كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي
|
فصل الخطاب:[في الانكليزية] Sound judgement ،decisive [ في الفرنسية] Discours final ،decisif عند بعض علماء البيان عبارة عن قولهم: أمّا بعد، بعد قولهم الحمد لله، وقد سبق في لفظ الاقتضاب. ويقول في المنتخب: فصل الخطاب هو الكلام الفصيح والواضح الذي يميّز الحقّ من الباطل، وكلمة أمّا بعد. والكلام المعجز في نظمه مثل: البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
|
كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي
|
الفصل المشترك:[في الانكليزية] Common limit ،adjacent [ في الفرنسية] Limite commune ،adjacent هو عند الرياضيين الحدّ المشترك وقد سبق.
|
المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب للسيوطي
|
الفصل والوصلعنى البلاغيون بالحديث عن الواو، التى تذكر فتصل الجملة بأختها، أو تترك فتدع الجملتين منفصلتين، وغالوا في تقدير معرفة الموضع الذى تصلح فيه الواو، والموضع الذى لا تصلح فيه، حتى قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل والوصل، وقد قصروا حديثهم في ذلك الموضع على الجمل التى لا محل لها من الإعراب، وهذا لأن الجمل التى لها موقع من الإعراب، ويكون موضع الواو فيها من الوضوح بمكان؛ لأنها تشرك الجملة الثانية في حكم الأولى، فتكون مثلها خبرا، أو صفة، أو حالا، أو مفعولا، أو غير ذلك، والأمر فيه سهل بيّن. أما الذى يشكل، فأن تعطف على الجملة التى لا موضع لها من الإعراب جملة أخرى، فهنا نقف لنرى لم لم يستو الحال بين أن تعطف، وبين أن تدع العطف، وخصت الواو بالحديث؛ لأن غيرها من حروف العطف تفيد مع الإشراك معانى، كأن تدل الفاء على الترتيب من غير تراخ، وثمّ على الترتيب مع التراخى، وأو للتردد بين شيئين، فإذا عطفت جملة على جملة بواحد منها، ظهرت فائدة هذا الحرف واضحة جلية. أما الواو فإنها لما كانت لمطلق الجمع، لا تصل جملةبأخرى، إلا إذا كان المعنى في إحدى الجملتين متصلا بمعنى الجملة الأخرى، ومرتبطا به، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (التوبة 45 - 50). فالواو في هذه الآيات قد وصلت الجمل بعضها ببعض لمكان الصلة بينها والتناسب، فعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر يناسبه ارتياب قلوبهم ارتيابا ينغمسون فيه، وخذ الآية الثانية تر التناسب واضحا بين تقاعسهم عن الخروج، وعدم الإعداد له، وبين كره الله لانبعاثهم، وهكذا تجد الصلة جامعة بين الجملة وأختها جمعا يهيئ للواو مكانها بينهما.وتأمّل جمال الوصل في قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (الغاشية 17 - 20). فالمطلوب في الآية التأمل فيما خلق الله، ليصلوا بهذا التأمل إلى الإيمان بالبعث الذى ينبنى عليه أساس الدين، والتناسب هنا بين الجمل واضح، فقد بدأ حديثه بالإبل التى هى عنصر أساسى في حياة البدوى في صحرائه، وانتقل من الإبل إلى ما يرونه أمامهم في كل حين من سماء رفعت بلا عمد، وللسماء عند البدوى مكانة خاصة، يتجه إليها ببصره، يستنزل منها الغيث ويهتدى بنجومها في سراه بالليل، فإذا هبط ببصره قليلا رأى هذه الجبال الشامخة، منصوبة تناطح السماء بقممها، وترسو في ثبات واطمئنان على أرض مهدت له، وسطحت أمامه، أو لا ترى أن تنقل البصر بين هذه المخلوقات تنقّل هادئ طبيعى لا قفز فيه، وأن ارتباط بعضها ببعض في طبيعة البدوى مهد للربط بينها، وعطف بعضها على بعض.واتصلت الجمل في قوله سبحانه: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (الانفطار 1 - 4). لما كانت تلك المظاهر من أمارات القيامة، وما أقوى الصلة بين السماء تنشق، والكواكب تنتثر، لا نظام يجمعها، ولا جاذبية تحفظها في مكانها، وما أقوى الصلة أيضا بين تفجر البحارفتطغى مياهها، وبعثرة القبور تخرج ما دفن فيها من الموتى، فكأنها تتفجر كذلك. ومثل هذا قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (الانشقاق 1 - 5).واقرأ قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال 26). إن في هذه النعم لرابطا يصل بعضها ببعض، ويسمح للواو أن تجمع بينها، فهؤلاء قوم كانوا قليلين مستضعفين، يخشون أن يغير عليهم مغير، يسلبهم الحريّة، فلا جرم كانت نعمة الأمن، لها المكان الأول بين نعم الله عليهم، ولم يقف الأمر عند حدّ الأمن، بل زاد عليه أن أيدهم بنصره، ولم تنته نعمه عند حد الطمأنينة والغلب، بل رزقهم خفض العيش، وطيبات الحياة.وتأمّل الواو الواصلة في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (الحج 3). فالمجادلة في الله واتباع الشيطان ينشئان من عدم الاحتكام إلى العقل. وقوله سبحانه: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان 17 - 19). فإنه إذا كانت الصلاة تنهى عنالفحشاء والمنكر، فالمقيم لها جدير أن يأخذ على عاتقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإن من يعرّض نفسه لذلك، جدير أن يلم به بعض الأذى، فوصى من ينهض بهذا العبء أن يحتمل ويصبر، وإذا كان قد أمره بالصلاة، وهى خضوع للرّب، فجدير به ألا يمتلئ بالتيه ولا الخيلاء، وأن يسير على الأرض في تؤدة، ويتحدّث إن تحدث في وداعة وهدوء، ومن ذلك ترى هذه الصلات القوية التى تربط بين هذه الجمل ربطا محكما. وخذ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر 15). لترى الرباط القوى بين فقر الناس وغنى الله.وتأمل جمال الوصل في قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (الانفطار 13، 14). وقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (آل عمران 54). وقوله:يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ (النساء 142). وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (يونس 31)، وقوله: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (النساء 142). وقوله:كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (الأعراف 31).وقد يحتاج الأمر إلى فضل تدبر لمعرفة الصلة التى تربط بين جملتين، تلكالصلة التى تسمح بمجيء الواو بينهما، كما في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (الحج 189). ففي النظرة العاجلة يبدو كأنه لا ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها، ولكن الربط نشأ من أن ناسا من العرب كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت ليدخل منه، وخرج من خلف الخيمة أو الخباء إن كان من أهل الوبر . فلما تحدث القرآن عن الأهلة وأنها مواقيت للحج، ناسب ذلك أن يتحدث عن عادتهم هذه في الحج، ذاكرا أنها ليس من البر في شىء.وتفصل الجملتان إذا كان بينهما امتزاج معنوى، كأن ترفع الجملة الثانية ما قد يتوهم في الجملة الأولى من تجاوز أو سهو ونسيان، كما تجد ذلك في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة 2). فتعريف جزءي الجملة الأولى، والمجيء باسم الإشارة للبعيد، مؤذن بوصف هذا الكتاب بأنه قد بلغ أسمى درجات الكمال، ولما كان ذلك قد يوهم أن ثمة مبالغة في هذا الوصف، نفى هذا الوهم، وأتبع ذلك بقوله: لا رَيْبَ فِيهِ أى في بلوغه تلك الغاية من الكمال، تأكيدا لما فهم من الجملة الأولى، وأتبعه كذلك بقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ تأكيدا ثانيا؛ لأن معنى بلوغ القرآن للكمال إنما هو كماله في الهداية والإرشاد.ومن هذا الباب قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (لقمان 7). لم يقل: (وكأن لم يسمعها كأنّ في أذنيه وقرا)؛ لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر، هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع، ولكن الثانى أبلغ وآكد فيما سيق له، فالمراد من التشبيهين جميعا بيان أنه ليس لتلاوة الآيات عليه من فائدة، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل، ولا ريب فى أن تشبيهه بمن في أذنيه وقر، أبلغ في دلالته على هذا المعنى.وعلى هذا النسق مما كانت الجملة الثانية فيه مؤكدة للجملة الأولى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (البقرة 6، 7). فقوله: لا يُؤْمِنُونَ تأكيد لقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ وقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ...تأكيد ثان أبلغ من الأول. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ (البقرة 8، 9). فليست المخادعة شيئاسوى قولهم آمنا، من غير أن يكونوا مؤمنين وكذلك قوله سبحانه: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة 14). وقوله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (يوسف 31). وقوله سبحانه: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (يس 69). وقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم 3، 4).وقد يكون الامتزاج المعنوى بين الجملتين منشؤه أن الجملة الثانية شارحة وموضحة للجملة الأولى، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (المؤمنون 81، 82)، فالقول الثانى ورد شارحا ومبيّنا للقول الأول، وقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الشعراء 132 - 134). فجاء الإمداد الثانى موضحا للأول. وقوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (يس 20، 21). فلما كان المراد حث المخاطبين على اتباع الرسل، جاء الاتباع الثانى موضحا ذلك، إذ معناه اتبعوا من لا تخسرون شيئا من دنياكم فى اتباعهم، وهم مهتدون، تنالون باتباعهم سلامة دينكم، وإذا أنت تأملت هذه الآيات وجدت الجملة الثانية في الآية الأولى تقع من جملتها السابقة كما يقع بدل الكل من الكل، ووجدتها في الآية الثانية واقعة موقع بدل البعض من الكل، وفي الآية الثالثة واقعة موقع بدل الاشتمال. وقد تقع موقع عطف البيان، كما تجد ذلك في قولهتعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (طه 120). فجاء قوله: قالَ يا آدَمُ بدون الواو؛ لأنه يوضح الوسوسة ويبين عنها، ولو أنه جاء بالواو لأوهم المخالفة والتغاير.وقد يكون منشأ هذا الامتزاج أن الجملة الثانية واقعة في موضع جواب لسؤال صريح في الجملة الأولى، أو يفهم منها، كما في قوله تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الشعراء 23 - 31). ومنه قوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (البقرة 11، 12). وقوله: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (البقرة 14، 15).وتتجلى دقة القرآن كذلك في وصل الجمل بباقى حروف العطف غير الواو، وتأمل قوله تعالى: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (الشعراء 75 - 81). فهو قد عطف السقى على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما بلا ترتيب، ثم عطف الإحياء على الإماتة بثم؛ لأنه إنما يكون بمهلة وتراخ، وترى هذه الدقة في قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (عبس 17 - 22). فجاء قوله من نطفة خلقه بلا واو؛ لأنها مفسرة لقوله من أى شىء خلقه، «وعطف قوله: فقدره بالفاء، تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق وعلى عدم التراخى بينهما، وعطف السبيل بثم، لما بين الخلق والهداية من التراخى والمهلة الكثيرة، ثم عطف الإماتة بثم، إشارة إلى التراخى بينهما بأزمنة طويلة، ثم عطف الإقبار بالفاء، إذ لا مهلة هناك، ثم عطف الإنشار بثم، لما يكون هناك من التراخى باللبث في الأرض أزمنة متطاولة».وقد يبدو في بادئ الرأى أن الموضع لحرف غير ما ذكر، ولكن التأمل الدقيق يجعل الموضع للحرف المذكور، كما تجد ذلك في قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف 28). فقد يبدو بادئ الرأى أن الموضع للفاء هنا، فيقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه؛ لأن فعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء، تقول أعطيته فأخذ، وكسرته فانكسر، ولكن التأمل يدل على أن الآية تعدد صفات الشخص الذى نهى الرسول عن طاعته، ومن أغفل الله قلبه عن ذكره فقد غفل قلبه، فكأنه قال: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، ومن هنا كانت الواو في مكانها.ويجمع القرآن بالواو أيضا بين المفردات المتناسبة، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الأنعام 162). وقوله:قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (الأعراف 33).وجرى الاستعمال القرآنى على ألا يعطف بعض الصفات على بعض إلا إذا كان بينها تضاد، تجد ذلك في قوله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (التحريم 5). فقد مضت الصفات بعضها بجوار بعض من غير عاطف، إلا بين ثيبات وأبكار،للتنويع ورفع التناقض، وفي قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (الحشر 23، 24). فلما تضادت الصفات عطفت كما في قوله سبحانه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (الحديد 3). وجاءت الواو في قوله سبحانه: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غافر 2، 3). لأن الصفتين وهما غفران الذنوب وقبول التوبة تواردا على معنى واحد، هو التجاوز عن الذنب، فجاءت الواو بينهما مؤذنة بالتغاير، ومشيرة إليه، فالله يغفر الذنب حينا من تلقاء نفسه بفضله، وحينا يعفو عنه بسبب ندم التائب واعتذاره، فدلت الواو على هذا المعنى، وأشارت إليه.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
فصل الْجَوْهَر جَوْهَر: إِذْ لَو كَانَ فصل الْجَوْهَر عرضا وَقد علمت أَن الْفَصْل يكون عِلّة لتقوم الْجِنْس لزم زِيَادَة الْفَرْع على الأَصْل الَّذِي هُوَ الْفَصْل لكَونه عِلّة لَهُ. وَقَالُوا أَيْضا إِن الْعرض لَا يكون عِلّة محصلة للجوهر فَلَا يتقوم الْجَوْهَر إِذْ الْعرض طبيعة ناعتة وبماهيته يفْتَقر إِلَى مُطلق الْمَوْضُوع والجوهر طبيعة منعوتة وَلَا فاقة لَهُ إِلَيْهِ بماهيته أصلا وَالْجِنْس والفصل فِي القوام والوجود شَيْء وَاحِد فيستحيل أَن يكون أَحدهمَا بطبيعته نعتا مفتاقا مستدعيا للوجود الرابطي وَالْآخر جوهرا مستدعيا للوجود فِي نَفسه مستغنيا فِي وجوده عَن غَيره وَإِلَّا يلْزم أَن تكون الْمَاهِيّة الْوَاحِدَة محتاجة فِي حد ذَاتهَا ومستغنية كَذَلِك.قَالَ القَاضِي محب الله فِي حَوَاشِيه على السّلم: فَإِن قيل كَيفَ يكون الْجِنْس والفصل شَيْئا وَاحِدًا متحدا فِي الْوُجُود على تَقْدِير كَونهمَا جوهرين أَيْضا وَقد قَالَ الشَّيْخ فِي الهيئات (الشِّفَاء) إِن من الْمحَال أَن يتحد الجوهران. قُلْنَا: لَيْسَ هُنَا جوهران متعددان ثمَّ اتحدا بل جَوْهَر وَاحِد مَوْجُود لوُجُود الْجِنْس والفصل كَمَا قَالَ الشَّيْخ فِي تَحْدِيد الْإِنْسَان بِالْحَيَوَانِ النَّاطِق أَنه يفهم مِنْهُ شَيْء هُوَ بِعَيْنِه الْحَيَوَان الَّذِي ذَلِك الْحَيَوَان بِعَيْنِه النَّاطِق نعم لَو فرض وجودهما منفردين كَانَا جوهرين متعددين موجودين بوجودين متغائرين بِخِلَاف الْعرض والعرضي فَإِنَّهُ لَا قابلية لَهما بذاتيهما للوجود انفرادا وَإِن كَانَا الْآن متحدين مَعَ المعروض وَالْمحل هَذَا هُوَ الْفرق فاحفظ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا تَجدهُ من غَيرنَا انْتهى.فالجنس والفصل متحدان بِالذَّاتِ بِحَسب الْوُجُود كَمَا أَن الْعرض وَالْمحل متحدان بِحَسبِهِ بِالذَّاتِ وَلَيْسَ الْفرق إِلَّا بِاعْتِبَار قابلية الْوُجُود الْمُنْفَرد وَعدمهَا وَمَا ذكرنَا أَن فصل الْجَوْهَر لَا يكون إِلَّا جوهرا مَذْهَب الْمَشَّائِينَ. وَأما الإشراقيون فقد جوزوا كَون فُصُول الْجَوْهَر عرضا مُتَمَسِّكِينَ بالسرير فَإِنَّهُ مَجْمُوع قطعات الْخشب والهيئة الوحدانية لَا الْمركب مِنْهُمَا وبالجسم فَإِنَّهُ مركب من جَوْهَر وَعرض هُوَ الْمِقْدَار. وَالْجَوَاب أَن السرير هِيَ القطعات الخشبية المعروضة للهيئة الوحدانية لَا الْمركب مِنْهُمَا. وَأما الْجِسْم فَهُوَ الْمركب من الهيولى وَالصُّورَة الجسمية الجوهرية كَمَا بَين فِي كتب الْحِكْمَة المشائية.وَإِن أردْت تَحْقِيق الْعرض والعرضي فَانْظُر فِي أَن الْعرض أَعم من العرضي.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
فصل الْجِنْس لَا يكون جِنْسا لَهُ: عِنْد الْمَشَّائِينَ يَعْنِي أَن الْفَصْل الَّذِي يُمَيّز النَّوْع عَن مشاركيه فِي جنسه لَا يكون ذَلِك الْفَصْل جِنْسا لذَلِك الْجِنْس بِأَن يكون ذَلِك الْجِنْس فصلا مُمَيّزا لذَلِك النَّوْع عَمَّا يُشَارِكهُ فِي ذَلِك الْفَصْل وَهَذَا لَا يتَصَوَّر إِلَّا إِذا كَانَ بَينهمَا عُمُوم من وَجه. فَالْحَاصِل أَنه لَا يكون بَينهمَا عِنْدهم عُمُوم من وَجه وَإِلَّا يلْزم أَن يكون كل مِنْهُمَا عِلّة للْآخر وَهُوَ بَاطِل لتقدم الشَّيْء على نَفسه. أَقُول لم لَا يجوز أَن يكون التَّفَاوُت بالحيثية كَمَا جوزوا كَون الْعلَّة الغائية عِلّة معلولة لمعلولها بالحيثيتين حَيْثُ قَالُوا لِلْعِلَّةِ الغائية علاقَة الْعلية والمعلولية بِالْقِيَاسِ إِلَى شَيْء وَاحِد لَكِن بِحَسب وجوديها الذهْنِي والخارجي.وَأما عِنْد الإشراقيين فَيجوز أَن يكون بَينهمَا عُمُوم من وَجه حَيْثُ قَالُوا النَّاطِق جنس الْإِنْسَان نظرا إِلَى الْملك وفصله نظرا إِلَى غَيره وَالْحَيَوَان بِالْعَكْسِ. وَالْجَوَاب أَن المُرَاد بالناطق هُوَ الْجَوْهَر المادي الَّذِي لَهُ النُّطْق أَي إِدْرَاك المعقولات فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بمشترك بَين الْإِنْسَان وَالْملك فَلَا يكون جِنْسا لَهما. وَأما إِذا أُرِيد بالناطق مَفْهُوم مَا لَهُ قُوَّة إِدْرَاك المعقولات أَي هَذَا الْعَارِض لم يكن فصلا للْإنْسَان بل يكون حِينَئِذٍ أثرا من آثَار فَصله كَمَا مر فِي الْحَيَوَان.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
فَصَلَ منالجذر: ف ص ل
مثال: فَصَلَ الشيء من الشيءالرأي: مرفوضةالسبب: لمجىء حرف الجر «من» بدلاً من حرف الجر «عن». الصواب والرتبة: -فَصَلَ الشيء عن الشيء [فصيحة]-فَصَلَ الشيء من الشيء [صحيحة] التعليق: أجاز اللغويون نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، كما أجازوا تضمين فعل معنى فعل آخر فيتعدى تعديته، وفي المصباح (طرح): «الفعل إذا تضمَّن معنى فعل جاز أن يعمل عمله». وقد أقرَّ مجمع اللغة المصري هذا وذاك. ومجيء «من» بدلاً من «عن» كثير في الاستعمال الفصيح، كما في قوله تعالى: {{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ}} الزمر/22، وورد عن العرب أمثلة كثيرة ذكرها ابن قتيبة كقولهم: حدثني فلان من فلان. واشتراك الحرفين في بعض المعاني كالتعليل والمجاوزة- وهما من المعاني الأساسية للحرف «عن» - يسوِّغ قبول النيابة، ويؤكدها وقوعها في بعض الأفعال في المعاجم القديمة. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
إِعْراب ما بعد ضمير الفصل «هو»
مثال: كَانَ محمدٌ هُوَ الناجحُالرأي: مرفوضةالسبب: لوقوع «الناجح» خبرًا لـ «هو»، وهو ضمير فصل لا محل له من الإعراب. الصواب والرتبة: -كان محمَّد هو الناجِحَ [فصيحة]-كان محمَّد هو الناجِحُ [فصيحة] التعليق: كلا الاستعمالين فصيح، فالأول باعتبار «هو» ضمير فَصْل وهو حرف وضع على صورة الضمير، ويعرب ما بعده حسب حاجة ما قبله، أي تكون «الناجِح» خبر «كان»، أما المثال الثاني فباعتبار «هو» ضمير رفع منفصل، يقع مبتدأ ومابعده «الناجِحُ» خبر وتكون الجملة من المبتدأ والخبر خبر «كان». |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بالدعاء بين «إنْ» وشرطها
مثال: إِنْ - لا سمح الله- حدث مكروه سأقف بجانبكالرأي: ضعيفة عند بعضهمالسبب: للفصل بالدعاء بين «إن» وشرطها. الصواب والرتبة: -إن حدث مكروه- لاسمح الله- سأقف بجانبك [فصيحة]-إن- لا سمح الله- حدث مكروه سأقف بجانبك [صحيحة] التعليق: جملة الدعاء من الجمل التي أجاز بعض النحاة الفصل بها بين المتلازمين كالمضاف والمضاف إليه والعامل ومعموله والأداة وشرطها، مثلها مثل جملة القسم؛ ولذا يمكن تصحيح الاستعمال المرفوض. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بالقسم بين أداة النصب «لن» والفعل المنصوب
مثال: لَنْ والله أجامل الكسولالرأي: مرفوضةالسبب: للفصل بالقسم بين «لَنْ» والفعل المنصوب بها. الصواب والرتبة: -والله لن أجامل الكسول [فصيحة]-لن والله أجامل الكسول [صحيحة] التعليق: لا يجيز جمهور النحويين الفصل بين لن والفعل بفاصل، ولكن يمكن تصحيح الاستعمال المرفوض لإجازة بعض أئمة النحويين له كالكسائي، والفراء. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بالقسم بين الصلة والموصول
مثال: قَدِمَ الَّذي- والله- أدَّى واجبهالرأي: مرفوضةالسبب: للفصل بالقسم بين الصلة والموصول. الصواب والرتبة: -قَدِم الذي- والله- أدَّى واجبه [فصيحة] التعليق: منع النحاة الفصل بين الموصول وصلته، ولكنهم استثنوا أشياء يجوز الفصل بها بين الموصولات الاسمية وصلتها، من هذه الأشياء جملة القسم، وقد أقر مجمع اللغة المصريّ هذا في الدورتين الستين والحادية والستين. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بين «إذا» وجملة فعل الشرط
مثال: إِذَا- لا قدَّر الله- مات القائد كانت الخسارة فادحةالرأي: مرفوضةالسبب: للفصل بين «إذا» وجملة فعل الشرط بجملة معترضة. الصواب والرتبة: -إذا مات القائد- لاقدَّر الله- كانت الخسارة فادحة [فصيحة]-إذا- لاقدَّر الله- مات القائد كانت الخسارة فادحة [صحيحة] التعليق: «إذا» أداة شرط غير جازمة تضاف إلى جملة فعل الشرط والفصيح ألا يفصل شيء بين المضاف والمضاف إليه. لكن ورد في بعض من الشواهد الفصل بين المتلازمين كالمضاف والمضاف إليه، ولكنه قليل. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بين المتضايفين بمضاف آخر أو أكثرالأمثلة: 1 - إِجْرَاءات تسهيل عبء ديون دول العالم الثالث 2 - أَسْعَار صرف أوراق بنكنوت العملة الأجنبية 3 - أَصْل وثيقة عقد زواج أخي 4 - زيادة رُؤوس أموال بعض البنوك 5 - صور تطوير تعامل دول مجلس التعاون الخليجي 6 - على جدول أعمال وزراء دول عدم الانحياز 7 - كُلِّية آداب القاهرة 8 - مؤتمر وزراء إعلام دول العالم الثالثالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لتعدد الإضافات في التركيب.
الصواب والرتبة:1 - إجراءاتٌ لتسهيل عبء الديون الخاصة بدول العالم الثالث [فصيحة]-إجراءات لتسهيل عبء الديون لدول العالم الثالث [فصيحة]-إجراءاتُ تسهيل عبء ديون دول العالم الثالث [صحيحة]2 - أسعار صرف الأوراق الخاصة ببنكنوت العملة الأجنبية [فصيحة]-أسعارٌ لصرف الأوراق الخاصة ببنكنوت العملة الأجنبية [فصيحة]-أسعار صرف أوراق بنكنوت العملة الأجنبية [صحيحة]3 - أصلٌ لوثيقة العقد الخاصّ بزواج أخي [فصيحة]-أصل وثيقة العقد الخاصّ بزواج أخي [فصيحة]-أصل وثيقة عقد زواج أخي [صحيحة]4 - الزِّيادة في رؤوس الأموال لبعض البنوك [فصيحة]-زيادة رؤوس الأموال لبعض البنوك [فصيحة]-زيادة رؤوس أموال بعض البنوك [صحيحة]5 - صور التطوير الخاص بتعامل دول مجلس التعاون الخليجي [صحيحة]-صور تطوير تعامل دول مجلس التعاون الخليجي [صحيحة]6 - على جدول أعمال وزراء دول عدم الانحياز [صحيحة]-على جدول الأعمال الخاصة بوزراء دول عدم الانحياز [صحيحة]7 - كلِّية الآداب القاهرية [فصيحة]-كلِّية الآداب في القاهرة [فصيحة]-كلِّية آداب القاهرة [صحيحة]8 - مُؤْتمر وزراء الإعلام لدول العالم الثالث [فصيحة]-مُؤْتمر وزراء إعلام دول العالم الثالث [صحيحة] التعليق: تنفر العربية من تعدّد الإضافات؛ ولذلك ينصح المتكلم بمحاولة كسر هذا التتابع بأي وسيلة من الوسائل كلحوق التنوين كلمة «مائة» في قوله تعالى: {{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ}} الكهف/25، وذلك منعًا لتوالي الإضافات. ويمكن تصحيح الاستعمالات المرفوضة اعتمادًا على إقرار مجمع اللغة المصري لها حيث أجاز ما شاع من أمثال هذه الأساليب باعتبار إضافة الأول إلى الثاني والثاني إلى الأخير، على معنى «في» أو «اللام». هذا وقد وَرَدت في لغة العرب أمثلة لهذه التراكيب- وإن كانت قليلة - كقول الشاعر:حمامة جرعَى حَومَةِ الجندَلِ اسجعي |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بين المضاف والمضاف إليه بالعطفالأمثلة: 1 - إنتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية 2 - أَهْدَاف واختصاصات وزارة التعليم العالي 3 - الآراء منقسمة بين مؤيدي ومعارضي فلان 4 - حُكُومة وشعب الكويت 5 - ضَمِير وَوَعي الأمة 6 - عِزَّة وقوَّة وكرامة العرب 7 - عِلاج وشرح الظاهرة 8 - فعل يَمَسّ قَدْر وشَرَف ومال صديقي 9 - مُدن وقُرى المملكة 10 - مُدِيريات ومحافظات مصر 11 - مَكَان وموعد الحفل 12 - وحدة وسيادة واستقلال لبنان 13 - وَصْف أسباب وأعراض المرض 14 - وَصَف أسباب ونتائج المشكلة 15 - وُضِعَت كتب وملابس المسافر في الحقيبة 16 - يُسهم طلاب وطالبات الكلية في إدارتها 17 - يَطَّلِع على أعجب وأجمل القصصالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: للعطف على المضاف قبل تمام المضاف إليه.
الصواب والرتبة:1 - إنتاج الطاقة الكهربائية ونقلها وتوزيعها [فصيحة]-إنتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية [صحيحة]2 - أَهْداف وزارة التعليم العالي واختصاصاتها [فصيحة]-أَهْداف واختصاصات وزارة التعليم العالي [صحيحة]3 - الآراء منقسمة بين مؤيدي فلان ومعارضيه [فصيحة]-الآراء منقسمة بين مؤيدي ومعارضي فلان [صحيحة]4 - حُكُومة الكويت وشعبها [فصيحة]-حُكُومة وشعب الكويت [صحيحة]5 - ضَمِير الأمَّة وَوَعْيها [فصيحة]-ضَمِير وَوَعْي الأمَّة [صحيحة]6 - عِزَّة العرب وقوَّتهم وكرامتهم [فصيحة]-عِزَّة وقوَّة وكرامة العرب [صحيحة]7 - عِلاج الظاهرة وشرحها [فصيحة]-عِلاج وشرح الظاهرة [صحيحة]8 - فعل يَمَسّ قَدْر صديقي وشَرَفه وماله [فصيحة]-فعل يَمَسّ قَدْر وشَرَف ومال صديقي [صحيحة]9 - مُدن المملكة وقُراها [فصيحة]-مُدن وقُرى المملكة [صحيحة]10 - مُدِيريات مصر ومحافظاتها [فصيحة]-مُدِيريات ومحافظات مصر [صحيحة]11 - مَكَان الحفل وموعده [فصيحة]-مَكَان وموعد الحفل [صحيحة]12 - وحدة لبنان وسيادته واستقلاله [فصيحة]-وحدة وسيادة واستقلال لبنان [صحيحة]13 - وَصْف أسباب المرض وأَعْراضه [فصيحة]-وَصْف أسباب وأعراض المرض [صحيحة]14 - وَصَف أسباب المشكلة ونتائجها [فصيحة]-وَصَف أسباب ونتائج المشكلة [صحيحة]15 - وُضِعَت كتب المسافر وملابسه في الحقيبة [فصيحة]-وُضِعَت كتب وملابس المسافر في الحقيبة [صحيحة]16 - يُسهم طلاب الكلية وطالباتها في إدارتها [فصيحة]-يُسهم طلاب وطالبات الكلية في إدارتها [صحيحة]17 - يَطَّلِع على أعجب القصص وأجملها [فصيحة]-يَطَّلِع على أعجب وأجمل القصص [صحيحة] التعليق: الأصل في اللغة عدم الفصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنهما معًا بمنزلة الكلمة الواحدة. ولكنَّ مجمع اللغة المصري- في دورته التاسعة والأربعين- اعتمد على إجازة بعض اللغويين القدماء- كالزمخشري وابن يعيش وابن مالك - للاستعمال المرفوض فأجازه، وإن اعتبره دون الأفصح المذكور بالأمثلة الأولى في الصواب. وقد استدلَّ المجيزون لهذا الاستعمال بشواهد عديدة واردة عن العرب، كقول الشاعر:بين ذراعي وجبهة الأسدعلى تقدير بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد، ومنه أيضًا: «قطع اللَّهُ يَدَ ورجلَ من قالها»، على تقدير: قطع الله يَدَ من قالها ورجلَ من قالها، وغير ذلك من الأمثلة. ويكون تأويل هذه الأمثلة والأمثلة المرفوضة على حذف المضاف إليه الأول استغناء عنه بالثاني؛ ومن ثمَّ يمكن تصحيحها فضلاً عن شيوع هذه الأساليب في اللغة المعاصرة ووضوح المعنى المراد منها. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بين المضاف والمضاف إليه بنعت المضافالأمثلة: 1 - أُسْتَاذ مُسَاعِد النّحو والصرف 2 - أَمِين عام الجامعة 3 - أَمِين مُسَاعِد الهيئة 4 - سِكرتير خاص الوزير 5 - سِكرتير عام الأمم المتحدة 6 - قائد عام الجيش 7 - مَجْلس حَسْبي الجيزة 8 - مَجْلس محلِّي القاهرة 9 - مُدِير عام الشركة 10 - مفتِّش أول إدارة النَّقل 11 - مُوَجِّه أول اللغة العربية 12 - وَكِيل عام الوزارة 13 - وَكِيل مُسَاعد المصلحةالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: للفصل بين المضاف والمضاف إليه بالنعت.
الصواب والرتبة:1 - أستاذ النّحو والصرف المساعد [فصيحة]-الأستاذ المساعد للنّحو والصرف [فصيحة]-أستاذ مساعد النّحو والصرف [مقبولة]2 - أمين الجامعة العام [فصيحة]-الأمين العام للجامعة [فصيحة]-أمين عام الجامعة [مقبولة]3 - أمين الهيئة المساعد [فصيحة]-الأمين المساعد للهيئة [فصيحة]-أمين مساعد الهيئة [مقبولة]4 - السِّكرتير الخاص للوزير [فصيحة]-سكرتير الوزير الخاص [فصيحة]-سكرتير خاص الوزير [مقبولة]5 - السِّكرتير العام للأمم المتحدة [فصيحة]-سكرتير الأمم المتحدة العام [فصيحة]-سكرتير عام الأمم المتحدة [مقبولة]6 - القائد العامّ للجيش [فصيحة]-قائد الجيش العام [فصيحة]-قائد عام الجيش [مقبولة]7 - المجلس الحَسْبي للجيزة [فصيحة]-مجلس الجيزة الحَسْبي [فصيحة]-مجلس حَسْبي الجيزة [مقبولة]8 - المجلس المحلِّي للقاهرة [فصيحة]-مجلس القاهرة المحلِّيّ [فصيحة]-مجلس محلِّي القاهرة [مقبولة]9 - المدير العام للشركة [فصيحة]-مدير الشركة العام [فصيحة]-مدير عام الشركة [مقبولة]10 - المُفَتِّش الأوَّل لإدارة النَّقل [فصيحة]-مُفَتِّش إدارة النَّقل الأَوَّل [فصيحة]-مُفَتِّش أوَّل إدارة النَّقل [مقبولة]11 - المُوَجِّه الأوَّل للغة العربية [فصيحة]-مُوَجِّه اللغة العربيّة الأوّل [فصيحة]-مُوَجِّه أوَّل اللغة العربيّة [مقبولة]12 - الوَكيل العام للوزارة [فصيحة]-وَكيل الوزارة العام [فصيحة]-وَكيل عام الوزارة [مقبولة]13 - الوَكيل المُسَاعد للمصلحة [فصيحة]-وَكيل المصلحة المساعد [فصيحة]-وَكيل مُسَاعد المصلحة [مقبولة] التعليق: تنصّ قواعد اللغة على عدم جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنهما يعتبران معًا كالاسم الواحد. وقد أجاز مجمع اللغة المصري- في دورته التاسعة والأربعين- التعبير المرفوض أخذًا برأي الكوفيين الذين يجيزون إضافة الموصوف إلى صفته، أو قياسًا على رأيهم في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، أو الظرف، أو الجار والمجرور؛ فالتعبيرات المرفوضة فُصل فيها بالنعت بين المتضايفين، والنعت أكثر التصاقًا بالمضاف من غيره، وقد عُرض القرار على مؤتمر المجمع فرفضه. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الفَصْل بين «سوف» والفعل المضارع بعدهاالأمثلة: 1 - سَوْف لا تخفض معوناتها 2 - سَوْف لا يحدث 3 - سَوْف لا يحقق هدفهالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: للفصل بين «سوف» والفعل بحرف النفي.
الصواب والرتبة:1 - لن تخفض معوناتها [فصيحة]2 - لن يحدث [فصيحة]3 - لن يحقق هدفه [فصيحة] التعليق: لا تدخل «سوف» إلا على المضارع المثبت، فإذا أريد الدلالة على المستقبل المنفي فالأداة الواجب استخدامها حينئذ هي «لن». |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
ضمير الفصل الذي يتوسط ركني الجملة الاسمية
مثال: إِنَّك أنت شريفالرأي: مرفوضةالسبب: لوضع ضمير الفصل في غير موضعه الصحيح. الصواب والرتبة: -إنك أنت الشريف [فصيحة]-إنك أنت شريف [فصيحة] التعليق: شرط ضمير الفصل أن يقع بين معرفتين، أو معرفة ونكرة تشبه المعرفة في عدم إلحاق «أل» التعريف بها. والمثال المرفوض فصيح على اعتبار «أنت» توكيدًا للضمير الواقع اسمًا لـ «إن». |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
فصل «مئة» عن العددالأمثلة: 1 - أَخْرجت المطابع خمس مئة نسخة من الكتاب 2 - اسْتَعَان بتِسْع مئة جندي لإخماد الثورة 3 - اشْتَرَيت هذا المعجم بثلاث مئة جنيه 4 - تَضُمّ مكتبته أكثر من أَرْبَع مِئة كتاب 5 - تَمَّ تعيين ثماني مئة شاب في وظائف مختلفة 6 - حَضَر الحفل سِتّ مِئة مدعو 7 - زَارَ المعرض سبع مئة زائرالرأي: مرفوضةالسبب: لفصل الأعداد عن المئة.
الصواب والرتبة:1 - أَخْرَجت المطابع خَمْس مئة نسخة من الكتاب [صحيحة]-أَخْرَجت المطابع خَمْسمائة نسخة من الكتاب [صحيحة]2 - استعان بتسع مئة جندي لإخماد الثورة [صحيحة]-استعان بتسعمائة جندي لإخماد الثورة [صحيحة]3 - اشتريت هذا المعجم بثلاث مئة جنيه [صحيحة]-اشتريت هذا المعجم بثلاثمائة جنيه [صحيحة]4 - تضمّ مكتبته أكثر من أربع مئة كتاب [صحيحة]-تضمّ مكتبته أكثر من أربعمائة كتاب [صحيحة]5 - تَمَّ تعيين ثمانمائة شاب في وظائف مختلفة [صحيحة]-تَمَّ تعيين ثماني مئة شاب في وظائف مختلفة [صحيحة]6 - حضر الحفل سِتّ مِئة مدعو [صحيحة]-حضر الحفل سِتمائة مدعو [صحيحة]7 - زار المعرض سبع مئة زائر [صحيحة]-زار المعرض سبعمائة زائر [صحيحة] التعليق: أقر مجمع اللغة المصري جواز فصل الأعداد من ثلاث إلى تسع عن «مئة». |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
وُقُوع ضمير الرفع المنفصل بعد «سوى»
مثال: لَنْ يقوم بتحقيق طموحاتنا سوى نحنالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لإضافة «سوى» إلى ضمير الرفع «نحن». الصواب والرتبة: -لن يقوم بتحقيق طموحاتنا إلاّ نحن [فصيحة]-لن يقوم بتحقيق طموحاتنا سوانا [فصيحة]-لن يقوم بتحقيق طموحاتنا سوى نحن [مقبولة] التعليق: الاسم بعد «سوى» مجرور بالإضافة، وعلى هذا لا يصح إيقاع ضمير الرفع بعدها، وفي المثال الأول وقع ضمير الرفع بعد «إلا»، فيكون فاعلاً، وفي الثاني لحق ضمير الجر المتصل بـ «سوى». ويمكن قبول المثال المرفوض على نيابة ضمير الرفع عن ضمير الجر كقولهم: «ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا»، وقولهم: «مررت بك أنت». (وانظر: سوى بالعلم). |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
يَوم البَث والحَشر والنَّشر والفَصل والدين والعَرص والجَمع: يومُ القيامة وهو يومٌ يبعث الله تعالى الموتى من القبور والأجداث فيجمعهم ويحشرهم للفصل والحساب والجزاء، اللَّهُمَّ أعِذْنا من أهوال يوم القيامة وأجِرْنا من النار.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الأصل، في بيان الفصل والوصل
للشيخ، زين الدين: القاسم بن قطلوبغا الحنفي. المتوفى:. سنة تسع وسبعين وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
فصل في الأبحاث
الجارية بين الفضلاء قديما وحديثا. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
البيان عن الفصل في الأشربة بين الحلال والحرام
لأبي المحاسن: المفضل بن مسعود بن محمد التنوخي، الحنفي. المتوفى: سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. |
مقاييس اللغة لابن فارس
|
(فَصَلَ)الْفَاءُ وَالصَّادُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَمْيِيزِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وَإِبَانَتِهِ عَنْهُ. يُقَالُ: فَصَلْتُ الشَّيْءَ فَصْلًا. وَالْفَيْصَلُ: الْحَاكِمُ. وَالْفَصِيلُ: وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا افْتُصِلَ عَنْ أُمِّهِ. وَالْمِفْصَلُ: اللِّسَانُ، لِأَنَّ بِهِ تُفْصَلُ الْأُمُورُ وَتُمَيَّزُ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
وَقَدْ مَاتَتْ عِظَامٌ وَمِفْصَلُ وَالْمَفَاصِلُ: مَفَاصِلُ الْعِظَامِ. وَالْمَفْصِلُ: مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَالْجَمْعُ مَفَاصِلُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:مَطَافِيلَ أَبْكَارٍ حَدِيثٍ نِتَاجُهَا...يُشَابُ بِمَاءٍ مِثْلِ مَاءِ الْمَفَاصِلِ وَالْفَصِيلُ: حَائِطٌ دُونَ سُورِ الْمَدِينَةِ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاصِلَةً فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَذَا» ، وَتَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا الَّتِي فَصَلَتْ بَيْنَ إِيمَانِهِ وَكُفْرِهِ. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
فَصْلُ الخِطَابِ: تَلْخِيص الْكَلَام إِلَى الْمَقْصُود مَعَ قرب الملاءمة.
|
المخصص
|
أَبُو حنيفَة يُقَال للفصل بَين الْأَرْضين والبلدين - التخوم فِي وزن عرُوض وَهِي مُؤَنّثَة وَأنْشد: يَا بني التخوم لَا تظلموها إِن ظلم التخوم ذُو عقال فأنث وَرَوَاهُ آخَرُونَ التخوم على الْجمع كَأَن وَاحِدهَا تخم وَحكى بَعضهم التخومة بِالْفَتْح قَالَ وَقَالَ بعض الثِّقَات هُوَ التخوم والطخوم والتخوم والطخوم وَالْجمع تخم وَيُقَال هُوَ على تخم من الأَرْض وَهِي - الْحَد بَين الْأَرْضين والبلدين وَقَالَ هَذِه الأَرْض متتاخمة الأرفة والأرثة وَهِي الأرث والأرف وَقد أرث الأَرْض - إِذا ضرب منارها وَأعلم حُدُودهَا ابْن دُرَيْد الند - التل الْمُرْتَفع فِي السَّمَاء أَبُو عبيد الْمنَار - مَا يضْرب على الْحُدُود بَين المتجاورين 2
بَاب ذكر مَا لم يُوطأ من الأَرْض وَلَا اسْتعْمل أَبُو عبيد الأَرْض الميعاس - الَّتِي لم تُوطأ أَبُو حنيفَة جَدِيد الأَرْض - مَا لم يُؤثر فِيهِ وَلكنه على فطرته وَأنْشد: كَأَن جَدِيد الأَرْض يتبيك عَنْهُم تَقِيّ الْيَمين بعد عَهْدك حَالف ابْن دُرَيْد نزلنَا أَرضًا عفراء وبيضاء - لم تنزل قطّ ابْن الْكَلْبِيّ الساهرة - الأَرْض الَّتِي لم تُوطأ وَقد تقدم أَنَّهَا اسْم الأَرْض وانها وَجههَا وَأَنَّهَا العريضة مِنْهَا وَأَنَّهَا الفلاة ابْن دُرَيْد الْخط والخطة - الأَرْض تنزل من غير أَن ينزلها نازلٌ قبل ذَلِك وَالْجمع خطط وَقد خطها خطا واختطها وكل مَا خطرته فقد خططت عَلَيْهِ أَبُو عبيد الأَرْض الجادسة - الَّتِي لم تعمر وَلَا حرثت |
المخصص
|
فَعَلَه يَفْعِله ضَرَبَه يَضْرِبه ضَرْبَاً وشَتَمَه يَشْتِمه شَتْمَاً وكَلَمَه يَكْلِمه كَلْمَاً وكَظَمَه يَكْظِمه كَظْمَاً وكَسَرَه يَكْسِر كَسْرَاً وحَطَمَه يَحْطِمه حَطْمَاً وَهَذَا البناءُ هُوَ الغالبُ والغالبُ كالقياس الَّذِي هُوَ اللازمُ وَإِن لم يكن مستَحِقَّاً لاسم اللُّزوم وَلَا لاسمِ الْقيَاس وَلكنه قريبٌ مِنْهُ فَلَا حاجةَ بِنَا إِلَى استِقْصائه وَإِنَّمَا يُتَقَصَّى مَا سِواه لِخُرُوجِهِ من بَاب الغالبِ وحُصوله فِي حيِّز النَّادِر وفَعَلَه يَفْعِله فَعْلاً قَاَلَه يقِيلُه قيْلاً فَعَلَه يَفْعِله فَعَلاً سَرَقَه يَسْرِقه سَرَقَاً فَعَلَه يَفْعِله فَعَلةً غَلَبَه يَغْلِبه غَلَبَةً، وَحكى أَبُو زيد: غُلُبَّة وغُلُبَّى فَعَلَه يَفْعِله فَعِلَةً سَرَقَه يَسْرِقه سَرِقَةً فَعَلَه يَفْعِله فِعْلَةً حَماه يحميه حِمْيَةً فَعَلَه يَفْعِله فِعالاً ضَرَبَها يَضْرِبها ضِراباً ونَكَحَها يَنْكِحها نِكاحاً وكَذَبَه يَكْذِبه كِذاباً، قَالَ الْأَعْشَى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتها والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذَابُهْ فَعَلَه يَفْعِله فِعالَةً حَماه يَحميه حِمايَةً ووقاه يَقيه وِقايةً فَعَلَه يَفْعِله فِعْلاناً حَرَمَه يَحْرِمه حِرْماناً فَعَلَه يَفْعِله فُعْلاناً غَفَرَه يَغْفِره غُفْراناً فَعَلَه يَفْعِله فَعْلاَناً لَوَاَه يَلْويه لَيَّناً.
|
المخصص
|
فَعَلَه يَفْعُله فَعْلاً قَتَلَه يَقْتُله قَتْلاً فَعَلَه يَفْعُله فَعَلاً سَلَبَه يَسْلُبه سَلَبَاً وطَرَدَه يَطْرُده طَرَدَاً وحَلَبَه يَحْلُبه حَلَبَاً وطَلَبَه يَطْلُبه طَلَبَاً وخَلَبَه يَخْلُبه خَلَبَاً وجَنَبَه يَجْنُبه جَنَبَاً وخَبَّ فِي العَدْو يَخُبُّ خَبَبَاً وصَدَرْت عَن البلادِ أَصْدُرُ صَدَرَاً فَأَما أَبُو عبيد فقد أَسَاءَ العِبارةَ فَقَالَ صَدَرْت عَن البلادِ صَدَرَاً فَهَذَا الاسمُ فَإِن أردتَ المَصدر جَزَمْت الدالَ وَأنْشد بيتَ ابْن مقبل: وَلَيْلةٍ قد جَعَلْت الصُّبْحَ مَوعِدَها صَدْرَ المَطيَّة حَتَّى تَعْرِف السَّدَفا فَعَلَه يَفْعُله فَعِلاً خَنَقَه يَخْنُقه خَنِقَاً.
