوض في خلق القران ) و أخرج عن أحمد بن حنبل قال : سهرت ليلة ثم نمت فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج بي إلى السماء و قائلا يقول : ( ملك يقاد إلى مليك عادل ... متفضل في العفو ليس بجائر ) ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من [ سر من رأى ] إلى بغداد و أخرج عن عمرو بن شيبان الجهني قال : رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول : ( يا نائم العين في أوطار جسمان ... أفض دموعك يا عمرو بن شيبان ) ( أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا ... بالهاشمي و بالفتح بن خاقان ؟ ) ( وافى إلى الله مظلوما تضج له ... أهل السموات من مثنى و وحدان ) ( و سوف يأتيكم أخرى مسومة ... توقعوا لها شأن من الشان ) ( فابكوا على جعفر و ارثوا خليفتكم ... فقد بكاه جميع الإنس و الجان ) ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بقليل من السنة أحييتها قلت : فما تصنع ههنا ؟ قال : أنتظر محمدا ابني أخاصمه إلى الله قال الخطيب : أخبرنا أبو الحسين الأهوازي حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي حدثنا محمد بن هارون الهاشمي حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال : سمعت المتوكل يحدث [ عن يحيى بن أكثم عن محمد بن عبد المطلب عن سفيان عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من حرم الرفق حرم الخير ] أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من وجه آخر عن جرير و قال ابن عساكر : أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي حدثنا جدي أبو محمد حدثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن داران غندر حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي حدثنا أحمد بن الحسن المقرىء البزار حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي و أحمد بن زهير و إسحاق بن إبراهيم بن إسحاق فقالوا : حدثنا علي بن الجهم قال : كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال فقال : إن حسن الشعر لمن الجمال ثم قال : حدثني المعتصم حدثني المأمون حدثنا الرشيد حدثنا المهدي حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه و سلم جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ و كان من أجمل الناس و كان أسمر رقيق اللون لا بالطويل و لا بالقصير و كان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه و كان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه قال علي بن الجهم : و كان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه و قال لنا المتوكل : كان للمعتصم جمة و كذلك للمأمون و الرشيد و المهدي و المنصور ولأبيه محمد و لجده علي و لأبيه عبد الله بن عباس قلت : هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه بذكر الجمة و الآباء و بالخلفاء ففي إسناده ست خلفاء مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام : أبو ثور و الإمام أحمد بن حنبل و إبراهيم بن المنذر الخزامي و إسحاق بن راهوية النديم و روح المقرىء و زهير بن حرب و سحنون و سليمان الشاذكوني و أبو مسعود العسكري و أبو جعفر النفيلي و أبو بكر بن أبي شيبة و أخوه وديك الجن الشاعر و عبد الملك بن حبيب إمام المالكية و عبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي و عبيد الله بن عمر القواريري و علي بن المديني و محمد بن عبد الله بن نمير و يحيى بن معين و يحيى بن بكير و يحيى بن يحيى و يوسف الأزرق المقرىء و بشر بن الوليد الكندي المالكي و ابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا رحمه الله و أبو بكر الهذلي العلاف شيخ الاعتزال و رأس أهل الضلال و جعفر بن حرب من كبار المعتزلة و ابن كلاب المتكلم و القاضي يحيى بن أكثم و الحارث المحاسبي و حرملة صاحب الشافعي و ابن السكيت و أحمد بن منيع و ذم النون المصري الزاهد و أبو تراب النخشبي و أبو عمر الدوري المقرىء و دعبل الشاعر و أبو عثمان المازني النحوي و خلائق آخرون |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
هارون الرشيد ينتصر على البيزنطيين.
165 - 781 م أرسل المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم صائفة، في جمادى الآخرة، في خمسة وتسعين ألفاً وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلاً، ومعه الربيع، فوغل هارون في بلاد الروم، ولقيه عسكر لقيظاً قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد الشيباني فأثخنه يزيد وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم. وساروا إلى الدمستق، وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ألفاً وأربعمائة وخمسين ديناراً، ومن الورق أحداً وعشرين ألف ألف درهم وأربعة عشر ألفاً وثمانمائة درهم. وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذٍ عطسة امرأة أليون، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق، وذلك أنه دخل مدخلاً ضيقاً مخوفاً، فأجابته إلى ذلك، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار كل سنة، ورجع عنها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
نقض الروم الصلح الذي عقده هارون الرشيد عن أمر أبيه.
168 - 784 م نقض الروم الهدنة التي عقدها الرشيد سنة 165 هـ فوجه إليهم علي بن سليمان أمير الجزيرة جيشا بقيادة يزيد بن بدر البطال فظفر بهم وغنم. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الخليفة العباسي الهادي وتسلم هارون الرشيد الخلافة.
170 ربيع الأول - 786 م أراد الهادي أن يعهد لابنه جعفر بدلا من هارون الرشيد وحثه على ذلك وشجعه جماعة من ولاته ولكن يحيى البرمكي نبهه أن جعفر مازال صغيرا لم يبلغ الحنث ثم إن هذا سيجعل الناس تستخف بأيمانها ثم رجع عن ذلك واختلف في سبب وفاته، فقيل كان سببها قرحة كانت في جوفه؛ وقيل مرض بحديثة الموصل، وعاد مريضاً فتوفي، وقيل إن وفاته كانت من قبل جوار لأمه الخيزران كانت أمرتهن بقتله، وكان سبب أمرها بذلك أنه لما ولي الخلافة منعها من أن تتصرف بأي شيء في أمور الخلافة أو الشفاعات وغيرها وصلى عليه الرشيد، ودفن بعيساباذ الكبرى في بستانه فكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، فاستلم هارون الرشيد زمام الخلافة في اليوم التالي. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
هارون الرشيد يكتب كتابا يوصي فيه لابنه الأمين بالبيعة ومن بعده لابنه المأمون ويعلق الكتاب في جوف الكعبة.
175 - 791 م أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الأمين، وعمره إذ ذاك خمس سنين وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون، ويقول: والله إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت، وإني لأقدم محمد بن زبيدة وإني لأعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك، ثم لما حج علق هذا الكتاب في جوف الكعبة كنوع من التثبيت لهذا العهد فلا يستجرئ أحد على نقضه. |