فَعِلَه يَفْعُله فُعْلاً كَفَرَه يَكْفُره كُفْراً وشَكَرَه يَشْكُره شُكْراً، وَحكى الْفَارِسِي: شَكَدَه يَشْكُده شُكْداً وشَكَمَه يَشْكُمه شُكْماً هَذِه حِكَايَة الْفَارِسِي والجمهورُ أَو الكلُّ غَيْرَه على أَن الشَّكْد والشَّكْم الْمصدر والشُّكْد والشُّكْم الاسمُ. فَعَلَه يَفْعُله فِعْلاً ذَكَرَه يَذْكُره ذِكْراً وحَجَّه يحُجُّه حِجَّاً فَأَما غير سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ: الحَجُّ والحِجُّ لُغَتَانِ. وَقَالَ الْفَارِسِي مثلَ ذَلِك غير أَنه قَالَ فِي كتاب الحُجَّة الحّجُّ الْمصدر والحِجُّ الاسمُ يرفَع ذَلِك إِلَى أبي الْحسن. فَعَلَه يَفْعُله فِعْلَة نَشَدَه يَنْشُده نِشْدَة فَعَلَه يَفْعُله فِعالاً كَتَبَه يَكْتُبه كِتاباً وحَجَبَه يَحْجُبه حِجاباً فَعَلَه يَفْعُله فُعْلاناً كَفَرَه يَكْفُره كُفْراناً وشَكَرَه يَشْكُره شُكْراناً فَعَلَه يَفْعُله فُعولاً كَفَرَه يَكْفُره كُفوراً وشَكَرَه يَشْكُره شُكوراً وحَبَرَه يَحْبُره حُبوراً وسَرَّه يَسُرُّه سُروراً وكَفَلَه يَكْفُله كُفولاً. فَعَلَه يَفْعُله فِعْلاناً نَشَدَه يَنْشُده نِشْداناً. |
المخصص
|
فَعِلَه يَفْعَله فَعْلاً حَمِدَه يَحْمَده حَمْدَاً فَعِلَه يَفْعَله فَعَلاً عَمِلَه يَعْمَله عَمَلاً فَعِلَه يَفْعَله فُعْلاً شَرِبَه يَشْرَبه شُرْباً ورَحِمَه يَرْحَمه رُحْماً فَعِلَه يَفْعَله فَعْلَةً رَحِمَه يَرْحَمه رَحْمَةً فَعِلَه يَفْعَله فِعْلَةً خالَه يخالُه خِيْلَةً، وَحكى الْفَارِسِي: خالَ يَخيلَ خَيْلَةً: إِذا اختالَ، فَعِلَه يَفْعَله فِعالاً سَفِدَها يَسْفَدها سِفاداً فَعِلَه يَفْعَله فَعالاً سَمِعَه يَسْمَعه سَماعاً فَعِلَه يَفْعَله فِعْلاناً غَشِيَه يغْشاه غِشْياناً
|
المخصص
|
فَعَلَه يَفْعَله فَعالَةً نَصَحَه يَنْصَحه نَصاحَةً، وَحكى الْفَارِسِي عَن أبي زيد: اللَّهُمَّ أعْطِنا سَآلاتنا فَعَلَه يَفْعَله فُعالاً سَأَلَه يَسْأَله سُؤالاً فَعَلَه يَفْعَله فِعالةً قَرَأَه يَقْرَأه قِراءةً
|
المخصص
|
وَنحن نضع هَذَا الْبَاب على عِبارةِ الْأَوَائِل والنحويين وَمعنى قَول النَّحْوِيين لَا يتعدَّى أَي لَا يكون مِنْهُ صفة على طَرِيق مفعُول وَذَلِكَ أَن المتعدِّي هُوَ مَا كَانَ مِنْهُ صِفة على طَريقَة الْمَفْعُول بعد ذكر الْفَاعِل فَيكون قد تعدَّى الفاعلَ فِي الذِّكْر إِلَى المَفْعول كَقَوْلِك ضَرَبَ زَيد عمروا فَهُوَ يدلُّ على مَضْروب يَصح أَن يُذكر بعد الْفَاعِل والأفعالُ كلُّها تدلُّ على الصفةِ الَّتِي على طَريقةِ فاعلٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا يدلُّ مَعَ ذَلِك على الصفةِ الَّتِي على طَريقةِ مَفْعول فَهُوَ متعدٍ وَمَا لم يدُلَّ على ذَلِك فَلَيْسَ بمتعدٍّ كَقَوْلِك جَلَسَ يَجْلِس وقامَ يَقوم وَمَا أشبه ذَلِك وَإِنَّمَا يَعْنون بالمتعدِّي أَنه قد تعدَّى ذكر الفاعلِ إِلَى المفعولِ فِيمَا يتعلَّقُ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِك ضَرَبْت زَيْدَاً ويَعْنون بطريقة مفعول مَا هُوَ متميِّز من طَريقَة فاعلٍ على حدِّ قَوْلك ضارِب ومَضْروب ومُكْرِم ومُكْرَم ومُستَخْرِج ومُستخرَج ومُحتَمِل ومُحتَمَل ومُحسِّن ومُحَسَّن ومُقاتِل ومُقاتَل ومُتقاضٍ ومُتقاضَى ومُتوَهِّم ومُتوَهَّم فَكل هَذَا متعدٍّ وَفِيه الطريقتانِ على مَا بيَّنتُ لَك: طَريقَة فاعِل وطريقةُ مَفْعول فَأَما مَا لَا يتعدَّى فَإِنَّهُ يَجْري على طَريقَة فَاعل فَقَط دونَ طَريقَة مفْعول وَالْأَصْل فِي مصدر الثُّلاثي الَّذِي لَا يتعدَّى مِمَّا هُوَ على فَعَلَ يَفْعُل أَو يَفْعِل أَن يجيءَ على فُعول نَحْو قَعَدَ يَقْعُد قُعوداً وجَلَسَ يَجْلِس جُلوساً فَهَذَا الأَصْل المطَّرِد وَمَا جَاءَ من مصادره على غير هَذَا الْبناء فَهُوَ على طَريقة النادرِ الَّذِي يُحتاج فِيهِ إِلَى معرفةِ النظيرِ حَتَّى يَجوز مَا يجوز فِيهِ على شَرَائِط النادرِ ويمتنعَ مِمَّا لَا يجوزُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي كَلَام العربِ.
|
المخصص
|
فَعَلَ يَفْعِل فَعْلاً عَجَزَ يَعْجِز عَجْزَاً فَعَلَ يَفْعِل فَعِلاً حَلَفَ يَحْلِف حَلِفَاً وضَرَطَ يَضْرِط ضَرِطَاً وحَبَقَ يَحْبِق حَبِقَاً فَعَلَ يَفْعِل فُعولاً جَلَسَ يَجْلِس جُلوساً فَعَلَ يَفْعُل فُعولاً قَعَدَ يَقْعُد قُعوداً وسَجَدَ يَسْجُد سُجوداً ودَخَلَ يَدْخُل دُخولاً وخَرَجَ يَخْرُجُ خُروجاً فَعَلَ يَفْعُل فَعالاً ثَبَتَ يَثْبُت ثَباتاً فَعَلَ يَفْعُل فَعْلاً سَكَتَ يَسْكُت سَكْتَاً فَعَلَ يَفْعُل فُعْلاً مَكَثَ يَمْكُث مُكْثاً فَعَلَ يَفْعُل فِعْلاً فَسَقَ يَفْسُق فِسْقاً فَعَلَ يَفْعُل فِعالَةً عَمَرَ المَنْزِلُ يَعْمُر عِمارَةً فَعِلَ يَفْعَل فَعْلاً حَرِدَ يَحْرَد حَرْداً فَعِلَ يَفْعَل فَعِلاً ضَحِكَ يَضْحَك ضَحِكَاً فَعَلَ يَفْعَل فُعالاً مَزَحَ يَمْزَح مُزاحاً فَهَذِهِ قوانينُ من المصادرِ وَالْأَفْعَال مَجْمُوعَة قدَّمتها توطِئَة وتسهيلاً وَأَنا الآنَ آخذُ فِي ذِكر الْجُمْهُور وتحليلِ مَا عَقَدَ مِنْهُ سِيبَوَيْهٍ والتنبيه على مَا شُبِّه من المتعدِّي بِغَيْر المتعدِّي وَمن غير المتعدِّي بالمتعدِّي وأبْدأ بتحليل كَلَام سِيبَوَيْهٍ عَقْدَاً عَقْدَاً لتَقِفَ على صِحَّة من القوانينِ ثمَّ أُتْبِع ذَلِك جميعَ مَا وَضعه أصحابُ المصادر كالأصمعي وَأبي زيد والفرَّاء.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا بابُ بناءِ الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ أعمالٌ تَعدَّاك إِلَى غيرِك وتوقِعُها بِهِ ومصادرها فالأفعال تكونُ من هَذَا على ثَلَاثَة أبْنِيَةٍ على فَعَلَ يَفْعِل وفَعَلَ يَفْعُل وفَعَلَ يَفْعَل وَيكون الْمصدر فَعْلاً وَالِاسْم فَاعِلا فَأَما فَعَلَ يَفْعِل وفَعَلَ يَفْعُل وفَعَلَ يَفْعَل وَيكون الْمصدر فَعْلاً وَالِاسْم فَاعِلا فَأَما فَعَلَ يَفْعُل ومصدرُه فَعْل قَتَلَ يَقْتُل قَتْلاًَ وَالِاسْم قاتِلٌ وخَلَقَه يَخْلُقه خَلْقَاً وَالِاسْم خالِقٌ ودَقَّه يدُقُّه دَقَّاً وَالِاسْم داقٌّ وَأما فَعَلَ يَفْعُل فنحو ضَرَبَ يَضْرِب وَهُوَ ضاربٌ وحَبَسَ يَحْبِس وَهُوَ حابِسٌ وَأما فَعِلَ يَفْعِل ومصدره والاسمُ فنحو لَحَسَه يَلْحَسه لَحْسَاً وَهُوَ لاحِسٌ ولَقِمَه يَلْقَمه لَقْمَاً وَهُوَ لاقِمٌ وشَرِبَه يَشْرَبه شَرْبَاً وَهُوَ شارِبٌ ومَلَجَه يَمْلَجُه مَلْجَاً وَهُوَ مالِجٌ وَمَعْنَاهُ مَصَّه ورَضِعه وَمِنْه مَا يُروى عَن النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم أَنه قَالَ: (لَا تُحَرِّم الإمْلاجةُ وَلَا الإمْلاجتانِ) . يريدُ الرَّضْعة والرَّضْعَتَيْن. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد جَاءَ بعضُ مَا ذكرنَا من هَذِه الْأَبْنِيَة على فُعول، قَالَ أَبُو عَليّ: يَعْنِي مِمَّا يتعدَّى لِأَن بناءَ الفِعل واحدٌ وَقد جَاءَ مصدَرُ فَعَلَ يَفْعُل وفَعَلَ يَفْعِل على فَعَلٍ وَذَلِكَ حَلَبَها يَحْلُبها حَلَبَاً وطَرَدَها يَطْرُدها طَرَدَاً وَسَرَق يَسْرِق سَرَقَاً وَقد جَاءَ المصدرُ على فَعِلٍ قَالُوا خَنَقَه يَخْنُقه خَنِقَاً وكَذَبَ يَكْذِب كَذِبَاً وَقَالُوا كِذَاباً وحَرَمَه يَحْرِمه حَرِمَاً وسَرَقَه يَسْرِقه سَرِقَاً وَقَالُوا عَمَلَه يَعْمَله عَمَلاً فجَاء على فَعَلٍ كَمَا جَاءَ السَّرَق والطَّلَب وَمَعَ ذَا أنَّ بناءَ فِعْله كبناءِ فِعْل الفَزَع فشُبِّه بِهِ، قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: يذكُر سِيبَوَيْهٍ هَذِه المصادرَ فِي الْأَفْعَال المتعدِّية وَالْأَصْل فِيهَا عِنْده أَن يكونَ المصدرُ على فَعْل بل الأَصْل فِي الْأَفْعَال الثُّلاثية كلِّها أَن تكون مصدرُها على فَعْل لِأَنَّهُ أخفُّ الأبْنية ولأنا نقُول فِيهَا كلّها إِذا أردنَا المرَّة الواحدةَ قُلْنَا فَعْلَة كَقَوْلِنَا جَلَسَ جَلْسَةً وقامَ قَوْمَةً وفَعْل هُوَ جمْع فَعْلَة كَمَا يُقَال تَمْرَة وتَمْر فَيكون الضَّرْب من الضَّربَة كالتَّمر من التَّمْرة وَمَا خرج من هَذَا فَهُوَ الَّذِي يذكرهُ فقد ذكر فَعَلَ وفَعِلَ ثمَّ قَالَ فِي عَمِلَ عَمَلاً إِنَّهُم شبَّهوه بالفزَع الَّذِي هُوَ مصدَرُ فَزِعَ وفَزِعَ لَا يتعدَّى وَالْبَاب فِي فَعِلَ الَّذِي لَا يتعدَّى إِذا كَانَ فاعلُه يَأْتِي على فَعِلٍ أَن يكون مصدَره على فَعَلَ كَقَوْلِنَا فَرِقَ فَرَقَاً فَهُوَ فَرِقٌ وحَذِرَ يَحْذَر حَذَرَاً فَهُوَ حَذِر. قَالَ أَبُو عَليّ: فشُبِّه العمَل وَهُوَ مصدر فِعْل يتعدَّى بالفزَع وَهُوَ مصدر فِعْل لَا يتعدَّى لاستِواء لفظِ فَزِعَ وعَمِلَ وَإِن اخْتلفَا فِي التعدِّي مثل الطَّلَب والسَّرَق على العَمَل، وَقد جَاءَ المصدرُ على فُعْل وَذَلِكَ نَحْو الشُّرْب والشُّغْل وعَلى فِعْل كَقَوْلِنَا قَالَ قِيلاً وَقَالُوا سَخِطَ سَخَطَاً شبَّهه بِالْغَضَبِ حينَ اتفقَ البناءُ يَعْنِي أَن سَخَطَاً مصدرُ فِعْل يتعدَّى وَقد شبَّهه بِالْغَضَبِ مصدرِ فِعْل لَا يتعدَّى لاتِّفَاقهمَا فِي وزن الفِعْل وَفِي الْمَعْنى، قَالَ: ويدُلُّك ساخِطٌ وسَخِطْته أَنه مُدْخَل فِي بابِ الْأَعْمَال الَّتِي تُرى وتُصْنَع وَفِي بعض النّسخ تُرى وتُسْمَع وَهِي موقَعَة بغَيْرهَا. قَالَ أَبُو عَليّ: يَعْنِي بِالْأَعْمَالِ الَّتِي تُرى الأعمالَ المتعدِّيَةَ لِأَن فِيهَا عِلاجاً من الَّذِي يوقِعه للَّذي يُوقَعُ بِهِ فيُشاهَدُ ويُرى فَجعل سَخِطْته مُدْخَلاً فِي التعدِّي كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة مَا يُرى وَقَوْلهمْ ساخِطٌ دليلٌ على ذَلِك أَنهم لَا يَقُولُونَ غاضِبٌ وَمعنى الْغَضَب والسَّخَط واحدٌ فَجعلُوا الغضَب بِمَنْزِلَة فِعْل تتغيَّر بِهِ ذاتُ الشيءِ والسَّخَط بِمَنْزِلَة فِعْل عُولج إِيقَاعه بِغَيْر فَاعله. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا وَدِدْته وُدَّاً مثل شَرِبْته شُرْباً وَقَالُوا ذَكَرَه ذِكْراً كحفِظَه حِفْظاً. قَالَ: وَقد جَاءَ شيءٌ من هَذَا المتعدِّي على فَعيل قَالُوا ضَريبُ قِداحٍ للَّذي يَضْرِب بالقِداح وصَريمٌ للصارِم وَقَالَ طَريف بن تَمِيم العنبريّ: رُ فِعْل يتعدَّى وَقد شبَّهه بِالْغَضَبِ مصدرِ فِعْل لَا يتعدَّى لاتِّفَاقهمَا فِي وزن الفِعْل وَفِي الْمَعْنى، قَالَ: ويدُلُّك ساخِطٌ وسَخِطْته أَنه مُدْخَل فِي بابِ الْأَعْمَال الَّتِي تُرى وتُصْنَع وَفِي بعض النّسخ تُرى وتُسْمَع وَهِي موقَعَة بغَيْرهَا. قَالَ أَبُو عَليّ: يَعْنِي بِالْأَعْمَالِ الَّتِي تُرى الأعمالَ المتعدِّيَةَ لِأَن فِيهَا عِلاجاً من الَّذِي يوقِعه للَّذي يُوقَعُ بِهِ فيُشاهَدُ ويُرى فَجعل سَخِطْته مُدْخَلاً فِي التعدِّي كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة مَا يُرى وَقَوْلهمْ ساخِطٌ دليلٌ على ذَلِك أَنهم لَا يَقُولُونَ غاضِبٌ وَمعنى الْغَضَب والسَّخَط واحدٌ فَجعلُوا الغضَب بِمَنْزِلَة فِعْل تتغيَّر بِهِ ذاتُ الشيءِ والسَّخَط بِمَنْزِلَة فِعْل عُولج إِيقَاعه بِغَيْر فَاعله. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا وَدِدْته وُدَّاً مثل شَرِبْته شُرْباً وَقَالُوا ذَكَرَه ذِكْراً كحفِظَه حِفْظاً. قَالَ: وَقد جَاءَ شيءٌ من هَذَا المتعدِّي على فَعيل قَالُوا ضَريبُ قِداحٍ للَّذي يَضْرِب بالقِداح وصَريمٌ للصارِم وَقَالَ طَريف بن تَمِيم العنبريّ: أوَ كلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبيلةٌ بعَثوا إليَّ عَريفهمْ يَتَوَسَّمُ يُرِيد عارِفَهم والبابُ فِي ذَلِك أَن يكونَ بِنَاؤُه على فاعلٍ كضاربٍ وقاتلٍ وَمَا أشبهَ ذَلِك وَيجوز أَن يكونَ ضَريبُ قِداح فَرْقَاً بَيْنَه وبَيْنَ من يَضْرِب فِي معنى آخرَ وبَيْنَ الصَّريم فِي القَطيعة وبَيْنَ من يَصْرِم فِي معنى سِواه وبَيْنَ عَريفٍ الَّذِي يَعْرِف الإنسانَ وبَيْنَ العرِف شَيْئا سِواه. وَقد جَاءَ المصدرُ على فِعال قَالُوا كَذَبْته كِذاباً وكَتَبْته كِتاباً وحَجَبْته حِجاباً وَقَالُوا كَتَبْته كَتْبَاً على الْقيَاس وَقَالُوا سُقْتُه سِياقاً ونَكَحَها نِكاحاً وسَفِدَها سِفاداً وَقَالُوا قَرَعَها قَرْعَاً، وَقد جَاءَ على فِعْلانٍ قَالُوا حَرَمَه يَحْرِمه حِرْماناً ووَجَدَ الشيءَ يَجِدُه وِجْداناً بِمَعْنى أصابَ وَقَالُوا أَتَيْته آتيهِ إتْياناً وَقَالُوا أَتْيَاً على الْقيَاس، قَالَ الشَّاعِر: إنِّي وأَتْيي ابنَ غَلاَّقٍ لِيَقْرِيَني كغابِطِ الكَلْبِ يَبْغِي الطِّرْقَ فِي الذَّنَبِ ولَقِيته لِقْياناً وعَرَفْته عِرْفاناً ورَئِمَه رِئْماناً: إِذا أَلِفَه وعَطَف عَلَيْهِ، وَقَالُوا رأْماً وحَسِبَه حِسْباناً ورَضِيَه رِضْواناً وغَشِيَه غِشْياناً، وَقد جَاءَ على فَعال كَمَا جَاءَ على فُعول كَقَوْلِك سَمِعْته سَماعاً مثل لَزِمْته لُزوماً وعَلى فُعْلان نَحْو الشُّكْران والغُفْران وَقد قيل الكُفْران قَالَ الله تَعَالَى: (فَلَا كُفْرانَ لِسَعْيِه) . وَفِي بعض الْأَخْبَار: (شُكْرانَكَ لَا كُفْرانَكَ) . وَقَالُوا الشُّكور كَمَا قَالُوا الجُحود وَقَالُوا الكُفْر كالشُّغْل، وَقَالُوا سَأَلْته سُؤَالاً فجاؤا بِهِ على فَعال وَجَاء على فِعالة كَقَوْلِك نَكَيْت العدوَّ نِكايَةً وحَمَيْته حِمايةً وَقَالُوا حَمْيَاً على الْقيَاس وَقَالُوا حَمَيْت المَريضَ حِمْيَة كَمَا قَالُوا نَشَدْته نِشْدة فَهَذَا على فِعْلة وَقد جَاءَ على فَعْلَة كَقَوْلِهِم رَحِمْته رَحْمَةً وَلَيْسَ يُرادُ بِهِ مرَّةً وَاحِدَة وَكَذَلِكَ لَقِيته لَقْيَةً ونظيرها خِلْتُه خِيْلةً يُرِيد نظيرها فِي الْمصدر لَا فِي الوَزْن وَقَالُوا نَصَحَ نَصاحةً فأدخلوا الهاءَ وَقَالُوا غَلَبَ غَلَبَةً كَمَا قَالُوا نَهَمَة وَقَالُوا الغَلَبُ كَمَا قَالُوا السَّرَق وَقَالُوا ضَرَبَها الفحلُ ضِراباً كالنِّكاح وَالْقِيَاس ضَرْبَاً وَلَا يَقُولُونَهُ كَمَا لَا يَقُولُونَ نَكْحَاً وَهُوَ الْقيَاس وَقَالُوا دَفَعَها دَفْعَاً كالقَرْع وذَقَطَها ذَقْطَاً: وَهُوَ النِّكاح ونحوُه من بَاب المُباضَعة وَقَالُوا سِرْقَةٌ كَمَا قَالُوا فِطْنة وَقَالُوا لَوَيْتُه حَقَّه لَيَّاناً على فَعْلاَنٍ، وَذكر بعضُ النَّحْوِيين: وَهُوَ عِنْدِي جيِّد أَن لَيَّاناً أصلُه لِيَّان لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي المصادر فَعْلاَن وَإِنَّمَا يجيءُ على فِعْلانٍ وفِعْلانٌ كثير كالوِجْدان والإتْيان والعِرْفان فكأنَّ أصلَه لِيَّان فاستثقلوا الكسرةَ مَعَ الياءِ المشدَّدة ففتَحوا اسْتِثْقالاً وَقد ذكر أَبُو زيد فِي كتابِ عَيْمَان عَن بعض الْعَرَب لِيَّاناً بِالْكَسْرِ وَهَذَا من أَوْضَح الدلائلِ على مَا ذكرْنا، وَقَالُوا رَحِمْته رَحَمَةً كالغَلَبَة وجميعُ مَا ذكرتُه إِلَى هَذَا الموضِع فِي الْأَفْعَال المتعدِّيَة وَأما كلُّ عَمَل لم يتعدَّ إِلَى مَنْصُوب فَإِنَّهُ يكون فِعْلُه على مَا ذكرنَا فِي الَّذِي يتعدَّى ويكونُ الاسمُ فَاعِلا والمصدر يكون فُعولاً وَذَلِكَ نَحْو قَعَدَ قُعوداً وَهُوَ قاعِدٌ وجَلَسَ يَجْلِس جُلوساً وسَكَتَ سُكوتاً وَهُوَ ساكِتٌ وثَبَتَ ثُبوتاً وَهُوَ ثابتٌ وذَهَبَ ذُهوباً وَهُوَ ذاهِبٌ وَقَالُوا الذَّهَاب والثَّبات فبَنَوْه على فعال كَمَا بَنَوْه على فُعول والفُعول فِيهِ أكثرُ وَقَالُوا رَكِنَ يَرْكَنُ رُكوناً وَهُوَ راكِنٌ وَقد قَالُوا فِي بعض مصَادر هَذَا فجاؤا بِهِ على فَعْل كَمَا جاؤا بِبَعْض مصَادر الأول على فُعول وَذَلِكَ قَوْلك سَكَتَ يَسْكُت سَكْتَاً وهَدَأَ اللَّيْل يَهْدَأ هَدْءَاً وعَجَزَ عَجْزَاً وحَرِدَ يَحْرَد حَرْدَاً وَهُوَ حارِدٌ وَقَوْلهمْ فاعلٌ يدلُّك على أَنهم إِنَّمَا جَعَلُوهُ من هَذَا الْبَاب وتخفيفهم الحرَد أَنهم حملُوا مصادرَ مَا لَا يتعدَّى حَيْثُ قَالُوا لَزِمَ لُزوماً وجَحَدَه جُحوداً وَالْبَاب فِيهِ لَزْمَاً وجَحْدَاً على مَا لَا يتعدَّى وقوَّى حَمْلَهم ذَلِك على مَا يتعدَّىأنهم قَالُوا حارِدٌ وَكَانَ القياسُ فِي مثله أَن يكون حَرِدَ حَرَدَاً فَهُوَ حَرْدَان كَمَا قَالُوا غَضِبَ غَضَبَاً فَهُوَ غَضْبَان فأخرجوه عَن بَاب غَضْبَان بتَخْفِيف الحَرَد وبقولهم حارِدٌ وَمعنى قَوْلنَا فَإِنَّهُ يكونُ فِعْله على مَا ذَكَرْنا فِي الَّذِي يتعدَّى يريدُ من بابِ فَعَلَ يَفْعُل كَقَوْلِنَا قَعَدَ يَقْعُد وفَعَلَ يَفْعِل كَقَوْلِنَا جَلَسَ يَجْلِس وفَعِلَ يَفْعَل كَقَوْلِنَا حَرِدَ يَحْرَد فَهَذِهِ الْأَفْعَال لَهَا نظائرٌ فِيمَا يتعدَّى، وَيَجِيء فِيمَا لَا يتعدَّى بناءٌ يَنْفَرد بِهِ كَقَوْلِنَا ظَرُف يَظْرُف وكَرُم يَكْرُم وستَقِف على ذَلِك إِن شَاءَ الله وَقَالُوا لَبِثَ لَبَثَاً فجعلوه بِمَنْزِلَة عَمِلَ عَمَلاً وَقَوْلهمْ لابِثٌ يدلُّك على أَنه من هَذَا الْبَاب وَقَالُوا مَكَثَ يَمْكُث مُكوثاً كَمَا قَالُوا قَعَدَ يَقْعُد قُعوداً وَقَالَ بَعضهم مَكُث شبَّهه بظَرُف لِأَنَّهُ فِعل لَا يتعدَّى كَمَا أَن هَذَا فِعل لَا يتعدَّى وَقَالُوا المُكْث كالشُّغل والقُبْح لِأَن بِنَاء الْفِعْل واحدٌ فِي مكُث يَمْكُث وقَبُح يَقْبُح وَقَالَ بعض الْعَرَب مَجَنَ يَمْجُن مُجْناً كالشُّغل فِيمَا يتعدَّى وفَسَقَ فِسْقاً كَمَا قَالُوا فَعَلَ فِعْلاً فِيمَا يتعدَّى وَقَالُوا حَلَفَ حَلِفَاً كَمَا قَالُوا سَرَقَ سَرِقَاً فِيمَا يتعدَّى وَأما دَخَلْته دُخولاً ووَلَجْته وُلوجاً فَإِنَّمَا هِيَ على وَلَجْت فِيهِ ودَخَلْت فِيهِ ولكنَّه ألْقى فِي اسْتِخْفَافًا كَمَا قَالُوا نُبِّئْت زَيْدَاً وَإِنَّمَا يُرِيد نُبِّئْت عَن زيدٍ وَمثل الحارِدِ والحَرْد قولُهم حَمِيَت الشمسُ تَحْمَى حَمْيَاً وَهِي حامِيَةٌ، قَالَ الشَّاعِر: هِيَ على وَلَجْت فِيهِ ودَخَلْت فِيهِ ولكنَّه ألْقى فِي اسْتِخْفَافًا كَمَا قَالُوا نُبِّئْت زَيْدَاً وَإِنَّمَا يُرِيد نُبِّئْت عَن زيدٍ وَمثل الحارِدِ والحَرْد قولُهم حَمِيَت الشمسُ تَحْمَى حَمْيَاً وَهِي حامِيَةٌ، قَالَ الشَّاعِر: تَفور عَلَيْنا قِدرُهم فنُديمُها ونَفْثَأُها عنَّا إِذا حَمْيُها غَلى نُديمها: أَي نُسَكِّنُها، وَقَالُوا لَعِبَ يَلْعَب لَعِبَاً وضَحِكَ يَضْحَك ضَحِكَاً كَمَا قَالُوا الحَلِف وَقَالُوا حَجَّ حِجَّاً كَمَا قَالُوا ذَكَرَ ذِكْراً وَقد تقدم وَقد جَاءَ بعضه على فُعال كَمَا جَاءَ على فَعال وفُعول قَالُوا نَعَسَ نُعاساً وعَطَسَ عُطاساً ومَزَحَ مُزاحاً، وَقد يجيءُ الفُعال والفُعالة والفِعال والفِعالة فِي أَشْيَاء تكثُر فِيهَا وَتَكون أبواباً لَهَا وَكَذَلِكَ الفَعيل فَأَما فُعال فقد كثُر فِي الْأَصْوَات وَصَارَ الْبَاب لَهَا وَيَتْلوه فِي ذَلِك الفَعيل فَأَما الفُعال فنحو الصُّراخ والضُّباح واليُعار والبُغام والحُصاص والحُباج والخُباج وَهُوَ الضُّراط والرُّغاء والدُّعاء والعُواء والبُكاء وَأما الفَعيل فنحو الصَّهيل والزَّئير والطَّنين والصَّريف والنَّزيب والنَّبيب والزَّحير والنَّهيت والنَّهيم والنَّئيم وَنَحْوه كثيرٌ وَمِمَّا اجتمعَ فِيهِ فَعيل وفُعال شَحيج البغْل وشُحاجه ونَهيق الحِمار ونُهاقه وسَحيله وسُحاله ونَبيح الْكَلْب ونُباحه وضَغيب الأرنب وضُغابها والأنين والأُنان والزَّحير والزُّحار وفَعيل وفُعال أختَان فِي هَذَا كَمَا اتفقَتَا فِي الوَصْف كَقَوْلِك طَويل وطُوال وخَفيف وخُفاف وعَجيب وعُجاب وكَريم وكُرام، وَحكى الْفَارِسِي: لَئيم ولُؤام وخَبيث وخُباث وَيكثر فُعال فِي الأدْواء كَقَوْلِنَا السُّكات والبُوال والدُّوار والعُطاس والسُّهام: وَهُوَ تغيُّر من حرٍّ أَو شمس أَو سُقْم، والسُّعال والهُلاس والنُّحاز والدُّكاع والقُلاب والخُمال والنُّكاف والهُيام والقُحاب والصُّراع وكلُّ هَذَا من أدْواء الإبِل. قَالَ الْأَصْمَعِي: وَقع فِي الإبلِ سُواف: وَهُوَ الهَلاك والموتُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: سَواف بفتْح السِّين فأنكَر ... . قَالَ أَبُو عَمْرو: هَكَذَا سمعته ويقوِّي مَا قَالَ أَبُو عَمْرو أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: كَمَا أنَّك قد تجيءُ ببعضِ مَا يكونُ مِنْ ذَا يومئُ إِلَى الأدواء على غير فُعال وبابه فُعال فَيمكن أَن يكون السَّواف مِنْهُ وَقَالُوا: سَمِعَ اللهُ غُواثَه وغَواثَه: وَهُوَ استغاثَته والبابُ فِيهِ الضَّمُّ لِأَنَّهُ من الْأَصْوَات وَيجوز أَن يكونَ فتْحُهم لذَلِك استثقالاً للضمِّ الَّذِي بَعْدَه الْوَاو ويجيءُ فُعال فِيمَا كَانَ نحوَ الدُّقاق والحُطام والجُذاذ والفُضاض والفُتات والرّفات وَهُوَ مصدرٌ على مَفْعول، قَالَ أَبُو عَليّ: وبالجملةِ الغالبةِ فكلُّ مَا كَانَ مُسْتَطيراً أَو مُرْفَضَّاً أَو متقطِّعاً من شَيْء وَبِالْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى طبقَة من هَذِه فِي بَاب الجِنْسِيَّة والاستحقاقِ لاسمِ العُموم فإنَّ الفُعال يكونُ على الْأَجْزَاء المتَّسِعة عَن الْبناء كَقَوْلِه: يَطيرُ فُضاضاً بَيْنَها كلَّ قَوْنَسِ قَالَ أَبُو عَليّ: وَقد جعل سِيبَوَيْهٍ البَقِيَّة من الشَّيْء تغلب عَلَيْهِ الفُعالة هَذِه عبارَة أبي عَليّ، فَأَما سِيبَوَيْهٍ وَأَبُو بكر محمدُ بن السرِيِّ فَقَالَا: ويجيءُ الفُعالة فِيمَا كَانَ فاضِلاً من الشَّيْء إِذا أُخذ مِنْهُ نَحْو الفُضالة والفُوارة والقُراضة والنُّفاية والنُّقاوة والحُسالة والحُثالة والحُسافة والكُساحة والجُرامة: وَهِي مَا يَجْرَم من النحْل بعد الفَراغ مِنْهُ وَمثله الظُّلامة والخُباسة: وَهِي الْغَنِيمَة، وَأنْشد أَبُو عَليّ: وَلم أرَ شَرْوَاها خُباسةَ واحدٍ فَنَهْنَهْت نَفْسي بَعْدَمَا كِدْتُ أَفْعَلَهْ والعُمالة وَهِي مشبَّهة بالفُعالة، قَالَ أَبُو عَليّ: ليستْ هَذِه بمصادرَ محقَّقةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَة موضِعَ الْمَفْعُول وَهِي تدلُّ على مَا تدلُّ عَلَيْهِ الفَعيلة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الفَضْلة كالبَقِيَّة والتَّلِيَّة والتَّريكة فَلَو قلت فِي فَعيلة إِنَّهَا مصادرُ لَقلت مثلَ ذَلِك فِي فُعالة لكنْ فَعيلة لَيست بمصدرٍ وَهِي دالَّة على مَا تدلُّ عَلَيْهِ فُعالة من معنى الفَضْلة فَإِذا فُعالةٌ لَيست بمصدر وَيَجِيء الفِعال فِيمَا كَانَ هِياجاً من ذكر أَو أُنْثَى فالذكر نَحْو الهِباب والشِّماس والطِّماح والضِّراح: وَهُوَ الرَّمح بالرِّجْل، قَالَ أَبُو عَليّ: وَذَلِكَ كُله يُشبه بَاب الهِياج لِأَنَّهُ تحرُّك وخُروج عَن الِاعْتِدَال ومثلُه الخِلاء والحِران لِأَنَّهُ يشبه ذَلِك للمُمانعة والتَّباعد مِمَّا يُراد مِنْهُ. وَقد يَجِيء فِعال فِي الْأَصْوَات وَلَيْسَ بكثْرَة فُعال وفَعيل كالغِناء والزِّمار والعِرار: وهما أصواتُ النَّعامِ، وَقد يَجِيء فِيهِ الفِعال والفُعال معْتَقِبَيْنِ على الكلمةِ الْوَاحِدَة وَذَلِكَ قَوْلهم الهُتاف والهِتاف والصِّياح والصُّياح والنِّداء والنُّداء حكى ذَلِك كلَّه ابْن السّكيت، وَيَجِيء فِعال لانْتِهَاء الزَّمان هَذِه عبارَة جُمهور النَّحْوِيين فِي هَذَا الْفَصْل فَأَما أَبُو عَليّ فَقَالَ: وَيَجِيء فِعال لإدراكِ مَا عالَجَه الهواءُ وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم الصِّرام والجِزاز والقِطاع والحِصاد والرِّفاع: وَهُوَ أَن يُرْفَع الزرعُ والتمرُ ليجمَع فِي بَيْدَره أَو مِرْبَده والكِناز والقِطاف ويدخلُ الفَعال عَلَيْهِ فَهُوَ لُغَة فِي كلٍّ واحدةٍ من هَذِه، وَحكى أَبُو عَليّ: خِراص النخْل والزرْع وصرَّح بالكَسْر وَلم أرَهُ ذكر الفتْح وتجيء الفِعالة فِيمَا كَانَ وِلايةً أَو صِناعة وكأنَّ الوِلاية جِنْس لذَلِك وَكَذَلِكَ الصِّناعة وكلَّما كَانَ الجِنْس على وَزْن كَانَ النَّوْع على ذَلِك الوَزْن هَذَا قَطْع أبي عَليّ وأُراه غَالِبا لَا لَازِما فَأَما الوِلاية فنحو الخِلافة والإمارة والعِرافة والنِّقابة والنِّكابة والنِّكابُة من المَنْكِب، والمَنْكِب: الَّذِي فِي يَده اثْنَتَا عَشْرَة عِرافة. أَبُو عبيد: المَنْكِب: عَوْن العَريف وَمن أَنْوَاع الوِلاية السِّياسة والإيالة وَهِي السياسة والإبالة: وَهِي وِلاية الإبلِ والحِذْقُ لمصلحتِها والعِياسة: وَهِي السياسة وَقَالُوا العَوْس، قَالَ الْفَارِسِي: هُوَ العَوْس والعَوْس شذَّ عَن قانون هَذَا البابِ وَخرج مِنْهُ وَمَا أشبَهه مِمَّا يُنْبِئُ بِهِ ويعيِّنه ويُعلِن بِخُرُوجِهِ عَن الْبَاب هُوَ وسيبويه وجميعُ حُذَّاق النَّحْوِيين يدلُّني على أَن قَول أبي عَليّ وكلَّما كَانَ الجِنس على وزنٍ كَانَ النَّوْع على ذَلِك الْوَزْن محمل ... . كُلِّيٍّ إِلَّا أَن يُقْضى عَلَيْهِ بالغَلَبة فَيكون مَجازيَّاً على مَا عُهد وجَرَت العادةُ بِهِ من موضوعِ قَضايا النَّحْوِيين وَقَالُوا فِي الصِّنَاعَة القِصابة: وَهِي الجِزارة والحِياكة والخِياطة والخِرازة والصِّياغة والنِّجارة والفِلاحة والمِلاحة والتِّجارة وفتحوا الأوَّل فِي بعض ذَلِك. قَالَ ابْن السّكيت: هِيَ الوَلاية والوِلاية والوَكالة والوِكالة والجَراية والجِراية فَأَما الدِّلالة والدَّلالة فَفِي بابِ الصِّناعة. قَالَ أَبُو عَليّ: وَيَجِيء فِي المصادر فِعْلة على معنى الْإِبَانَة عَن الكيفيَّة يُقَال إِنَّه لَحَسَنُ العِمَّة والعِصْبة والفِضْلة والنِّقْبة واللِّحْفة واللِّثْمة والبِيْعة والوِزْنة وَقد استعملوا ذَلِك فِيمَا لَيْسَ بصفةٍ محسوسةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَقْبُولَة بالعَقْل نَحْو الفِقْهة والفِهْمة والغِفْلة وَيدخل فِي هَذَا الكِظَّة والبِطْنة والمِلأة، والكِظَّة: امتلاءٌ من الطَّعَام، وَقد دخل كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِيمَا ذكرته بِمَا أَغْنى عَن سِياقه. وَأما الوَسْم فَيَجِيء على فِعال نَحْو الخِياط والعِلاط والعِراض والجِناب والكِشاح والأثَر يكونُ على فِعال والعملُ يكون فَعْلاً كَقَوْلِك وَسَمْت وَسْمَاً وخَبَطْت البعيرَ خَبْطَاً وكَشَحْته كَشْحَاً وَأما المُشْط والدَّلْو والخُطَّاف أَعنِي فِي السِّمات فَإِنَّمَا أَرَادَ صورةَ هَذِه الأشياءِ أَنَّهَا وُسمت بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ صورةُ الدَّلْو وَمعنى الخِياط فِي السِّمة الأثَرُ على الوجْه والعِلاط والعِراض على العُنُق والجِناب على الجَنْب والكِشاح على الكَشْح، وَجَاء بعضُ السِّمات على غير الفِعال نَحْو القَرْمة والجَرْف اكتفَوْا بِالْعَمَلِ يَعْنِي الْمصدر والفَعْلةِ فأوْقَعوهما على الأثَر والجَرف: أَن يُقلعَ شيءٌ من الجِلْد بحديد والقَرْمة: أَن يُقطَع شيءٌ من الجِلْد يكون معَلَّقاً عَلَيْهِ، وَمن المصادر الَّتِي جَاءَت على مثالٍ واحدٍ حينَ تقاربت الْمعَانِي قولُك النَّزَوان والنَّقَران والقَفَزان وَإِنَّمَا جَاءَت هَذِه الأشياءُ فِي زَعْزَعة البَدَن واهتِزازه فِي ارتفاعٍ وبابُ الفَعَلان أَن يجيءَ مصدرا فِيمَا كَانَ يَضْطَرب وَلَا يَجِيء فِي غير ذَلِك وَمثله العَسَلان والرَّتَكان: وهما ضَرْبَان من العَدْو وَرُبمَا جَاءَ مَا كَانَ فِيهِ اضطِرابٌ على غيرِ الفَعَلان نَحْو النُّزاء والقُماص كَمَا جَاءَ عَلَيْهِ الصَّوْت نَحْو الصُّراخ والنًّباح لِأَن الصوتَ قد تكلَّف فِيهِ من نَفْسِه مَا تكلَّف من نَفْسِه فِي النَّزَوان وَنَحْوه وَقَالُوا النَّزْو والنَّعْز كَمَا قَالُوا السَّكْت والقَفْز لِأَن بناءَ الفعلِ وَاحِد لَا يتعدَّى كَمَا لَا يتعدَّى هَذَا ومثلُ ذَلِك الغَلَيان والغَثَيان لِأَن بناءَ النفسَ تَضْطَرِب وتَثور وَكَذَلِكَ الخَطَران واللَّمَعان لِأَنَّهُ اضْطِراب وتحرُّك واللَّهَبان والصَّخَدان والوَهَجان لِأَنَّهُ تحرُّك الحَرِّ وثَوْرُه بِمَنْزِلَة الغَلَيان وَقَالُوا وَجَبَ قلْبُه وَجيباً ووَجف وَجيفاً ورسَم البعيرُ رَسيماً: وَهُوَ ضَرْبٌ من السَّيْر فجَاء على فَعيل كَمَا جَاءَ على فُعال يَعْنِي النُّزاء والقُماص وكما جَاءَ فَعيل فِي الصَّوْت مَجيءَ فُعال كالهَدير والضَّجيج والقَليج والصَّهيل والنَّهيق والشَّحيج، قَالَ: وأكثرُ مَا يكونُ الفعَلان فِي هَذَا الضَّرْب وَلَا يجيءُ فِعله يتعدَّى الفاعلَ إِلَّا أَن يشِذَّ شيءٌ مِنْهُ نَحْو شَنِئْته شَنَآَناً وَقَالُوا اللَّمْع والخَطْر كَمَا قَالُوا الهَدْر فَمَا جَاءَ مِنْهُ على فَعْل فَهُوَ الأَصْل وَقد جاؤا بالفَعَلان فِي أشياءَ تقارَبَتْ فِي اشتِراكِها فِي الاضْطِراب والحرَكة كالطَّوَفان والدَّوَران والجَوَلان تَشْبِيها بالغَلَيان والغَثَيان لِأَن الغَلَيان تقلُّب مَا فِي القِدْر وتصرُّفه وَقد قَالُوا الجَوْل والغَلْي وَقَالُوا الحَيَدان والمَيَلان فأدخلوا الفَعَلان فِي هَذَا كَمَا أَن مَا ذَكَرْنا من المصادرِ قد دخل بعضُها على بعضٍ وَهَذِه الأشياءُ لَا تُضبَط بِقِيَاس وَلَا بأمْر أَحْكَمَ من هَذَا وَهَكَذَا مأخَذُ الْخَلِيل. قَالَ أَبُو عَليّ: يَعْنِي أَن الحَيَدان والمَيَلان شاذٌّ خارجٌ عَن قِيَاس فَعَلان كَمَا يخرج بعضُ المصادرِ عَن بَابه. قَالَ: وَقد يجوزُ عِندي أَن يكونَ على البابِ لأنَّ الحَيَدان والمَيَلان إِنَّمَا هما أَخْذٌ فِي جِهة عادِلة عَن جهةٍ أُخْرى وهما بمنزلةِ الرَّوَغان وَهُوَ عَدْو فِي جِهَة المَيْل، وَقَالَ بعضُهم: لِأَن الحَيَدان والمَيَلان لَيْسَ فيهمَا زَعْزَعة شديدةٌ وَقَالُوا وَثَبَ وَثْبَاً ووُثوباً كَمَا قَالُوا هَدَأَ هَدْءَأ وهُدوءاً وَقَالُوا رَقَصَ رَقَصَاً كَمَا قَالُوا طَلَبَ طَلَبَاً وَمثله خَبَّ يَخُبُّ خَبَبَاً وَقَالُوا خَبيباً كَمَا قَالُوا الذّميل والصَّهيل وَقد جَاءَ من الصَّوْت شيءٌ على فَعَلَة نَحْو الرَّزَمة والجَلَبة والحَدَمة والوَحاة وَقَالُوا الطَّيَران كَمَا قَالُوا النَّزَوان وَقَالُوا نَفَيان المَطَر شبَّهوه بالطَّيَران لِأَنَّهُ يَنْفي بِجَناحَيْه والسَّحابُ يَنْفِي أوَّلَ شيءٍ رَشَّاً أَو بَرْدَاً ونَفَيان الرِّيح أَيْضا التُّرابُ وتنفي المَطر تُصَرِّفه كَمَا تُصَرِّف الترابَ. وَمِمَّا جَاءَت مصادرُه على مثالٍ لتقاربِ المَعاني قَوْلك يَئِسْت يَأْسَاً ويآسَةً وسَئِمْت سَأْمَاً وسآمَةً وزَهِدْت زَهْدَاً وزَهادةً فَإِنَّمَا جُمْلة هَذَا لترْك الشيءِ وجاءتِ الأسماءُ على فاعِلٍ لِأَنَّهَا جُعلت من بابِ شَرِبْت ورَكِبْت، قَالَ أَبُو سعيد: قَوْله لِأَنَّهَا جُعلت من بَاب شَرِبْت ورَكِبْت يَنْبَغِي أَن يكونَ ذَكَرَ شَرِبْت لِأَنَّهُ عملٌ كَمَا أَن زَهِدْت عمل وَيجوز أَن يكون ذَكَرَ شَرِبْت على معنى رَوِيت لِأَن رَوِيت انتهاءٌ وتَرْكٌ كسَئِمْت وَقَالُوا زَهَدَ كَمَا قَالُوا ذَهَبَ وَقَالُوا الزُّهْد كَمَا قَالُوا المُكْث وَقد جَاءَ أَيْضا مَا كَانَ من التَّرْك والانتهاء على فَعِلَ يَفْعَل فَعَلاً وَجَاء الاسمُ على فَعِلٍ وَذَلِكَ أَجِمَ يَأْجَمُ أَجَمَاً وَهُوَ أَجِمٌ: إِذا بَشِمَ من الشيءِ وكَرِهَه وسَنِقَ يَسْنَق سَنَقَاً وَهُوَ سَنِقٌ، كبشِم وغَرِضَ يَغْرَضُ غَرَضَاً وَهُوَ غَرِضٌ وجاؤا بضِدِّ الزُّهْد والغَرَض على بِنَاء الغرَض وَذَلِكَ هَوِيَ يَهْوَى هوى وَهُوَ هَوٍ وَقَالُوا قَنِعَ يَقْنَع قَناعةً كَمَا قَالُوا زَهِدَ يَزْهَد زَهادةً وَقَالُوا قانِعٌ كَمَا قَالُوا زاهِدٌ وقَنِعٌ كَمَا قَالُوا غَرِضٌ لِأَن بناءَ الْفِعْل واحدٌ وَإنَّهُ ضِدُّ تَرْكِ الشيءِ ومثلُ هَذَا فِي التقارُبِ بَطِنَ يَبْطَن بَطَنَاً وَهُوَ بَطِنٌ وبَطينٌ وتَبِنَ تَبَنَاً وَهُوَ تَبِنٌ وثَمِلَ يَثْمَل ثَمَلاً وَهُوَ ثَمِلٌ وَقَالُوا طَبِنَ يَطْبَن طَبَنَاً وَهُوَ طَبِنٌ، وَقَالَ بعض النَّحْوِيين: زِيدت الْيَاء فِي بَطين للُزوم الكسرةِ لهَذَا البابِ أَي لفَعلِ فصير بمنزلةِ المَريض والسَّقيم وَمَا أشبه ذَلِك وَقَالُوا ... . إِنَّمَا هِيَ خُلُق كالأشَر والفَرَح وَهُوَ لما يقَع فِي الجِسْم وَمعنى تَبِنَ فَطِنٌ أَي ذَلِك من طَبْعُ وسوسه وَقَالَ بَعضهم تَبِنَ بَطْنُه إِذا انتَفَخ. َبِنَ يَطْبَن طَبَنَاً وَهُوَ طَبِنٌ، وَقَالَ بعض النَّحْوِيين: زِيدت الْيَاء فِي بَطين للُزوم الكسرةِ لهَذَا البابِ أَي لفَعلِ فصير بمنزلةِ المَريض والسَّقيم وَمَا أشبه ذَلِك وَقَالُوا ... . إِنَّمَا هِيَ خُلُق كالأشَر والفَرَح وَهُوَ لما يقَع فِي الجِسْم وَمعنى تَبِنَ فَطِنٌ أَي ذَلِك من طَبْعُ وسوسه وَقَالَ بَعضهم تَبِنَ بَطْنُه إِذا انتَفَخ. وَمِمَّا جَاءَ من الأدواء على مِثَال وَجِعَ يَوْجَعُ وَجَعَاً لتقاربِ المَعاني وَذَلِكَ حَبِطَ يَحْبَطُ حَبَطَاً وحَبِجَ يَحْبَج حَبَجَاً: وهما انتفاخُ الْبَطن وَقد يَجِيء الاسمُ فَعيلاً نَحْو مَرِضَ يَمْرَض وَهُوَ مَريض وسَقِمَ يَسْقَم سَقَمَاً وَهُوَ سَقيم. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: بعض العربِ يَقُول سَقُمَ سَقَمَاً فَهُوَ سَقيم كَمَا قَالُوا كَرُم كَرَمَاً وَهُوَ كَريم وعَسِرَ عَسَرَاً وَهُوَ عَسير وَقد قَالُوا عَسُر وَقَالُوا السُّقْم كَمَا قَالُوا الحُزْن وَقَالُوا حَزِنَ حَزَنَاً وَهُوَ حَزين جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَة المَرَض لِأَنَّهُ دَاء مثل وَجِعَ يَوْجَع ووَجِلَ يَوْجَل وَجَلاً وَهُوَ وَجِلٌ ورَدِيَ يَرْدَى وَهُوَ رَدٍ: أَي هَلَكَ ولَوِيَ يَلْوَى لَوىً وَهُوَ لَوٍ من وَجَعَ الجوفِ ووَجِيَ يَوْجَى وَهُوَ وَجٍ: وَهُوَ الحَفا ورِقَّةُ القدَمَيْنِ، وعَمِيَ قلبُه يَعْمَى عَمىً وَهُوَ عَمٍ لِأَنَّهُ كالدَّاء والمَرَض والعربُ تَقول عَمِيَتْ عَيْنُه تَعْمَى عَمىً فَهُوَ أَعْمَى فَصَلُوا بينَهما فِي اسْم الْفَاعِل للفَرْق وَقَالُوا فَزِعَ فَزَعَاً وَهُوَ فَزِعٌ وفَرِقَ فَرَقَاً وَهُوَ فَرِقٌ ووَجِرَ وَجَرَاً وَهُوَ وَجِرٌ وَمَعْنَاهُ كمعنى الوَجَل أَجْرَوا الذُّعْر والخَوْف مُجْرى الداءِ لِأَنَّهُ بلاءٌ وَقَالُوا أَوْجَرُ فأدْخَلوا أَفَعَل هُنَا على فعِلٍ لِأَنَّهُمَا قد يَجْتَمِعَانِ كَقَوْلِك شَعِثٌ وأَشْعَثُ وحَدِبٌ وأَحْدَب وكَدِرٌ وأَكْدَر وحَمِقٌ وأَحْمَق وقَعِسٌ وأَقْعَس: وَهُوَ ضِدُّ الأحْدَب فِي خُروج صدْرِه والأحْدَب: الَّذِي يخرجُ ظهرُه فأفعَلُ دخَل فِي هَذَا البابِ كَمَا دَخَلَ فَعِلٌ فِي أَخْشَنَ وأَكْدَرَ وكما دَخَلَ فَعِلٌ فِي بَاب فَعْلاَن أَعنِي أنَّ بابَ الأدْواء يجيءُ على فَعِلَ يَفْعَل فَهُوَ فَعِلٌ فَإِذا استُعمل فيهمَا خَشِنٌ وكَدِر فقد دخل عَلَيْهِمَا فَعِلٌ من غير بابهما ومثلُ ذَلِك فِي بابِ العَطَش والجوع والرِّيِّ والشِّبَع وَكَذَلِكَ فَعْلاَن كَقَوْلِك عَطْشَان وصَدْيَان ووَجْلاَنُ وَقد قَالُوا فِيهِ عَطِشٌ وصَدٍ ووَجِلٌ. وَاعْلَم أَن فَرِقْته وفَزِعْته مَعْنَاهُ فَرِقْت مِنْهُ وفَزِعْت مِنْهُ وَلَكِن حذفوا مِنْهُ كَمَا حذفوا من أَمَرْتك الخيرَ أَي أنَّ فَعِلَ يَفْعَل وَهُوَ فَعِلٌ لَا يتعدَّى وَإِنَّمَا فَرِقْته وفَزِعْته على حذْفِ الجارِّ كَمَا أنَّ أَمَرْتك الخيرَ كَذَلِك وَقَالُوا خَشِيَ وَهُوَ خاشٍ كَمَا قَالُوا رَحِمَ وَهُوَ راحِمٌ فَلم يجيئوا باللَّفْظ كلفْظ مَا مَعْنَاهُ وَلَكِن جاؤا بِالْمَصْدَرِ والاسمِ على مَا بِناءُ فِعْله كبِناء فِعْلِه. قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أنَّ فَعِلَ يَفْعَل إِذا كَانَ اسمُ الْفَاعِل مِنْهُ على فاعِلٍ فَهُوَ يَجْرِي مَجْرَى مَا يتعدَّى وَإِن كَانَ لَا يتعدَّى كَقَوْلِك سَخِطَ يَسْخَط فَهُوَ ساخِطٌ وخَشِيَ يَخْشَى وَهُوَ خاشٍ وَكَانَ الأصلُ سَخِطَ مِنْهُ كَمَا تَقول غَضِبَ مِنْهُ وخَشِيَ مِنْهُ كَمَا تَقول وَجِلَ مِنْهُ فَجعلُوا خَشِيَ وَهُوَ خاشٍ كَقَوْلِهِم رَحِمَ وَهُوَ راحِمٌ وَلَا يُقدَّر فِي رَحِمَ حرفٌ من حُرُوف الجرِّ وَمعنى قَول سِيبَوَيْهٍ فَلم يجيؤا بِاللَّفْظِ كَلَفْظِ مَا مَعْنَاهُ كمعناه يُرِيد لم يَقُولُوا خَشٍ كَمَا قَالُوا فَرِقٌ ووَجِلٌ وَقَوله وَلَكِن جاؤا بِالْمَصْدَرِ وَالِاسْم على مَا بِناءُ فِعْله كبناء فعْلِه المصدرُ يَعْنِي الخشْية والاسمُ يَعْنِي الخاشي فالخَشْية بمنْزلةِ الرَّحْمة فِي وزْنها والخاشي كالرَّاحِم فِي وَزْنِه وبناءُ خَشِيَ يَخْشَى كبناء رَحِمَ يَرْحَم وَهُوَ ضِدُّه وَقد يُحْمَل الضِّدُّ فِي اللفظِ على مَا يُضادُّه لتلبُّسهما بحيِّز واحدٍ وَإِن كَانَا يتنافيان فِي ذَلِك الحيِّز كالألْوان المضادَّة والرَّوائحِ والطُّعومِ المتضادَّة. قَالَ: وجاؤا بضِدِّ مَا ذَكَرْنا على بنائِهِ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا أَشِرَ يَأْشَر أَشَرَاً وَهُوَ أَشِرٌ وبَطِرَ يَبْطَر بَطَرَاً وَهُوَ بَطِرٌ وفَرِحَ يَفْرَح فَرَحَاً وَهُوَ فَرِحٌ وجَذِلَ يَجْذَل جَذَلاً وَهُوَ جَذِلٌ بِمَعْنى فَرِحَ وَقَالُوا جَذْلاَنُ كَمَا قَالُوا كَسْلاَن وكَسِلٌ وسَكْرَانُ وسَكِرٌ وَقَالُوا نَشِطَ يَنْشَط وَهُوَ نَشيط كَمَا قَالُوا الحَزين وَقَالُوا النَّشاط كَمَا قَالُوا السَّقام وَجعلُوا السَّقام والسَّقيم كالجَمال والجَميل وَقَالُوا سَهِكَ يَسْهَك سَهَكَاً وَهُوَ سَهِكٌ وقَنِمَ يَقْنَمُ قَنَمَاً وَهُوَ قَنِمٌ جَعَلُوهُ كالداء لِأَنَّهُ عَيْب وَقَالُوا قَنَمَة وسَهَكَة قالقَنَمة الرائحةُ المُنْكَرة وَقَالُوا عَقُرَتْ عُقْراً كَمَا قَالُوا سَقُمَت سُقْماً وَقَالُوا عاقِرٌ كَمَا قَالُوا ماكِثٌ وَلَيْسَ البابُ فِيمَا كَانَ فِعْلُه على فَعُل يَفْعُل أَن يجيءَ على فاعلٍ فَإِذا جَاءَ شيءٌ مِنْهُ على فاعلٍ فَهُوَ مَحْمُول على غَيْرِه وَهُوَ قليلٌ كَقَوْلِهِم فَرُهَ العبْدُ فَهُوَ فارِهٌ وعَقُرَ فَهُوَ عاقِرٌ وَقَالُوا خَمِطَ خَمَطَاً وَهُوَ خَمِطٌ فِي ضِدِّ القَنَم والخَمْط رائحةٌ طيِّبة. وَقد جَاءَ على فَعِلَ يَفْعَل وَهُوَ فَعِلٌ أشياءُ تقاربتْ مَعَانِيهَا لِأَن جملَتَها هَيْجٌ وَذَلِكَ قولُك أَرِجَ يَأْرَجُ أَرَجَاً وَهُوَ أَرِجٌ وَإِنَّمَا أَرَادوا تحرُّك الرِّيح وسُطوعَها وحَمِسَ يَحْمَس حَمَسَاً وَهُوَ حَمِسٌ وَذَلِكَ حِين يَهيجُ ويَغْضَب والحَمِس: الَّذِي يَغْضَب لِلْقِتَالِ وَهُوَ الشَّديد الشجاعُ وَقَالُوا أَحْمَسُ كَمَا قَالُوا أَوْجَرُ وَصَارَ أَفْعَلُ هَا هُنَا بِمَنْزِلَة فَعْلاَن كغَضْبان وَقد يَدْخُل أَفْعَلُ على فَعْلاَن كَمَا دخل فَعِلٌ عَلَيْهِمَا فَلَا يُفارِقهما فِي بناءِ الفِعْل ولشَبَه فَعْلاَن لمؤنَّث أَفْعَلَ أَعنِي أَن دخولَ أَفْعَلَ على فَعْلاَن لاجتماعهما فِي بناءِ الفِعل والمصدرِ فِي مواضِعَ كثيرةٍ مِنْهَا غَضِبَ يَغْضَب غَضَبَاً فَهُوَ غَضْبَان كَمَا تَقول عَوِرَ يَعْوَرُ عَوَرَاً فَهُوَ أَعْوَرُ فقد اجْتمعَا فِي بناءِ الفعلِ والمصدرِ لِأَن فَعْلاَنَ يُشبِه فَعْلاَء وَفْعَلاءُ مؤنَّثُ أَفْعَلَ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم أَبُو الخطَّاب أَنهم يَقُولُونَ رجل أَهْيَمُ وهَيْمَانُ وهم يُرِيدُونَ شَيْئا وَاحِدًا، وَقَالُوا سَلِسَ يَسْلَسُ سَلَسَاً وَهُوَ سَلِسٌ وقَلِقَ يَقْلَق قَلَقَاً وَهُوَ قَلِقٌ ونَزِقَ يَنْزَق نَزَقَاً وَهُوَ نَزِقٌ جعلُوا هَذَا حيثُ كَانَ خِفَّةً وتحرُّكاً مثل الحَمَس والأَرَجِ وَمِنْه غَلِقَ يَغْلَق غَلْقَاً لِأَنَّهُ طَيِش وخِفَّة والغَلِق: الَّذِي يَطيشُ حَتَّى تذهبَ حُجَّتُه وَقد بَنَوْا أَشْيَاء على فَعِلَ يَفْعَل فَعَلاً فَهُوَ فَعِلٌ لتقارُبها فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ مَا تَعذَّر عَلَيْك وَلم يَسْهُل كَقَوْلِك عَسِرَ يَعْسَر عَسَرَاً وَهُوَ عَسِرٌ وشَكِسَ يَشْكَس شَكَسَاً وَهُوَ شَكِسٌ وَقَالُوا الشَّكاسة كَمَا قَالُوا السَّقامة وَقَالُوا لَقِسَ يَلْقَس لَقَسَاً وَهُوَ لَقِسٌ ولَحِزَ يَلْحَزُ لَحَزَاً فَلَمَّا صارتْ هَذِه الأشياءُ مَكْرُوهَة عِنْدهم صَارَت بمنزلةِ الأوْجاع وَصَارَت بمنزِلة مَا رُموا بِهِ من الأدْواء واللَّقَس: سوء الخُلُق واللَّحَز: الضِّيق والشُّحُّ، وَقَالُوا عَسُر الأمرُ فَهُوَ عَسير كَمَا قَالُوا سَقُم فَهُوَ سَقيم وَقَالُوا نَكِدَ يَنْكَد نَكَدَاً وَقَالُوا أَنْكَدُ كَمَا قَالُوا أَجْرَبُ وجَرِبٌ وَقَالُوا لَحِجَ يَلْحَجُ لَحَجَاً وَهُوَ لحِجٌ لِأَن مَعْنَاهُ قريبٌ من السَّقَم، لَحِجَ فِي الشَّيْء: إِذا نَشِبَ فِيهِ وَلم يمكِنْه التخلُّص إِلَّا بِشِدَّة. فَهُوَ فارِهٌ وعَقُرَ فَهُوَ عاقِرٌ وَقَالُوا خَمِطَ خَمَطَاً وَهُوَ خَمِطٌ فِي ضِدِّ القَنَم والخَمْط رائحةٌ طيِّبة. وَقد جَاءَ على فَعِلَ يَفْعَل وَهُوَ فَعِلٌ أشياءُ تقاربتْ مَعَانِيهَا لِأَن جملَتَها هَيْجٌ وَذَلِكَ قولُك أَرِجَ يَأْرَجُ أَرَجَاً وَهُوَ أَرِجٌ وَإِنَّمَا أَرَادوا تحرُّك الرِّيح وسُطوعَها وحَمِسَ يَحْمَس حَمَسَاً وَهُوَ حَمِسٌ وَذَلِكَ حِين يَهيجُ ويَغْضَب والحَمِس: الَّذِي يَغْضَب لِلْقِتَالِ وَهُوَ الشَّديد الشجاعُ وَقَالُوا أَحْمَسُ كَمَا قَالُوا أَوْجَرُ وَصَارَ أَفْعَلُ هَا هُنَا بِمَنْزِلَة فَعْلاَن كغَضْبان وَقد يَدْخُل أَفْعَلُ على فَعْلاَن كَمَا دخل فَعِلٌ عَلَيْهِمَا فَلَا يُفارِقهما فِي بناءِ الفِعْل ولشَبَه فَعْلاَن لمؤنَّث أَفْعَلَ أَعنِي أَن دخولَ أَفْعَلَ على فَعْلاَن لاجتماعهما فِي بناءِ الفِعل والمصدرِ فِي مواضِعَ كثيرةٍ مِنْهَا غَضِبَ يَغْضَب غَضَبَاً فَهُوَ غَضْبَان كَمَا تَقول عَوِرَ يَعْوَرُ عَوَرَاً فَهُوَ أَعْوَرُ فقد اجْتمعَا فِي بناءِ الفعلِ والمصدرِ لِأَن فَعْلاَنَ يُشبِه فَعْلاَء وَفْعَلاءُ مؤنَّثُ أَفْعَلَ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم أَبُو الخطَّاب أَنهم يَقُولُونَ رجل أَهْيَمُ وهَيْمَانُ وهم يُرِيدُونَ شَيْئا وَاحِدًا، وَقَالُوا سَلِسَ يَسْلَسُ سَلَسَاً وَهُوَ سَلِسٌ وقَلِقَ يَقْلَق قَلَقَاً وَهُوَ قَلِقٌ ونَزِقَ يَنْزَق نَزَقَاً وَهُوَ نَزِقٌ جعلُوا هَذَا حيثُ كَانَ خِفَّةً وتحرُّكاً مثل الحَمَس والأَرَجِ وَمِنْه غَلِقَ يَغْلَق غَلْقَاً لِأَنَّهُ طَيِش وخِفَّة والغَلِق: الَّذِي يَطيشُ حَتَّى تذهبَ حُجَّتُه وَقد بَنَوْا أَشْيَاء على فَعِلَ يَفْعَل فَعَلاً فَهُوَ فَعِلٌ لتقارُبها فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ مَا تَعذَّر عَلَيْك وَلم يَسْهُل كَقَوْلِك عَسِرَ يَعْسَر عَسَرَاً وَهُوَ عَسِرٌ وشَكِسَ يَشْكَس شَكَسَاً وَهُوَ شَكِسٌ وَقَالُوا الشَّكاسة كَمَا قَالُوا السَّقامة وَقَالُوا لَقِسَ يَلْقَس لَقَسَاً وَهُوَ لَقِسٌ ولَحِزَ يَلْحَزُ لَحَزَاً فَلَمَّا صارتْ هَذِه الأشياءُ مَكْرُوهَة عِنْدهم صَارَت بمنزلةِ الأوْجاع وَصَارَت بمنزِلة مَا رُموا بِهِ من الأدْواء واللَّقَس: سوء الخُلُق واللَّحَز: الضِّيق والشُّحُّ، وَقَالُوا عَسُر الأمرُ فَهُوَ عَسير كَمَا قَالُوا سَقُم فَهُوَ سَقيم وَقَالُوا نَكِدَ يَنْكَد نَكَدَاً وَقَالُوا أَنْكَدُ كَمَا قَالُوا أَجْرَبُ وجَرِبٌ وَقَالُوا لَحِجَ يَلْحَجُ لَحَجَاً وَهُوَ لحِجٌ لِأَن مَعْنَاهُ قريبٌ من السَّقَم، لَحِجَ فِي الشَّيْء: إِذا نَشِبَ فِيهِ وَلم يمكِنْه التخلُّص إِلَّا بِشِدَّة. (هَذَا بابُ فَعْلاَنَ ومصدرِه وفِعْله) أما مَا كَانَ من الْجُوع والعَطَش فإنَّه أكثرُ مَا يُبنى فِي الْأَسْمَاء على فَعْلاَن وَيكون المصدرُ الفَعَلَ وَيكون الفِعْل على فَعِلَ يَفْعَلُ وَذَلِكَ ظَمِئَ يَظْمَأُ ظَمَأً وَهُوَ ظَمْآَن وعَطِشَ يَعْطَش عَطَشَاً وَهُوَ عَطْشَانُ وصَدِيَ يَصْدَى صَدَىً وَهُوَ صَدْيَانُ، وَقَالُوا الظَّماءة كَمَا قَالُوا السَّقَامة لِأَن المعنيَيْن قريبٌ كِلَاهُمَا ضَرَرٌ على النَّفْس وأذىً وغَرِثَ يَغْرَثُ غَرَثَاً وَهُوَ غَرْثَانُ وعَلِهَ يَعْلَهُ عَلَهَاً وَهُوَ عَلْهَان: وَهُوَ شدَّةُ الغَرَث والحِرْصِ على الْأكل وَتقول عَلِهٌ كَمَا تَقول عَجِلٌ وَمَعْنَاهُ قريب من وَجِعَ وَقَالُوا طَوِيَ يَطْوَى طَوَىً وَهُوَ طَيَّان وَمَعْنَاهُ الجوعُ، قَالَ عنترة: وَلَقَد أَبيتُ على الطَّوى وأَظَلُّه حَتَّى أنالَ بِهِ كَريمَ المَأْكَلِ وَبَعض الْعَرَب يَقُول الطِّوى فيبْنيه على فِعَلٍ لِأَن زِنَة فِعَلٍ وفَعَلٍ شيءٌ واحدٌ وَلَيْسَ بَيْنَهما إِلَّا كسرةُ الأول وضدُّ مَا ذكرنَا يَجِيء على مَا ذكرنَا وَهُوَ قَوْلهم شَبِعَ يَشْبَع شِبَعاً وَهُوَ شَبْعَانُ كسروا الشِّبَع كَمَا قَالُوا الطِّوى وشبَّهوه بالكِبَر والسِّمَن حَيْثُ كَانَ بِنَاء الْفِعْل وَاحِدًا وَقَالُوا رَوِيَ يَرْوَى رِيَّاً وَهُوَ رَيَّانُ فأدخلوا الفِعْل فِي هَذِه المصادرِ كَمَا أدخلُوا الفُعْل فِيهَا حِين قَالُوا السُّكْر أَعنِي الرِّيّ وزْنه فِعْل وَدخل فِي هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ بمطَّرِد فِيهِ ولقائلٍ أَن يقولَ هُوَ فُعْل وكُسِر من أجلِ الياءِ كَمَا قَالُوا قَرْنٌ أَلْوَى وقُرون لِيٌّ ولُيٌّ وَفِي السُّكْر ثلاثُ لُغَات: يُقَال: السُّكْر والسُّكُر والسَّكَر وَحكى الْأَخْفَش السَّكْر ومثلُه خَزْيَانُ والمصدر الخِزْي والرِّيِّ كاتفاق خَزِيَ يَخْزَى وَهُوَ خَزْيَانُ ورَوِيَ يَرْوَى وَهُوَ رَيَّان وَقد جَاءَ شيءٌ من هَذَا على بَاب خَرَجَ يَخْرُج قَالُوا سَغَبَ يَسْغُب سُغْباً وَهُوَ ساغِبٌ كَمَا قَالُوا سَفَلَ يَسْفُل سُفْلاً وَهُوَ سافِلٌ وَمثله جاعَ يجوع جُوعاً وَهُوَ جائِعٌ وناعَ ينوعُ نُوعاً وَهُوَ نائِعٌ، قَالَ بَعضهم: النائع: المتألِّم من الْجُوع، وَقَالَ بَعضهم هُوَ المائلُ من الْجُوع وَقَالَ بَعضهم نائِعٌ إتْباع لجائع ونُوعاً إتْباع لجُوع وَقَالَ بَعضهم النائع: العطْشان، قَالَ الشَّاعِر: لَعَمْرُ بَني شِهابٍ مَا أَقَامُوا صُدُور الْخَيل والأسد الغباعا وَقَالُوا جوعان فأدخلوها هُنَا على فَاعل لِأَن مَعْنَاهَا معنى غرثان قَالَ الشَّاعِر: لَو أنني جَاءَنِي جوعان مهْتَلِكٌ من جُوَّعِ الناسِ عنْه الخيْرُ مَحْجوزُ فجَاء بجَوْعان وجُوَّعٍ وَهُوَ جمعُ جَائِع وَقَالُوا من العطَش أَيْضا هامَ يَهيمُ هَيْمَاً وَهُوَ هائمٌ وَقَالُوا هَيْمَان لِأَن مَعْنَاهُ عَطْشَان وَمثل هَذَا قَوْلهم ساغِبٌ وسِغابٌ مثل جَائِع وجِياع وهائِم وهِيام لمَّا كَانَ الْمَعْنى معنى عِلاهٍ وعِطاشٍ بُني على فِعال وَقَالُوا سَكِرَ يَسْكَر سَكَرَاً وسُكْراً. وَقَالَ أَبُو الْحسن: فِيهَا ثَلَاث لُغات وَقد تقدم ذَلِك وَقَالُوا سَكْرَانُ لمَّا كَانَ من الامتلاء جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَة شَبْعَان وَمثل ذَلِك مَلآنُ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم أَبُو الخطَّاب أَنهم يَقُولُونَ مَلِئْت من الطَّعَام كَمَا قَالُوا شَبِعْت وسَكِرْت وَقَالُوا قَدَحٌ نَصْفَانُ وجُمْجُمَةٌ نَصْفَى والجُمْجُمَة قَدَحٌ أَيْضا وَقَدَحٌ قَرْبَانٌ وجُمْجُمَة قَرْبَى: إِذا قاربَ الامتلاءَ جعلُوا ذَلِك بِمَنْزِلَة الملآنِ لِأَن ذَلِك مَعْنَاهُ معنى الامتلاءِ لِأَن النِّصْف قد امتلأَ والقَرْبانُ ممتَلِئٌ أَيْضا إِلَى حَيْثُ بَلَغَ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلم نَسْمَعهم قَالُوا قَرِبَ وَلَا نَصِفَ اكتفَوا بقارَبَ وناصَف وَلَكنهُمْ جاؤا بِهِ كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ قَرِبَ ونَصِفَ كَمَا قَالُوا مَذاكيرُ وَلم يَقُولُوا مِذْكير وَلَا مِذْكارٌ وكما قَالُوا أَعْزَلُ وعُزْلٌ وَلم يَقُولُوا أعزِلٌ، قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن أَعْزَل وَإِن كَانَ على لفْظِ أَحْمَرَ فَلم يُذْهَب بِهِ مَذْهَبَ أَحْمَرَ لِأَنَّهُ لَا مؤنَّثُ لَهُ فَذَهَبُوا بِهِ مَذْهَب الأسماءِ كأَفْكَلٍ وأَيْدَعٍ وَلم يجمَعوه كجمْع الأسماءِ فِي هَذَا الوَزْن لم يَقُولُوا أعازِلُ كَمَا قَالُوا أَفاكِلُ وَقَالُوا عُزْل كأنَّهم قدَّروا أَعْزَلَ وعَزْلاَء مثل أَحْمَرَ وحَمْرَاءَ وَإِن لم يستعمِلوه كَمَا قَالُوا فِي جمع ذَكَر مَذاكيرُ على تَقْدِير أَن الْوَاحِد مِذْكار أَو مِذْكير وَإِن لم يستعمِلوه وَقَالُوا عُزْل على أنَّ الْوَاحِد عازلٌ وإنْ لم يستعملوه، قَالَ الشَّاعِر: غيرُ مِيْلٍ وَلَا عَواويرَ فِي الهَيْ جا وَلَا عُزَّلٍ وَلَا أَكْفَالِ وَقَالُ |
الإصابة في تمييز الصحابة
سير أعلام النبلاء
|
فصل: في دعوة النبي صلى الله عليه وسله عشيرته إلى الله وما لقى من قومه
وقال جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت: {{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}} [الشعراء: 214] ، دعا النبي صلى الله عليه وسلم قريشا، فاجتمعوا فعم وخص، فقال: "يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها". أخرجه مسلم1 عن قتيبة وزهير، عن جرير، واتفقا عليه من حديث الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن قبيصة بن المخارق، وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت: {{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}} [الشعراء: 214] ، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمة من جبل، فعلاها ثم نادى: "يا بني عبد مناف، إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه فهتف: يا صباحاه" 2. أخرجه مسلم. وقال يُوْنُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس، عن علي، قال: لما نزلت: {{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}} [الشعراء: 214] ، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عرفت أني إن بادأت قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت عليها، فجاءني جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك". قال علي: فدعاني فقال: "يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمت، ثم جاءني جبريل فقال: إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام وأعد لنا عس لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب". ففعلت, فاجتمعوا له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة والعباس، وأبو لهب، فقدمت إليهم تلك الجفنة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حذية، فشقها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها وقال: "كلوا باسم الله". فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم يأكل __________ 1 صحيح: أخرجه البخاري "4771"، ومسلم "204". 2 صحيح: أخرجه مسلم "207". |
سير أعلام النبلاء
|
فصل فيمن ذكر أن مرحبا قتله محمد بن مسلمة:
قال موسى بن عقبة، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قام يوم خيبر فوعظهم. وفيه: فخرج اليهود بعاديتها، فقتل صاحب عادية اليهود فانقطعوا. وقتل محمد بن مسلمة الأشهلي مرحبا اليهودي. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عروة، نحوه. وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل الحارثي، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من لهذا"؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له، أنا والله الموتور الثاثر، قتلوا أخي بالأمس. قال: "قم إليه، اللهم أعنه عليه". فلما تقاربا دخلت بينهما شجرة عمرية، فجعل كل واحد منها يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحد منهما، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة، فعضت بسيفه فأمسكته، وضربه محمد حتى قتله، فقيل: إنه ارتجز فقال: قد علمت خيبر أني ماضي ... حلو إذا شئت وسم قاضي وكان ارتجاز مرحب: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الليوث أقبلت تلهب ... وأحجمت عن صولة المغلب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إن حماي للحمى لا يقرب وقال الواقدي: حدثني محمد بن الفضل بن عبيد الله بن رافع بن خديج، عن أبيه، عن جابر، قال: وحدثني زكريا بن زيد، عن عبد الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن سلمة بن سلامة، قال: وعن مجمع بن يعقوب، عن أبيه، عن مجمع بن جارية، قالوا جميعا: إن محمد بن مسلمة قتل مرحبا. وذكر الواقدي، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، أن عليا حمل على مرحب فقطره على الباب، وفتح على الباب الآخر، وكان للحصن بابان. |
سير أعلام النبلاء
|
فصل في معجزاته صلى الله عليه وسلم:
سوى ما مضى في غضون المغازي: قال حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عُبَادَةُ بنُ الوَلِيْدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبو اليسر صَاحِبِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه غلام له. فذكر الحديث، ثم قال: حتى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده فقال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته واتبعته بإداوة من ماء، فَنَظَرَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ ير شيئا يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن الله". فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائدة، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذان الله". فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف1، فيما بينهما، لأم بينهما، فقال: "التئما علي بإذان الله". فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربي -يعني فيتبعد- فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فَرَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقف وقفة فقال برأسه هكذا، يمينا وشمالا، ثم أقبل، فلما انتهى إلي قال: "يا جابر هل رأيت مقامي"؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة غصنا فأقبل بهما، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك، قال: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وجشرته، فانذلق2 لي، فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما، حتى إذا قمت مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقت، فقلت: قد فعلت يا رسول الله فعم ذاك. قال: "إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين". __________ 1 المنصف: المنتصف. 2 وجشرته: شققته. فانذلق: أي صار له حد يقطع. |
سير أعلام النبلاء
|
فَصْلٌ: شُهَدَاءُ يَوْمِ الرَّجِيْعِ
فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَةَ رهط عينا عليهم عاصم بن ثابت بنِ أَبِي الأَقْلَحِ الأَنْصَارِيُّ. فَأَحَاطَ بِهِم بِقُرْبِ عُسْفَانَ حَيٌّ مِنْ هُذَيْلٍ هُمْ نَحْوُ المَائَةِ. فَقَتَلُوا ثَمَانِيَةً وَأَسَرُوا خُبَيْبَ بنَ عَدِيٍّ وَزَيْدَ بنَ الدَّثِنَّةِ فَبَاعُوْهُمَا بِمَكَّةَ. وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ: عَبْدُ اللهِ بنُ طَارِقٍ -حَلِيْفُ بَنِي ظَفَرٍ- وَخَالِدُ بنُ البُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ وَمَرْثَدُ بنُ أَبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيُّ. وَتَحْرِيْرُ ذَلِكَ ذَكَرْتُهُ فِي مَغَازِي النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
هي الألف التي تزاد بين الهمزتين، سواء أكانتا محققتين، نحو: أَئِمَّةَ [التوبة: 12] عند هشام عن ابن عامر، لأنه يحقق الهمزتين مع إدخال ألف بينهما. أو محققة ومسهلة، نحو: أَإِنَّكُمْ [الأنعام: 19] عند من سهل الهمزة الثانية وأدخل ألفا قبلها. (راجع: الهمزتين من كلمة). |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
إدخال ألف بمقدار حركتين بين الهمزتين المحققتين، نحو: أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة: 6] في وجه لهشام عن ابن عامر، حيث يحقق فيه الهمزتين ويدخل ألفا بينهما. أو إدخال ألف بمقدار حركتين بين الهمزتين المحققة والمسهلة في نحو: أَأَنْذَرْتَهُمْ عند من سهّل الثانية. (راجع: الهمزتين من كلمة). |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
مرادف للمد الجائز المنفصل. - وهو كون حرف المد في كلمة والهمز في أخرى، أي: انفصل سبب المد (الهمز) عن شرطه (وقوع حرف المد قبل الهمز)، وذلك نحو: يا أَيُّهَا* بِما أُنْزِلَ* وَلَهُ أَسْلَمَ [آل عمران: 83]. (راجع: المد الجائز المنفصل). |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
هو المد الذي انفصل سببه عن شرطه، وذلك بأن يقع حرف المد (الشرط) آخر كلمة، والهمزة (السبب) أول كلمة أخرى، نحو: وَفِي أَنْفُسِكُمْ [الذاريات: 21] قُولُوا آمَنَّا [البقرة: 136]، أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ [البقرة: 6] عند من يصل الميم، اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ [غافر: 38] عند من يثبت الياء. * والمد المنفصل يتحقق سواء أكان حرف المد ثابتا، نحو: قُولُوا آمَنَّا [البقرة: 136]، أم كان ساقطا منه ثابتا لفظا، نحو: وَلَهُ أَسْلَمَ [آل عمران: 83]. * حكم هذا المد الجواز لاختلاف القرّاء في مده وفي مقدار مده. للقرّاء في المد المنفصل مذهبان: أولا - مذهب الشاطبي وكثير معه: 1 - ورش وحمزة يشبعونه بمقدار ثلاث ألفات، أي ست حركات. 2 - ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف وقالون والدوري عن أبي عمرو على وجه المد لهما، هؤلاء يوسطونه بمدار ألفين، أي أربع حركات. 3 - ابن كثير والسوسي وأبو جعفر ويعقوب وقالون والدوري عن أبي عمرو على وجه القصر لهما، هؤلاء يقصرونه بمقدار ألف، أي حركتين. ثانيا - مذهب الداني ومن معه: 1 - يشبع حمزة وورش هذا المد بمقدار 3 ألفات، أي ست حركات. 2 - عاصم يمده بمقدار ألفين ونصف، أي خمس حركات. 3 - ابن عامر والكسائي وخلف، يمدونه بمقدار ألفين أي أربع حركات. 4 - قالون والدوري عن أبي عمرو على وجه المد لهما يمدونه بمقدار ألف ونصف، أي ثلاث حركات. 5 - السوسي وابن كثير وأبو جعفر ويعقوب وقالون والدوري عن أبي عمرو على وجه القصر لهما، يمدونه بمقدار ألف واحدة، أي حركتين. * اعتبار المراتب في المنفصل يجري حكمه وصلا، أما لو وقف القارئ على الكلمة التي فيها حرف المد فإثبات حرف المد فقط، مع سقوط المد الزائد. * وجه المد للهمز أن حروف المد خفية، والهمز حرف بعيد المخرج صعب جلد، فإذا لاصق حرفا خفيا خيف عليه أن يزداد خفاء فقوي بالمد لبيانه. * وجه القصر أن الهمز لما كان فيه بصدد الزوال في حال الوقف لم يعط فيه حال الثبات حكما، بخلاف المتصل فالهمز فيه لازم وصلا ووقفا. |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
هي السور التي تلي المثاني. وهي من أول سورة ق إلى سورة الناس. والمفصل أقسام ثلاثة: 1 - طوال الفصل: من أول ق إلى آخر المرسلات. 2 - أوساط المفصل: من أول النبأ إلى آخر الليل. 3 - قصار المفصل: من أول الضحى إلى آخر الناس. وفي الحديث: «أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل». |
معجم القواعد العربية
|
-1 قَدْ يَقَعُ الضَّمِيرُ المنفصلُ المرفوعُ في موقعٍ لا يُقْصَدُ به إلاّ الفَصْل بينَ ما هو خبَر وما هو تابع، ولا مَحلَّ له من الإعراب ويقعُ فصلاً بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبر نحو قوله تعالى: {{إنْ كانَ هَذَا هوَ الحَقُّ}} (الآية "32" من سورة الأنفال "8") ، {{وكُنْتَ اَنْتَ الرقِيبَ}} (الآية "117" من سورة المائدة"، {{وكُنَّا نَحْنُ الوارِثينَ}} (الآية "58"من سورة القصص "28"). فـ "هُوَ" و "أنْتَ" و "نحنُ" ضمائر فصلٍ لا محلَّ لها من الإعراب و "الحَقَّ" في المثل الأول خبر "كان" وفي الثاني "الرَّقِيبَ" خبر"كنتَ" وفي الثالث "الوارثين" خبر "وكُنَّا" ومثله {{تَجِدُوهُ عْندَ اللَّه هُوَ خَيْراً}} (الآية "20" من سورة القصص "28") فهو ضميرُ فصلٍ لا محلَّ له من الإعرابِ، و "خيرا": مفعولٌ ثانٍ لتَجِدُوهُ، ولضَمِير الفَصْل شروط وفوائد. -2 يُشْتَرط فيما قَبْلَه أَمْران: (1) كونُه مُبْتَدأً في الحَالِ، أو في الأصل نحو {{أولئكَ هُمُ المفلحون}} (الآية "157"من سورة الأعراف "7"). {{كنتَ أنتَ الرقيبَ عليهم}} (الآية "117"من سورة المائدة "5"). {{تجدُوه عندَ اللهِ هُوَ خَيْراً}} (الآية "20" من سورة المزمل"73"). {{إنْ تَرَني أنَا أقلَّ مِنْك مَالا وَوَلَداً}} (الآية "39" من سورة الكهف "18"). (2) الثَاني كونُه مَعرفَة كما مثِّل. -3 يشترط فيما بعده أمران: (1) كونُه خبراً لمبتدأٍ في الحال، أو في الأصل. (2) كونه معرفةٌ، أو كالمعرفة في أنَّهُ لا يقبل "أل" كما تقَّدم في "خيراً" بآية {{تجدوه.}} ، و "أقلَّ" بآية {{إن ترني.}} وشرطُ الذي كالمعرفة أنْ يكونَ (وخالف في ذلك الجرجاني فألحق المضارع بالاسم لتشابههما وجَعل منه {{إنه هو يُبْدِئ ويُعيد}} وهو عند غيره توكيد أو مبتدأ) واسماً كما مثل. -4 يُشْترطُ لَهُ في نَفْسِه أَمْران: (1) أن يكون بصيغَةِ المَرْفوع فيمتنعُ: زيد إياهُ العالم. (2) أن يُطابقَ ما قَبْلَه فلا يجوزُ: كنتُ هو القاضل وإنما "كنتُ أنا الفَاضِلَ" فأمَّا قول جرير: وكائِنٍ بالَأبَاطِح مِنْ صَدِيقٍ ... يَرَاني لوأُصِبْتُ هو المُصَابَا وقياسهُ: يرانِي أنا، وأوَّلوا هذا بأوْجه منها: أنَّه ليس فَصلاً، وإنما هو توكيدٌ للفاعل في "يَرَانِي" أي الصديق. -5 فوائد ضمير الفصل: فوائِدُه منها الَّلفْظي، ومنها المعنوي. أمَّا اللَّفظي: فهو الإعلامُ مِنْ أوَّلِ الأمرِ بأنَّ ما بَعْدَه خَبرٌلا تابع. وأمَّا المَعْنَويّ: فله فائِدتان: (الأولى) هي التوكيدُ لذلك بني عليه أنَّه لا يُجامِعُ التَّوكيد، فلا يقال: " زَيدٌ نفسُه هو الفاضل". (الثانية) هي الاخْتِصاص، وهو أنَّ ما يُنْسَب إلى المُسْنَد إليه ثابتٌ لهُ دون غيره نحو {{وأولئك هم المفلحون}}. (الآية "5" من سورة البقرة "2"). -6 محلُّه من الإعراب: يَقُول البصريُّون: إنه لا محلِّ لهُ من الإعراب، ثُم قال أكثرُهم: إنَّه حرفٌ، وعند الخليل: اسم، غير معمول لِشَيءٍ وقد يَحتمل إعرابُ ضميرِ الفصل أوُجُهاً منها: الفَصْلِيَّة التي لا مَحلَّ لها، والتَّوكيدِ في نحو قوله تعالى: {{كنتَ أنتَ الرَّقِيب عَلَيهم}} (الآية "117" من سورة المائدة "5") ، ونحو {{إنْ كُنَّا نحْنُ الغَالبين}} (الآية "113" من سورة الأعراف "7") ، ولا وجهَ للإبْتداءُ لانتصاب ما بعده، ومنها: الفَصْلِية والإبتداءُ في ونحو قوله تعالى: {{وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّون}} (الآية "165" من سورة الصافات "37") ولا وجْهَ للتوكيد لدُخُول اللام. ومنها: احْتِمالُ الثَّلاثةِ: الفَصْلِيَّةُ والتَّوكيدِ والإبتداءِ في نحو قوله تعالى: {{إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}} (الآية "109" من سورة المائدة "5"). -7 ومن مسائل سيبويه في الكتاب "قَْد جرَّبتُكَ فكنتَ أنْتَ أنْتَ". الضميران: مبتدأ وخبر، والجملة خبر كان، ولو قدرنا الأول فصلاً أو توكيداً لقلنا "أنتَ إيَّاكَ". |
معجم القواعد العربية
|
الأَصْل فصلُ الكلمةِ مِنَ الكَلمةِ، لأنَّ كلَّ كلمةٍ تَدُلُّ على مَعْنىً غيرِ مَعْنَى الكَلِمةِ الأُخْرى، كذَلكَ هُمَا في اللَّفظ والكِتَابةِ مُتَمِيزَيْن، ويَخْرج عن ذلك ما كان اللَّفظانِ كشَيءٍ واحِدٍ، فلا تُفْصَل الكلمةُ من الكَلِمةِ، وذَلكَ أرْبعةُ أَشْياء: (الأول) : المُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مَزْجٍ كـ "بَعْلَبَكّ" بِخلاف غيرِه من المُرَكَّبات، مثل المركَّبِ الإضَافي والعَدَدِي و "صباحَ مساءَ" و "بيْنَ بَيْنَ" و "حيْصَ بَيْص" (في معجم النحو والتصريف). (الثاني) : أن تكونَ إحدَى الكَلِمتين لا يُبتدَأ بها، كالضَّمائرِ المتَّصِلَةِ البارِزَةِ، ونُونِ التوكيد، وعَلامَاتِ التأنيثِ وعلاَمَتا التَّثْنِيةِ والجَمْع، وكُلِّ ما لا يُبْدأُ به. (الثالث) : أَنْ تكونَ إحدى الكَلِمتين لا يُوقَفُ عَليها، وذلكَ نحو "بَاءِ الجرِّ" و "لاَمِه" و "كافِهِ" وفَاءِ العَطْفِ والجَزَاءِ" و "لامِ التوكيد" وخرَجَ عن ذلك "وَاوُ العَطْف" فإنَّها لا تُوصَل لأنَّها غيرُ قابِلَةٍ للوَصْل. (الرابع) : أَلْفاظُ تُوصَلُ فيها "ما" الملغاة - وهي الزَّائِدة - نحو {{مِمَّا خَطِيآتِهم}} {{أيْنَما تكونوا}} ، {{فإما تَرَيِنَّ}} وإنما وحيثما وكيفما و "أمَّا أنْتَ مُنْطَلِقاً انْطَلَقْتُ" (كان وأخواتها (13)) وإذا كانت كافَّةً نحو "كَمَا" و "ربَّما" و "أنَّما" و "كأَنَّما" و "ليْتَما" و "لعلَّما" واستَثْنى ابنُ دَرَسْتَويهِ والزِّنْجَاني ما في "قَلَّما" فقَالا: إنها تُقْصَلُ وتوصل "قَلَّ مَا" و "قلَّما" أمَّا "كُلَّما" (راجع: "كلما") فتوصل بها "مَا" وهي الظَّرفية، إنْ لم يَعْمَلْ فيها ما قبلَها نحو "كُلَّما أَتَيْتَ سُرِرْتُ بك". و {{كُلَّما ورُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرةٍ رِزْقاً قالُوا}}. بِخِلافِ التي يَعْملُ فيها ما قبلَها نحو: {{وآتكم من كلِّ ما سَأَلْتموه}} فـ "مَا" هنا اسمُ مَوْصُولٍ مُضافٌ إليه فلِذَلكَ فُصِلَتْ "مَا" عن "كُل". ما الاستفهامية مع "عن" و "من" و "في": وتُوصَل "ما" الاستِفْهامِيّةُ بـ "عَنْ" و "منْ" و "في" لأنَّها تُحذَفُ أَلِفُها مع الثلاثة، وتَصيرُ "ما" الاسْتِفْهَامِيَّة على حَرْفٍ واحِدٍ، فَحَسُنَ وَصْلُها بها، نحو {{عَمَّ يَتَساءَلُون}} "مِمَّ هذا الثوبُ" {{فِيمَ أنتَ مِنْ ذِكْراها}} ولا تُوصَلُ أمَّا "مَا" الموصُولةُ فمذهبُ ابن قُتيْبَة أنْ تُكْتَب متصلةً معها لأجْل الإدغام في "عن" و "من" نحو "رغبتُ عما رغبتَ عنه" و "عجِبتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنهُ". و "فكَّرتُ فيما فَكَّرْتَ فيه"، ورجَّحَ بعضهُم الفَصْل على ما هُو من كلمتين. وعندَ ابن مالك: يجورُ الوَجهان. |
ألفية ابن مالك
|
فصل في ما ولا ولات وإن المشبهات بليس
... إعمال ليس أعملت ما دون إن ... مع بقا النّفي وترتيب زكن وسبق حرف جرّ ٍ أو ظرف ٍ كما ... بي أنت معنيّا ً أجاز العلما ورفع معطوفٍ بلكن أو ببل ... من بعد منصوبٍ بما الزم حيث حل وبعد ما وليس جرّالبا الخبر ... وبعد لا ونفي كان قد يجر في النّكرات أعملت كليس لا ... وقد تلي لات وإن ذا العملا وما للات في سوى حين ٍ عمل ... وحذف ذي الرّفع فشاو العكس قل |
ألفية ابن مالك
|
فصل لو:
لو حرف شرط ٍ في مضيٍّ ويقلّ ... إيلاؤه مستقبلا ً لكن قبِِل وهي في الاختصاص بالفعل كإن ... لكنّ لو أنّ بها قد تقترن وإن مضارع ّ تلاها صُرِفا ... الى المضيِّ نحو لو يفي كفى |
ألفية ابن مالك
|
فصلّ في زيادة همزة الوصل:
للوصل همزّ سابقّ لا يثبُتُ ... إلا إذا ابتُدِىَ به كاستثبتوا وهو لفعل ٍ ماض ٍ احتوى على ... أكثر من أربعة ٍ نحو انجلى والأمر والمصدر ِ منه وكذا ... أمرُ الثلاثي كاخشَ وامض ِ وانفذا وفي اسم ٍ استٍ ابن ٍ ابنم ٍ سُمِع ... واثنين وامرئ وتأنيثٍ تبع وايْمُنُ همزُ أل كذا ويُبدلُ ... مدّاً في الاستفهام أو يُسهَّلُ |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي الإِْحْرَامِ فِي اللُّغَةِ: الإِْهْلاَل بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمُبَاشَرَةُ أَسْبَابِهَا، وَالدُّخُول فِي الْحُرْمَةِ. يُقَال: أَحْرَمَ الرَّجُل إِذَا دَخَل فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَأَحْرَمَ: دَخَل فِي الْحَرَمِ، وَمِنْهُ حَرَمُ مَكَّةَ، وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ، وَأَحْرَمَ: دَخَل فِي حُرْمَةِ عَهْدٍ أَوْ مِيثَاقٍ. وَالْحُرْمُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ -: الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ أَيْضًا، وَبِالْكَسْرِ: الرَّجُل الْمُحْرِمُ، يُقَال أَنْتَ حِلٌّ، وَأَنْتَ حُرُمٌ. وَالإِْحْرَامُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ وَيَسْتَعْمِلُونَ مَادَّتَهُ مَقْرُونَةً بِالتَّكْبِيرَةِ الأُْولَى، فَيَقُولُونَ: " تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ " وَيُسَمُّونَهَا " التَّحْرِيمَةَ (2) " وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) . __________ (1) ابن نجيم 5 / 83، والزيلعي 3 / 244، والحطاب 3 / 354، والأم 4 / 251، والمغني لابن قدامة، والشرح الكبير 10 / 532، 535، ونيل الأوطار 7 / 318، 319 ط الحلبي باب التشديد في الغلول وتحريق رحل الغال. (2) الحنفية لا يستعملون لفظ " إحرام " في افتتاح الصلاة ولا مضافا إلى تكبيرة الافتتاح إلا نادرا، كما وقع في حاشية الشلبي على تبين الحقائق للزيلعي 1 / 103 بلفظ " تكبيرة الإحرام " وَيُطْلِقُ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ الإِْحْرَامَ عَلَى الدُّخُول فِي النُّسُكِ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْل النَّوَوِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ: " بَابُ الإِْحْرَامِ (1) ". تَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ لِلإِْحْرَامِ: 2 - الإِْحْرَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الدُّخُول فِي حُرُمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ شَرْعًا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ مَعَ الذِّكْرِ أَوِ الْخُصُوصِيَّةِ (2) . وَالْمُرَادُ بِالدُّخُول فِي حُرُمَاتٍ: الْتِزَامُ الْحُرُمَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ التَّلْبِيَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُرَادُ بِالْخُصُوصِيَّةِ: مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ سَوْقِ الْهَدْيِ، أَوْ تَقْلِيدِ الْبُدْنِ (3) . تَعْرِيفُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ لِلإِْحْرَامِ: 3 - أَمَّا تَعْرِيفُ الإِْحْرَامِ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ: الْمَالِكِيَّةِ - عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ (4) - __________ (1) شرح المنهاج بهامش حاشية القليوبي وعميرة 2 / 96 ط محمد علي صبيح 1368 هـ، ونهاية المحتاج للرملي 2 / 394 ط الأميرية ببولاق 1292 هـ. (2) رد المحتار 2 / 213 ط استانبول. (3) المرجع السابق. (4) الشرح الكبير على مختصر خليل وحاشيته للدسوقي 2 / 21 - 26، وحاشية الصفتي على شرح العشماوية ص 192 المطبعة العامرة الشرقية 1304 هـ، وانظر نقاشا مطولا حول التعريف في مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب 3 / 13 - 15 مطبعة السعادة 1328 هـ. وَالشَّافِعِيَّةِ (1) وَالْحَنَابِلَةِ (2) فَهُوَ: نِيَّةُ الدُّخُول فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. حُكْمُ الإِْحْرَامِ: 4 - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْحْرَامَ مِنْ فَرَائِضِ النُّسُكِ، حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَةً، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (3) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَمِنَ الأَْرْكَانِ هُوَ أَمْ مِنَ الشُّرُوطِ. فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (4) وَالشَّافِعِيَّةِ (5) وَالْحَنَابِلَةِ (6) أَنَّ الإِْحْرَامَ رُكْنٌ لِلنُّسُكِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْحْرَامَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْحَجِّ، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطٌ مِنْ وَجْهٍ (7) ، رُكْنٌ مِنْ وَجْهٍ أَوْ " هُوَ شَرْطٌ ابْتِدَاءً، وَلَهُ حُكْمُ __________ (1) شرح المنهاج للمحلي 2 / 126، ونهاية المحتاج للرملي 2 / 394 - 441 (2) الكافي 1 / 530 ط المكتب الإسلامي، وفيه قوله: " النية هي الإحرام " وانظر المغني 3 / 281، 282 ط ثالثة، والمقنع 1 / 393 ط السلفية 1374 هـ، وفيما أن الإحرام لا ينعقد إلا بالنية ولا يجب شيء سواها. (3) البخاري في مطلع صحيحه، ومسلم في الإمارة 6 / 48 المطبعة العامرة باستانبول 1330 هـ. (4) مختصر خليل بشروحه: الشرح الكبير وحاشيته 2 / 21، ومواهب الجليل 3 / 14، 15 وفي مناقشة حول كون الإحرام ركنا أو شرطا، وشرح الزرقاني وحاشية البناني 2 / 249 ط مصطفى محمد. (5) شرح المنهاج 2 / 126، والنهاية 2 / 394 (6) مطالب أولي النهى 2 / 446 ط المكتب الإسلامي بدمشق 1380 هـ (7) كما هي عبارة شرح اللباب وهو المسلك المتقسط لعلي القاري في شرح المنسك المتوسط المسمى اللباب لرحمة الله السندي ص 45 الرُّكْنِ انْتِهَاءً (1) ". وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِ الإِْحْرَامِ شَرْطًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَكَوْنِهِ يُشْبِهُ الرُّكْنَ فُرُوعٌ. مِنْهَا: 1 - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِكَوْنِ الإِْحْرَامِ شَرْطًا عِنْدَهُمْ، فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ (2) . 2 - لَوْ أَحْرَمَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَتَى بِأَفْعَالِهَا، أَوْ بِرُكْنِهَا، أَوْ أَكْثَرِ الرُّكْنِ - يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنَ الطَّوَافِ - فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (3) . 3 - تَفَرَّعَ عَلَى شِبْهِ الإِْحْرَامِ بِالرُّكْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ، ثُمَّ بَلَغَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَى فِي إِحْرَامِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. لَكِنْ لَوْ جَدَّدَ الإِْحْرَامَ قَبْل الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، جَازَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اعْتِبَارًا لِشَبَهِ الرُّكْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَةِ (4) . حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الإِْحْرَامِ: 5 - فَرْضِيَّةُ الإِْحْرَامِ لِلنُّسُكِ لَهَا حِكَمٌ جَلِيلَةٌ، وَأَسْرَارٌ وَمَقَاصِدُ تَشْرِيعِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، أَهَمُّهَا: اسْتِشْعَارُ __________ (1) وهذه عبارة الدر الختار 2 / 202، وانظر فتح القدير لابن الهمام 2 / 130ط الأميرية 1315 هـ. (2) شرح اللباب ص 45، ورد المحتار 2 / 202 - 206، ويأتي مزيد بحث في المسألة في المواقيت (ف 34) (3) بدائع الصنائع 2 / 168، 169 ط شركة المطبوعات العلمية 1327 هـ ويأتي مزيد بحث لهذا في (التمتع) (4) فتح القدير 2 / 130، وانظر شرح اللباب 45، ورد المحتار 2 / 202 تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَلْبِيَةُ أَمْرِهِ بِأَدَاءِ النُّسُكِ الَّذِي يُرِيدُهُ الْمُحْرِمُ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ يُرِيدُ أَنْ يُحَقِّقَ بِهِ التَّعَبُّدَ وَالاِمْتِثَال لِلَّهِ تَعَالَى. شُرُوطُ الإِْحْرَامِ: 6 - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ: الإِْسْلاَمَ وَالنِّيَّةَ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، اشْتِرَاطَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا. 7 - وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ لِلنُّسُكِ الْفَرْضِ تَعْيِينُ أَنَّهُ فَرْضٌ فِي النِّيَّةِ، وَلَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْفَرْضِ يَقَعُ عَنْهَا اتِّفَاقًا. بِخِلاَفِ مَا لَوْ نَوَى حَجَّةَ نَفْلٍ فَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَى. وَبِهَذَا قَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (1) . وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ (2) وَالْحَنَابِلَةُ (3) فَقَالُوا: إِنْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ مَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. وَبِهَذَا قَال ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ. وَقَالُوا: مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، رَدَّ مَا أَخَذَ، وَكَانَتِ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ (4) . اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ: " بِأَنَّ الْمُطْلَقَ __________ (1) فتح القدير 2 / 140، وشرح الحطاب 2 / 490، وانظر الشرح الكبير 2 / 5، والزرقاني 2 / 233، والمغني 3 / 246، والمسلك المتقسط ص 74، والبدائع 2 / 163، وشروح خليل المواضع السابقة. (2) المجموع للنووي 7 / 98، مطبعة العاصمة، والإيضاح بحاشية ابن حجر الهيثمي ص 118، 119 (3) المغني 3 / 245، 246، والكافي 1 / 522، 523 (4) مراجع الحاشيتين السابقتين، والعبارة للمغني. يَنْصَرِفُ إِلَى الْفَرْدِ الْكَامِل، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ يَقَعُ عَنْهَا اسْتِحْسَانًا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (1) أَيْ إِذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ. " وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: " أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَال مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ أَنَّهُ لاَ يُرِيدُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ حَجَّةَ التَّطَوُّعِ، وَيُبْقِي نَفْسَهُ فِي عُهْدَةِ الْفَرْضِ، فَيُحْمَل عَلَى حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، بِدَلاَلَةِ حَالِهِ، فَكَانَ الإِْطْلاَقُ فِيهِ تَعْيِينًا، كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ (2) ". وَقَالُوا فِي اعْتِبَارِهِ عَمَّا نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ الْفَرْضِ: " إِنَّمَا أَوْقَعْنَاهُ عَنِ الْفَرْضِ عِنْدَ إِطْلاَقِ النِّيَّةِ بِدَلاَلَةِ حَالِهِ، وَالدَّلاَلَةُ لاَ تَعْمَل مَعَ النَّصِّ بِخِلاَفِهِ (3) ". وَيَشْهَدُ لَهُمْ نَصُّ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ: وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (4) وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلاً يَقُول: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَال: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَال: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَال: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَال: لاَ. قَال: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا (5) . وَفِي رِوَايَةٍ: اجْعَل هَذِهِ عَنْ __________ (1) المسلك المتقسط شرح لباب المناسك ص 74 (2) بدائع الصنائع 2 / 163 (3) بدائع الصنائع 2 / 163 (4) سبق تخريجه (فقرة 4) . (5) أبو داود بلفظ (الرجل يحج عن غيره) 2 / 162 وابن ماجه (الحج عن الميت) ص 967 رقم 2903 ط عيسى الحلبي 1372 هـ، والدارقطني قد توسع في سرد أسانيده 2 / 267 - 271 بتحقيق اليماني، شركة الطباعة الفنية المتحدة بمصر، والبيهقي (باب من ليس له أن يحج عن غيره) 4 / 336 ط الهند. نَفْسِكَ. . . فَاسْتَدَلُّوا بِهَا. وَقَدْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَسَانِيدَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ، فَرَجَّحَ إِرْسَالَهُ، وَوَقْفَهُ (1) . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ صَرُورَةَ فِي الإِْسْلاَمِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ (2) وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ كَذَلِكَ (3) . قَال الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ (4) : " وَقَدْ يَسْتَدِل بِهِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّرُورَةَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ. وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ عِنْدَهُ: أَنَّ الصَّرُورَةَ إِذَا شَرَعَ فِي الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ صَارَ الْحَجُّ عَنْهُ، وَانْقَلَبَ عَنْ فَرْضِهِ، لِيَحْصُل مَعْنَى النَّفْيِ، فَلاَ يَكُونُ صَرُورَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الأَْوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. . . ". وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول: " أَنَّ النَّفَل وَالنَّذْرَ أَضْعَفُ مِنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَيْهَا، كَحَجِّ غَيْرِهِ عَلَى حَجِّهِ ". وَبِقِيَاسِ النَّفْل وَالنَّذْرِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ (5) . __________ (1) المجموع 7 / 99 وتوسع الزيلعي في بيان إعلال الحديث من عدة أوجه في نصب الراية 3 / 155 ط دار المأمون 1357 هـ، وانظر الدراية 2 / 49 مطبعة الفجالة. (2) المسند 4 / 303 رقم 1845، تحقيق أحمد شاكر وأبو داود (باب لا صرورة) 2 / 140، وانظر معالم السنن 2 / 278 (3) ضعفه المنذري في مختصر السنن 2 / 278 (4) المهذب 7 / 98 من نسخة المجموع. التَّلْبِيَةُ: 8 - التَّلْبِيَةُ لُغَةً إِجَابَةُ الْمُنَادِي. وَالْمُرَادُ بِالتَّلْبِيَةِ هُنَا: قَوْل الْمُحْرِمِ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. . . " أَيْ إِجَابَتِي لَكَ يَا رَبُّ. وَلَمْ يُسْتَعْمَل " لَبَّيْكَ " إِلاَّ عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ. وَالْمُرَادُ بِهَا التَّكْثِيرُ. وَالْمَعْنَى: أَجَبْتُكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ (1) . حُكْمُ التَّلْبِيَةِ: 9 - التَّلْبِيَةُ شَرْطٌ فِي الإِْحْرَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لاَ يَصِحُّ الإِْحْرَامُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، حَتَّى يَقْرِنَهَا بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا يَدُل عَلَى التَّعْظِيمِ مِنْ ذِكْرٍ وَدُعَاءٍ أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ. فَإِذَا نَوَى النُّسُكَ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هُمَا مَعًا وَلَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ، وَلَزِمَهُ كُل أَحْكَامِ الإِْحْرَامِ الآْتِيَةِ، وَأَنْ يَمْضِيَ، فِي أَدَاءِ مَا أَحْرَمَ بِهِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ " أَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالنِّيَّةِ لَكِنْ عِنْدَ التَّلْبِيَةِ، كَمَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلاَةِ بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ التَّكْبِيرِ، لاَ بِالتَّكْبِيرِ (2) ". وَقَدْ نُقِل هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَطَاوُسٍ __________ (1) النهاية لابن الأثير مادة " لبب " 4 / 47، وانظر المادة في لسان العرب 2 / 225، 230، والقاموس وشرحه تاج العروس 1 / 464، 468 (2) متن الكنز نسخة شرح العيني 1 / 90، وشرح اللباب ص 62، ورد المحتار 2 / 213، 214، وانظر المبسوط 4 / 6، 187 مطبعة السعادة 1324 هـ، وشرح الزيلعي 2 / 11، ومواهب الجليل 3 / 9، وانظر المراجع السابقة في تعريف الإحرام. وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ بَل ادَّعَى فِيهِ اتِّفَاقَ السَّلَفِ (1) . وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ لاَ تُشْتَرَطُ فِي الإِْحْرَامِ، فَإِذَا نَوَى فَقَدْ أَحْرَمَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَلَزِمَتْهُ أَحْكَامُ الإِْحْرَامِ الآْتِيَةُ، وَالْمُضِيُّ فِي أَدَاءِ مَا أَحْرَمَ بِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ وَاجِبَةٌ فِي الأَْصْل، وَالسُّنَّةُ قَرْنُهَا بِالإِْحْرَامِ (2) . وَيَلْزَمُ الدَّمُ بِطُول فَصْلِهَا عَنِ النِّيَّةِ. وَلَوْ رَجَعَ وَلَبَّى لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّرْكُ أَوْ طُول الْفَصْل عَمْدًا أَمْ نِسْيَانًا (3) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (4) وَالْحَنَابِلَةُ (5) - وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (6) - إِلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ سُنَّةٌ فِي الإِْحْرَامِ مُطْلَقًا. الْمِقْدَارُ الْوَاجِبُ مِنْ لَفْظِ التَّلْبِيَةِ: 10 - الصِّيغَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْفُقَهَاءُ لِلتَّلْبِيَةِ: هِيَ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ. لاَ شَرِيكَ لَكَ ". هَذِهِ الصِّيغَةُ الَّتِي لَزِمَهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا (7) وَالَّذِي يَحْصُل __________ (1) كذا أفاد أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن 1 / 361 المطبعة البهية المصرية. (2) شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني بحاشية العدوي 1 / 460 (3) الشرح الكبير 2 / 40 والمراجع السابقة. (4) المهذب والمجموع 7 / 226، 227 (5) المغني 3 / 288، والكافي 1 / 541، والمقنع 1 / 398 (6) شرح الكنز للعيني 1 / 90، والمسلك المتقسط ص 62 (7) كما صرح بذلك في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم (باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم 4 / 38، 43 وأبو داود 2 / 182 - 186: ابن ماجه رقم 3074 ص 1022 - 1027، والدارمي (باب في سنة الحال) 2 / 44، 49 ط دمشق 1349 هـ بِهِ أَدَاءُ التَّلْبِيَةِ فِي الإِْحْرَامِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ مَا يَحْصُل بِهِ التَّعْظِيمُ. فَإِنَّ الْمَشْرُوطَ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تَقْتَرِنَ النِّيَّةُ " بِذِكْرٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ، كَتَسْبِيحٍ، وَتَهْلِيلٍ (1) " وَلَوْ مَشُوبًا بِالدُّعَاءِ (2) ". النُّطْقُ بِالتَّلْبِيَةِ: 11 - يُشْتَرَطُ لأَِدَاءِ التَّلْبِيَةِ أَنْ تُلْفَظَ بِاللِّسَانِ، فَلَوْ ذَكَرَهَا بِقَلْبِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُول إِنَّهَا شَرْطٌ، وَمَنْ يَقُول إِنَّهَا وَاجِبٌ، وَمَنْ يَقُول إِنَّهَا سُنَّةٌ. وَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَرْعَانِ: 12 - الْفَرْعُ الأَْوَّل: لَوْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَنَطَقَ بِالتَّلْبِيَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَجْزَأَهُ اتِّفَاقًا. أَمَّا لَوْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَنَطَقَ بِهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلاَ يُجْزِئُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَدَلِيلُهُمْ أَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلاَ يُشْرَعُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، كَالأَْذَانِ وَالأَْذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلاَةِ (3) . وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ ذِكْرٌ مَقْصُودٌ بِهِ التَّعْظِيمُ، فَإِذَا حَصَل هَذَا الْمَقْصُودُ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ. 13 - الْفَرْعُ الثَّانِي فِي الأَْخْرَسِ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَعَ النِّيَّةِ، __________ (1) الدر المختار 2 / 217، وانظر حاشيته ص 218، وشرح الكنز للزيلعي 2 / 11، والبدائع 2 / 161 (2) على الصحيح كما في شرح اللباب ص 70، ورد المحتار (3) المغني 3 / 292 وَلاَ يَجِبُ. وَقِيل: يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، فَإِنَّهُ نَصُّ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ (1) . وَعَلَى هَذَا " فَيَنْبَغِي (2) " أَلاَّ يَلْزَمَهُ فِي الْحَجِّ بِالأَْوْلَى، فَإِنَّ بَابَ الْحَجِّ أَوْسَعُ، مَعَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالتَّلْبِيَةُ أَمْرٌ ظَنِّيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (3) . وَقْتُ التَّلْبِيَةِ: 14 - الأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (4) وَالْحَنَابِلَةِ (5) أَنْ يُلَبِّيَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ نِيَّتِهِمَا مَعًا عَقِبَ صَلاَتِهِ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الإِْحْرَامِ، وَبَعْدَ نِيَّةِ النُّسُكِ. وَإِنْ لَبَّى بَعْدَمَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ رَكُوبَتُهُ جَازَ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ نِهَايَةَ الْمِيقَاتِ، فَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَلَمْ يُلَبِّ بِنِيَّةِ النُّسُكِ صَارَ مُجَاوِزًا لِلْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ ذَاكَ عِنْدَهُمْ. وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ (6) يُسْتَحَبُّ الْبَدْءُ بِالتَّلْبِيَةِ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَاسْتَوَتْ بِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ تَرَكَهَا أَوْ أَخَّرَهَا حَتَّى طَال الْفَصْل بَيْنَ الإِْحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (ف 9) . وَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ التَّلْبِيَةَ سُنَّةٌ. __________ (1) فتح القدير 2 / 139، وشرح اللباب ص 70، وانظر رد المحتار 2 / 217 (2) كما قال القاري في منسكه وهو شرح اللباب ص 70 (3) المبسوط 4 / 188 (4) الهداية 2 / 136 - 137 (5) غاية المنتهى 2 / 321 نسخة مطالب أولي النهى. (6) مختصر خليل والشرح الكبير 2 / 39، والمنهاج 2 / 99، والكافي 1 / 542 مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ: 15 - يَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ أَمْرَانِ: الأَْوَّل: كُل ذِكْرٍ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى، كَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَلَوْ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ (ف 10) الثَّانِي: تَقْلِيدُ الْهَدْيِ وَسَوْقُهُ وَالتَّوَجُّهُ مَعَهُ. وَالْهَدْيُ يَشْمَل الإِْبِل وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ. لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ التَّقْلِيدِ الْغَنَمُ، لِعَدَمِ سُنِّيَّةِ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) . (ر: هَدْيٌ) وَالتَّقْلِيدُ هُوَ أَنْ يَرْبِطَ فِي عُنُقِ الْبَدَنَةِ أَوِ الْبَقَرَةِ عَلاَمَةً عَلَى أَنَّهُ هَدْيٌ. شُرُوطُ إِقَامَةِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَسَوْقِهِ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ: 16 - يُشْتَرَطُ: 1 - النِّيَّةُ. 2 - سَوْقُ الْبَدَنَةِ وَالتَّوَجُّهُ مَعَهَا. 3 - يُشْتَرَطُ - إِنْ بَعَثَ بِهَا وَلَمْ يَتَوَجَّهْ مَعَهَا - أَنْ يُدْرِكَهَا قَبْل الْمِيقَاتِ وَيَسُوقَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ بَعَثَهَا لِنُسُكِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ، وَكَانَ التَّقْلِيدُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا إِذَا تَوَجَّهَ بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهَا، اسْتِحْسَانًا (2) . __________ (1) الهداية 2 / 326 نسخة فتح القدير، وشرح الكنز للزيلعي 2 / 91، 92، بدائع الصنائع 2 / 162 (2) شرح اللباب ص 72، 73 وتبيين الحقائق 2 / 39 ط الأميرية 1313 هـ، والدر المختار وحاشيته 2 / 219 - 220 الْفَصْل الثَّانِي حَالاَتُ الإِْحْرَامِ مِنْ حَيْثُ إِبْهَامُ النِّيَّةِ وَإِطْلاَقُهَا إِبْهَامُ الإِْحْرَامِ تَعْرِيفُهُ: 17 - هُوَ أَنْ يَنْوِيَ مُطْلَقَ نُسُكٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، كَأَنْ يَقُول: أَحْرَمْتُ لِلَّهِ، ثُمَّ يُلَبِّيَ، وَلاَ يُعَيِّنَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، أَوْ يَقُول: نَوَيْتُ الإِْحْرَامَ لِلَّهِ تَعَالَى، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ. .، أَوْ يَنْوِيَ الدُّخُول فِي حُرُمَاتِ نُسُكٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا. فَهَذَا الإِْحْرَامُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كُل أَحْكَامِ الإِْحْرَامِ، وَعَلَيْهِ اجْتِنَابُ جَمِيعِ مَحْظُورَاتِهِ، كَالإِْحْرَامِ الْمُعَيَّنِ وَيُسَمَّى هَذَا إِحْرَامًا مُبْهَمًا، وَيُسَمُّونَهُ أَيْضًا إِحْرَامًا مُطْلَقًا. تَعْيِينُ النُّسُكِ: 18 - ثُمَّ عَلَى هَذَا الْمُحْرِمِ التَّعْيِينُ قَبْل أَنْ يَشْرَعَ فِي أَفْعَال أَحَدِهِمَا، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِلْعُمْرَةِ، أَوْ لِلْحَجِّ، أَوْ لَهُمَا مَعًا حَسْبَمَا يَشَاءُ. وَتَرْجِعُ الأَْفْضَلِيَّةُ فِيمَا يَخْتَارُهُ وَيُعَيِّنُهُ إِلَى خِلاَفِ الْمَذَاهِبِ فِي أَيِّ أَوْجُهِ الإِْحْرَامِ أَفْضَل: الْقِرَانُ، أَوِ التَّمَتُّعُ، أَوِ الإِْفْرَادُ، وَإِلَى حُكْمِ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، إِنْ وَقَعَ هَذَا الإِْحْرَامُ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَرَادَ التَّعْيِينَ قَبْلَهَا (1) . __________ (1) انظر المذاهب في حكم الإحرام قبل أشهر الحج في (ف 35) وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْيِينِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ عَيَّنَ مَا يُرِيدُهُ قَبْل الطَّوَافِ فَالْعِبْرَةُ لِهَذَا التَّعْيِينِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ لِلْعُمْرَةِ، أَوْ مُطْلَقًا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ وَلَوْ شَوْطًا، جَعَل إِحْرَامَهُ لِلْعُمْرَةِ، فَيُتِمُّ مَنَاسِكَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا. وَعِلَّةُ جَعْلِهِ لِلْعُمْرَةِ " أَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ فِي الْحَجِّ لَيْسَ بِرُكْنٍ، بَل هُوَ سُنَّةٌ، فَإِيقَاعُهُ عَنِ الرُّكْنِ أَوْلَى، وَتَتَعَيَّنُ الْعُمْرَةُ بِفِعْلِهِ كَمَا تَتَعَيَّنُ بِقَصْدِهِ ". أَمَّا إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ، بَل وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْل أَنْ يَطُوفَ، فَيَنْصَرِفُ إِحْرَامُهُ لِلْحَجِّ. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْحَجَّ فِي وُقُوفِهِ، فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْحَجِّ شَرْعًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُتَمِّمَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ. هَذَا مُعْتَمَدُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ (1) . وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، أَنَّهُ لاَ يَفْعَل شَيْئًا إِلاَّ بَعْدَ التَّعْيِينِ، فَإِنْ طَافَ قَبْل أَنْ يَصْرِفَ إِحْرَامَهُ لِشَيْءٍ - سَوَاءٌ أَكَانَ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لاَ - وَجَبَ صَرْفُهُ لِلْحَجِّ مُفْرَدًا، وَيَكُونُ هَذَا الطَّوَافُ الْوَاقِعُ قَبْل الصَّرْفِ وَالتَّعْيِينِ طَوَافَ الْقُدُومِ، وَهُوَ لَيْسَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَلاَ يَضُرُّ وُقُوعُهُ قَبْل الصَّرْفِ. وَلاَ يَصِحُّ صَرْفُ ذَلِكَ الإِْحْرَامِ لِعُمْرَةٍ بَعْدَ الطَّوَافِ؛ لأَِنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ مِنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ قَبْل تَعْيِينِهَا (2) . __________ (1) بدائع الصنائع 2 / 163، وفتح القدير 2 / 140، وشرح اللباب ص 73، 74، ورد المحتار 2 / 217 (2) الشرح الكبير بحاشيته 2 / 26، وانظر الحطاب 3 / 46 والزرقاني ص 256 أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ (1) وَالْحَنَابِلَةُ (2) فَيَشْتَرِطُونَ التَّعْيِينَ قَبْل الشُّرُوعِ بِأَيِّ عَمَلٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ. فَلَوْ عَمِل شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ قَبْل التَّعْيِينِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَمْ يَصِحَّ فِعْلُهُ. الإِْحْرَامُ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ 19 - هُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْمُحْرِمُ فِي إِحْرَامِهِ مِثْل مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلاَنٌ، بِأَنْ يَكُونَ قَاصِدًا مُرَافَقَتَهُ، أَوِ الاِقْتِدَاءَ بِهِ لِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، فَيَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِل أَوْ أُحْرِمُ أَوْ أَنْوِي مِثْل مَا أَهَل أَوْ نَوَى فُلاَنٌ، وَيُلَبِّي. فَهَذَا الإِْحْرَامُ صَحِيحٌ، وَيَنْعَقِدُ عَلَى مِثْل مَا أَحْرَمَ بِهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ (3) . وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ وَوَافَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَال: بِمَا أَهَل بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَال: لَوْلاَ أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لأََحْلَلْتُ. __________ (1) المنهاج بشروحه 2 / 96، والإيضاح ص 157، والمجموع 7 / 230، ونهاية المحتاج 2 / 395 (2) الكافي 1 / 531، والمغني 3 / 285، ومطالب أولي النهى 2 / 316 (3) شرح اللباب ص 74، ورد المحتار 2 / 217، والإيضاح ص 163، ونهاية المحتاج 2 / 395، وشروح المنهاج 2 / 96، والمجموع 7 / 231، والمغني 3 / 285، والكافي 1 / 531، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 27، ومواهب الجليل 3 / 49، وشرح الزرقاني 2 / 257 زَادَ فِي رِوَايَةٍ: قَال: فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ (1) . الاِشْتِرَاطُ فِي الإِْحْرَامِ 20 - الاِشْتِرَاطُ فِي الإِْحْرَامِ أَنْ يَقُول عِنْدَ إِحْرَامِهِ: " إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي ". 21 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ الاِشْتِرَاطِ، وَأَنَّهُ يُفِيدُ إِبَاحَةَ التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَابِسِ كَالْمَرَضِ، فَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّل ثُمَّ إِنِ اشْتَرَطَ فِي التَّحَلُّل أَنْ يَكُونَ مَعَ الْهَدْيِ وَجَبَ الْهَدْيُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَلاَ هَدْيَ عَلَيْهِ. عَلَى تَفَاصِيل تَجِدُهَا فِي بَحْثِ الإِْحْصَارِ. وَتَوَسَّعَ الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ. وَيُفِيدُ هَذَا الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِذَا عَاقَهُ عَدُوٌّ أَوْ مَرَضٌ أَوْ غَيْرُهُمَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل. الثَّانِي: أَنَّهُ مَتَى أَحَل بِذَلِكَ فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ وَلاَ صَوْمَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَانِعُ عَدُوًّا، أَوْ مَرَضًا، أَوْ غَيْرَهُمَا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الاِشْتِرَاطِ، وَعَدَمِ إِفَادَتِهِ لِلتَّحَلُّل عِنْدَ حُصُول الْمَانِعِ لَهُ، بَل يَأْخُذُ حَالُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْمَانِعِ، عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ __________ (1) البخاري (باب أهل في زمن النبي كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم) 2 / 140 ط الأميربة 1314 هـ، ومسلم 4 / 59. واللفظ للبخاري. وجاء نحوه عن علي في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم. فِي مَبْحَثِ الإِْحْصَارِ، اسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ؟ فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) . وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِالآْيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ: قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (2) وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (إِحْصَارٌ) . إِضَافَةُ الإِْحْرَامِ إِلَى الإِْحْرَامِ أَوَّلاً إِضَافَةُ إِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ 22 - وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلاً، ثُمَّ بِالْحَجِّ قَبْل أَنْ يَطُوفَ لَهَا، أَوْ بَعْدَمَا طَافَ قَبْل أَنْ يَتَحَلَّل مِنْهَا. وَتَتَنَوَّعُ صُوَرُ إِضَافَةِ إِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ بِحَسَبِ حَال إِضَافَتِهِ، وَبِحَسَبِ حَال الْمُحْرِمِ، وَتَأْخُذُ كُل صُورَةٍ حُكْمَهَا. __________ (1) البخاري في النكاح (الأكفاء في الدين) 7 / 7، ومسلم في الحج (جواز اشتراط المحرم) 4 / 26، وأبو داود 2 / 151، 152 والترمذي 3 / 278، 279 بتحقيق أحمد شاكر وآخرين ط مصطفى الحلبي، والنسائي 5 / 167 بحاشيتي السندي والسيوطي، وابن ماجه ص 979 (2) سورة البقرة / 196 23 - وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ خَاصٌّ فِي هَذَا، لِقَوْلِهِمْ بِكَرَاهَةِ الْقِرَانِ لِلْمَكِّيِّ، وَأَنَّهُ إِنْ فَعَلَهُ جَازَ وَأَسَاءَ، وَعَلَيْهِ دَمُ جَبْرٍ لإِِسَاءَتِهِ هَذِهِ. كَمَا أَنَّ لِلْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى تَفْصِيلاً بِحَسَبِ آرَائِهِمْ فِي مَسَائِل مِنَ الإِْحْرَامِ وَأَوْجُهِ الإِْحْرَامِ. وَالتَّفْصِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمُحْرِمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَكِّيًّا أَوْ آفَاقِيًّا (1) . وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِحَال إِضَافَةِ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَعَلَى وُجُوهٍ. 24 - الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنْ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ لِلْعُمْرَةِ: أ - إِنْ كَانَ آفَاقِيًّا صَحَّ ذَلِكَ، بِلاَ كَرَاهَةٍ، وَكَانَ قَارِنًا، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ (2) . بَل هُوَ مُسْتَحَبٌّ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، لِحَمْل فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ (3) . وَمِمَّا يَدُل عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ قَوْلُهَا: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ فَحِضْتُ قَبْل أَنْ أَدْخُل مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي __________ (1) المراد بالمكي من كان بمكة أو في منطقة المواقيت ولو كان من غير أهلها غير أنه دخلها ومكث فيها، لذا كان التعبير الأكثر منه دقة هو " الميقاتي "، والآفاقي من ليس كذلك. و (ر: آفاقي) (2) فتح القدير 2 / 288، والبدائع 2 / 169، واللباب وشرحه المسلك المتقسط ص 197، والمبسوط 4 / 182، والشرح الكبير 2 / 27، 28، ومواهب الجليل 3 / 50، وشرح الزرقاني 2 / 258، وشروح المنهاج 2 / 127، والنهاية 2 / 442، والكافي 1 / 533، والإيضاح، والمهذب 7 / 163، والمجموع 7 / 164، والمغني 3 / 472 (3) شرح اللباب ص 197 يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. . . . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) . وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ صِحَّةَ إِرْدَافِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِمْ: " لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِهَا ". ب - وَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا (أَوْ مِيقَاتِيًّا) فَتُرْتَفَضُ عُمْرَتُهُ اتِّفَاقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ دَمُ الرَّفْضِ؛ لأَِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْمَكِّيِّ عِنْدَهُمْ (2) ، " وَالنُّزُوعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لاَزِمٌ " وَيَرْفُضُ الْعُمْرَةَ هُنَا؛ لأَِنَّهَا أَقَل عَمَلاً، وَالْحَجُّ أَكْثَرُ عَمَلاً. فَكَانَتِ الْعُمْرَةُ أَخَفَّ مُؤْنَةً مِنَ الْحَجَّةِ، فَكَانَ رَفْضُهَا أَيْسَرَ، وَلأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِهَا؛ لأَِنَّهَا هِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي وَقْتِ الْحَجِّ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِالرَّفْضِ. وَيُمْضِي حَجَّتَهُ. وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِ عُمْرَتِهِ. وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ (3) ". أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَحُكْمُ الآْفَاقِيِّ وَالْمَكِّيِّ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ فِي صِحَّةِ الإِْحْرَامَيْنِ وَصَيْرُورَتِهِ قَارِنًا، تَبَعًا لِمَذْهَبِهِمْ فِي تَجْوِيزِ الْقِرَانِ لِلْمَكِّيِّ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي. (ف 30) لَكِنْ شَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ صَحِيحَةً. وَهَذَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِْرْدَافِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقِرَانِ فَقَطْ وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَيْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. 25 - الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ __________ (1) البخاري في (باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي) 3 / 4، 5. ومسلم 4 / 27 - 29 (2) فتح القدير 2 / 288 - 289 (3) بدائع الصنائع 2 / 169، والمراد بالرفض في كلامهم: الترك. بَعْدَ أَنْ طَافَ شَيْئًا قَلِيلاً، عَلَى أَلاَّ يَتَجَاوَزَ أَقَل أَشْوَاطِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، أَيْ ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ. فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ: أ - إِذَا كَانَ آفَاقِيًّا كَانَ قَارِنًا. ب - وَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا (أَيْ مِيقَاتِيًّا) : وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْضُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ، عَلَى التَّحْقِيقِ فِي عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (1) ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الرَّفْضَيْنِ أَوْلَى: قَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْفُضُ الْحَجَّ. وَعَلَيْهِ لِرَفْضِهِ دَمٌ. وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ (2) ؛ لأَِنَّهُ مِثْل فَائِتِ الْحَجِّ، وَحُكْمُ فَائِتِ الْحَجِّ أَنَّهُ يَتَحَلَّل بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي بِالْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ (3) حَتَّى لَوْ حَجَّ فِي سَنَتِهِ سَقَطَتِ الْعُمْرَةُ؛ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ، بَل كَالْمُحْصَرِ، إِذَا تَحَلَّل ثُمَّ حَجَّ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَحَوَّلَتِ السَّنَةُ (4) ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ مَعَ حَجَّتِهِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: رَفْضُ الْعُمْرَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَيَقْضِيهَا دُونَ عُمْرَةٍ أُخْرَى، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلرَّفْضِ. وَكَذَلِكَ هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوِ اخْتَارَ هَذَا الْمُحْرِمُ رَفْضَ الْعُمْرَةِ (5) . اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْضِ الْحَجِّ بِأَنَّ " إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ قَدْ تَأَكَّدَ بِأَدَاءِ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهَا، وَإِحْرَامُ الْحَجِّ لَمْ يَتَأَكَّدْ، وَرَفْضُ غَيْرِ الْمُتَأَكِّدِ أَيْسَرُ. __________ (1) كما أوضحه في رد المحتار 2 / 315، وظاهر عبارة المبسوط 4 / 182 اختلافهم في رفض أحدهما بعينه. (2) الهداية 2 / 289 (3) رد المحتار 2 / 315، وتبيين الحقائق 2 / 75، وانظر مصطلح (حج) (4) تنوير الأبصار مع الحاشية 2 / 315 (5) رد المحتار 2 / 315، وتبيين الحقائق 2 / 75 وَلأَِنَّ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - إِبْطَال الْعَمَل، وَفِي رَفْضِ الْحَجِّ امْتِنَاعٌ عَنْهُ (1) " وَالاِمْتِنَاعُ أَوْلَى مِنَ الإِْبْطَال، وَاسْتَدَل الصَّاحِبَانِ عَلَى أَنَّ رَفْضَ الْعُمْرَةِ أَوْلَى: " بِأَنَّهَا أَدْنَى حَالاً وَأَقَل أَعْمَالاً، وَأَيْسَرُ قَضَاءً، لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ (2) ". وَقَال الْمَالِكِيَّةُ (3) وَالْحَنَابِلَةُ (4) : يَصِحُّ هَذَا الإِْرْدَافُ. وَيَصِيرُ قَارِنًا، وَيُتَابِعُ عَلَى ذَلِكَ. وَتَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ (5) - وَهُوَ قَوْل أَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - فَقَالُوا: يَصِحُّ إِدْخَال الْحَجَّةِ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ، فَلَوْ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّهُ " لاِتِّصَال إِحْرَامِهَا بِمَقْصُودِهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَفْعَالِهَا، فَلاَ يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهَا ". لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَرَّرُوا أَنَّهُ " لَوِ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ فَالأَْوْجَهُ جَوَازُ الإِْدْخَال، إِذْ الاِسْتِلاَمُ مُقَدِّمَةُ الطَّوَافِ لاَ بَعْضُهُ ". __________ (1) الهداية 2 / 290، وانظر المبسوط 4 / 182 (2) الهداية الموضع السابق، وتبيين الحقائق 2 / 74، 75 وفيه مزيد بسط للأدلة، وكذا في البدائع 2 / 169، 170 (3) الشرح الكبير وحاشيته 2 / 28، ومواهب الجليل 3 / 50، 51، وشرح الزرقاني 2 / 258، 259، وقارن بالمدونة 2 / 131 رواية سحنون، مطبعة السعادة 1323 هـ. (4) المغني 3 / 472، والكافي 1 / 533 (5) الإيضاح وحاشيته للهيثمي ص 156، 157، والمهذب وشرحه 7 / 163، 164، 165، وشروح المنهاج 2 / 127، والنهاية 2 / 442، ومغني المحتاج 1 / 514 ط الحلبي، والسياق هنا من النهاية ومغني المحتاج. 26 - الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنْ يَطُوفَ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ. فَهَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حُكْمُ مَا لَوْ أَكْمَل الطَّوَافَ الآْتِيَ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ التَّالِي؛ لأَِنَّ لِلأَْكْثَرِ حُكْمَ الْكُل عِنْدَهُمْ (1) . وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَجْهِ الثَّانِي السَّابِقِ (2) . 27 - الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ إِكْمَال طَوَافِ الْعُمْرَةِ قَبْل التَّحَلُّل. مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي. وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ (3) تَفْصِيلاً آخَرَ فَقَالُوا: أ - إِرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ طَوَافِهَا قَبْل رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مَكْرُوهٌ. فَإِنْ فَعَلَهُ صَحَّ، وَلَزِمَهُ، وَصَارَ قَارِنًا، وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ. ب - إِرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَصَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ قَبْل السَّعْيِ مَكْرُوهٌ، وَلاَ يَصِحُّ، وَلاَ يَكُونُ قَارِنًا. وَكَذَلِكَ الإِْرْدَافُ فِي السَّعْيِ، إِنْ سَعَى بَعْضَ السَّعْيِ وَأَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ فَعَل فَلْيَمْضِ عَلَى سَعْيِهِ، فَيَحِل، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَهْل مَكَّةَ أَمْ غَيْرِهَا. وَحَيْثُ إِنَّ الإِْرْدَافَ لَمْ يَصِحَّ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَبْل السَّعْيِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلاَ يَلْزَمُ قَضَاءُ الإِْحْرَامِ الَّذِي أَرْدَفَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ (4) . __________ (1) شرح الكنز لعينني 1 / 108 (2) انظر مراجع المذاهب في الوجه السابق. (3) الشرح الكبير وحاشيته 2 / 28، 29، ومواهب الجليل 3 / 53، 55 وشرح الزرقاني وحاشية البناني 2 / 259، 260 (4) مواهب الجيل 3 / 53 ج - إِرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ السَّعْيِ لِلْعُمْرَةِ قَبْل الْحَلْقِ لاَ يَجُوزُ الإِْقْدَامُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً؛ لأَِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَأْخِيرَ الْحَلْقِ (1) . فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى إِرْدَافِ الإِْحْرَامِ فِي هَذَا الْحَال فَإِنَّ إِحْرَامَهُ صَحِيحٌ، وَهَذَا حَجٌّ مُسْتَأْنَفٌ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ لِلْعُمْرَةِ، لاَ خِلاَلَهُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ لِتَأْخِيرِ حَلْقِ الْعُمْرَةِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، وَلاَ يَكُونُ قَارِنًا وَلاَ مُتَمَتِّعًا (2) ، إِنْ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، بَل يَكُونُ مُفْرِدًا. وَإِنْ فَعَل بَعْضَ رُكْنِهَا فِي وَقْتِ الْحَجِّ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. وَلَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَقَبْل فَرَاغِهِ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ فَلاَ يُفِيدُهُ فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الْهَدْيِ، وَعَلَيْهِ حِينَئِذٍ فِدْيَةٌ أَيْضًا. وَهِيَ فِدْيَةُ إِزَالَةِ الأَْذَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (3) . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (4) وَالْحَنَابِلَةِ (5) أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ. وَبَعْدَ السَّعْيِ لاَ يَصِحُّ، مِنْ بَابِ أَوْلَى. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اسْتَثْنَوْا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَقَالُوا (6) : " يَصِحُّ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ مِمَّنْ مَعَهُ __________ (1) أو سقوطه على قول عند المالكية. انظر المرجع السابق 54، 55 (2) لأن الإرداف لم يصح،بل صح الإحرام بالحج. (3) وهناك قول السقوط الهدي وانظر المناقشة حوله في مواهب الجليل 3 / 55 (4) المهذب 7 / 163، ونهاية المحتاج 2 / 242، ومغني المحتاج 1 / 514 (5) الكافي 1 / 533، 534، والمغني 3 / 484، وغاية المنتهى وشرحه مطالب أولي النهى 2 / 307، 308 (6) وسياق الكلام من مطالب أولي الهي بتصرف يسير. هَدْيٌ، وَلَوْ بَعْدَ سَعْيِهَا، بَل يَلْزَمُهُ كَمَا يَأْتِي؛ لأَِنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (1) وَيَصِيرُ قَارِنًا عَلَى الْمَذْهَبِ (2) . وَقَال فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لاَ يَصِيرُ قَارِنًا، وَلَوْ كَانَ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ بِهِ قَبْلَهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. ثَانِيًا إِضَافَةُ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ 28 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (3) وَالشَّافِعِيَّةُ (4) - فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ - وَالْحَنَابِلَةُ (5) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَصِيرُ قَارِنًا، وَلاَ يَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَلاَ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَهَل بِهَا. وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، __________ (1) من الآية 196 من سورة البقرة، وانظر فيها بحثنا في مصطلح (إحصار) ففد تكررت فيه. (2) وعليه اقتصر ابن قدامة في الكافي والمغني، مما يؤكد اعتماده في المذهب. (3) مختصر خليل بشروحه: مواهب الجليل 3 / 48، وشرح الزرقاني 2 / 257، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 27، وانظر المدونة 2 / 130 (4) شرح المحلي للمنهاج 2 / 127، ونهابة المحتاج 2 / 442، والإيضاح ص 157، والمهذب 7 / 163، والمجموع 4 / 166، ومغني المحتاج 1 / 514 (5) المغني 3 / 484، والكافي 1 / 532، و 533، ومطالب أولي النهى 2 / 308 وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِكَرَاهَةِ هَذَا الْعَمَل، لَكِنْ قَال الْحَنَفِيَّةُ بِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ عَلَى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ. ثَالِثًا الإِْحْرَامُ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا أَوْ عُمْرَتَيْنِ مَعًا 29 - إِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا وَلَغَتِ الأُْخْرَى. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ لاَ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِمَا، فَلَمْ يَصِحَّ الإِْحْرَامُ بِهِمَا. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ قَضَاؤُهَا. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الإِْحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِهِمَا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ إِحْدَاهُمَا؛ لأَِنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا وَلَمْ يُتِمَّهَا. وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ وَفُرُوعٌ لاَ حَاجَةَ إِلَى إِيرَادِهَا هُنَا لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا (1) . الْفَصْل الثَّالِثُ حَالاَتُ الإِْحْرَامِ 30 - يَنْقَسِمُ الإِْحْرَامُ بِحَسَبِ مَا يَقْصِدُ الْمُحْرِمُ أَدَاءَهُ بِهِ مِنَ النُّسُكِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الإِْفْرَادِ لِلْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ إِمَّا تَمَتُّعٌ أَوْ قِرَانٌ. الإِْفْرَادُ: هُوَ اصْطِلاَحًا: أَنْ يُهِل - أَيْ يَنْوِيَ - فِي إِحْرَامِهِ الْحَجَّ فَقَطْ، أَوِ الْعُمْرَةَ فَقَطْ. __________ (1) المغني 3 / 254، ومواهب الجليل 3 / 48، والمجموع 7 / 235، وفتح القدير 2 / 291 الْقِرَانُ: الْقِرَانُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الآْفَاقِيُّ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُتَّصِلاً أَوْ مُنْفَصِلاً قَبْل أَكْثَرِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ، وَيُؤَدِّي الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (1) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ نِيَّتَيْنِ مُرَتَّبَتَيْنِ يَبْدَأُ فِيهِمَا بِالْعُمْرَةِ، أَوْ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ وَيُرْدِفُ الْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْل طَوَافِهَا أَوْ بِطَوَافِهَا (2) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْل الطَّوَافِ (3) . وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا الإِْحْرَامَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (4) . التَّمَتُّعُ: التَّمَتُّعُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ التَّرَفُّقُ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ غَيْرِ إِلْمَامٍ بَيْنَهُمَا بِأَهْلِهِ إِلْمَامًا صَحِيحًا (5) . وَالإِْلْمَامُ الصَّحِيحُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالَةِ تَحَلُّلِهِ __________ (1) لباب المناسك ص 171، وقارن بالبدائع 2 / 167 وفيه: " أما القارن فهو في عرف الشرع اسم الآفاقي يجمع. . . " لكن صرح في شرح اللباب ص 172 بقوله " إن اشتراط الآفاقي إنما هو للقران المسنون، لا لصحة عقد الحج والعمرة ". (2) بتصرف يسير عن متن خليل، والشرح الكبير 2 / 28، وقارن بالرسالة 1 / 493 (3) المنهاج 2 / 127، والمهذب 7 / 163، والسياق للمهاج وفيه التصريح بشرط " في أشهر الحج ". (4) المغني 3 / 284، ومطالب أولي النهى 2 / 307 وفيه قوله: " وسواء كان في أشهر الحج أولا " (5) لباب المناسك ص 179 مِنْ عُمْرَتِهِ، وَقَبْل شُرُوعِهِ فِي حَجَّتِهِ (1) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: التَّمَتُّعُ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يُحِل مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَحُجَّ بَعْدَهَا (2) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا (3) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ أَيْنَ شَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا (4) . وَاجِبَاتُ الإِْحْرَامِ: 31 - تَنْحَصِرُ وَاجِبَاتُ الإِْحْرَامِ (5) فِي أَمْرَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: الأَْوَّل: كَوْنِ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ. الثَّانِي: صَوْنِ الإِْحْرَامِ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: الْفَصْل الرَّابِعُ مَوَاقِيتُ الإِْحْرَامِ 32 - الْمِيقَاتُ: مِنَ التَّوْقِيتِ، وَهُوَ: أَنْ يُجْعَل لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى __________ (1) شرح اللباب الموضع السابق وانظر 172، 173 (2) متن خليل مع الشرح الكبير 2 / 29، ونحوه في الرسالة وشرحها 1 / 493 (3) منهاج الطالبين للنووي 2 / 127 نسخة شرح المحلي، باختصار قوله " من مكة " لأنه ليس شرطا في التمتع. (4) غاية المنتهى 2 / 307 (5) والمراد بالواجب ما يترتب الإثم على تركه عمدا. والمراد في باب الحج ما يجبر تركه بالدم ولا تفوت صحة الحج بفوته (ابن عابدين 2 / 200، والخرشي 2 / 281، والجمل 1 / 427، والمغني 3 / 444، والقواعد لابن اللحام 63) . الْمَكَانِ. وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَدِّ الْمُحَدِّدِ لِلشَّيْءِ (1) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفُوا الْمَوَاقِيتَ بِأَنَّهَا: " مَوَاضِعُ وَأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ (2) ". وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ لِلإِْحْرَامِ نَوْعَيْنِ مِنَ الْمِيقَاتِ: النَّوْعُ الأَْوَّل: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ. النَّوْعُ الثَّانِي: الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ. الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِيقَاتًا لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ، أَوْ لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ. فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَوَّلاً: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ: 33 - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ أَبُو حَنِيفَةَ (3) وَالشَّافِعِيُّ (4) وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (5) . وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَشَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى آخِرِهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ جَمِيعَ هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَقْتٌ لِجَوَازِ الإِْحْرَامِ، بَل الْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ هَذَا الزَّمَنِ وَقْتٌ لِجَوَازِ ابْتِدَاءِ الإِْحْرَامِ، وَهُوَ مِنْ شَوَّالٍ لِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَبَعْضُهُ وَقْتٌ لِجَوَازِ التَّحَلُّل، وَهُوَ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ __________ (1) النهاية في غريب الحديث مادة (وقت) 4 / 238، وتاج العروس شرح القاموس 1 / 594، ومختار الصحاح للرازي ص 731 (2) غاية المنتهى 2 / 295، 296 (3) الهداية 2 / 220، ورد المحتار 2 / 206، 207 (4) شرح المحلي على المنهاج 2 / 91، ونهاية المحتاج 2 / 387 (5) المغني 3 / 295، ومطالب أولي النهى 2 / 301 لآِخِرِ ذِي الْحِجَّةِ (1) . وَعَلَى هَذَا فَالْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْحْرَامِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِنَّمَا مُرَتَّبٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الإِْحْلاَل إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، كَمَا سَيَأْتِي. وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ " قَدْ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ (2) ". وَالأَْصْل لِلْفَرِيقَيْنِ قَوْله تَعَالَى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ} (3) فَالْجُمْهُورُ فَسَّرُوا الآْيَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ. وَاسْتَدَلُّوا بِالآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ. كَمَا يَدُل لَهُمْ أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ تُؤَدَّى خِلاَل تِلْكَ الْفَتْرَةِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَدَلِيلُهُمْ وَاضِحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الآْيَةِ؛ لأَِنَّهَا عَبَّرَتْ بِالْجَمْعِ " أَشْهُرٌ " وَأَقَل الْجَمْعِ ثَلاَثٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ دُخُول ذِي الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي نَهَارِ يَوْمِ النَّحْرِ هَل هُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لاَ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَالأَْوَّل هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ (4) . __________ (1) الشرح الكبير بحاشيته 2 / 21 والسياق منه، وشرح الزرقاني 2 / 241، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 457 (2) تفسير ابن كثير 1 / 236 (3) سورة البقرة / 197 (4) المجموع 7 / 132، وانظر فتح القدير 2 / 221، ونهاية المحتاج 2 / 388 اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فَقَال: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ. قَال: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (1) . قَالُوا: وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ (2) . وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ بَعْثِ أَبِي بَكْرٍ أَبَا هُرَيْرَةَ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، فَإِنَّهُ امْتِثَالٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ. . .} وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا بِالدَّلِيل الْمَعْقُول؛ لأَِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فِيهِ رُكْنُ الْحَجِّ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَفِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَفْعَال الْحَجِّ، مِنْهَا: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالنَّحْرُ، وَالْحَلْقُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مِنًى (3) . وَمُسْتَبْعَدٌ " أَنْ يُوضَعَ لأَِدَاءِ رُكْنِ عِبَادَةٍ وَقْتٌ لَيْسَ وَقْتَهَا، وَلاَ هُوَ مِنْهُ " (4) وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِرِوَايَةِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: " أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ " أَيْ عَشْرُ لَيَالٍ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُهُ. رَوَاهَا كُلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحَةٌ (5) . __________ (1) أبو داود في الحج (باب يوم الحج الأكبر) 2 / 195 وابن ماجه رقم 3058 (2) المغني 3 / 295، وانظر مطالب أولي النهى 2 / 301 (3) المغني الموضع السابق. (4) فتح القدير 2 / 321 (5) المجموع 7 / 133 وانظر السنن الكبرى للبيهقي (باب بيان أشهر الحج) 4 / 342. وهذه الآثار أخرجها الدارقطني أيضا 2 / 226، 227 وفها الرواية عن ابن عمر من طريق عبد الله بن دينار عنه. ورواية نافع أخرجها الحاكم في المستدرك 2 / 276. وقال: صحيح على شرطهما. ووافقه الذهبي. أَحْكَامُ الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ لِلْحَجِّ: 34 - أ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (1) وَالْمَالِكِيَّةُ (2) وَالْحَنَابِلَةُ (3) إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَنْعَقِدُ حَجًّا، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (4) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْل هِلاَل شَوَّالٍ لَمْ يَنْعَقِدْ حَجًّا، وَانْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ. وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ (5) . 35 - وَالأَْصْل فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} وَقَدْ تَنَازَعَ الْفَرِيقَانِ الاِسْتِدْلاَل بِهَا، وَأَيَّدَ كُل فَرِيقٍ وُجْهَتَهُ بِدَلاَئِل أُخْرَى. وَهُوَ خِلاَفٌ وَقَعَ بَيْنَ أَهْل الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا (6) . اسْتَدَل الثَّلاَثَةُ بِأَنَّ مَعْنَى الآْيَةِ: الْحَجُّ (حَجٌّ) أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ فِيهَا أَكْمَل مِنَ الإِْحْرَامِ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ صَحِيحًا (7) ؛ وَلأَِنَّهُ أَحَدُ نُسُكَيِ الْقِرَانِ، __________ (1) الهداية 2 / 221، ورد المحتار 2 / 206، 207 والمسلك المتقسط ص 54 (2) شرح الزرقاني 2 / 249، والشرح الكبير بحاشيته 2 / 22، وحاشية العدوي 1 / 457 (3) المغني 3 / 271، ومطالب أولي النهى 2 / 301 (4) المغني المرضع السابق وتفسير ابن كثير 1 / 235 ط عيسى الحلبي، وفيه ذكر الليث بن سعد. (5) المجموع 7 / 130 (6) كما ذكر ابن كثير في تفسيره 1 / 235 ط عيسى الحلبي ومنه نسوق توجيه الآية لكل فريق. (7) الشرح الكبير بحاشيته الموضع السابق. فَجَازَ الإِْحْرَامُ بِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ كَالْعُمْرَةِ، أَوْ: أَحَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، فَصَحَّ الإِْحْرَامُ قَبْلَهُ، كَمِيقَاتِ الْمَكَانِ (1) . وَوَجَّهَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَسْأَلَةَ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِأَنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ، فَأَشْبَهَ الطَّهَارَةَ فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ عَلَى الْوَقْتِ، وَثَبَتَتِ الْكَرَاهَةُ لِشَبَهِهِ بِالرُّكْنِ (2) . وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} . (3) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ ظَاهِرَهُ التَّقْدِيرُ الآْخَرُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ النُّحَاةُ، وَهُوَ (وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) فَخَصَّصَهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ قَبْلَهَا، كَمِيقَاتِ الصَّلاَةِ. وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول: بِأَنَّ الإِْحْرَامَ نُسُكٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَكَانَ مُؤَقَّتًا، كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ (4) . 36 - اتَّفَقُوا بَعْدَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَل أَيَّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَال الْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يُجْزِهِ، حَتَّى لَوْ صَامَ الْمُتَمَتِّعُ أَوِ الْقَارِنُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ لاَ يَجُوزُ، وَكَذَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ لاَ يَقَعُ عَنْ سَعْيِ الْحَجِّ إِلاَّ فِيهَا. ثَانِيًا: الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ: 37 - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ الزَّمَانِيَّ هُوَ جَمِيعُ الْعَامِ، فَيَصِحُّ أَنْ تُفْعَل فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَيَنْعَقِدُ إِحْرَامُهَا، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ لَهَا بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. __________ (1) المغني 3 / 271 (2) فتح القدير 2 / 221 (3) سورة البقرة 197 (4) المهذب 7 / 124، 125 وَكَذَلِكَ قَرَّرُوا أَنَّهَا أَفْضَل فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ. وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: " تُنْدَبُ فِي رَمَضَانَ "، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) . 38 - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَوْقَاتٍ يُكْرَهُ فِيهَا الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ أَوْ لاَ يُكْرَهُ. وَهِيَ: أ - يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِيهَا، لَكِنْ قَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ: " وَهِيَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَالْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَيْسَتْ كَفَضْلِهَا فِي غَيْرِهَا؛ لأَِنَّ الأَْفْضَل فِعْل الْحَجِّ فِيهَا ". وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ بِأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلاَ دَلِيل عَلَيْهَا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ تُكْرَهُ تَحْرِيمًا يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، حَتَّى يَجِبَ الدَّمُ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: حَلَّتِ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إِلاَّ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (2) . " وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْيَّامَ أَيَّامُ شُغْلٍ بِأَدَاءِ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ فِيهَا تَشْغَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا يَقَعُ الْخَلَل فِيهِ فَتُكْرَهُ ". ب - اسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ سَعَةِ الْوَقْتِ لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، فَقَالُوا: الْحَاجُّ وَقْتُ إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ وَقْتِ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْحَجِّ، وَذَلِكَ " بِالْفَرَاغِ مِنْ __________ (1) البخاري (باب عمرة في رمضان) 3 / 3، ومسلم 4 / 61، 62 وفي لفظ لمسلم " حجة معي " وفي الحديث قصة لم نذكرها. (2) نصب الراية 3 / 146، 147 جَمِيعِ أَفْعَالِهِ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَرَمْيِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ (1) ، أَوْ قَدْرِ رَمْيِهِ لِمَنْ تَعَجَّل فَنَفَرَ فِي ثَالِثِ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَإِنَّ هَذَا يَنْتَظِرُ إِلَى أَنْ يَمْضِيَ - بَعْدَ الزَّوَال مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ - مَا يَسَعُ الرَّمْيَ حَتَّى يَبْدَأَ وَقْتُ الإِْحْرَامِ لَهُ لِلْعُمْرَةِ ". وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْل ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ الإِْحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ التَّحَلُّل بِالْفَرَاغِ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَال الْحَجِّ وَقَبْل غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ (2) . الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: مِيقَاتٌ مَكَانِيٌّ لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَمِيقَاتٌ مَكَانِيٌّ لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ. أَوَّلاً: الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ: 39 - يَخْتَلِفُ الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ بِاخْتِلاَفِ مَوَاقِعِ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ فِي حَقِّ الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ، وَهِيَ: الصِّنْفُ الأَْوَّل: الآْفَاقِيُّ. __________ (1) أما الحلق فيستثنى من عدم صحة الإحرام بالعمرة قبل إتمام أفعال الحج انظر مواهب الجليل 3 / 25، وشرح الزرقاني 2 / 250، 251 (2) انظر في الميقات الزماني للعمرة: الهداية وفتح القدير 2 / 304، والبدائع 2 / 227، والملك المتقسط ص 308، ورد المحتار 2 / 207، 208، ومواهب الجليل 3 / 22 - 26، وشرح الزرقاني 2 / 250، والشرح الكبير بحاشيته 2 / 22، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 497، 498، والمهذب مع المجموع 7 / 133 - 136، وشرح المنهاج 2 / 92، ونهاية المحتاج 2 / 389، والكافي 1 / 528، ومطالب أولي النهى 2 / 301، 302، 445 الصِّنْفُ الثَّانِي: الْمِيقَاتِيُّ. الصِّنْفُ الثَّالِثُ: الْحَرَمِيُّ. الصِّنْفُ الرَّابِعُ: الْمَكِّيُّ، وَيَشْتَرِكُ مَعَ الْحَرَمِيِّ فِي أَكْثَرِ مِنْ وَجْهٍ، فَيَكُونَانِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ صِنْفٌ خَامِسٌ: هُوَ مَنْ تَغَيَّرَ مَكَانُهُ، مَا مِيقَاتُهُ؟ . مِيقَاتُ الآْفَاقِيِّ: وَهُوَ مَنْ مَنْزِلُهُ خَارِجَ مِنْطَقَةِ الْمَوَاقِيتِ. 40 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَقْرِيرِ الأَْمَاكِنِ الآْتِيَةِ مَوَاقِيتَ لأَِهْل الآْفَاقِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا، وَهَذِهِ الأَْمَاكِنُ هِيَ: أ - ذُو الْحُلَيْفَةِ: مِيقَاتُ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا. وَتُسَمَّى الآْنَ " آبَارُ عَلِيٍّ " فِيمَا اشْتُهِرَ لَدَى الْعَامَّةِ (1) . ب - الْجُحْفَةُ: مِيقَاتُ أَهْل الشَّامِ، وَمَنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا مِنْ مِصْرَ، وَالْمَغْرِبِ. وَيُحْرِمُ الْحُجَّاجُ مِنْ " رَابِغٍ "، وَتَقَعُ قَبْل الْجُحْفَةِ، إِلَى جِهَةِ الْبَحْرِ، فَالْمُحْرِمُ مِنْ " رَابِغٍ " مُحْرِمٌ قَبْل الْمِيقَاتِ. وَقَدْ قِيل إِنَّ الإِْحْرَامَ مِنْهَا أَحْوَطُ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِمَكَانِ الْجُحْفَةِ. ج - قَرْنُ الْمَنَازِل: وَيُقَال لَهُ " قَرْنٌ " أَيْضًا، مِيقَاتُ أَهْل نَجْدٍ، وَ " قَرْنٌ " جَبَلٌ مُطِلٌّ عَلَى عَرَفَاتِ. وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ، وَتُسَمَّى الآْنَ " السَّيْل ". __________ (1) في قصة خرافية باطلة نسبت لسيدنا علي رضي الله عنه أنه قاتل في بئر فيها الجن. وهو كذب. كما يحذر من أي تقليد يفعل سوى شعائر الإحرام. انظر مواهب الجليل 3 / 30 د - يَلَمْلَمُ: مِيقَاتُ بَاقِي أَهْل الْيَمَنِ وَتِهَامَةَ، وَالْهِنْدِ. وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَال تِهَامَةَ، جَنُوبِ مَكَّةَ. هـ - ذَاتُ عِرْقٍ: مِيقَاتُ أَهْل الْعِرَاقِ، وَسَائِرِ أَهْل الْمَشْرِقِ. أَدِلَّةُ تَحْدِيدِ مَوَاقِيتِ الآْفَاقِ: 41 - وَالدَّلِيل عَلَى تَحْدِيدِهَا مَوَاقِيتَ لِلإِْحْرَامِ السُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ: أ - أَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ نَذْكُرُ مِنْهَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ: حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لأَِهْل الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَِهْل الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأَِهْل نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِل، وَلأَِهْل الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ. هُنَّ لَهُنَّ؛ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) . وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: يُهِل أَهْل الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْل الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْل نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ. قَال عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: وَيُهِل أَهْل الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (2) __________ (1) البخاري في الحج (باب مهل أهل مكة للحج والعمرة) 2 / 134 ومواضع أخرى، ومسلم 4 / 5، 6 (2) البخاري (باب ميقات أهل المدينة) 2 / 134، ومسلم 4 / 6 من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وهي سلسلة الذهب، وهو عندهما كذلك في الصفحتين المذكورتين من طريق الزهري عن سالم عن أبيه، وهى سلسلة من الإسناد التي حكم لها أنها أصح الأسانيد. فَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي الْمَوَاقِيتِ عَدَا ذَاتِ عِرْقٍ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي دَلِيل تَوْقِيتِ ذَاتِ عِرْقٍ هَل وُقِّتَ بِالنَّصِّ أَمْ بِالاِجْتِهَادِ وَالإِْجْمَاعِ. فَقَال جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ثَبَتَ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّةُ (1) وَالْحَنَابِلَةُ (2) وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ (3) أَنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَبْلُغْهُ تَحْدِيدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّدَهُ بِاجْتِهَادِهِ فَوَافَقَ النَّصَّ. ب - وَأَمَّا دَلاَلَةُ الإِْجْمَاعِ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ فَقَال النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ (4) : " قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ ". وَقَال أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: " أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ إِحْرَامٌ مِنَ الْمِيقَاتِ (5) ". __________ (1) فإنهم أثبتوا ذات عرق استنادا للحديث. انظر المبسوط 4 / 166، والهداية 2 / 131، ورد المحتار 2 / 207 وفيه تحسين الحديث نقلا عن النهر. (2) حتى صرح في غاية المنتهى وشرحه 2 / 296: " وهذه المواقيت ثبتت كلها بالنص لا باجتهاد عمر ". (3) كما ذكر النووي في المجموع 7 / 194 وأنه قول للشافعي ص 195 (4) المغني 3 / 257 أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاقِيتِ: 42 - مِنْهَا: أ - وُجُوبُ الإِْحْرَامِ مِنْهَا لِمَنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ قَاصِدًا أَحَدَ النُّسُكَيْنِ، الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، وَتَحْرِيمُ تَأْخِيرِ الإِْحْرَامِ عَنْهَا بِالإِْجْمَاعِ (1) . وَالإِْحْرَامُ مِنْ أَوَّل الْمِيقَاتِ، أَيِ الطَّرَفِ الأَْبْعَدِ مِنْ مَكَّةَ أَفْضَل، حَتَّى لاَ يَمُرَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُسَمَّى مِيقَاتًا غَيْرَ مُحْرِمٍ. وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ آخِرِهِ أَيِ الطَّرَفِ الأَْقْرَبِ إِلَى مَكَّةَ جَازَ اتِّفَاقًا، لِحُصُول الاِسْمِ. 43 - ب - مَنْ مَرَّ بِالْمَوَاقِيتِ يُرِيدُ دُخُول الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ غَيْرِ النُّسُكِ اخْتُلِفَ فِيهِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْحْرَامُ لِدُخُول مَكَّةَ أَوِ الْحَرَمِ الْمُعَظَّمِ الْمُحِيطِ بِهَا، وَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ مَكَّةَ أَوْ مِنْطَقَةَ الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ لاَ لِلنُّسُكِ جَازَ لَهُ أَلاَّ يُحْرِمَ. (انْظُرِ الأَْدِلَّةَ وَفُرُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ " حَرَمٌ ") . 44 - ج - الاِعْتِبَارُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ، لاَ بِاسْمِ الْقَرْيَةِ وَالْبِنَاءِ. فَلَوْ خَرِبَ الْبِنَاءُ فِي الْمِيقَاتِ وَنُقِلَتْ عِمَارَتُهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنْهُ وَسُمِّيَ بِاسْمِ الأَْوَّل لَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ، بَل الاِعْتِبَارُ بِمَوْضِعِ الأَْوَّل (2) . 45 - د - لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِأَعْيَانِهَا، بَل يَكْفِي أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا بِذَاتِهَا، أَوْ مِنْ __________ (1) نص على الإجماع في المجموع 7 / 206، والمسلك المتقسط ص 55، واتفاق العلماء على هذا الحكم ظاهر في عبارات المراجع. (2) المجموع 7 / 195 حَذْوِهَا، أَيْ مُحَاذَاتِهَا وَمُقَابَلَتِهَا، وَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ فِي تَوْقِيتِ ذَاتِ عِرْقٍ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ فِي تَوْقِيتِهَا بِالْمُحَاذَاةِ، وَأُقِرَّ عَلَى ذَلِكَ. فَدَل عَلَى اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى الأَْخْذِ بِقَاعِدَةِ الْمُحَاذَاةِ. فُرُوعٌ: تَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ: 46 - مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَيْسَ فِيهِ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ، بَرًّا أَوْ بَحْرًا أَوْ جَوًّا، اجْتَهَدَ وَأَحْرَمَ إِذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْمَذْكُورَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ بِالاِحْتِيَاطِ لِئَلاَّ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَخُصُوصًا رَاكِبُ الطَّائِرَةِ. 47 - إِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُحَاذَاةَ (1) فَإِنَّهُ يُحْرِمُ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. اعْتِبَارًا بِمَسَافَةِ أَقْرَبِ الْمَوَاقِيتِ، فَإِنَّهُ عَلَى بُعْدِ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَعَلَى ذَلِكَ قَرَّرُوا أَنَّ جَدَّةَ تَدْخُل فِي الْمَوَاقِيتِ؛ لأَِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى مَكَّةَ مِنْ قَرْنِ الْمَنَازِل (2) . (3) 48 - وَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ مَنْ يَمُرُّ بِمِيقَاتَيْنِ، كَالشَّامِيِّ إِذَا قَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالْمَدَنِيِّ، فَإِنَّهُ إِذَا مَرَّ بِالْجُحْفَةِ يَمُرُّ بِمِيقَاتَيْنِ فَمِنْ أَيِّ الْمِيقَاتَيْنِ يُحْرِمُ؟ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ __________ (1) دار نقاش حول إمكان وجود مكان لا يحاذي ميقاتا، فعبرنا بهذا، ولم نشأ الخوض في هذا لأننا لم نجد له فائدة عملية فيما ذكروه. (2) ويكون الميقات واصلا إلى البحر، وكذا إذا نظرنا إلى جدة من حيث المحاذاة فإن محاذاة الجحفة تجعلها داخلة في ضمن المواقيت، وتكون المواقيت ممتدة إلى عرض البحر. (3) فتح الباري 3 / 251 ط المطبعة الخيرية للخشاب 1319 هـ يُحْرِمَ مِنَ الْمِيقَاتِ الأَْبْعَدِ، كَأَهْل الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، مِيقَاتُهُمُ الْجُحْفَةُ، فَإِذَا مَرُّوا بِالْمَدِينَةِ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الإِْحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ مِيقَاتِ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَإِذَا جَاوَزُوهُ غَيْرَ مُحْرِمِينَ حَتَّى الْجُحْفَةِ كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ يَمُرُّ بِمِيقَاتَيْنِ الثَّانِي مِنْهُمَا مِيقَاتُهُ نُدِبَ لَهُ الإِْحْرَامُ مِنَ الأَْوَّل، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْحْرَامُ مِنْهُ؛ لأَِنَّ مِيقَاتَهُ أَمَامَهُ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ يَمُرُّ بِمِيقَاتَيْنِ فَالأَْفْضَل لَهُ الإِْحْرَامُ مِنَ الأَْوَّل، وَيُكْرَهُ لَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَى الثَّانِي الأَْقْرَبِ إِلَى مَكَّةَ. وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ - فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - بِأَنْ يَكُونَ الْمِيقَاتُ الثَّانِي مِيقَاتًا لَهُ. اسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ الْمَوَاقِيتِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُنَّ لَهُنَّ؛ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، فَإِنَّ هَذَا بِعُمُومِهِ يَدُل عَلَى أَنَّ الشَّامِيَّ مَثَلاً إِذَا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ فَهُوَ مِيقَاتُهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ. وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ. وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِعُمُومِ التَّوْقِيتِ لأَِهْل الْمَنَاطِقِ الْمَذْكُورَةِ، إِلَى جَانِبِ الْعُمُومِ الَّذِي اسْتَدَل بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، فَيَحْصُل مِنْ ذَلِكَ لَهُ جَوَازُ الأَْمْرَيْنِ. فَأَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ بِالْعُمُومِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْعِبَارَتَيْنِ، وَجَوَّزُوا الإِْحْرَامَ مِنْ أَيِّ الْمِيقَاتَيْنِ، مَعَ كَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ، وَيَدُل لَهُمْ مَا ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَل مِنَ الْفَرْعِ (1) وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَكَّةَ. وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْمَدَنِيِّ. وَيَشْهَدُ لَهُمْ __________ (1) أخرجه مالك في الموطأ (مواقيت الإهلال) 1 / 242 نسخة تنوير الحوالك ط مصطفى الحلبي 1349 هـ بسنده عن نافع عن ابن عمر. وانظر الجواب عن هذا في المجموع 7 / 203 فِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى فِعْل الأَْفْضَل. وَيَدُل لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمِيقَاتِ تَعْظِيمُ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ، وَهُوَ يَحْصُل بِأَيِّ مِيقَاتٍ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ الْمُكَرَّمُ، يَسْتَوِي الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. 49 - التَّقَدُّمُ بِالإِْحْرَامِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ جَائِزٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنَّمَا حُدِّدَتْ لِمَنْعِ مُجَاوَزَتِهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. لَكِنِ اخْتُلِفَ هَل الأَْفْضَل التَّقَدُّمُ عَلَيْهَا، أَوِ الإِْحْرَامُ مِنْهَا: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الإِْحْرَامُ قَبْل الْمِيقَاتِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الإِْحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ أَفْضَل، إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ مُخَالَفَةَ أَحْكَامِ الإِْحْرَامِ. اسْتَدَل الأَْوَّلُونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ أَحْرَمُوا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَلاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ الأَْفْضَل. وَبِأَنَّهُ يُشْبِهُ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِهِ، فَيَكُونُ مِثْلَهُ فِي الْكَرَاهَةِ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ أَهَل مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ. (1) وَسُئِل عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: __________ (1) أبو داود في (المواقيت) 2 / 43، وابن ماجه برقم 3001 ص 999، قال المنذري في تهذيب السنن 2 / 285: " وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافا كثيرا " {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فَقَال: أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (1) . وَاسْتَدَلُّوا مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ " الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَالتَّعْظِيمَ أَوْفَرُ " فَيَكُونُ أَفْضَل. 50 - مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَاصِدًا الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ أَوِ الْقِرَانَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، أَثِمَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إِلَيْهِ وَالإِْحْرَامُ مِنْهُ. فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ سَوَاءٌ تَرَكَ الْعَوْدَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا عَامِدًا أَوْ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا. لَكِنْ مَنْ تَرَكَ الْعَوْدَ لِعُذْرٍ لاَ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الرُّجُوعِ. وَمِنَ الْعُذْرِ خَوْفُ فَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِضِيقِ الْوَقْتِ، أَوِ الْمَرَضِ الشَّاقِّ، أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ الرُّفْقَةِ. وَذَلِكَ مَوْضِعُ وِفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ. مِيقَاتُ الْمِيقَاتِيِّ (الْبُسْتَانِيِّ) : 51 - الْمِيقَاتِيُّ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ فِي مَنَاطِقِ الْمَوَاقِيتِ، أَوْ مَا يُحَاذِيهَا، أَوْ فِي مَكَانٍ دُونَهَا إِلَى الْحَرَمِ الْمُحِيطِ بِمَكَّةَ كَقَدِيدٍ، وَعُسْفَانَ، وَمَرِّ الظَّهْرَانِ. مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (2) وَالشَّافِعِيَّةِ (3) وَالْحَنَابِلَةِ (4) أَنَّ __________ (1) في المستدرك 2 / 276 ط الهند وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي. (2) مواهب الجليل 3 / 34، وشرح الزرقاني 2 / 252، والشرح. الكبير بحاشيته 2 / 23، وشرح الرسالة مع حاشية العدوي 1 / 459 (3) شرح المنهاج 2 / 94، ونهاية المحتاج 2 / 392، والمجموع 7 / 194، 201،202 (4) المغني 3 / 262، ومطالب أولي النهى 2 / 297، وعبر بعض الحنابلة بقولهم " ميقاته منزله " كذا في الكافي 1 / 524، وغاية المنتهى الموضع السابق، لكن في المغني كما أثبتناه، وكذا اتجهه صاحب غاية المنتهى، ووافقه في شرحه مطالب أولي النهى. مِيقَاتَ إِحْرَامِ الْمَكَانِيِّ لِلْحَجِّ هُوَ مَوْضِعُهُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: " يُحْرِمُ مِنْ دَارِهِ، أَوْ مِنْ مَسْجِدِهِ، وَلاَ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ ". وَالأَْحْسَنُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِيقَاتُهُ الْقَرْيَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا، إِنْ كَانَ قَرَوِيًّا، أَوِ الْمَحَلَّةُ الَّتِي يَنْزِلُهَا إِنْ كَانَ بَدَوِيًّا، فَإِنْ جَاوَزَ الْقَرْيَةَ وَفَارَقَ الْعُمْرَانَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ أَحْرَمَ كَانَ آثِمًا، وَعَلَيْهِ الدَّمُ لِلإِْسَاءَةِ، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهَا سَقَطَ الدَّمُ، عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ، وَبَيَانُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ. وَكَذَا إِذَا جَاوَزَ الْخِيَامَ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَإِنْ كَانَ فِي بَرِّيَّةٍ مُنْفَرِدًا أَحْرَمَ مِنْ مَنْزِلِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ طَرَفِ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمَحَلَّةِ الأَْبْعَدِ عَنْ مَكَّةَ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الطَّرَفِ الأَْقْرَبِ جَازَ. وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مِيقَاتَهُ مِنْطَقَةُ الْحِل (1) أَيْ جَمِيعُ الْمَسَافَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ إِلَى انْتِهَاءِ الْحِل، وَلاَ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، مَا لَمْ يَدْخُل أَرْضَ الْحَرَمِ بِلاَ إِحْرَامٍ. وَإِحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَفْضَل. اسْتَدَل الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْمَوَاقِيتِ: وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، فَحَمَلَهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَنْزِلِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَسْجِدَ وَاسِعٌ لِلإِْحْرَامِ "؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ الصَّلاَةِ؛ وَلأَِنَّ __________ (1) هداية 2 / 134، والبدائع 2 / 166، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2 / 8، والمسلك المتقسط ص 57، ورد المحتار 2 / 212 أَهْل مَكَّةَ يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيُحْرِمُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ أَهْل ذِي الْحُلَيْفَةِ يَأْتُونَ مَسْجِدَهُمْ (1) ". وَفَسَّرَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِالْقَرْيَةِ وَالْمَحَلَّةِ الَّتِي يَسْكُنُهَا؛ لأَِنَّهُ أَنْشَأَ مِنْهَا. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: " إِنَّ خَارِجَ الْحَرَمِ كُلَّهُ كَمَكَانٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّ الْمِيقَاتِيِّ، وَالْحَرَمُ فِي حَقِّهِ كَالْمِيقَاتِ فِي حَقِّ الآْفَاقِيِّ، فَلاَ يَدْخُل الْحَرَمَ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ إِلاَّ مُحْرِمًا (2) ". مِيقَاتُ الْحَرَمِيِّ وَالْمَكِّيِّ: 52 - أ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ، بِأَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ فِي مَكَّةَ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْتَوْطِنًا، أَمْ نَازِلاً، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، لِمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ: " فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ (3) ". ب - ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيل ذَلِكَ. فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَنْ كَانَ مَكِّيًّا، أَوْ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ، كَسُكَّانِ مِنًى، فَوَقْتُهُ الْحَرَمُ لِلْحَجِّ وَلِلْقِرَانِ. وَمِنَ الْمَسْجِدِ أَفْضَل، أَوْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكِّيِّ فَقَطْ. وَهَذَا عَلَى سَبِيل الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ، فَلَوْ أَنَّهُ أَهَل مِنْ خَارِجِ مِنْطَقَةِ الْحَرَمِ، لَزِمَهُ الْعَوْدُ إِلَى الْحَرَمِ، وَإِلاَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ (4) . __________ (1) مواهب الجليل الموضع السابق. (2) تبيين الحقائق 2 / 8، وقارن بالهداية 2 / 134 (3) تقدم تخريجه (ف 41) (4) الهداية 2 / 134، والبدائع 2 / 167، وتبيين الحقائق 2 / 8، والمسلك المتقسط ص 58، 59، والدر المختار 2 / 213 وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الأَْبْطَحِ وَحَدِيثُهُ: وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ. أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ، وَعَلَّقَهُمَا الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ (1) . وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ وَمَنْ أَهَل بِالْقِرَانِ، فَجَعَلُوا مِيقَاتَ الْقِرَانِ مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ الآْتِي تَفْصِيلُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَأَمَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ وَهُوَ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ أَوِ الْحَرَمِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْطِنًا، أَوْ آفَاقِيًّا نَازِلاً: أَمَّا الْمُسْتَوْطِنُ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل، وَإِنْ تَرَكَهَا وَأَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ أَوِ الْحِل فَخِلاَفُ الأَْوْلَى، وَلاَ إِثْمَ، فَلاَ يَجِبُ الإِْحْرَامُ مِنْ مَكَّةَ. وَأَمَّا الآْفَاقِيُّ فَإِنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ مِنَ الْوَقْتِ - وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِ " ذِي النَّفْسِ " - فَيُنْدَبُ لَهُ الْخُرُوجُ إِلَى مِيقَاتِهِ وَالإِْحْرَامُ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَعَةٌ مِنَ الْوَقْتِ فَهُوَ كَالْمُسْتَوْطِنِ (2) . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحَرَمِيَّ (الَّذِي لَيْسَ بِمَكَّةَ) حُكْمُهُ حُكْمُ الْمِيقَاتِيِّ (3) . وَأَمَّا الْمَكِّيُّ: أَيِ الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَكِّيٍّ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي مِيقَاتِ الْحَجِّ لَهُ، مُفْرِدًا كَانَ أَوْ قَارِنًا: الأَْصَحُّ: أَنَّ مِيقَاتَهُ نَفْسُ مَكَّةَ، لِمَا __________ (1) مسلم 4 / 36، 37 والبخاري 2 / 160 (2) مواهب الجليل 3 / 26 - 28، وشرح الزرقاني 2 / 251، والشرح الكبير 2 / 22، وشرح الرسالة مع حاشية العدوي 1 / 457 (3) المجموع 7 / 193، ونهاية المحتاج 2 / 389، 390، وشرح المحلي بحاشيتي قليوبي وعميرة 2 / 92 سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. (1) وَالثَّانِي: مِيقَاتُهُ كُل الْحَرَمِ، لاِسْتِوَاءِ مَكَّةَ، وَمَا وَرَاءَهَا مِنَ الْحَرَمِ فِي الْحُرْمَةِ (2) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ، وَهُوَ أَفْضَل عِنْدَهُمْ. وَجَازَ وَصَحَّ أَنْ يُحْرِمَ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (3) . الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْعُمْرَةِ: 53 - هُوَ الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ بِالنِّسْبَةِ لِلآْفَاقِيِّ وَالْمِيقَاتِيِّ. وَمِيقَاتُ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِ أَهْلِهَا الْحِل مِنْ أَيِّ مَكَانٍ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْحَرَمِ، وَلَوْ بِخُطْوَةٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي الأَْفْضَل مِنْهُمَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ أَفْضَل، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ التَّنْعِيمِ أَفْضَل. وَقَال أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ هُمَا مُتَسَاوِيَانِ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ: قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِالْحَجِّ؟ فَأَمَرَ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الإِْحْرَامِ أَنْ تَكُونَ هُنَا رِحْلَةٌ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ، وَلَمَّا كَانَتْ أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ كُلُّهَا فِي الْحَرَمِ، كَانَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الإِْحْرَامُ فِي الْحِل. وَلاَ يُعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. __________ (1) تقدم تخريجه (ف 41) ص 146 (2) شرح المحلي بحاشيتي القليوبي وعميرة 2 / 92 (3) المغني 3 / 259،261، وغاية المنتهى مع شرحه مطالب أولي النهى 2 / 297، 298 الْفَصْل الْخَامِسُ مَحْظُورَاتُ الإِْحْرَامِ حِكْمَةُ حَظْرِ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ حَال الإِْحْرَامِ: 54 - مِنْ حِكَمِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ تَذْكِيرُ الْمُحْرِمِ بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنْ نُسُكٍ، وَتَرْبِيَةُ النُّفُوسِ عَلَى التَّقَشُّفِ. وَقَدْ كَانَ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُغَايَرَةُ فِي حَال الْعَيْشِ بَيْنَ التَّقَشُّفِ وَالتَّرَفُّهِ، وَتَقْرِيرُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِذْكَاءُ مُرَاقَبَةِ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ فِي خَصَائِصِ أُمُورِهِ الْعَادِيَةِ، وَالتَّذَلُّل وَالاِفْتِقَارُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَل، وَاسْتِكْمَال جَوَانِبَ مِنْ عِبَادَةِ الْبَدَنِ. وَقَدْ وَرَدَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل يُبَاهِي مَلاَئِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْل عَرَفَةَ، فَيَقُول: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا. (1) الْمَحْظُورَاتُ مِنَ اللِّبَاسِ 55 - يَخْتَلِفُ تَحْرِيمُ الْمَلْبَسِ فِي حَقِّ الرِّجَال عَنْ تَحْرِيمِ الْمَلْبَسِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ. أ - مَحْظُورَاتُ الإِْحْرَامِ فِي الْمَلْبَسِ فِي حَقِّ الرِّجَال: 56 - ضَابِطُ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلرَّجُل الْمُحْرِمِ أَنْ يَسْتُرَ جِسْمَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ أَوْ عُضْوًا مِنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ اللِّبَاسِ الْمَخِيطِ أَوِ الْمُحِيطِ، كَالثِّيَابِ الَّتِي تُنْسَجُ عَلَى هَيْئَةِ الْجِسْمِ قِطْعَةً وَاحِدَةً دُونَ خِيَاطَةٍ، إِذَا __________ (1) المسند 2 / 224، وفتح الباري 9 / 84 لَبِسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ، أَوِ اسْتَعْمَلَهُ فِي اللُّبْسِ الْمُعْتَادِ لَهُ. وَيَسْتُرُ جِسْمَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ، فَيَلْبَسُ رِدَاءً يَلُفُّهُ عَلَى نِصْفِهِ الْعُلْوِيِّ، وَإِزَارًا يَلُفُّهُ عَلَى بَاقِي جِسْمِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالدَّلِيل عَلَى حَظْرِ مَا ذَكَرْنَا مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً سَأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلاَ الْعَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ الْبَرَانِسَ، وَلاَ الْخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ. وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلاَ الْوَرْسُ أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ (1) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ زِيَادَةٌ وَلاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (2) . تَفْصِيل أَحْكَامِ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ: يَشْمَل تَحْرِيمُ هَذِهِ الأُْصُول الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أُمُورًا كَثِيرَةً نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي: __________ (1) البخاري (باب ما لا يلبس المحرم) 2 / 137، ومسلم أول الحج واللفظ له 4 / 2، وأبو داود (باب ما يلبس المحرم) 2 / 165، والترمذي 3 / 194، 195، والنسائي 5 / 131، 135، وابن ماجه رقم 2929 ص 977 أخرجوه من طرق عن ابن عمر منها مالك عن نافع عن ابن عمر، وكذا هو في الموطأ 1 / 239 ومنها أيوب عن نافع عن ابن عمر وهو مما حكم له أنه أصح الأسانيد. (2) من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر البخاري 3 / 15 والباقون في المواضع السابقة. لُبْسُ الْقَبَاءِ وَالسَّرَاوِيل وَنَحْوِهِمَا: 57 - أَوَّلاً: لَوْ وَضَعَ الْقَبَاءَ وَنَحْوَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ لُبْسِ أَكْمَامِهِ فَهُوَ مَحْظُورٌ كَاللُّبْسِ، عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ لُبْسِهِ لِلْمُحْرِمِ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرَوَاهُ النِّجَادُ عَنْ عَلِيٍّ، وَلأَِنَّهُ عَادَةُ لُبْسِهِ كَالْقَمِيصِ (1) . وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ أَلْقَى الْقَبَاءَ أَوِ الْعَبَاءَ وَنَحْوَهُمَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِدْخَال يَدَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا فِي كُمَّيْهِ وَلَمْ يَزُرَّهُ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلاَ فِدَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (2) فَإِنْ زَرَّهُ أَوْ أَدْخَل يَدَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا فِي كُمَّيْهِ فَهُوَ مَحْظُورٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ اللُّبْسِ فِي الْجَزَاءِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْقَبَاءَ لاَ يُحِيطُ بِالْبَدَنِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ بِوَضْعِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ، إِذَا لَمْ يُدْخِل يَدَيْهِ كُمَّيْهِ، كَالْقَمِيصِ يَتَّشِحُ بِهِ. 58 - ثَانِيًا: مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِْزَارَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيل إِلَى أَنْ يَجِدَ مَا يَتَّزِرُ بِهِ، وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ: فَأَجَازُوا لُبْسَ السَّرَاوِيل إِذَا كَانَ غَيْرَ قَابِلٍ لأََنْ يُشَقَّ وَيُؤْتَزَرَ بِهِ، وَإِلاَّ يَفْتُقُ مَا حَوْل السَّرَاوِيل مَا خَلاَ مَوْضِعِ التِّكَّةِ وَيَتَّزِرْ بِهِ. وَلَوْ لَبِسَهُ كَمَا هُوَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِلاَّ إِذَا كَانَ ضَيِّقًا غَيْرَ قَابِلٍ __________ (1) انظر الاستدلال من الأثر والنظر في مطالب أولي النهى 2 / 331، وتفصيله في المجموع 7 / 259 - 268، وانظر شرح الدردير 2 / 55 (2) انظر في المغني 3 / 307 وفيه ذكر التوجيه الآتي، وانظر المسلك المتقسط ص 82 ورد المحتار 2 / 223 لِذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ بِجَوَازِ لُبْسِ السَّرَاوِيل إِذَا عَدِمَ الإِْزَارَ، وَيَفْتَدِي، وَقَوْلٌ: لاَ يَجُوزُ وَلَوْ عَدِمَ الإِْزَارَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (1) . لُبْسُ الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا: 59 - ثَالِثًا: مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَيَلْبَسُهُمَا، كَمَا نَصَّ الْحَدِيثُ. وَهُوَ قَوْل الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الْحَنَفِيَّةِ (2) وَالْمَالِكِيَّةِ (3) وَالشَّافِعِيَّةِ (4) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْل عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ (5) ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالنَّخَعِيِّ (6) . وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ: لاَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ، وَيَلْبَسُهُمَا كَمَا هُمَا. وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، بَل قَال الْحَنَابِلَةُ: " حَرُمَ قَطْعُهُمَا " عَلَى الْمُحْرِمِ (7) . __________ (1) ذكر القولين في التاج والإكليل 3 / 143، ونص على المعتمد الدسوقي في حاشيته 2 / 56، 57 (2) الهداية 2 / 141، والمسلك المتقسط ص 81، والدر المحتار مع متن التنوير 2 / 224 (3) الشرح الكبير 2 / 56، والرسالة بشرح أبي الحسن 1 / 489، 490 (4) شرح المحلي 2 / 131، والنهاية 2 / 449، والمهذب والمجموع 7 / 254، 262 - 267 (5) المغني 3 / 301 (6) المجموع 7 / 267 (7) المغني 3 / 301، 302، ومطالب أولي النهى 2 / 328 ومنه أوردنا عبارة دليل الحنابلة. اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ فِي مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ. وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالُوا: " إِنَّ زِيَادَةَ الْقَطْعِ - أَيْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - اخْتُلِفَ فِيهَا، فَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ بِالْمَدِينَةِ، لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْهُ: " سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ " فَذَكَرَهُ، وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ أَكْثَرُهُمْ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَدْ فَسَّرَ الْجُمْهُورُ الْكَعْبَ الَّذِي يُقْطَعُ الْخُفُّ أَسْفَل مِنْهُ بِأَنَّهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِل السَّاقِ وَالْقَدَمِ. وَفَسَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِالْمَفْصِل الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ: " لَمَّا كَانَ الْكَعْبُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاتِئِ حُمِل عَلَيْهِ احْتِيَاطًا (1) ". 60 - رَابِعًا: أَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ (2) وَالشَّافِعِيَّةُ (3) وَالْحَنَابِلَةُ (4) بِالْخُفَّيْنِ كُل مَا سَتَرَ شَيْئًا مِنَ الْقَدَمَيْنِ سَتْرَ إِحَاطَةٍ، فَلَمْ يُجِيزُوا لُبْسَ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ إِلاَّ عِنْدَ فَقْدِ النَّعْلَيْنِ. وَلَوْ وَجَدَ النَّعْلَيْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهُمَا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ خَلْعُهُمَا إِنْ كَانَ قَدْ لَبِسَهُمَا. وَإِنْ لَبِسَهُمَا لِعُذْرٍ كَالْمَرَضِ لَمْ يَأْثَمْ وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ (5) فَإِنَّهُمْ قَالُوا: كُل مَا كَانَ غَيْرَ سَاتِرٍ __________ (1) المسلك المتقسط ص 81، وفتح القدير 2 / 142، وانظر فتح الباري 3 / 259، 260 (2) الرسالة وحاشية العدوي 1 / 489، 490، والشرح الكبير 2 / 55 (3) شرح المحلي 2 / 131، والنهاية 2 / 449، ومغني المحتاج 1 / 519 (4) المغني 3 / 302،303، ومطالب أولي النهى 2 / 329 (5) المسلك المتقسط ص 81، والدر المختار، وحاشيته رد المحتار 2 / 224 لِلْكَعْبَيْنِ، اللَّذَيْنِ فِي ظَاهِرِ الْقَدَمَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ. تَقَلُّدُ السِّلاَحِ: 61 - خَامِسًا: حَظَرَ الْمَالِكِيَّةُ (1) وَالْحَنَابِلَةُ (2) عَلَى الْمُحْرِمِ تَقَلُّدَ السَّيْفِ بِدُونِ حَاجَةٍ، وَمِثْلُهُ الأَْسْلِحَةُ الْمُعَاصِرَةُ. وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ الْفِدَاءَ إِذَا تَقَلَّدَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَقَالُوا: هَذَا إِذَا كَانَتْ عَلاَقَتُهُ غَيْرَ عَرِيضَةٍ، وَلاَ مُتَعَدِّدَةً، وَإِلاَّ فَالْفِدْيَةُ لاَزِمَةٌ عَلَى كُل حَالٍ، لَكِنْ لاَ يَأْثَمُ فِي حَال الْعُذْرِ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ (3) وَالشَّافِعِيَّةُ (4) تَقَلُّدَ السَّيْفِ مُطْلَقًا، لَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالْحَاجَةِ، وَكَأَنَّهُمْ لاَحَظُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ اللُّبْسِ الْمُعْتَادِ الْمَحْظُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ. سَتْرُ الرَّأْسِ وَالاِسْتِظْلاَل: 62 - سَادِسًا: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ سَتْرِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ أَوْ بَعْضَهُ، أَخْذًا مِنْ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ضَابِطِ هَذَا السَّتْرِ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (5) وَالْحَنَابِلَةِ (6) يَحْرُمُ سَتْرُهُ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّغْطِيَةُ عَادَةً. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (7) يَحْرُمُ سَتْرُ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ __________ (1) الشرح الكبير وحاشيته 2 / 55 (2) الكافي 1 / 560، ومطالب أولي النهى 2 / 330 (3) المسلك المتقسط ص 83 وفيه إطلاق الجواز عن التقييد بالحاجة. (4) نهاية المحتاج 2 / 449 وفيه النص على جوازه بلا حاجة. (5) كما في المسلك المتقسط ص 80 وانظر ص 206، 207 ومتن التنوير، ورد المحتار 2 / 222 (6) لما دلت تعليلاتهم، انظر المغني 3 / 324 والكافي 1 / 549، وقد وقع في نسخة المطالب قلق في هذا الموضع 2 / 327 لعله من سوء تحقيق الناشر. (7) كما صرح به في الشرح الكبير 2 / 55، وانظر شرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 488، 489 بِكُل مَا يُعَدُّ سَاتِرًا مُطْلَقًا. وَقَرِيبٌ مِنْهُمْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (1) ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَحْرُمُ مَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاتِرًا عُرْفًا فَيَحْرُمُ إِنْ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ. يَحْرُمُ سَتْرُ بَعْضِ الرَّأْسِ كَذَلِكَ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا، أَوْ يُقْصَدُ بِهِ السَّتْرُ، عَلَى الْخِلاَفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْصِبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ، وَلاَ سَيْرٍ، وَلاَ يَجْعَل عَلَيْهِ شَيْئًا يَلْصَقُ بِهِ. وَقَدْ ضَبَطَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا يَبْلُغُ مِسَاحَةَ دِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ. وَجَعَل الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا كَانَ أَقَل مِنْ رُبُعِ الرَّأْسِ الْكَرَاهَةَ وَصَدَقَةً بِشَرْطِ الدَّوَامِ الَّذِي سَيَأْتِي. وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ نَحْوِ خَيْطٍ، وَيَحْرُمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الرَّأْسِ، لأَِنَّهَا سَاتِرٌ مُطْلَقًا (2) ، وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ قُصِدَ بِهَا سَتْرُ الرَّأْسِ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَلاَ يَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. 63 - وَأَمَّا وَضْعُ حَمْلٍ عَلَى الرَّأْسِ: فَيَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ التَّغْطِيَةُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، كَمَا لَوْ حَمَل عَلَى رَأْسِهِ ثِيَابًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ تَغْطِيَةً (3) ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُقْصَدُ بِهِ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ عَادَةً لاَ يَحْرُمُ (4) ، كَحَمْل طَبَقٍ أَوْ قُفَّةٍ، أَوْ طَاسَةٍ قَصَدَ بِهَا السَّتْرَ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ السَّتْرُ غَالِبًا، فَصَارَ كَوَضْعِ الْيَدِ. وَهَذَا مُتَّفِقٌ مَعَ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا __________ (1) كما يفيده شرح المنهاج للرملي 2 / 448، وصرح به الشبراملسي في حاشيته. ووقع في المجموع 7 / 257، 258، والمهذب 1 / 253 الحمل على الرأس. (2) على ما جزم به في الشرح الكبير وحاشية الرسالة، واعترضه الدسوقي في حاشيته أن المعتمد أنه لا يحرم، فتأمل. (3) كما في الدر المختار 2 / 222 (4) كما في لباب المناسك وشرحه 206 حَمَل مَا لاَ يُعْتَبَرُ سَاتِرًا كَالْقُفَّةِ وَقَصَدَ بِهِ السَّتْرَ حَرُمَ وَلَزِمَهُ الْفِدَاءُ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْمِل عَلَى رَأْسِهِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ مِنْ خُرْجِهِ وَجِرَابِهِ، وَغَيْرِهِ، وَالْحَال أَنَّهُ لاَ يَجِدُ مَنْ يَحْمِل خُرْجَهُ مَثَلاً لاَ بِأُجْرَةٍ وَلاَ بِغَيْرِهَا. فَإِنْ حَمَل لِغَيْرِهِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ، فَالْفِدْيَةُ، وَقَال أَشْهَبُ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ ذَلِكَ. أَيْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَمْل لِلْغَيْرِ أَوِ التِّجَارَةِ لِعَيْشِهِ. وَهُوَ مُعْتَمَدٌ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ (1) . 64 - وَالتَّظَلُّل بِمَا لاَ يُلاَمِسُ الرَّأْسَ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي أَصْلٍ تَابِعٍ لَهُ، جَائِزٌ اتِّفَاقًا، كَسَقْفِ الْخَيْمَةِ، وَالْبَيْتِ، مِنْ دَاخِلِهِمَا، أَوِ التَّظَلُّل بِظِلِّهِمَا مِنَ الْخَارِجِ، وَمِثْل مِظَلَّةِ الْمَحْمَل إِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهِ مِنَ الأَْصْل. وَعَلَى ذَلِكَ يَجُوزُ رُكُوبُ السَّيَّارَاتِ الْمُسْقَفَةِ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ سُقُوفَهَا مِنْ أَصْل صِنَاعَتِهَا، فَصَارَتْ كَالْبَيْتِ وَالْخَيْمَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُظِل ثَابِتًا فِي أَصْلٍ يَتْبَعُهُ فَجَائِزٌ كَذَلِكَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ (2) : لاَ يَجُوزُ التَّظَلُّل بِمَا لاَ يَثْبُتُ فِي الْمَحْمَل. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَضَبَطَهُ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْقَوْل " أَنَّهُ سَتَرَ رَأْسَهُ بِمَا يُسْتَدَامُ وَيُلاَزِمُهُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ يُلاَقِيهِ (3) " __________ (1) كما صرح في حاشية العدوي 1 / 489 (2) والسياق للعدوي في حاشيته 1 / 489، 490 (3) المغني لابن قدامة 3 / 307، 308 وَفِي التَّظَلُّل بِنَحْوِ ثَوْبٍ يُجْعَل عَلَى عَصًا أَوْ عَلَى أَعْوَادِ (مِظَلَّةٍ أَوْ بِشَيْءٍ يَرْفَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الشَّمْسِ أَوِ الرِّيحِ) ، أَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ أَقْرَبُهَا الْجَوَازُ، لِلْحَدِيثِ الآْتِي فِي دَلِيل الْجُمْهُورِ. وَيَجُوزُ الاِتِّقَاءُ بِذَلِكَ مِنَ الْمَطَرِ. وَأَمَّا الْبِنَاءُ وَالْخِبَاءُ وَنَحْوُهُمَا فَيَجُوزُ الاِتِّقَاءُ بِهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ (1) . وَأَجَازَ التَّظَلُّل بِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَكَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، لِمَا عَرَفْتَ مِنْ أَصْل مَذْهَبِهِمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلاً، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالآْخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (2) . وَلأَِنَّ مَا حَل لِلْحَلاَل - كَمَا فِي الْمُغْنِي (3) - حَل لِلْمُحْرِمِ إِلاَّ مَا قَامَ عَلَى تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ. سَتْرُ الْوَجْهِ: 65 - سَابِعًا: يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ سَتْرُ وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (4) وَالْمَالِكِيَّةِ (5) وَلَيْسَ بِمَحْظُورٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (6) __________ (1) الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي 2 / 56، 57، ومواهب الجليل 3 / 143 (2) في الحج (باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر) 4 / 79، 80 (3) الهداية 2 / 142، ولباب المناسك وشرحه ص 81، وتنوير الأبصار مع شرحه وحاشيته 2 / 221 (5) متن خليل والشرح الكبير 1 / 55، والرسالة لابن أبي زيد وشرحها 1 / 489 (6) المجموع 7 / 269 وَالْحَنَابِلَةِ (1) وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ إِلَى الْجُمْهُورِ. اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (2) . وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ: " أَفَادَ أَنَّ لِلإِْحْرَامِ أَثَرًا فِي عَدَمِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ ". وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُغَطِّي وَجْهَهَا، مَعَ أَنَّ فِي الْكَشْفِ فِتْنَةً، فَالرَّجُل بِطَرِيقِ الأَْوْلَى (3) . وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا وَرَدَ مِنَ الآْثَارِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِإِبَاحَةِ تَغْطِيَةِ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ، مِنْ فِعْلِهِمْ أَوْ قَوْلِهِمْ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَجَابِرٍ (4) . __________ (1) الكافي 1 / 550، وغاية المنتهى وشرحه 2 / 327، والمغني 3 / 325 (2) ينظر في جامع الأصول 11 / 111، 112، وانظر الحديث في البخاري في الحج (باب المحرم يموت بعرفة) 3 / 27، و (باب سنة المحرم إذا مات) الموضع السابق، في مسلم 4 / 23 - 26 وأبي داود في الجنائز (باب المحرم يموت كيف يصنع به) 3 / 219 بدون ذكر الوجه، - كذا الترمذي في الحج 3 / 286، والنسائي على الوجهين 5 / 195 - 197 (3) الهداية 2 / 143 (4) المغني 3 / 325 وقد أخرج هذه الآثار مالك في الموطأ 1 / 327 والبيهقي 5 / 54 كما في المجموع 7 / 270، وأورد في فتح القدير 1 / 142 لهم حديث ابن عمر: " إحرام المرأة في وجهها،إحرام الرجل في رأسه " أخرجه الدارقطني والبيهقي موقوفا على ابن عمر. لكنه في الدارقطني 2 / 294 مرفوع، والبيهقي 5 / 47 وَرَوَى الْقَاسِمُ وَطَاوُسٌ وَالثَّوْرِيُّ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ. لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ: 66 - ثَامِنًا: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مَصَادِرِ الْمَذَاهِبِ (1) . ب - مَحْظُورَاتُ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمَلْبَسِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ: يَنْحَصِرُ مَحْظُورُ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمَلْبَسِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فِي أَمْرَيْنِ فَقَطْ، هُمَا الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ، نُفَصِّل بَحْثَهُمَا فِيمَا يَلِي: سَتْرُ الْوَجْهِ: 67 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الإِْحْرَامِ سَتْرُ وَجْهِهَا، لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مِنَ النَّقْل مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ: وَلاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ. (2) وَضَابِطُ السَّاتِرِ هُنَا عِنْدَ الْمَذَاهِبِ هُوَ كَمَا مَرَّ فِي سَتْرِ الرَّأْسِ لِلرَّجُل (3) . وَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَحْتَجِبَ بِسَتْرِ وَجْهِهَا عَنِ الرِّجَال __________ (1) رد المحتار 2 / 122، والمسلك المتقسط 81، 84، وخليل ص 55 وفيه قوله: " محيط بعضو " والمجموع 7 / 262، ومطالب أولي النهى 1 / 327 (2) سبق تخريجه (ف 56 ص 152) (3) ف 62، 63 جَازَ لَهَا ذَلِكَ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إِلاَّ إِذَا خَشِيَتِ الْفِتْنَةَ أَوْ ظَنَّتْ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا. وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا الاِسْتِثْنَاءِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (1) . وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالْحَاكِمُ (2) . وَمُرَادُهَا مِنْ هَذَا سَتْرُ الْوَجْهِ بِغَيْرِ النِّقَابِ عَلَى مَعْنَى التَّسَتُّرِ (3) . وَقَدِ اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَلاَّ يُلاَمِسَ السَّاتِرُ الْوَجْهَ، كَأَنْ تَضَعَ عَلَى رَأْسِهَا تَحْتَ السَّاتِرِ خَشَبَةً أَوْ شَيْئًا يُبْعِدُ السَّاتِرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ وَجْهِهَا " لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الاِسْتِظْلاَل بِالْمَحْمَل " كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَأَجَازَ لَهَا الْمَالِكِيَّةُ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا إِذَا قَصَدَتِ السَّتْرَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، بِثَوْبٍ تَسْدُلُهُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا __________ (1) باب في المحرمة تغطي وجهها 2 / 167. في سنده يزيد بن أبي زياد الكوفي، تكلم في حفظه وهو صدوق يهم، وتغير حفظه بأخرة فصار يتلقن. روى له البخاري تعليقا، ومسلم مقرونا، والأربعة انظر التهذيب 1 / 329 - 331 ط الهند، والمغني في الضعفاء رقم 7101 (تحقيق نور الدين العتر ط حلب مطبعة البلاغة) . لكنه يتقوى بما يليه. (2) الموطأ (تخمير المحرم وجهه) 1 / 240 - 241 بسند صحيح، وصححه الحاكم في المستدرك على شرطهما 1 / 454 ووافقه الذهبي. (3) المنتقى للباجي 2 / 200 مطبعة السعادة 1331 هـ دُونَ رَبْطٍ، وَلاَ غَرْزٍ بِإِبْرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يُغْرَزُ بِهِ. وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لَكِنْ عَبَّرُوا بِقَوْلِهِمْ: " إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِهِ "؛ لأَِنَّ الْعِلَّةَ فِي السَّتْرِ الْمُحَرَّمِ أَنَّهُ مِمَّا يُرْبَطُ، وَهَذَا لاَ يُرْبَطُ، كَمَا تُشِيرُ عِبَارَةُ الْمَالِكِيَّةِ. لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ: 68 - يُحْظَرُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا اللُّبْسُ بِكَفَّيْهَا، كَالْقُفَّازِ وَغَيْرِهِ، وَيَقْتَصِرُ إِحْرَامُهَا عَلَى وَجْهِهَا فَقَطْ. اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِزِيَادَةٍ: وَلاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ. (1) وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَال: إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا (2) ، وَبِمَا وَرَدَ مِنْ آثَارٍ عَنِ الصَّحَابَةِ. وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُلْبِسُ بَنَاتَهُ الْقُفَّازَيْنِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ. وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ. وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَسُفْيَانَ وَالثَّوْرِيِّ. يَجُوزُ لِلْمُحْرِمَةِ تَغْطِيَةُ يَدِهَا فَقَطْ مِنْ غَيْرِ شَدٍّ، وَأَنْ تُدْخِل يَدَيْهَا فِي أَكْمَامِهَا وَفِي قَمِيصِهَا (3) . __________ (1) سبق تخريجه / (ف 56 ص 152) (2) أخرجه الدارقطني والبيهقي موقوفا على ابن عمر انظر توجيهه في فتح القدير 2 / 142 (3) انظر إحرام المرأة في اللباس في الهداية وفتح القدير 2 / 193 - 195، والبدائع 2 / 186، والمسلك المتقسط ص 207 والتعليق إرشاد الساري عليه، ورد المحتار 2 / 221، 222 وفيه تنبيه مهم في رد غلط لبعض الحنفية. وانظر خليل والشرح الكبير وحاشيته 2 / 54، 55، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 489، والمجموع 7 / 265، 266، وشرح المنهاج 2 / 131، 132، والنهاية 2 / 450، وحاشية البيجوري 1 / 551، والمغني 3 / 325 - 327، ومطالب أولي النهى 8 / 352، 353 الْمُحَرَّمَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِبَدَنِ الْمُحْرِمِ 69 - ضَابِطُ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ كُل شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَى تَطْيِيبِ الْجِسْمِ، أَوْ إِزَالَةِ الشُّعْثِ، أَوْ قَضَاءِ التَّفَثِ. وَالدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمِهَا قَوْله تَعَالَى {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . (1) وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلاَ الْوَرْسُ. أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ. فَتَحْرُمُ الأَْشْيَاءُ الآْتِيَةُ: أ - حَلْقُ الرَّأْسِ. ب - إِزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجِسْمِ. ج - قَصُّ الظُّفُرِ. د - الاِدِّهَانُ. هـ - التَّطَيُّبُ. تَفْصِيل أَحْكَامِ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ: حَلْقُ الرَّأْسِ: 70 - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ حَلْقُ رَأْسِهِ أَوْ رَأْسِ مُحْرِمٍ غَيْرِهِ. وَكَذَا لَوْ حَلَقَ لَهُ غَيْرُهُ حَلاَلاً أَوْ مُحْرِمًا يُحْظَرُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَالتَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَلِيل الشَّعْرِ كَذَلِكَ يُحْظَرُ حَلْقُهُ أَوْ قَطْعُهُ. وَكَذَلِكَ إِزَالَةُ الشَّعْرِ عَنِ الرَّأْسِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَالنَّتْفِ، وَالْحَرْقِ، أَوِ اسْتِعْمَال النُّورَةِ لإِِزَالَتِهِ. وَمِثْلُهَا أَيُّ عِلاَجٍ مُزِيلٍ لِلشَّعْرِ. __________ (1) سورة البقرة / 196 وَذَلِكَ كُلُّهُ مَا لَمْ يَفْرُغِ الْحَالِقُ وَالْمَحْلُوقُ لَهُ مِنْ أَدَاءِ نُسُكِهِمَا. فَإِذَا فَرَغَا لاَ يَدْخُلاَنِ فِي الْحَظْرِ. وَيَسُوغُ لَهُمَا أَنْ يَحْلِقَ أَحَدُهُمَا لِلآْخَرِ، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. وَالدَّلِيل هُوَ مَا سَبَقَ مِنْ نَصِّ الآْيَةِ، وَهِيَ وَإِنْ ذَكَرَتِ الْحَلْقَ فَإِنَّ غَيْرَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي التَّرَفُّهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ (1) . وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الْمُحْرِمِ لِلْحَلاَل. فَحَظَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ. وَأَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. اسْتَدَل الثَّلاَثَةُ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ حَلَقَ شَعْرًا لاَ حُرْمَةَ لَهُ مِنْ حَيْثُ الإِْحْرَامُ، فَلاَ يُمْنَعُ، وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ (2) . وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّ الْمُحْرِمَ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ رَأْسِ نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ رَأْسِ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} . وَالإِْنْسَانُ لاَ يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِهِ عَادَةً، إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ حَلْقُ رَأْسِ غَيْرِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ حَلْقُ رَأْسِ نَفْسِهِ مِنْ طَرِيقِ الأَْوْلَى. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحْلُوقُ حَلاَلاً __________ (1) اللباب وشرحه ص 80، ورد المحتار 2 / 223 وفيه التصريح بالنسبة لإزالة الشعر من الرأس، والشرح الكبير 2 / 60 - 64 بحاشيته، ومواهب الجليل 3 / 162، 163، وشرح المحلي بحاشيته 1 / 134، 135، ونهاية المحتاج 2 / 454، 455، والكافي 1 / 545، ومطالب أولي النهى 2 / 324 (2) كما في المجموع 7 / 351، 356، والنهاية 2 / 455 وانظر تحقيق المسألة عند المالكية في شرح الزرقاني وحاشية البناني عليه 2 / 301، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 64، وانظر مطالب أولي النهى 2 / 326 وفيه نفي الفدية، والكافي 1 / 545، وفيه نفي الحرمة. صراحة. أَوْ حَرَامًا، لِمَا قُلْنَا (1) . إِزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْجِسْمِ: 71 - يُحْظَرُ إِزَالَةُ الشَّعْرِ وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ، بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (2) . قَصُّ الظُّفُرِ: 72 - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ قَصُّ الظُّفُرِ قِيَاسًا عَلَى حَلْقِ الشَّعْرِ بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ وَإِزَالَةِ الشُّعْثِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا ( x663 ;) . وَأَمَّا قَصُّ ظُفُرِ الْمُحْرِمِ لِظُفُرِ حَلاَلٍ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ. الاِدِّهَانُ: 73 - الدُّهْنُ مَادَّةٌ دَسِمَةٌ مِنْ أَصْلٍ حَيَوَانِيٍّ أَوْ نَبَاتِيٍّ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الدُّهْنِ (4) غَيْرِ الْمُطَيِّبِ: فَالْجُمْهُورُ - عَدَا الإِْمَامِ أَحْمَدَ - عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَهُمْ - ذَهَبُوا إِلَى حَظْرِ اسْتِعْمَال الدُّهْنِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُطَيِّبٍ، كَالزَّيْتِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَفُّهِ وَالتَّزْيِينِ، وَتَحْسِينِ الشَّعْرِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الشَّأْنَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُحْرِمُ مِنَ الشُّعْثِ وَالْغُبَارِ افْتِقَارًا وَتَذَلُّلاً لِلَّهِ تَعَالَى. __________ (1) البدائع 2 / 193، وانظر المسلك المتقسط ص 80 (2) انظر مراجع المذاهب الفقهية في المواضع السابقة قبل حاشيتين. (3) ف 70 (4) لباب المناسك، وشرحه ص 80 وتنوير الأبصار ورد المحتار 2 / 221، والشرح الكبير 2 / 56، 60، ونهاية المحتاج 2 / 454، ومطالب أولي النهى 2 / 325 وَقَدْ أَوْرَدُوا فِي الدُّهْنِ وَأَشْبَاهِهِ الاِسْتِدْلاَل بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: مَنِ الْحَاجُّ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الشَّعِثُ التَّفِل. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (1) . وَالشَّعِثُ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْوَصْفُ، وَبِفَتْحِهَا الْمَصْدَرُ، وَمَعْنَاهُ انْتِشَارُ الشَّعْرِ وَتَغَبُّرُهُ لِقِلَّةِ التَّعَهُّدِ. وَالتَّفِل: مِنَ التُّفْل، وَهُوَ تَرْكُ الطِّيبِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ (2) . فَشَمِل بِذَلِكَ تَرْكَ الدُّهْنِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ (3) وَالْمَالِكِيَّةُ (4) يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ اسْتِعْمَال الدُّهْنِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَعَامَّةِ بَدَنِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ الاِسْتِدْلاَل فِيمَا سَبَقَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ (5) يُحْظَرُ دَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَاللِّحْيَةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا كَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلَعَ جَازَ دَهْنُ رَأْسِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَا مَحْلُوقَيْنِ فَيُحْظَرُ دَهْنُهُمَا؛ لأَِنَّهُ يُزَيِّنُهُمَا إِذَا نَبَتَا. وَيُبَاحُ لَهُ دَهْنُ مَا عَدَا الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا، وَلاَ يُحْظَرُ، ظَاهِرًا كَانَ أَوْ بَاطِنًا، وَيُبَاحُ سَائِرُ شُعُورِ بَدَنِهِ، وَيُبَاحُ لَهُ أَكْل الدُّهْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَ اللِّحْيَةَ أَوِ الشَّارِبَ أَوِ الْعَنْفَقَةَ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي __________ (1) الترمذي في تفسير سورة آل عمران 5 / 225، وابن ماجه (باب ما يوجب الحج) وقال الترمذي " هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه ". (2) العناية على الهداية 2 / 141، ونحوه في النهاية في مريب الحديث مادة (تفل) و (شعث) (3) شرح اللباب ص 81 (4) شرح الكبير وحاشيته 2 / 60، 61 (5) النهاية للرملي 2 / 453، 454 الدُّهْنِ طِيبٌ وَلاَ تَزْيِينٌ، فَلاَ يَحْرُمُ إِلاَّ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لأَِنَّهُ بِهِ يَحْصُل التَّزْيِينُ (1) . وَإِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ اسْتِعْمَال الطِّيبِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ، فَلاَ يَثْبُتُ تَحْرِيمُهُ (2) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ - عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ مِنْ إِبَاحَتِهِ فِي كُل الْبَدَنِ: " إِنَّ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلاَ دَلِيل فِيهِ مِنْ نَصٍّ وَلاَ إِجْمَاعٍ. وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطِّيبِ، فَإِنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ وَإِنْ لَمْ يُزِل شَيْئًا، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّأْسُ وَغَيْرُهُ، وَالدَّهْنُ بِخِلاَفِهِ (3) ". هـ - التَّطَيُّبُ: 74 - الطِّيبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ (4) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا يُقْصَدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ غَالِبًا، وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ (5) . وَيُشْتَرَطُ فِي الطِّيبِ الَّذِي يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ أَنْ يَكُونَ مُعْظَمُ الْغَرَضِ مِنْهُ الطِّيبَ، وَاتِّخَاذَ الطِّيبِ مِنْهُ، أَوْ يَظْهَرُ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا تَطِيبُ رَائِحَتُهُ وَيُتَّخَذُ لِلشَّمِّ (6) . وَقَسَّمَهُ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُذَكَّرٍ وَمُؤَنَّثٍ. فَالْمُذَكَّرُ: هُوَ مَا يَخْفَى أَثَرُهُ أَيْ تَعَلُّقُهُ بِمَا مَسَّهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ وَيَظْهَرُ رِيحُهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْوَاعُ __________ (1) المهذب نسخة المجموع 7 / 275، 276 (2) المجموع 7 / 284 (3) المغني 3 / 322، ومطالب أولي النهى 2 / 332، 333، ولم يذكر إلا القول بالجواز. (4) المسلك المتقسط ص 208، ونحوه في رد المحتار 2 / 275 (5) مغني المحتاج 1 / 520، والمجموع 7 / 278 (6) المغني 3 / 315 الرَّيَاحِينِ: كَالرَّيْحَانِ، وَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينِ. وَأَمَّا الْمِيَاهُ الَّتِي تُعْتَصَرُ مِمَّا ذُكِرَ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيل الْمُؤَنَّثِ. وَالْمُؤَنَّثُ: هُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَأَثَرُهُ، أَيْ تَعَلُّقُهُ بِمَا مَسَّهُ مَسًّا شَدِيدًا، كَالْمِسْكِ، وَالْكَافُورِ، وَالزَّعْفَرَانِ (1) . فَالْمُؤَنَّثُ يُكْرَهُ شَمُّهُ، وَاسْتِصْحَابُهُ، وَمُكْثٌ فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيُحْرِمُ مِنْهُ. وَالْمُذَكَّرُ يُكْرَهُ شَمُّهُ، وَأَمَّا مَسُّهُ مِنْ غَيْرِ شَمٍّ وَاسْتِصْحَابُهُ وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ هُوَ فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ (2) . تَفْصِيل أَحْكَامِ التَّطَيُّبِ لِلْمُحْرِمِ: تَطْيِيبُ الثَّوْبِ: 75 - وَهُوَ أَصْلٌ فِي الْبَابِ، لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فِي __________ (1) الشرح الكبير 2 / 59 بحاشيته. وهناك تفسير آخر للمذكر والمؤنث عند المالكية: فالمذكر ما ظهر لونه وخفيت رائحته كالورد، والمؤنث ما خفي لونه وظهرت رائحته كالمسك، وعليه درج العدوى في حاشيته على الرسالة 1 / 486، وقال الزرقاني في شرح خليل 1 / 297 وهو أقرب. ثم قال: " وقوله في المذكر: ما ظهر لونه أي المقصود الأعظم منه ذلك " فلا ينافي أن الورد له رائعة ذكية، لكنها خفية، ولعل معنى كونها خفية أنها لا تنتشر لبعده كانتشار المسك. وقوله في المؤنث: ما خفي لونه أي الغالب لا ما يظهر لونه كالورد فإنه يتمتع برؤية لونه بخلاف المسك ". (2) حاشية الدسوقي 2 / 60 وقد وفق البناني بين تقسيم المالكية للطيب هنا وبين حديث: " خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه وخير طيب النساء، ما ظهر لونه وخفي ريحه ". أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه فقال: " والمتجه أن ما للفقهاء اصطلاح خاص بباب الحج والله أعلم " حاشية البناني 2 / 296. الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَمِنْ هُنَا قَالُوا: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِعْمَال الطِّيبِ فِي إِزَارِهِ، أَوْ رِدَائِهِ، وَجَمِيعِ ثِيَابِهِ، وَفِرَاشِهِ، وَنَعْلِهِ حَتَّى لَوْ عَلِقَ بِنَعْلِهِ طِيبٌ وَجَبَ أَنْ يُبَادِرَ لِنَزْعِهِ، وَلاَ يَضَعُ عَلَيْهِ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، أَوْ نَحْوُهُمَا مِنْ صَبْغٍ لَهُ طِيبٌ. كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لَهُ حَمْل طِيبٍ تَفُوحُ رَائِحَتُهُ، أَوْ شَدُّهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، كَالْمِسْكِ، بِخِلاَفِ شَدِّ عُودٍ أَوْ صَنْدَلٍ. أَمَّا الثَّوْبُ الَّذِي فِيهِ طِيبٌ قَبْل الإِْحْرَامِ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لُبْسُهُ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَطْيِيبُ ثَوْبِ الإِْحْرَامِ عِنْدَ إِرَادَةِ الإِْحْرَامِ. وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ فِي الثَّوْبِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، كَمَا لاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الْبَدَنِ اتِّفَاقًا، قِيَاسًا لِلثَّوْبِ عَلَى الْبَدَنِ، لَكِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَ الإِْحْرَامِ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى لُبْسِهِ مَا دَامَتِ الرَّائِحَةُ فِيهِ، بَل يُزِيل مِنْهُ الرَّائِحَةَ ثُمَّ يَلْبَسُهُ. تَطْيِيبُ الْبَدَنِ: 76 - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ اسْتِعْمَال الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ لِلتَّدَاوِي. وَلاَ يُخَضِّبُ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ جِسْمِهِ، وَلاَ يَغْسِلُهُ بِمَا فِيهِ طِيبٌ، وَمِنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْخِطْمِيُّ وَالْحِنَّاءُ، عَلَى مَا مَرَّ مِنَ الْخِلاَفِ فِيهِمَا. 77 - وَأَكْل الطِّيبِ الْخَالِصِ أَوْ شُرْبُهُ لاَ يَحِل لِلْمُحْرِمِ اتِّفَاقًا بَيْنَ الأَْئِمَّةِ. أَمَّا إِذَا خَلَطَ الطِّيبَ بِطَعَامٍ قَبْل الطَّبْخِ، وَطَبَخَهُ مَعَهُ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (1) . وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ مَطْبُوخٍ بَعْدَ طَبْخِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ. أَمَّا إِذَا خَلَطَهُ بِطَعَامٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ: فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ أَكْثَرَ فَلاَ شَيْءَ، وَلاَ فِدْيَةَ إِنْ لَمْ تُوجَدِ الرَّائِحَةُ، وَإِنْ وُجِدَتْ مَعَهُ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ أَكْثَرَ وَجَبَ فِي أَكْلِهِ الدَّمُ سَوَاءٌ ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ أَوْ لَمْ تَظْهَرْ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَكُل طَعَامٍ خُلِطَ بِطِيبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْبَخَ الطِّيبُ مَعَهُ فَهُوَ مَحْظُورٌ فِي كُل الصُّوَرِ، وَفِيهِ الْفِدَاءُ. أَمَّا إِنْ خَلَطَ الطِّيبَ بِمَشْرُوبٍ، كَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ، وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، قَلِيلاً كَانَ الطِّيبُ أَوْ كَثِيرًا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا خَلَطَ الطِّيبَ بِغَيْرِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ رِيحٌ وَلاَ طَعْمٌ، فَلاَ حُرْمَةَ وَلاَ فِدْيَةَ، وَإِلاَّ فَهُوَ حَرَامٌ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ. شَمُّ الطِّيبِ: 78 - شَمُّ الطِّيبِ دُونَ مَسٍّ يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ __________ (1) على التحقيق في مذهب المالكية. وفي قول يباح أن أماته. الطبخ أي استهلك في الطعام وذهبت عينه، بحيث لا يظهر منة إلا الريح. وبه أخذ الدردير في الشرح الكبير 2 / 61، والزرقاني في شرحه 2 / 299، وعزاه للحطاب فقارنه 3 / 160، وتحقيق المذهب ما ذكرنا من عدم اشتراط إماتته في الطبخ. انظر حاشية البناني على الزرقاني وحاشية الدسوقي 2 / 61، 62 وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ جَزَاءَ فِيهِ عِنْدَهُمْ (1) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: يَحْرُمُ تَعَمُّدُ شَمِّ الطِّيبِ، وَيَجِبُ فِيهِ الْفِدَاءُ، كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُتَطَيَّبُ بِشَمِّهِ. الصَّيْدُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ 79 - تَعْرِيفُ الصَّيْدِ لُغَةً: الصَّيْدُ لُغَةً: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى، الاِصْطِيَادِ، وَالْقَنْصِ، وَبِمَعْنَى الْمَصِيدِ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ دَاخِلٌ فِيمَا يُحْظَرُ بِالإِْحْرَامِ. تَعْرِيفُ الصَّيْدِ اصْطِلاَحًا: 80 - الصَّيْدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ الْمُمْتَنِعُ عَنْ أَخْذِهِ بِقَوَائِمِهِ، أَوْ جَنَاحَيْهِ، الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْل الْخِلْقَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (3) هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْل الْخِلْقَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (4) وَالْحَنَابِلَةِ (5) هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ الْمُتَوَحِّشُ الْمَأْكُول اللَّحْمِ. أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ: 81 - وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ: __________ (1) المسلك المتقسط ص 82 (2) المسلك المتقسط ص / 241 والدر المختار 2 / 291 (3) الزرقاني 2 / 311، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 72 (4) كما يؤخذ من النهاية 2 / 258، 259، وانظر المجموع 7 / 298 وفيه تفصيل للتعريف. (5) مطالب أولي النهى 2 / 333 وانظر المغني 3 / 506 وفيه قوله " ممتعا " أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (1) . وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (2) . وَكُلٌّ مِنْهُمَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي الْمَوْضُوعِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ أَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ، وَرَأَى حِمَارَ وَحْشٍ. وَفِي الْحَدِيثِ فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، فَقُلْتُ لأَِصْحَابِي - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - نَاوِلُونِي السَّوْطَ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ لاَ نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ، فَتَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَنَزَلُوا، فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، وَقَالُوا: أَنَأْكُل لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَْتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَل عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُل لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَال: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ قَال: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (3) . وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ قُدَامَةَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ إِجْمَاعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ (4) . __________ (1) سورة المائدة / 95 (2) سورة المائدة / 96 (3) البخاري 3 / 12، ومسلم 4 / 14 (4) المجموع 7 / 290، والمغني 3 / 309 إِبَاحَةُ صَيْدِ الْبَحْرِ: 82 - وَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ: فَحَلاَلٌ لِلْحَلاَل وَلِلْمُحْرِمِ بِالنَّصِّ، وَالإِْجْمَاعِ: أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (1) . وَالإِْجْمَاعُ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ (2) وَأَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ (3) . أَحْكَامُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ: 83 - يَشْمَل تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ أُمُورًا نُصَنِّفُهَا فِيمَا يَلِي: تَحْرِيمُ قَتْل الصَّيْدِ، لِصَرِيحِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. وَتَحْرِيمُ إِيذَاءِ الصَّيْدِ، أَوِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ: كَسْرُ قَوَائِمِ الصَّيْدِ، أَوْ كَسْرُ جَنَاحِهِ، أَوْ شَيُّ بَيْضِهِ أَوْ كَسْرُهُ، أَوْ نَتْفُ رِيشِهِ، أَوْ جَزُّ شَعْرِهِ، أَوْ تَنْفِيرُ الصَّيْدِ، أَوْ أَخْذُهُ، أَوْ دَوَامُ إِمْسَاكِهِ، أَوِ التَّسَبُّبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ (4) بِدَلِيل الآْيَةِ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} . وَالآْيَةُ تُفِيدُ تَحْرِيمَ سَائِرِ أَفْعَالِنَا فِي الصَّيْدِ فِي حَال الإِْحْرَامِ ". (5) وَالدَّلِيل مِنَ الْقِيَاسِ: " أَنَّ مَا مُنِعَ مِنْ إِتْلاَفِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ مُنِعَ مِنْ إِتْلاَفِ أَجْزَائِهِ، كَالآْدَمِيِّ، فَإِنْ __________ (1) سورة المائدة / 96 (2) المجموع 7 / 298 (3) أحكام القرآن 2 / 478، 479 (4) المسلك المتقسط ص 81، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 72، والمهذب والمجمع 7 / 299، والكافي 1 / 553 - 557 (5) أحكام القرآن. أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ. . . " (1) . وَلِلْقِيَاسِ عَلَى حَظْرِ تَنْفِيرِ صَيْدِ الْحَرَمِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا (2) فَإِذَا حَرُمَ تَنْفِيرُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ فِي الإِْحْرَامِ (3) 84 - وَتَحْرُمُ الْمُسَاعَدَةُ عَلَى الصَّيْدِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ: مِثْل الدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ، أَوِ الإِْشَارَةِ، أَوْ إِعَارَةِ سِكِّينٍ، أَوْ مُنَاوَلَةِ سَوْطٍ. وَكَذَا يَحْرُمُ الأَْمْرُ بِقَتْل الصَّيْدِ اتِّفَاقًا فِي ذَلِكَ (4) . وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ. تَحْرِيمُ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ: 85 - يَحْرُمُ تَمَلُّكُ الصَّيْدِ ابْتِدَاءً، بِأَيِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التَّمَلُّكِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، أَوْ شِرَاؤُهُ، أَوْ قَبُولُهُ هِبَةً، أَوْ وَصِيَّةً، أَوْ صَدَقَةً، أَوْ إِقَالَةً (5) . وَالدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ الآْيَةُ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} . __________ (1) المجموع شرح المهذب 7 / 295 (2) أخرجه الشيخان البخاري واللفظ له (فضل الحرم) 2 / 147، ومسلم (تحريم مكة) 4 / 109 (3) المهذب وشرحه 7 / 295 (4) المسلك المتقسط ص 81، والشرح الكبير بحاشيته 2 / 77، والمهذب وشرحه المجموع 7 / 295 - 296، 303، والمغني 3 / 309 - 310 (5) الهداية 2 / 283، والمسلك المتقسط ص 248، والمهذب والمجموع 7 / 310، 311،312، والشرح الكبير 2 / 73، والمغني 3 / 525، 526 قَال فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (1) . " أَضَافَ التَّحْرِيمَ إِلَى الْعَيْنِ، فَيَكُونُ سَاقِطَ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّهِ، كَالْخَمْرِ. وَأَنْتَ عَلِمْتَ أَنَّ إِضَافَةَ التَّحْرِيمِ إِلَى الْعَيْنِ تُفِيدُ مَنْعَ سَائِرِ الاِنْتِفَاعَاتِ ". وَيُسْتَدَل أَيْضًا مِنَ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارَ وَحْشٍ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَال: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (2) . وَيُسْتَدَل بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ (3) . تَحْرِيمُ الاِنْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ: 86 - يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْل لَحْمِهِ، وَحَلْبُهُ، وَأَكْل بَيْضِهِ، وَشَيُّهُ. وَذَلِكَ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ الَّتِي سَبَقَتْ فِي تَحْرِيمِ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ؛ وَلأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ فَرْعٌ مِنَ الْمِلْكِ، فَإِذَا حُرِّمَ الْمِلْكُ لَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ لأَِثَرِهِ. 87 - إِذَا صَادَ الْحَلاَل صَيْدًا فَهَل يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ؟ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ: الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: لاَ يَحِل لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدُ أَصْلاً، سَوَاءٌ أَمَرَ بِهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَعَانَ عَلَى صَيْدِهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَصَادَهُ الْحَلاَل لَهُ أَمْ لَمْ يَصِدْهُ لَهُ. وَهَذَا قَوْل طَائِفَةٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ __________ (1) الجامع لأحكام القرآن 6 / 321 (3) انظر الاستدلال به في المهذب والمجموع وتفسير القرطبي والمغني في المواضع السابقة. وبأتي تخريجه مفصلا. (1) . وَكَرِهَ ذَلِكَ طَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (2) . الْمَذْهَبُ الثَّانِي: مَا صَادَهُ الْحَلاَل لِلْمُحْرِمِ وَمِنْ أَجْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَصِدْهُ مِنْ أَجْل الْمُحْرِمِ بَل صَادَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَلاَلٍ آخَرَ فَلاَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، الْمَالِكِيَّةِ (3) وَالشَّافِعِيَّةِ (4) الْحَنَابِلَةِ (5) . وَهُوَ قَوْل إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَبِي ثَوْرٍ (6) . وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْبَابِ (7) . إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ هُوَ مَيْتَةٌ عَلَى كُل أَحَدٍ، الْمُحْرِمِ الْمَذْبُوحِ لَهُ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لِمُحْرِمٍ وَلَوْ غَيْرَهُ، وَأَكَل. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَأَكَل مِنْهُ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ. وَوَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي لُزُومِ الْجَزَاءِ، وَفَصَّلُوا فَأَوْجَبُوهُ كَامِلاً إِنْ أَكَلَهُ كُلَّهُ، وَقِسْطَهُ إِنْ أَكَل بَعْضَهُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ حَرَامًا إِلاَّ عَلَى مَنْ ذُبِحَ لَهُ. __________ (1) شرح مسلم للنووي 8 / 105 (2) المجموع 7 / 331، وتعليق ابن القيم على سنن أبي داود 2 / 364 ونسب لهؤلاء الثلاثة المنع، بينما نسب لهم في المجموع القول بالكراهة نقلا عن ابن المنذر. ويمكن أن يكون المراد من الكراهه ذلك، لأن السلف كانوا يستعملون الكراهة في التحريم. (3) شرح الزرقاني 2 / 317، 318، والشرح الكبير 2 / 78 (4) المهذب والمجموع 7 / 304، 307، 330، ونهاية المحتاج 2 / 466 (5) المغني لابن قدامة 3 / 311، 312، ومطالب أولي النهى 2 / 337 (6) تعليق ابن القيم 2 / 364، والمجموع 7 / 330. (7) تعليق ابن القيم الموضع السابق. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى مَا هُوَ الأَْصَحُّ الْجَدِيدُ فِي الْمَذْهَبِ - لاَ جَزَاءَ فِي الأَْكْل. وَلَمْ يُعَمِّمُوا الْحُرْمَةَ عَلَى غَيْرِ مَنْ صِيدَ لَهُ الصَّيْدُ (1) . الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل مِنَ الصَّيْدِ، مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، أَوْ تَكُونُ مِنْهُ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ أَوْ إِشَارَةٌ أَوْ دَلاَلَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (2) . وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: " كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُونَ: لِلْمُحْرِمِ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَبِهِ قَال أَصْحَابُ الرَّأْيِ (3) ". اسْتَدَل أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الأَْوَّل الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِ أَكْل لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا بِإِطْلاَقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا سَبَقَ (4) . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِأَنَّ مَا صَادَهُ الْحَلاَل يَحِل أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ بِشَرْطِ أَلاَّ يَكُونَ صِيدَ لأَِجْلِهِ بِأَدِلَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ فَقَدْ أَحَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُحْرِمِينَ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ أَيْضًا بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ __________ (1) المجموع 7 / 307، 308، ومراجع المذاهب السابقة أصحاب هذا الرأي. (2) الهداية 2 / 273، ولباب المناسك وشرحه المسلك المتقسط ص 254، وتنوير الأبصار وشرح الدر؟ ؟ ، وحاشية رد المحتار 2 / 301 (3) المجموع 7 / 330، وانظر تعليق ابن القيم 2 / 364 وفيه ذكر عثمان بن عفان نقلا عن ابن عبد البر. (4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 322 ط دار الكتب المصرية، وتفسير ابن كثير 2 / 103 - 104 وفيه تخريج الآثار التي ذكرناها كلها من أقوال الصحابة والتابعين. وتعليق ابن القيم 2 / 364 قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلاَلٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (1) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (2) . وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي سَنَدِهِ، لَكِنْ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ صِحَّتَهُ (3) . وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ - الْقَائِلُونَ: يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُل مِنْ صَيْدٍ صَادَهُ الْحَلاَل، وَذَبَحَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُحْرِمِ دَلاَلَةٌ وَلاَ أَمْرٌ لِلْحَلاَل بِهِ، وَإِنْ صَادَهُ الْحَلاَل لأَِجْل الْمُحْرِمِ - بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ وَالآْثَارِ. مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ، فِي صَيْدِهِ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ حَلاَلٌ وَأَكَل مِنْهُ الصَّحَابَةُ وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ (4) . وَجْهُ دَلاَلَةِ الْحَدِيثِ: " أَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُجِبْ بِحِلِّهِ لَهُمْ حَتَّى سَأَلَهُمْ عَنْ مَوَانِعِ الْحِل، أَكَانَتْ مَوْجُودَةً أَمْ لاَ؟ فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ. قَال: فَكُلُوا إِذَنْ ". فَلَوْ كَانَ مِنَ __________ (1) أبو داود 2 / 171 والترمذي (باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم) 3 / 203، 204، والنسائي (باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال 5 / 186، 187) وقوله " أو يصد لكم " في نسخة أبي داود والترمذي. وفي مختصر المنذري لأبي داود وعند النسائي " أو يصاد " بإثبات الألف. قال النووي في المجموع 7 / 305 " هكذا الرواية فيه يصاد " بالألف، وهو جائز على لغة، ومنه قوله تعالى: " أنه من يتقي ويصبر " على قراءة من قرأ بالياء. (2) في المستدرك: على شرط الشيخين 1 / 452 ووافقه الذهبي. (3) المجموع 7 / 304، 305 (4) كما في رواية البخاري 9 / 547 الْمَوَانِعِ أَنْ يُصَادَ لَهُمْ لَنَظَمَهُ فِي سِلْكِ مَا يُسْأَل عَنْهُ مِنْهَا فِي التَّفَحُّصِ عَنِ الْمَوَانِعِ، لِيُجِيبَ بِالْحُكْمِ عِنْدَ خُلُوِّهِ مِنْهَا. وَهَذَا الْمَعْنَى كَالصَّرِيحِ فِي نَفْيِ كَوْنِ الاِصْطِيَادِ لِلْمُحْرِمِ مَانِعًا، فَيُعَارِضُ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، لِقُوَّةِ ثُبُوتِهِ (1) . صَيْدُ الْحَرَمِ: 88 - الْمُرَادُ بِالْحَرَمِ هُنَا مَكَّةُ وَالْمِنْطَقَةُ الْمُحَرَّمَةُ الْمُحِيطَةُ بِهَا. وَلِلْحَرَمِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ، مِنْهَا تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلَى الْحَلاَل كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَيْضًا، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (2) . فَقَرَّرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْحَلاَل فِي الْحَرَمِ أَحْكَامًا نَحْوَ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ (3) ، وَتَفَرَّعَتْ لِذَلِكَ فُرُوعٌ فِي الْمَذَاهِبِ لاَ نُطِيل بِبَسْطِهَا (ر: حَرَمٌ.) مَا يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ قَتْل الصَّيْدِ: 89 - أ - اتُّفِقَ عَلَى جَوَازِ قَتْل الْحَيَوَانَاتِ التَّالِيَةِ __________ (1) فتح القدير 2 / 274 (2) البخاري واللفظ له وباب فضل الحرم) 2 / 147، ومسلم (باب تحريم مكة) 4 / 109 (3) الهداية وشروحها 2 / 274 ولباب المناسك وشرحه 249 - 252، والدر المختار وحاشيته 2 / 297 - 309، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 71 وما بعد، وشرح الزرقاني 2 / 310 وما بعد، ومواهب الجليل 3 / 170 وما بعد، والمهذب وشرحه 7 / 423 - 429، ونهاية المحتاج 2 / 459 وما بعد، والمغني 3 / 344 - 349، ومطالب أولي النهى 2 / 375 - 377، 341 - 344 فِي الْحِل وَالْحَرَمِ، لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ ابْتَدَأَتْ بِأَذًى أَوْ لاَ، وَلاَ جَزَاءَ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا - وَهِيَ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالذِّئْبُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ فِي إِبَاحَةِ قَتْلِهَا: رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) . وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْغُرَابِ فِي الْحَدِيثِ مُطْلَقًا، وَمُقَيَّدًا، فَفَسَّرُوهُ بِالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ الَّذِي يَأْكُل الْجِيَفَ. قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (2) : " اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِخْرَاجِ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُل الْحَبَّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقَال لَهُ: غُرَابُ الزَّرْعِ ". اهـ. يَعْنِي أَنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي إِبَاحَةِ قَتْل الصَّيْدِ، بَل يَحْرُمُ صَيْدُهُ (3) . إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَصَلُّوا فَقَالُوا: يَجُوزُ قَتْل الْفَأْرَةِ __________ (1) البخاري (باب ما يقتل المحرم من الدواب) 3 / 13، ومسلم (باب ما يندب للمحرم وغيره قتله) 4 / 19، والموطأ 1 / 258، وأبو داود 2 / 169، 170 من طريق الزهري عن سالم عن أبيه بنحوه، والنسائي من طريق مالك 5 / 187، 188، وابن ماجه ص 1031 من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. (2) وقد تقصى الحافظ ابن حجر في الفتح ما ورد زيادة على الخمس: الذئب والنمر والحية والأفعى، وهي داخلة في الحية، والذئب والنمر وردا معا تفسيرا من بعض الرواة للكلب العقور. وقد قال الحافظ: " ولا يخلو شيء من ذلك من مقال والله أعلم ". وقد عرفت صحة ورود الحية، وقوة حديث الذئب، فانظر وتأمل. وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ مُطْلَقًا، صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، بَدَأَتْ بِالأَْذِيَّةِ أَمْ لاَ. وَأَمَّا الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ فَفِي قَتْل صَغِيرِهِمَا - وَهُوَ مَا لَمْ يَصِل لِحَدِّ الإِْيذَاءِ - خِلاَفٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: قَوْلٌ بِالْجَوَازِ نَظَرًا لِلَفْظِ " غُرَابٍ " الْوَاقِعِ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ يَصْدُقُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ: وَقَوْلٌ بِالْمَنْعِ نَظَرًا لِلْعِلَّةِ فِي جَوَازِ الْقَتْل، وَهِيَ الإِْيذَاءُ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي الصَّغِيرِ. وَعَلَى الْقَوْل بِالْمَنْعِ، فَلاَ جَزَاءَ فِيهِ، مُرَاعَاةً لِلْقَوْل الآْخَرِ. ثُمَّ قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ شَرْطًا لِجَوَازِ قَتْل مَا يَقْبَل التَّذْكِيَةَ، كَالْغُرَابِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالذِّئْبِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الذَّكَاةِ، بَل لِدَفْعِ شَرِّهَا، فَإِنْ قُتِل بِقَصْدِ الذَّكَاةِ، فَلاَ يَجُوزُ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ (1) . 90 - ب - يَجُوزُ قَتْل كُل مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ مِمَّا لَمْ تَنُصَّ عَلَيْهِ الأَْحَادِيثُ، مِثْل الأَْسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالْفَهْدِ، وَسَائِرِ السِّبَاعِ. بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِإِطْلاَقٍ دُونَ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ. وَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ فِيمَا سَبَقَ اسْتِحْبَابُ قَتْل تِلْكَ الْمُؤْذِيَاتِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمُ التَّفْصِيل السَّابِقُ بِالنِّسْبَةِ لِلْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَاشْتِرَاطُ عَدَمِ قَصْدِ الذَّكَاةِ بِقَتْلِهَا. وَاشْتَرَطُوا فِي الطَّيْرِ الَّذِي لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ أَنْ يَخَافَ مِنْهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: السِّبَاعُ وَنَحْوُهَا كَالْبَازِيِّ وَالصَّقْرِ، مُعَلَّمًا وَغَيْرَ مُعَلَّمٍ، صُيُودٌ لاَ يَحِل قَتْلُهَا (2) . إِلاَّ __________ (1) هذا الشرط عند المالكية تبع لمذهبهم في إباحة أكل كل ما لم ينص القرآن على تحريمه، وعندهم في ذلك رواية بالكراهة، ورواية بالحرمة. ر: أطعمة. (2) إلا الكلب. والذئب فليسا صيدا عند الحنفية كما بين في رد المحتار 2 / 301 إِذَا صَالَتْ عَلَى الْمُحْرِمِ، فَإِنْ صَالَتْ جَازَ لَهُ قَتْلُهَا وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ جَوَازُ قَتْلِهَا مُطْلَقًا. اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى تَعْمِيمِ الْحُكْمِ فِي كُل مُؤْذٍ بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: يَقْتُل الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ وَالْغُرَابَ. . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (1) . وَقَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ، قَالُوا: الْمُحْرِمُ يَقْتُل السَّبُعَ الْعَادِيَ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مِنَ الأَْمْرِ بِقَتْل " الْكَلْبِ الْعَقُورِ ". قَال الإِْمَامُ مَالِكٌ: " إِنَّ كُل مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافَهُمْ مِثْل الأَْسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالْفَهْدِ، وَالذِّئْبِ، فَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ (2) ". 91 - ج - أَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا يُقْتَل فِي الْحَرَمِ وَالإِْحْرَامِ كُل مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ. الْهَوَامُّ وَالْحَشَرَاتُ (3) : 92 - د - لاَ تَدْخُل الْهَوَامُّ وَالْحَشَرَاتُ فِي تَحْرِيمِ __________ (1) أبو داود (باب ما يقتل المحرم من الدواب) 2 / 170 والترمذي 3 / 198، وابن ماجه 1032 (2) الموطأ 1 / 259 (3) الهوام: جمع هامة، وهي كل حيوان ذي سم، وقد تطلق على مؤذ ليس له سم كالقملة، والحشرات: جمع حشرة، وهي صغار دواب الأرض. الصَّيْدِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَلأَِنَّهَا لَيْسَتْ مُمْتَنِعَةً، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الصَّيْدِ أَنَّهُ الْمُمْتَنِعُ. وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ جَزَاءَ فِي قَتْلِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لَكِنْ لاَ يَحِل عِنْدَهُمْ قَتْل مَا لاَ يُؤْذِي، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْجَزَاءُ (1) . وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَلاَ تَدْخُل فِي الصَّيْدِ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَأْكُولاً. وَهَذِهِ غَيْرُ مَأْكُولَةٍ، وَقَدْ عَرَفْتَ تَفْصِيل حُكْمِهَا عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يُحْظَرُ قَتْل مَا لاَ يُؤْذِي مِنَ الْحَشَرَاتِ بِالإِْحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ عِنْدَهُمْ. لَكِنْ قَالُوا فِي الْوَزَغِ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ، وَيَجُوزُ لِلْحَلاَل قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ، " إِذْ لَوْ تَرَكَهَا الْحَلاَل بِالْحَرَمِ لَكَثُرَتْ فِي الْبُيُوتِ وَحَصَل مِنْهَا الضَّرَرُ (2) ". __________ (1) عباراتهم هنا خاصة بالنمل، لكن قال في رد المحتار 2 / 300، 301. " وهذا الحكم عام في كل ما لا يؤذي، كما صرحوا به في غير موضع " اهـ. وهذا مسرد للهوام والحشرات التي لا جزاء في قتلها، كما أوردها في اللباب وشرحه: الخنفساء، الجعلان، أم حبين، صياح الليل، ال (2) انظر هذه الأحكام في الهداية وشروحها 2 / 266، 271، وفي لباب المناسك وشرحه المسلك المتقسط 252، 253، وتنوير الأبصار وشرحه وحاشية رد المحتار 2 / 300، 301، ومواهب الجليل 3 / 173، 174، وشرح الزرقاني 2 / 312 - 314، والشرح الكبير، وحاشيته 2 / 74، والمهذب والمجموع 4 / 320 - 323، وشرح المنهاج للمحلي بحاشيته 2 / 137، 138 ونهاية المحتاج 2 / 459، والمغني 3 / 341 - 343 ومطالب أولي النهى 2 / 333، 342، 343 الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ: 93 - يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ الْفِعْلِيَّةُ أَوِ الْقَوْلِيَّةُ وَقَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِأَيِّ طَرِيقٍ. وَالْجِمَاعُ أَشَدُّ الْمَحْظُورَاتِ حَظْرًا؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ النُّسُكِ. وَالدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ} . فُسِّرَ الرَّفَثُ بِأَنَّهُ مَا قِيل عِنْدَ النِّسَاءِ مِنْ ذِكْرِ الْجِمَاعِ وَقَوْل الْفُحْشِ. وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1) فَتَكُونُ الآْيَةُ دَلِيلاً عَلَى تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِطَرِيقِ دَلاَلَةِ النَّصِّ، أَيْ مِنْ بَابِ الأَْوْلَى؛ لأَِنَّهُ إِذَا حَرُمَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، كَانَ تَحْرِيمُهُ مَعْلُومًا بِطَرِيقِ الأَْوْلَى. وَفُسِّرَ الرَّفَثُ أَيْضًا بِذِكْرِ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، الرِّجَال وَالنِّسَاءُ إِذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ. وَنُقِل ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَبَعْضِ التَّابِعِينَ. فَتَدُل الآْيَةُ عَلَى حُرْمَةِ الْجِمَاعِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِهَا. كَمَا فُسِّرَ بِالْجِمَاعِ أَيْضًا، وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، فَتَكُونُ الآْيَةُ نَصًّا فِيهِ (2) . __________ (1) أخرجه ابن جرير عنه من أكثر من وجه. وانظر تفسير ابن كثير 1 / 237 (2) انظر تخريج هذه الأقوال وعزوها إلى قائليها في تفسير ابن كثير 1 / 236، 237 الْفُسُوقُ وَالْجِدَال: 94 - الْفُسُوقُ: هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ. وَهُوَ حَرَامٌ فِي كُل حَالٍ، وَفِي حَال الإِْحْرَامِ آكَدُ وَأَغْلَظُ، لِذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ: {وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ} . (1) وَقَدِ اخْتَارَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الآْيَةِ إِتْيَانُ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَالصَّوَابُ، لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ اسْتِعْمَال الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالشَّرْعِ لِكَلِمَةِ الْفِسْقِ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ عَنِ الطَّاعَةِ. وَالْجِدَال: الْمُخَاصَمَةُ. وَقَدْ قَال جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ. وَهَذَا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُل مَسَاوِئِ الأَْخْلاَقِ وَالْمُعَامَلاَتِ. لَكِنْ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لاَ يَدْخُل فِي حَظْرِ الْجِدَال. الْفَصْل السَّادِسُ مَكْرُوهَاتُ الإِْحْرَامِ 95 - وَهِيَ أُمُورٌ يَكُونُ فَاعِلُهَا مُسِيئًا، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ لَوْ فَعَلَهَا. وَفِي بَيَانِهَا تَنْبِيهٌ هَامٌّ، وَإِزَاحَةٌ لِمَا قَدْ يَقَعُ مِنَ اشْتِبَاهٍ. 96 - فَمِنْهَا غَسْل الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ وَاللِّحْيَةِ بِالسِّدْرِ وَنَحْوِهِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ يَقْتُل الْهَوَامَّ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ (2) 97 - وَمَشْطُ الرَّأْسِ بِقُوَّةٍ، وَحَكُّهُ، وَكَذَا حَكُّ __________ (1) سورة البقرة / 197 (2) شرح اللباب ص 82 الْجَسَدِ حَكًّا شَدِيدًا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّعْرِ أَوْ نَتْفِهِ. أَمَّا لَوْ فَعَل ذَلِكَ بِرِفْقٍ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، لِذَلِكَ قَالُوا: يَحُكُّ بِبُطُونِ أَنَامِلِهِ (1) . قَال النَّوَوِيُّ: " وَأَمَّا حَكُّ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ فَلاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي إِبَاحَتِهِ بَل هُوَ جَائِزٌ (2) ". 98 - وَالتَّزَيُّنُ، صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَعِبَارَاتُ غَيْرِهِمْ تَدُل عَلَيْهِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الاِكْتِحَال بِكُحْلٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ لِقَصْدِ الزِّينَةِ إِنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنِ اكْتَحَل لاَ لِقَصْدِ الزِّينَةِ بِكُحْلٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ بَل لِلتَّدَاوِي أَوْ لِتَقْوِيَةِ الْبَاصِرَةِ فَمُبَاحٌ (3) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالاِكْتِحَال بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ مَحْظُورٌ عِنْدَهُمْ، وَفِيهِ الْفِدَاءُ، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ فَلاَ فِدَاءَ فِيهِ (4) . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (5) وَالْحَنَابِلَةِ (6) الاِكْتِحَال بِمَا لاَ طِيبَ فِيهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِينَةٌ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ، كَالْكُحْل الأَْبْيَضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِينَةٌ كَالإِْثْمِدِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ فِدْيَةٌ. فَإِنِ اكْتَحَل بِمَا فِيهِ زِينَةٌ لِحَاجَةٍ كَالرَّمَدِ فَلاَ كَرَاهَةَ. أَمَّا الاِكْتِحَال بِكُحْلٍ مُطَيِّبٍ فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ اتِّفَاقًا عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاءِ. مَا يُبَاحُ فِي الإِْحْرَامِ 99 - الأُْمُورُ الَّتِي تُبَاحُ فِي الإِْحْرَامِ كُل مَا لَيْسَ __________ (1) المسلك المتقسط شرح اللباب ص 82 - 84 (2) المجموع 7 / 253 (3) المسلك المتقسط ص 82، 83 (4) متن خليل والشرح الكبير وحاشيته 2 / 61 (5) المجموع 7 / 283، ونهاية المحتاج 2 / 454 (6) الكافي 1 / 559، ومطالب أولي النهى 2 / 353 مَحْظُورًا وَلاَ مَكْرُوهًا، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ. وَنَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي: 100 - الاِغْتِسَال بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَمَاءِ الصَّابُونِ وَنَحْوِهِ (1) . 101 - وَلُبْسُ الْخَاتَمِ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) أَوِ الشَّافِعِيَّةِ (3) وَالْحَنَابِلَةِ (4) لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ. وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (5) لِلرَّجُل الْمُحْرِمِ لُبْسُ الْخَاتَمِ، وَفِيهِ الْفِدَاءُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَيَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْمُحِيطِ لِسَائِرِ أَعْضَائِهَا، مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ، وَمَا عَدَا الْوَجْهَ فَقَطْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (6) . وَشَدُّ الْهِمْيَانِ وَالْمِنْطَقَةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (7) بِإِطْلاَقٍ وَكَذَا الشَّافِعِيَّةُ (8) . وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ (9) وَالْحَنَابِلَةُ (10) إِبَاحَةَ شَدِّهِمَا بِالْحَاجَةِ لِنَفَقَتِهِ. 102 - وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ مُبَاحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (11) __________ (1) عبر الحنفية هنا بـ " ماء الصابون " خلافا لعبارتهم في المكروهات " بالصابون. . . " كما وقع في المسلك المتقسط ص 83، فأفاد أن الماء الذي ذاب فيه الصابون لا كراهة فيه. (2) المسلك المتقسط ص 83 (3) المجموع 7 / 260، ونهاية المحتاج 2 / 449 (4) مطالب أولي النهى 2 / 353 (5) الشرح الكبير 2 / 55 (6) لما سبق من الخلاف في وجوب كشف المرأة للكفين وقول الحنفية بعدمه (ف. . .) (7) المسلك المتقسط ص 83 (8) المجموع 7 / 260، ونهاية المحتاج 2 / 449 (9) الشرح الكبير، وحاشيته 2 / 58، 59 (10) مطالب أولي النهى 2 / 330 (11) المسلك المتقسط ص 83 وَالشَّافِعِيَّةِ (1) مُطْلَقًا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (2) جَائِزٌ لِحَاجَةٍ لاَ لِزِينَةٍ، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ (3) فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمُ النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ، خِيفَةَ أَنْ يَرَى شُعْثًا فَيُزِيلَهُ. 103 - وَالسِّوَاكُ نَصَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ الْحَنَفِيَّةُ (4) وَلَيْسَ هُوَ مَحَل خِلاَفٍ. 104 - وَنَزْعُ الظُّفُرِ الْمَكْسُورِ مُبَاحٌ بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ (5) ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَلاَّ يُجَاوِزَ الْقِسْمَ الْمَكْسُورَ، وَهَذَا لاَ يُخْتَلَفُ فِيهِ. 105 - وَالْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ بِلاَ نَزْعِ شَعْرٍ جَائِزَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. وَمِثْلُهُمَا الْخِتَانُ. لَكِنْ تَحَفَّظَ الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَصْدِ، فَقَالُوا: يَجُوزُ الْفَصْدُ لِحَاجَةٍ إِنْ لَمْ يَعْصِبِ الْعُضْوَ الْمَفْصُودَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ لِلْفَصْدِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ عَصَبَهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ (6) . 106 - وَالاِرْتِدَاءُ وَالاِتِّزَارُ بِمَخِيطٍ أَوْ مُحِيطٍ أَيْ أَنْ يَجْعَل الثَّوْبَ الْمَخِيطَ أَوِ الْمُحِيطَ رِدَاءً أَوْ إِزَارًا، دُونَ لُبْسٍ. وَكَذَا إِلْقَاؤُهُ عَلَى جِسْمِهِ كُل ذَلِكَ مُبَاحٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا (7) . 107 - وَذَبْحُ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَْهْلِيَّةِ __________ (1) نهاية المحتاج 2 / 452 (2) مطالب أولي النهى 2 / 354 (3) الشرح الكبير مع حاشيته 2 / 60 (4) المسلك المتقسط ص 83. (5) المرجع السابق ص 84، ومطالب أولي النهى 2 / 325، ونهاية المحتاج 2 / 456، والشرح الكبير 2 / 56 (6) تنوير الأبصار 2 / 225، والشرح الكبير 2 / 58، 60، ونهاية المحتاج 2 / 454، والكافي 1 / 560 (7) المسلك المتقسط ص 84، والشرح الكبير 2 / 56، والمجموع 7 / 260، والمطالب 2 / 330 مُبَاحٌ وَذَلِكَ لأَِنَّهَا لاَ تَدْخُل فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ وَلاَ مُحَرَّمَاتِ الإِْحْرَامِ بِاتِّفَاقِهِمْ. الْفَصْل السَّابِعُ فِي سُنَنِ الإِْحْرَامِ وَهِيَ أُمُورٌ يُثَابُ فَاعِلُهَا، وَيَكُونُ تَارِكُهَا مُسِيئًا وَلاَ يَلْزَمُهُ بِالتَّرْكِ شَيْءٌ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ: أَوَّلاً: الاِغْتِسَال: 108 - وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ (1) لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الأَْحَادِيثِ، كَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجَرَّدَ لإِِهْلاَلِهِ وَاغْتَسَل. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (2) . وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْغُسْل سُنَّةٌ لِكُل مُحْرِمٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَيُطْلَبُ أَيْضًا مِنَ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي حَال الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِل وَتُحْرِمُ وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ (3) . __________ (1) وأما تعبير ابن قدامة في المغني والكافي بالاستحباب فالمراد به السنة كما يدل عليه سياق كلامه وشرحه له. وقد صرح في مطالب أولي النهى بالسنية. (2) أبو داود (باب الحائض تهل بالحج) 2 / 144 الترمذي (باب ما تقضي الحائض من المناسك) 3 / 282 وقال: " حديث حسن غريب من هذا الوجه " والنصوص وإن جاءت بصيغة الأمر لكنه محمول على السنية قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم كل أن الإحرام بغير غسل جائز. قال وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي ع المجموع 7 / 213، وانظر المغني 7 / 271، 272 (3) أبو داود (باب الحائض تهل بالحج) 2 / 144 الترمذي (باب ما تقضي الحائض من المناسك) 3 / 282 وقال: " حديث حسن غريب من هذا الوجه " والنصوص وإن جاءت بصيغة الأمر لكنه محمول على السنية قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم كل أن الإحرام بغير غسل جائز. قال وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي ع المجموع 7 / 213، وانظر المغني 7 / 271، 272 وَوَقْتُ هَذَا الاِغْتِسَال مُوَسَّعٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَثَمَرَةُ الْخِلاَفِ أَنَّهُ لَوِ اغْتَسَل ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأَ يَنَال فَضِيلَةَ السُّنَّةِ، وَلاَ يَضُرُّهُ ذَلِكَ. وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْغُسْل بِغُسْل الْجُمُعَةِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ مُوَسَّعٌ، كَمَا هُوَ حُكْمُ غُسْل الْجُمُعَةِ (1) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَيَّدُوا سُنِّيَّةَ الْغُسْل بِأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً بِالإِْحْرَامِ. ثَانِيًا: التَّطَيُّبُ: 109 - وَهُوَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، لَكِنَّهُ سُنَّ اسْتِعْدَادًا لِلإِْحْرَامِ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ (2) . التَّطَيُّبُ فِي الْبَدَنِ: 110 - وَدَلِيل سُنِّيَّتِهِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِِحْرَامِهِ قَبْل أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْضًا قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ __________ (1) ووقت غسل الجمعة عند الشافعية يبدأ من الفجر، لكن تقريبه من ذهابه إلى الجمعة أفضل. انظر نهاية المحتاج 2 / 62 (2) بداية المجتهد 1 / 338 ط مصطفى الحلبي. إِلَى وَبِيصِ (1) الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (2) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ التَّطَيُّبِ بِمَا يَبْقَى جِرْمُهُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، لِتَصْرِيحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّانِي. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَحَظَرُوا بَقَاءَ جِرْمِ الطِّيبِ وَلَمْ يُجَوِّزُوا بَقَاءَ رَائِحَتِهِ. التَّطَيُّبُ فِي ثَوْبِ الإِْحْرَامِ: 111 - أَمَّا تَطْيِيبُ الثَّوْبِ قَبْل الإِْحْرَامِ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ. فَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الثَّوْبِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، كَمَا لاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الْبَدَنِ اتِّفَاقًا، قِيَاسًا لِلثَّوْبِ عَلَى الْبَدَنِ. لَكِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَ الإِْحْرَامِ. أَوْ سَقَطَ عَنْهُ. فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى لُبْسِهِ مَا دَامَتِ الرَّائِحَةُ فِيهِ، بَل يُزِيل مِنْهُ الرَّائِحَةَ ثُمَّ يَلْبَسُهُ (3) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّطَيُّبِ فِي الثَّوْبِ لِلإِْحْرَامِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَ إِحْرَامٍ مُطَيَّبًا (4) لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَعْمِلاً لِلطِّيبِ فِي إِحْرَامِهِ بِاسْتِعْمَال __________ (1) الوبيص: البريق واللمعان. (2) البخاري (باب الطيب عند الإحرام) 2 / 136 - 137، ومسلم 4 / 10 - 11، وأبو داود 2 / 144 - 145، والنسائي 5 / 136 - 141 وابن ماجه ص 976، وأخرج الترمذي الحديث الأول فقط (باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة) 3 / 259 (3) كما بينه قي المجمع 7 / 220، 221 وأقره في نهاية المحتاج 2 / 399 (4) وأما قول اللباب وشرحه ص 68 " والأولى أن لا يطيب ثيابه. . . " فخلاف ما هو مقرر في مراجع المذهب الحنفي، وفي باقي كلامه قلق يعرف من مراجعته. الثَّوْبِ، وَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَطَيَّبَ قَبْل الإِْحْرَامِ يَجِبُ إِزَالَتُهُ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَدَنُهُ أَوْ ثَوْبُهُ، فَإِنْ بَقِيَ فِي الْبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ شَيْءٌ مِنْ جِرْمِ الطِّيبِ الَّذِي تَطَيَّبَ بِهِ قَبْل الإِْحْرَامِ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْبَاقِي فِي الثَّوْبِ رَائِحَتَهُ، فَلاَ يَجِبُ نَزْعُ الثَّوْبِ لَكِنْ يُكْرَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلاَ فِدْيَةَ. وَأَمَّا اللَّوْنُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الأَْثَرِ الْيَسِيرِ، وَأَمَّا الأَْثَرُ الْكَثِيرُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ. اسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَال: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) . فَاسْتِدْلاَلُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِحَظْرِ الطِّيبِ فِي الإِْحْرَامِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ. ثَالِثًا: صَلاَةُ الإِْحْرَامِ: 112 - يُسَنُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَبْل __________ (1) البخاري (باب غسل الخلوق) 2 / 136، ومسلم في أول الحج 4 / 503 وأبو داود (باب الرجل يحرم في ثيابه) 2 / 164، 165 والترمذي مختصرا (باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة) 3 / 196، 197 والنسائي (الخلوق للمحرم) 5 / 142، 143 والموطأ مختصرا 1 / 241. وقوله: " اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك " أي من اجتناب محظورات الإحرام، كما حقق في فتح الباري 3 / 253، 254 خلافا لما كان عليه الجاهلون من التساهل في إحرام العمرة. الإِْحْرَامِ بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَعَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (1) . وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، اتِّفَاقًا بَيْنَ الأَْئِمَّةِ، إِلاَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَرَمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِمَا وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ عِنْدَهُمْ (2) . وَتُجْزِئُ الصَّلاَةُ الْمَكْتُوبَةُ عَنْ سُنَّةِ الإِْحْرَامِ اتِّفَاقًا كَذَلِكَ، كَمَا فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. رَابِعًا: التَّلْبِيَةُ: 113 - التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ فِي الإِْحْرَامِ مُتَّفَقٌ عَلَى سُنِّيَّتِهَا إِجْمَالاً، فِيمَا عَدَا الْخِلاَفَ فِي حُكْمِ قَرْنِهَا بِالنِّيَّةِ هَل هِيَ فَرْضٌ فِي الإِْحْرَامِ مَعَ النِّيَّةِ، أَوْ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ (فَ. . .) فَاتَّفَقُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى سُنِّيَّتِهَا لِلْمُحْرِمِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْكْثَارِ مِنْهَا، وَسُنِّيَّةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا. 114 - وَالأَْفْضَل أَنْ يُلَبِّيَ عَقِبَ صَلاَةِ الإِْحْرَامِ نَاوِيًا الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، عَلَى مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ - وَهُوَ الأَْصَحُّ - يُلَبِّي إِذَا رَكِبَ. وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ لِوُرُودِ الرِّوَايَةِ بِهِ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَل حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (3) . 115 - وَأَمَّا انْتِهَاءُ التَّلْبِيَةِ: فَهُوَ لِلْحَاجِّ ابْتِدَاءُ رَمْيِ __________ (1) البخاري (باب من أهل حين استوت به راحلته) 1 / 139، ومسلم 4 / 9 جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (1) وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَقْطَعُهَا عِنْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِلاِشْتِغَال بِالأَْذْكَارِ وَالأَْدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ فِيهَا. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ: الأَْوَّل: يَسْتَمِرُّ فِي التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَّةَ، فَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، ثُمَّ يُعَاوِدُهَا حَتَّى تَزُول الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحَ إِلَى مُصَلاَّهَا. الثَّانِي: يَسْتَمِرُّ فِي التَّلْبِيَةِ حَتَّى الاِبْتِدَاءِ بِالطَّوَافِ وَالشُّرُوعِ فِيهِ. 116 - وَأَمَّا تَلْبِيَةُ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا تَنْتَهِي بِبَدْءِ الطَّوَافِ بِاسْتِلاَمِ الرُّكْنِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُعْتَمِرُ الآْفَاقِيُّ يُلَبِّي حَتَّى الْحَرَمِ، لاَ إِلَى رُؤْيَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَالْمُعْتَمِرُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ يُلَبِّي إِلَى دُخُول بُيُوتِ مَكَّةَ، لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ. يَدُل لِلْجُمْهُورِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (2) . __________ (1) إلا أن الشافعية قالوا يقطع التلبية لابتداء الرمي، أو غيره مما يتحلل به من الإحرام عندهم. (2) أبو داود (باب متى يقطع المعتمر التلبية) 2 / 163، والترمذي 3 / 261، واللفظ لأبي داود، ولفظه عند الترمذي: أنه كان يمسك عن التلبية. . حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر أبو داود سندا يخالف راوي الرفع ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس، قال: رواه عبد الملك بن أبي سليمان، وهمام، عن عطاء عن ابن عباس موقوفا " قلنا: وهذان يرجحان على ابن (انظر المغني في الضعفاء رقم 5723) وَاسْتَدَل مَالِكٌ (1) بِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْمَنَاسِكِ قَال: وَكَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَل الْحَرَمَ (2) . كَيْفِيَّةُ الإِْحْرَامِ الْمُسْتَحَبَّةُ: 117 - مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا مَعًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِزَالَةُ التَّفَثِ عَنْ جِسْمِهِ، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ عَلَى الصُّورَةِ الْمَأْلُوفَةِ الَّتِي لاَ تَتَنَافَى مَعَ الشَّرِيعَةِ وَآدَابِهَا، وَأَنْ يَغْتَسِل بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ، وَإِذَا كَانَ جُنُبًا فَيَكْفِيهِ غُسْلٌ وَاحِدٌ بِنِيَّةِ إِزَالَةِ الْجَنَابَةِ وَالإِْحْرَامِ، وَأَنْ يَتَطَيَّبَ. وَالأَْوْلَى أَنْ يَتَطَيَّبَ بِطِيبٍ لاَ يَبْقَى جِرْمُهُ، عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ السَّابِقِ، ثُمَّ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ، عَلَى أَلاَّ يَكُونَا مَصْبُوغَيْنِ بِصَبْغٍ لَهُ رَائِحَةٌ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَلْبَسُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهَا إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا. ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ. فَإِذَا أَتَمَّهُمَا نَوَى بِقَلْبِهِ وَقَال بِلِسَانِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي، وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. ثُمَّ يُلَبِّي. وَإِذَا كَانَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَيَسِّرْهَا لِي، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي. ثُمَّ يُلَبِّي. __________ (1) الموطأ 1 / 247 (2) انظر بحث التلبية في الهداية وفتح القدير 2 / 136، والمسلك المتقسط 70، 71، وشرح الرسالة 1 / 459، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 39، 40، وشرح المنهاج 2 / 99، ونهاية المحتاج 2 / 401، والمغني 3 / 275، والكافي 1 / 541، ومطالب أولي النهى 2 / 321، وانظر قطع التلبية في الهداية وشرحها 2 / 175، ورد المحتار 2 / 246، ونهاية المحتاج 2 / 401، 402، 426، والمغني 3 / 401 - 431، والكافي 1 / 602، ومطالب أولي النهى 2 / 424 وَإِذَا كَانَ قَارِنًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ ذِكْرَ الْعُمْرَةِ عَلَى ذِكْرِ الْحَجِّ حَتَّى لاَ يُشْتَبَهَ أَنَّهُ أَدْخَل الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ. وَيَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. . . إِلَخْ، وَيُلَبِّي. فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا، وَتَجْرِي عَلَيْهِ. أَحْكَامُ الإِْحْرَامِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا. وَإِذَا كَانَ يُؤَدِّي الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عَنْ غَيْرِهِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. وَيُسَنُّ لَهُ الإِْكْثَارُ مِنَ التَّلْبِيَةِ. وَأَفْضَل صِيَغِهَا الصِّيغَةُ الْمَأْثُورَةُ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ، لاَ شَرِيكَ لَكَ ". وَيُسْتَحَبُّ أَلاَّ يَنْقُصَ مِنْهَا (1) . قَال الطَّحَاوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ: " أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ ". وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى التَّلْبِيَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمَأْثُورِ فَمُسْتَحَبٌّ. وَمَا لَيْسَ مَرْوِيًّا فَجَائِزٌ أَوْ حَسَنٌ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ر: تَلْبِيَةٌ) مُوجِبُ الإِْحْرَامِ: 118 - إِذَا أَحْرَمَ شَخْصٌ بِنُسُكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ وَلَوْ كَانَ نَفْلاً فِي الأَْصْل. وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِعْلُهُ. وَلاَ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ إِلاَّ بَعْدَ أَدَاءِ هَذَا النُّسُكِ، عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ. وَيَتَّصِل بِهَذَا بَيَانُ أَحْكَامِ مَا يُبْطِل الْحَجَّ وَمَا يُفْسِدُهُ وَمَا يَمْنَعُ الْمُضِيَّ فِيهِ. 119 - أَمَّا مَا يُبْطِلُهُ فَهُوَ الرِّدَّةُ، فَإِذَا ارْتَدَّ بَطَل نُسُكُهُ وَلاَ يَمْضِي فِيهِ. __________ (1) مطالب أولي النهى 2 / 322 120 - أَمَّا مَا يُفْسِدُ النُّسُكَ فَهُوَ الْجِمَاعُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِي نُسُكِهِ ثُمَّ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ إِنْ كَانَ حَجًّا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ أَيْضًا فِيهَا ثُمَّ يَقْضِيَهَا وَلَوْ فِي عَامِهِ عَلَى التَّفْصِيل. 121 - أَمَّا مَا يَمْنَعُ الاِسْتِمْرَارَ فِي النُّسُكِ، وَهُوَ الإِْحْصَارُ وَالْفَوَاتُ، فَإِنَّ أَحْكَامَ ذَلِكَ تَرِدُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ر: إِحْصَارٌ. فَوَاتٌ) . الْفَصْل الثَّامِنُ التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ الْمُرَادُ بِالتَّحَلُّل هُنَا الْخُرُوجُ مِنَ الإِْحْرَامِ وَحِل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَهُوَ قِسْمَانِ: تَحَلُّلٌ أَصْغَرُ، وَتَحَلُّلٌ أَكْبَرُ التَّحَلُّل الأَْصْغَرُ: 122 - يَكُونُ التَّحَلُّل الأَْصْغَرُ بِفِعْل أَمْرَيْنِ مِنْ ثَلاَثَةٍ: رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالنَّحْرِ، وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ. وَيَحِل بِهَذَا التَّحَلُّل لُبْسُ الثِّيَابِ وَكُل شَيْءٍ مَا عَدَا النِّسَاءِ بِالإِْجْمَاعِ، وَالطِّيبِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَالصَّيْدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَالأَْصْل فِي هَذَا الْخِلاَفِ مَا وَرَدَ عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا ضَمَّخَتْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمِسْكِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ: أَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَل لَهُ كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، لِمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ بِعَرَفَةَ، وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ، وَقَال لَهُمْ فِيمَا قَال: إِذَا جِئْتُمْ فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَل لَهُ مَا حُرِّمَ عَلَى الْحَاجِّ إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ (1) . وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (2) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالآْيَةِ أَنَّ الْحَاجَّ يُعْتَبَرُ مُحْرِمًا مَا لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ. التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ: 123 - هُوَ التَّحَلُّل الَّذِي تَحِل بِهِ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ. وَيَبْدَأُ الْوَقْتُ الَّذِي تَصِحُّ أَفْعَال التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنْ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَذَلِكَ تَابِعٌ لاِخْتِلاَفِهِمْ فِيمَا يَحْصُل بِهِ التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ. أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِهِ فَبِحَسَبِ مَا يَتَحَلَّل بِهِ، فَهُوَ لاَ يَنْتَهِي إِلاَّ بِفِعْل مَا يَتَحَلَّل بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَفُوتُ، كَمَا سَتَعْلَمُ، وَهُوَ الطَّوَافُ. وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَكَذَلِكَ إِنْ تَوَقَّفَ التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ عَلَى الطَّوَافِ أَوِ الْحَلْقِ، أَوِ السَّعْيِ. أَمَّا الرَّمْيُ فَإِنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ التَّحَلُّل، وَلَمْ يَرْمِ حَتَّى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَاتَ وَقْتُ الرَّمْيِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَيَحِل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِمُجَرَّدِ فَوَاتِ الْوَقْتِ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ مُقَابِل ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلٌ __________ (1) الترمذي 3 / 191 - 192، والنسائي 5 / 132، وأبو داود 2 / 163 (2) سورة المائدة / 95 عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّ الأَْصَحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ بِفَوَاتِ وَقْتِ الرَّمْيِ يَنْتَقِل التَّحَلُّل إِلَى كَفَّارَتِهِ، فَلاَ يَحِل حَتَّى يُؤَدِّيَهَا. مَا يَحْصُل بِهِ التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ: 124 - يَحْصُل التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ، بِشَرْطِ الْحَلْقِ هُنَا بِاتِّفَاقِ الطَّرَفَيْنِ. فَلَوْ أَفَاضَ وَلَمْ يَحْلِقْ لَمْ يَتَحَلَّل حَتَّى يَحْلِقَ عِنْدَ الْمَذْهَبَيْنِ. زَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ مَسْبُوقًا بِالسَّعْيِ، وَإِلاَّ لاَ يَحِل بِهِ حَتَّى يَسْعَى، لأَِنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ مَدْخَل لِلسَّعْيِ فِي التَّحَلُّل؛ لأَِنَّهُ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَحْصُل التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ بِاسْتِكْمَال أَفْعَال التَّحَلُّل الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: ثَلاَثَةٌ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ، وَاثْنَانِ عَلَى الْقَوْل الآْخَرِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ. وَحُصُول التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ بِاسْتِكْمَال الأَْفْعَال الثَّلاَثَةِ: رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْحَلْقِ، وَطَوَافِ الإِْفَاضَةِ الْمَسْبُوقِ بِالسَّعْيِ، مَحَل اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ تَحِل جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ بِالإِْجْمَاعِ. 125 - ثُمَّ إِذَا حَصَل التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل لِجَوَازِهِ مَثَلاً فَلاَ يَعْنِي انْتِهَاءَ كُل أَعْمَال الْحَجِّ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْتْيَانُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ حَلاَلاً، وَقَدْ ضَرَبُوا لِهَذَا مَثَلاً لَطِيفًا يُبَيِّنُ حُسْنَ مَوْقِعِ هَذِهِ الأَْعْمَال بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ، نَحْوَ قَوْل الرَّمْلِيِّ: " وَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِْتْيَانُ بِمَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ، وَهُوَ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ، كَمَا يَخْرُجُ بِالتَّسْلِيمَةِ الأُْولَى مِنْ صَلاَتِهِ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ الثَّانِيَةُ. " (1) التَّحَلُّل مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ: 126 - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْعُمْرَةِ تَحَلُّلاً وَاحِدًا يَحِل بِهِ لِلْمُحْرِمِ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ. وَيَحْصُل هَذَا التَّحَلُّل بِالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ (2) عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي حُكْمِهِ فِي مَنَاسِكِ الْعُمْرَةِ (3) . مَا يَرْفَعُ الإِْحْرَامَ 127 - يَرْفَعُ الإِْحْرَامَ، بِتَحْوِيلِهِ عَمَّا نَوَاهُ الْمُحْرِمُ، أَمْرَانِ: 1 - فَسْخُ الإِْحْرَامِ. 2 - رَفْضُ الإِْحْرَامِ. ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ وَسَعَى أَنْ يَفْسَخَ نِيَّتَهُ بِالْحَجِّ، __________ (1) انظر التحلل الأكبر في الهداية وفتح القدير 2 / 183، والمسلك المتقسط ص 155، والدر المختار ورد المحتار 2 / 251، وشرح الرسالة وحاشية العدوي 1 / 479، وشرح الزرقاني 2 / 280، 281، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 46، 47، والمجموع 8 / 172 - 174، والمنهاج بشرح المحلي وحاشيته 2 / 120، ونهاية المحتاج للرملي 2 / 431، والكافي 1 / 608، والمغني 3 / 442، ومطالب أولي النهى 2 / 427 (2) المسلك المتقسط ص 307، ورد المحتار 2 / 257، وحاشية العدوي على شرح الرسالة 1 / 483 وفيه التصريح بكون الحلق من شروط الكمال، ومطالب أولي النهى 2 / 444 (3) (ر: عمرة) وَيَنْوِيَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، ثُمَّ يُهِل بِالْحَجِّ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عِنْدَهُمْ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ. وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَال لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لاَ يَحِل مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِل، ثُمَّ لْيُهِل بِالْحَجِّ، وَلْيُهْدِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِ فَسْخِ الْحَجِّ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (1) فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِكْمَال أَفْعَال الْحَجِّ وَأَفْعَال الْعُمْرَةِ لِمَنْ شَرَعَ فِي أَيٍّ مِنْهُمَا، وَالْفَسْخُ ضِدُّ الإِْتْمَامِ، فَلاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا، وَمِنْهَا الأَْحَادِيثُ الَّتِي شُرِعَ بِهَا الإِْفْرَادُ وَالْقِرَانُ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا. رَفْضُ الإِْحْرَامِ 128 - رَفْضُ الإِْحْرَامِ: هُوَ تَرْكُ الْمُضِيِّ فِي النُّسُكِ بِزَعْمِ التَّحَلُّل مِنْهُ قَبْل إِتْمَامِهِ. وَرَفْضُ الإِْحْرَامِ لَغْوٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلاَ يَبْطُل بِهِ الإِْحْرَامُ، وَلاَ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَحْكَامِهِ (2) . مَا يُبْطِل الإِْحْرَامَ: 129 - يَبْطُل الإِْحْرَامُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْجَمِيعِ: هُوَ الرِّدَّةُ عَنِ الإِْسْلاَمِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ تَعَالَى __________ (1) سورة البقرة / 196 (2) المسلك المتقسط ص 272، والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 27، وانظر مواهب الجليل 3 / 48، 49، وشرح الزرقاني 2 / 257 وَذَلِكَ لأَِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى كَوْنِ الإِْسْلاَمِ شَرْطًا لِصِحَّةِ النُّسُكِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى بُطْلاَنِ الإِْحْرَامِ أَنَّهُ لاَ يَمْضِي فِي مُتَابَعَةِ أَعْمَال مَا أَحْرَمَ بِهِ، خِلاَفًا لِلْفَاسِدِ. وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ وَتَابَ عَنْ رِدَّتِهِ فَلاَ يَمْضِي أَيْضًا؛ لِبُطْلاَنِ إِحْرَامِهِ (1) . الْفَصْل التَّاسِعُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ فِي الإِْحْرَامِ 130 - وَهِيَ أَحْكَامٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ أَحْكَامِ الإِْحْرَامِ الْعَامَّةِ، بِسَبَبِ وَضْعٍ خَاصٍّ لِبَعْضِ الأَْشْخَاصِ، أَوْ بِسَبَبِ طُرُوءِ بَعْضِ الطَّوَارِئِ، كَمَا فِي السَّرْدِ التَّالِي: أ - إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ. ب - إِحْرَامُ الصَّبِيِّ. ج - إِحْرَامُ الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ. د - إِحْرَامُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ. هـ - نِسْيَانُ مَا أَحْرَمَ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ، وَنَدْرُسُ مَا بَقِيَ مِنْهَا، كُلًّا مِنْهَا وَحْدَهُ. __________ (1) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني وحاشيته للبجيرمي 2 / 366 وقد وقع في الشرح قوله " فلا يمضي في فاسده " فنه في الحاشية فقال " الصواب في باطله " وفي نسخة الحاشية تصحيف مطبعي " الثواب " بدلا من " الصواب " إِحْرَامُ الصَّبِيِّ مَشْرُوعِيَّةُ حَجِّ الصَّبِيِّ وَصِحَّةُ إِحْرَامِهِ: 131 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَعُمْرَتِهِ، وَأَنَّ مَا يُؤَدِّيهِ مِنْ عِبَادَةٍ أَوْ مِنْ حَجٍّ أَوْ مِنْ عُمْرَةٍ يَكُونُ تَطَوُّعًا، فَإِذَا بَلَغَ وَجَبَ عَلَيْهِ حَجَّةُ فَرْضِ الإِْسْلاَمِ. وَإِذَا كَانَ أَدَاءُ الصَّبِيِّ لِلنُّسُكِ صَحِيحًا كَانَ إِحْرَامُهُ صَحِيحًا قَطْعًا (1) . صِفَةُ إِحْرَامِ الصَّبِيِّ: 132 - يَنْقَسِمُ الصَّبِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَرْحَلَةِ صِبَاهُ إِلَى قِسْمَيْنِ: صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ، وَصَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ. وَضَابِطُ الْمُمَيِّزِ: هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، دُونَ اعْتِبَارٍ لِلسِّنِّ. 133 - أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِنَفْسِهِ، وَلاَ تَصِحُّ النِّيَابَةُ عَنْهُ فِي الإِْحْرَامِ، لِعَدَمِ جَوَازِ النِّيَابَةِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ. وَلاَ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ إِحْرَامِهِ عَلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ، بَل يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَبِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ، لَكِنْ إِذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ لِلْوَلِيِّ تَحْلِيلَهُ، وَلَهُ إِجَازَةُ فِعْلِهِ وَإِبْقَاؤُهُ عَلَى إِحْرَامِهِ بِحَسَبِ مَا يَرَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ كَانَ يَرْتَجِي بُلُوغَهُ فَالأَْوْلَى تَحْلِيلُهُ لِيُحْرِمَ بِالْفَرْضِ بَعْدَ بُلُوغِهِ. فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ الرُّجُوعَ عَنِ الإِْذْنِ قَبْل الإِْحْرَامِ فَقَال الْحَطَّابُ: " الظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ لِمَصْلَحَتِهِ ". __________ (1) رد المختار 2 / 193، 194 وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ. وَلَعَلَّهُ يَدْخُل فِي الإِْحْصَارِ بِمَنْعِ السُّلْطَانِ عِنْدَهُمْ (1) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، بَل قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ إِحْرَامُ وَلِيِّهِ عَنْهُ، عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَلاَ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِعَدَمِ الدَّلِيل. وَيَفْعَل الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ كُل مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ عَلَّمَهُ فَطَافَ، وَإِلاَّ طِيفَ بِهِ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ وَسَائِرُ الْمَنَاسِكِ. وَلاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْهُ فِيمَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَكُل مَا لاَ يَقْدِرُ الصَّبِيُّ عَلَى أَدَائِهِ يَنُوبُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي أَدَائِهِ. 134 - وَأَمَّا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ - وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ جُنُونًا مُطْبَقًا - فَيُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، بِأَنْ يَقُول: نَوَيْتُ إِدْخَال هَذَا الصَّبِيِّ فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ، مَثَلاً. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَلِيَّ يُحْرِمُ فِي نَفْسِهِ وَيَقْصِدُ النِّيَابَةَ عَنِ الصَّبِيِّ. وَلاَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِنَفْسِهِ اتِّفَاقًا. 135 - وَيُؤَدِّي الْوَلِيُّ بِالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ الْمَنَاسِكَ، فَيُجَرِّدُهُ مِنَ الْمَخِيطِ وَالْمُحِيطِ إِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَيَكْشِفُ وَجْهَ الأُْنْثَى وَكَفَّيْهَا كَالْكَبِيرَةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِ (2) وَيَطُوفُ بِهِ وَيَسْعَى، وَيَقِفُ بِهِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَيَرْمِي عَنْهُ، وَيُجَنِّبُهُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَهَكَذَا. لَكِنْ لاَ يُصَلِّي عَنْهُ رَكْعَتَيِ الإِْحْرَامِ أَوِ الطَّوَافِ، بَل تَسْقُطَانِ عَنْهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيُصَلِّيهِمَا الْوَلِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ (3) . __________ (1) انظر مصطلح إحصار. (2) ف 67، 68 (3) حيث أطلقوا أداء الولي عن الصبي مما عجز عنه دون استثناء. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ خَفَّفُوا فِي الإِْحْرَامِ وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الثِّيَابِ، فَقَالُوا: " يُحْرِمُ الْوَلِيُّ بِالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَيُجَرِّدُهُ مِنْ ثِيَابِهِ قُرْبَ مَكَّةَ، لِخَوْفِ الْمَشَقَّةِ وَحُصُول الضَّرَرِ. فَإِنْ كَانَتِ الْمَشَقَّةُ أَوِ الضَّرَرُ يَتَحَقَّقُ بِتَجْرِيدِهِ قُرْبَ مَكَّةَ أَحْرَمَ بِغَيْرِ تَجْرِيدِهِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ - وَيَفْدِي ". بُلُوغُ الصَّبِيِّ فِي أَثْنَاءِ النُّسُكِ: 136 - إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ الْحُلُمَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ، فَمَضَى فِي نُسُكِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ الأَْوَّل، لَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ عَنْ فَرْضِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الإِْحْرَامَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَنَوَى حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، جَازَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ إِحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لاَزِمٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلُّزُومِ عَلَيْهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ لاَ يُرْتَفَضُ إِحْرَامُهُ السَّابِقُ، وَلاَ يُجْزِيهِ إِرْدَافُ إِحْرَامٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ عَنِ الْفَرْضِ، لأَِنَّهُ اخْتَل شَرْطُ الْوُقُوعِ فَرْضًا، وَهُوَ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ، وَقْتَ الإِْحْرَامِ. وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا وَقْتَ الإِْحْرَامِ، فَلاَ يَقَعُ نُسُكُهُ هَذَا إِلاَّ نَفْلاً. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ يُنْظَرُ إِلَى حَالِهِ مِنَ الْوُقُوفِ فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الأَْوَّل: أَنْ يَبْلُغَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، أَوْ قَبْل خُرُوجِهِ وَبَعْدَ مُفَارَقَةِ عَرَفَاتٍ لَكِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَهَذَا لاَ يُجْزِيهِ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. الثَّانِي: أَنْ يَبْلُغَ فِي حَال الْوُقُوفِ، أَوْ يَبْلُغَ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ، فَيَعُودَ وَيَقِفَ بِهَا فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ، أَيْ قَبْل طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَهَذَا يُجْزِيهِ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ السَّعْيِ إِنْ كَانَ سَعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ قَبْل الْبُلُوغِ، وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ. أَمَّا فِي الْعُمْرَةِ: فَالطَّوَافُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي الْحَجِّ، إِذَا بَلَغَ قَبْل طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ عَنْ عُمْرَةِ الإِْسْلاَمِ، عِنْدَ مَنْ يَقُول بِوُجُوبِهَا. إِحْرَامُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ 137 - لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ حَالاَنِ: أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ قَبْل الإِْحْرَامِ، أَوْ يُغْمَى عَلَيْهِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ. أَوَّلاً: مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْل الإِْحْرَامِ: 138 - فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ: لاَ إِحْرَامَ لَهُ، وَلاَ يُحْرِمُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ وَلاَ غَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ قَبْل أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ، وَلَوْ خِيفَ فَوَاتُ الْحَجِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الطُّول، وَيُرْجَى زَوَالُهُ عَنْ قُرْبٍ غَالِبًا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الإِْحْرَامِ عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ: أ - مَنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْل الإِْحْرَامِ، أَوْ نَامَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَنَوَى عَنْهُ وَلَبَّى أَحَدُ رُفْقَتِهِ، وَكَذَا مِنْ غَيْرِ رُفْقَتِهِ وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالإِْحْرَامِ عَنْهُ قَبْل الإِْغْمَاءِ، صَحَّ الإِْحْرَامُ عَنْهُ، وَيَصِيرُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ رَفِيقِهِ وَتَلْبِيَتِهِ عَنْهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ. وَيُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. ب - إِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ بَعْضُ رُفْقَتِهِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِلاَ أَمْرٍ سَابِقٍ عَلَى الإِْغْمَاءِ صَحَّ كَذَلِكَ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. فُرُوعٌ: 139 - أ - إِنْ أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُحْرِمٌ يُتَابِعُ النُّسُكَ. وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ لاَ عِبْرَةَ بِإِحْرَامِ غَيْرِهِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَأَدَّى الْمَنَاسِكَ، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ. وَلاَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْفَوَاتِ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا. 140 - ب - لاَ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ تَجْرِيدُهُ مِنَ الْمَخِيطِ وَإِلْبَاسُهُ غَيْرَ الْمَخِيطِ لِصِحَّةِ الإِْحْرَامِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الإِْحْرَامُ، بَل كَفٌّ عَنْ بَعْضِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ. حَتَّى إِذَا أَفَاقَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَفْعَال النُّسُكِ، وَالْكَفُّ عَنِ الْمَحْظُورَاتِ. 141 - ج - لَوِ ارْتَكَبَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ غَيْرُهُ مَحْظُورًا مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِْحْرَامِ لَزِمَهُ مُوجِبُهُ، أَيْ كَفَّارَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمَحْظُورِ. وَلاَ يَلْزَمُ الرَّفِيقَ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ؛ لأَِنَّ هَذَا الرَّفِيقَ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَعَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، كَالْوَلِيِّ يُحْرِمُ عَنِ الصَّغِيرِ. فَيَنْتَقِل إِحْرَامُهُ إِلَيْهِ، فَيَصِيرُ مُحْرِمًا كَمَا لَوْ نَوَى هُوَ وَلَبَّى، وَلِذَا لَوِ ارْتَكَبَ هُوَ أَيْضًا - أَيِ الْوَلِيُّ - مَحْظُورًا لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لإِِحْرَامِ نَفْسِهِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إِهْلاَلِهِ عَنْ غَيْرِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا سَبَقَ. 142 - د - إِذَا لَمْ يُفِقْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَهَل يَشْهَدُ بِهِ رُفْقَتُهُ الْمَشَاهِدَ، عَلَى أَسَاسِ الإِْحْرَامِ عَنْهُ الَّذِي قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ؟ هُنَاكَ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قِيل: لاَ يَجِبُ عَلَى الرُّفَقَاءِ أَنْ يَشْهَدُوا بِهِ الْمَشَاهِدَ، كَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، بَل مُبَاشَرَتُهُمْ عَنْهُ تُجْزِيهِ، لَكِنْ إِحْضَارُهُ أَوْلَى، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل. وَهَذَا الأَْصَحُّ عَلَى مَا أَفَادَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ الْمُعْتَمَدِ فِي الْفَتْوَى فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، لَكِنْ لاَ بُدَّ لِلإِْجْزَاءِ عَنْهُ مِنْ نِيَّةِ الْوُقُوفِ عَنْهُ، وَالطَّوَافِ عَنْهُ بَعْدَ طَوَافِ النَّائِبِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَكَذَا. ثَانِيًا: مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِحْرَامِهِ بِنَفْسِهِ: 143 - الإِْغْمَاءُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ، بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَهَذَا حَمْلُهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَى رُفَقَائِهِ، وَلاَ سِيَّمَا لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَوْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ لَهُ يُطْلَبُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ مُصْطَلَحِ " حَجٌّ " وَمُصْطَلَحِ " عُمْرَةٌ (1) ". نِسْيَانُ مَا أَحْرَمَ بِهِ 144 - مَنْ أَحْرَمَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، مِثْل حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ قِرَانٍ، ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، لَزِمَهُ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ. وَيَعْمَل عَمَل الْقِرَانِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ: الْحَنَفِيِّ وَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصْرِفُ إِحْرَامَهُ إِلَى أَيِّ نُسُكٍ شَاءَ، وَيُنْدَبُ صَرْفُهُ إِلَى الْعُمْرَةِ خَاصَّةً. __________ (1) انظر هذا المبحث في الهداية وفتح القدير والعناية / 192، 193، والمسلك المتقسط ص 75، 76، ورد المحتار 2 / 257 - 259، وانظر الشرح الكبير وحاشيته 2 / 3، وشرح الزرقاني 2 / 231، والمجموع 7 / 33، والإيضاح ص 553، وشرح المحلي 2 / 85، ونهاية المحتاج 2 / 372، وحاشيته للشبراملسي، والمغني 3 / 256 الْفَصْل الْعَاشِرُ فِي كَفَّارَاتِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (1) تَعْرِيفُهَا: 145 - الْمُرَادُ بِالْكَفَّارَةِ هُنَا: الْجَزَاءُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ. وَهَذِهِ الأَْجْزِيَةُ أَنْوَاعٌ: 1 - الْفِدْيَةُ: حَيْثُ أُطْلِقَتْ فَالْمُرَادُ الْفِدْيَةُ الْمُخَيَّرَةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ فِي: قَوْله تَعَالَى {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . (2) 2 - الْهَدْيُ: وَرُبَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّمِ. وَكُل مَوْضِعٍ أُطْلِقَ فِيهِ الدَّمُ أَوِ الْهَدْيُ تُجْزِئُ فِيهِ الشَّاةُ، إِلاَّ مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ (أَيْ مِنَ الإِْبِل) اتِّفَاقًا. أَمَّا مَنْ جَامَعَ قَبْل الْوُقُوفِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُ اتِّفَاقًا وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: عَلَيْهِ شَاةٌ، وَيَمْضِي فِي حَجِّهِ، وَيَقْضِيهِ. 3 - الصَّدَقَةُ: حَيْثُ أَطْلَقَ وُجُوبَ " صَدَقَةٍ " عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مِقْدَارِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ (قَمْحٍ) أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ. 4 - الصِّيَامُ: يَجِبُ الصِّيَامُ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْفِدْيَةِ، وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. وَيَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الإِْطْعَامِ. 5 - الضَّمَانُ بِالْمِثْل: فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي. 146 - يَسْتَوِي إِحْرَامُ الْعُمْرَةِ مَعَ إِحْرَامِ الْحَجِّ فِي __________ (1) ويعبر عنها الحنفية " بالجنايات " ويدرسونها تحت هذا العنوان مع دراستهم للإخلال بشيء من واجبات الحج والعمرة ويدرسها غيرهم مقترنة بدرس محظورات الإحرام. (2) سورة البقرة / 196 عُقُوبَةِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ. إِلاَّ مَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْل أَدَاءِ رُكْنِهَا، فَتَفْسُدُ اتِّفَاقًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَيْهِ شَاةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. الْمَبْحَثُ الأَْوَّل فِي كَفَّارَةِ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ. 147 - يَتَنَاوَل هَذَا الْبَحْثُ كَفَّارَةَ مَحْظُورَاتِ اللُّبْسِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَالاِدِّهَانِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ أَوْ إِزَالَتِهِ أَوْ قِطْعَةٍ مِنَ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَلْمِ الظُّفُرِ. أَصْل كَفَّارَةِ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ 148 - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَل مِنَ الْمَحْظُورَاتِ شَيْئًا لِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ دَفْعِ أَذًى فَإِنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، يَتَخَيَّرُ فِيهَا: إِمَّا أَنْ يَذْبَحَ هَدْيًا، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِإِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ يَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . (1) وَلِمَا وَرَدَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لَهُ حِينَ رَأَى هَوَامَّ رَأْسِهِ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَال: قُلْتُ: نَعَمْ. قَال: فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. 149 - وَأَمَّا الْعَامِدُ الَّذِي لاَ عُذْرَ لَهُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: __________ (1) سورة البقرة / 196 فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (1) وَالشَّافِعِيَّةُ (2) وَالْحَنَابِلَةُ (3) إِلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ، كَالْمَعْذُورِ، وَعَلَيْهِ إِثْمُ مَا فَعَلَهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِالآْيَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (4) إِلَى أَنَّ الْعَامِدَ لاَ يَتَخَيَّرُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ عَيْنًا أَوِ الصَّدَقَةُ عَيْنًا، حَسَبَ جِنَايَتِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالأَْدِلَّةِ السَّابِقَةِ. وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ فِيهَا عِنْدَ الْعُذْرِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ أَذًى، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ جِنَايَتُهُ أَغْلَظُ، فَتَتَغَلَّظُ عُقُوبَتُهُ، وَذَلِكَ بِنَفْيِ التَّخْيِيرِ فِي حَقِّهِ. 150 - وَأَمَّا الْمَعْذُورُ بِغَيْرِ الأَْذَى وَالْمَرَضِ: كَالنَّاسِي وَالْجَاهِل بِالْحُكْمِ وَالْمُكْرَهِ وَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَحُكْمُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (5) الْمَالِكِيَّةِ (6) حُكْمُ الْعَامِدِ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَوَجْهُ حُكْمِهِ هَذَا: أَنَّ الاِرْتِفَاقَ حَصَل لَهُ، وَعَدَمُ الاِخْتِيَارِ أَسْقَطَ الإِْثْمَ عَنْهُ، كَمَا وَجَّهَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (7) وَالْحَنَابِلَةُ (8) إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ جِنَايَةٍ __________ (1) شرح الزرقاني 2 / 305، والشرح الكبير وحاشته 2 / 67. وفيه أن المحذور يفدى ولا يأثم، فدل على أن غير المعذور يفدي ويأثم. (2) المجموع 7 / 371، ونهاية المحتاج 2 / 452 - 456 (3) المغني 3 / 493، والمقنع 1 / 416 (4) المسلك المتقسط ص 119، 200، 223، والدر المختار بحاشيته 2 / 274، 275 (5) المسلك المتقسط ص 119، 200، 223، والدر المختار بحاشيته 2 / 274، 275 (6) كما تفيده إطلاقات عباراتهم في لزوم الفدية على المعذور، وإنما ينتفي عنه الإثم. انظر شرح الزرقاني 2 / 305، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 488، والشرح الكبير بحاشيته 2 / 67، وحاشية الصفتي على العشماوية ص 193 (7) المجموع 7 / 347 - 349، ونهاية المحتاج 2 / 452، 454 (8) المغني 3 / 501 - 502، والكافي 1 / 561 - 562، والمقنع بحاشيته 1 / 424، 425، ومطالب أولي النهى 2 / 362، 363 فِيهَا إِتْلاَفٌ، وَهِيَ هُنَا الْحَلْقُ أَوْ قَصُّ الشَّعْرِ أَوْ قَلْمُ الظُّفُرِ، وَجِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِتْلاَفٌ، وَهِيَ: اللُّبْسُ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالاِدِّهَانُ وَالتَّطَيُّبُ. فَأَوْجَبُوا الْفِدْيَةَ فِي الإِْتْلاَفِ؛ لأَِنَّهُ يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، وَلَمْ يُوجِبُوا فِدْيَةً فِي غَيْرِ الإِْتْلاَفِ، بَل أَسْقَطُوا الْكَفَّارَةَ عَنْ صَاحِبِ أَيِّ عُذْرٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْذَارِ. تَفْصِيل كَفَّارَةِ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ 151 - الأَْصْل فِي هَذَا التَّفْصِيل هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الأَْصْل السَّابِقِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِخُصُوصِ الْحَلْقِ، فَقَاسَ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ سَائِرَ مَسَائِل الْفَصْل بِجَامِعِ اشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الْعِلَّةِ وَهِيَ التَّرَفُّهُ، أَوِ الاِرْتِفَاقُ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل، فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُوجِبُ الْفِدْيَةَ مِنَ الْمَحْظُورِ، وَفِي تَفَاوُتِ الْجَزَاءِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِ أَنْظَارِهِمْ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ التَّرَفُّهُ وَالاِرْتِفَاقُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ اشْتَرَطُوا كَمَال الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يُوجِبُوا الدَّمَ أَوِ الْفِدَاءَ إِلاَّ لِمَقَادِيرَ تُحَقِّقُ ذَلِكَ فِي نَظَرِهِمْ، وَغَيْرُهُمْ مَال إِلَى اعْتِبَارِ الْفِعْل نَفْسِهِ جِنَايَةً. وَتَفْصِيل الْمَذَاهِبِ فِي كُل مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ التَّرَفُّهِ فِيمَا يَلِي: أَوَّلاً: اللِّبَاسُ: 152 - مَنْ لَبِسَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورِ اللُّبْسِ، أَوِ ارْتَكَبَ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَال فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ (1) : إِنِ اسْتَدَامَ ذَلِكَ نَهَارًا كَامِلاً أَوْ لَيْلَةً وَجَبَ __________ (1) الهداية 2 / 228، والمسلك المتقسط ص 201، 202، ورد المحتار 2 / 278 عَلَيْهِ الدَّمُ. وَكَذَا إِذَا غَطَّتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا بِسَاتِرٍ يُلاَمِسُ بَشَرَتَهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ التَّفْصِيل فِيهِ (ف 67) وَإِنْ كَانَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَقَل مِنْ لَيْلَةٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي أَقَل مِنْ سَاعَةٍ عُرْفِيَّةٍ قَبْضَةٌ مِنْ بُرٍّ، وَهِيَ مِقْدَارُ مَا يَحْمِل الْكَفُّ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (1) وَأَحْمَدَ (2) أَنَّهُ يَجِبُ الْفِدَاءُ بِمُجَرَّدِ اللُّبْسِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ زَمَنًا؛ لأَِنَّ الاِرْتِفَاقَ يَحْصُل بِالاِشْتِمَال عَلَى الثَّوْبِ، وَيَحْصُل مَحْظُورُ الإِْحْرَامِ، فَلاَ يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِالزَّمَنِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (3) يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ أَوِ الْخُفِّ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ مَحْظُورَاتِ اللُّبْسِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ بِأَنْ لَبِسَ قَمِيصًا رَقِيقًا لاَ يَقِي حَرًّا وَلاَ بَرْدًا يَجِبُ الْفِدَاءُ إِنِ امْتَدَّ لُبْسُهُ مُدَّةً كَالْيَوْمِ. ثَانِيًا: التَّطَيُّبُ: 153 - يَجِبُ الْفِدَاءُ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ الْمَالِكِيَّةِ (4) وَالشَّافِعِيَّةِ (5) وَالْحَنَابِلَةِ (6) لأَِيِّ تَطَيُّبٍ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُ __________ (1) المجموع 7 / 263، 372، 373، وشرح المنهاج للمحلي 2 / 132، ونهاية المحتاج 2 / 447، 448، 450 وفيها التصريح بأن لا فرق بين طول زمن اللبس وقصره. (2) المغني 3 / 499، والكافي 1 / 564، ومطالب أولي النهى 2 / 326، 327 (3) شرح الزرقاني على مختصر خليل 2 / 304، 305، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 66، 67، وقارن حاشية العدوي 1 / 489 (4) شرح الزرقاني 2 / 298، وشرح الرسالة 1 / 486، والشرح الكبير 2 / 61، 63 (5) المجموع 7 / 283، 373، ونهاية المحتاج 2 / 451، والأسطر الأخيرة والأولى 452، 453 (6) المغني 3 / 499، والكافي 1 / 551، ومطالب أولي النهى 2 / 331 حَظْرِهِ، دُونَ تَقْيِيدٍ بِأَنْ يُطَيِّبَ عُضْوًا كَامِلاً، أَوْ مِقْدَارًا مِنَ الثَّوْبِ مُعَيَّنًا. وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ تَطَيُّبٍ وَتَطَيُّبٍ، وَفَصَّلُوا: أَمَّا فِي الْبَدَنِ فَقَالُوا: تَجِبُ شَاةٌ إِنْ طَيَّبَ الْمُحْرِمُ عُضْوًا كَامِلاً مِثْل الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالسَّاقِ، أَوْ مَا يَبْلُغُ عُضْوًا كَامِلاً. وَالْبَدَنُ كُلُّهُ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ إِنِ اتَّحَدَ مَجْلِسُ التَّطَيُّبِ، وَإِنْ تَفَرَّقَ الْمَجْلِسُ فَلِكُل طِيبٍ كَفَّارَةٌ، وَتَجِبُ إِزَالَةُ الطِّيبِ، فَلَوْ ذَبَحَ وَلَمْ يُزِلْهُ لَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ. وَوَجْهُ وُجُوبِ الشَّاةِ: أَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَل بِتَكَامُل الاِرْتِفَاقِ، وَذَلِكَ فِي الْعُضْوِ الْكَامِل، فَيَتَرَتَّبُ كَمَال الْمُوجِبِ. وَإِنْ طَيَّبَ أَقَل مِنْ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَلَمْ يَشْرِطِ الْحَنَفِيَّةُ اسْتِمْرَارَ الطِّيبِ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ، بَل يَجِبُ بِمُجَرَّدِ التَّطَيُّبِ (1) . وَأَمَّا تَطْيِيبُ الثَّوْبِ: فَيَجِبُ فِيهِ الدَّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِشَرْطَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، وَهُوَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُغَطِّيَ مِسَاحَةً تَزِيدُ عَلَى شِبْرٍ فِي شِبْرٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَمِرَّ نَهَارًا، أَوْ لَيْلَةً. فَإِنِ اخْتَل أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ وَجَبَتِ الصَّدَقَةُ، وَإِنِ اخْتَل الشَّرْطَانِ مَعًا وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِقَبْضَةٍ مِنْ قَمْحٍ (2) . __________ (1) الهداية وفتح القدير 2 / 224، 225، وشرح الكنز للعيني 1 / 101، والمسلك المتقسط ص 209، 210 (2) قارن المسلك المتقسط ص 215، 216، ورد المحتار 2 / 276. وانظر باقي مسائل الطيب فيما سبق. 154 - لَوْ طَيَّبَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ حَلاَلاً فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْفَاعِل مَا لَمْ يَمَسَّ الطِّيبَ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) . وَعَلَى الطَّرَفِ الآْخَرِ الدَّمُ إِنْ كَانَ مُحْرِمًا وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا. وَعِنْدَ الثَّلاَثَةِ التَّفْصِيل الآْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْحَلْقِ (ف 157) لَكِنْ عَلَيْهِ فِي حَالٍ لاَ تَلْزَمُهُ فِيهِ الْفِدْيَةُ أَلاَّ يَسْتَدِيمَهُ، بَل يُبَادِرَ بِإِزَالَتِهِ. فَإِنْ تَرَاخَى لَزِمَهُ الْفِدَاءُ. ثَالِثًا: الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ: 155 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (2) أَنَّ مَنْ حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ أَوْ رُبُعَ لِحْيَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لأَِنَّ الرُّبُعَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُل، فَيَجِبُ فِيهِ الْفِدَاءُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ. وَلَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَإِبِطَيْهِ وَكُل بَدَنِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْمَجَالِسُ فَلِكُل مَجْلِسٍ مُوجِبُهُ. وَإِنْ حَلَقَ خُصْلَةً مِنْ شَعْرِهِ أَقَل مِنَ الرُّبُعِ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، أَمَّا إِنْ سَقَطَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَوِ الْحَكِّ ثَلاَثُ شَعَرَاتٍ فَعَلَيْهِ بِكُل شَعْرَةٍ صَدَقَةٌ (كَفٌّ مِنْ طَعَامٍ) . وَإِنْ حَلَقَ رَقَبَتَهُ كُلَّهَا، أَوْ إِبِطَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، يَجِبُ الدَّمُ. أَمَّا إِنْ حَلَقَ بَعْضَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَثُرَ. فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ؛ لأَِنَّ حَلْقَ جُزْءِ عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ لَيْسَ ارْتِفَاقًا كَامِلاً، لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِحَلْقِ الْبَعْضِ فِيهَا، فَلاَ يَجِبُ إِلاَّ الصَّدَقَةُ. وَقَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ حُكُومَةَ عَدْلٍ، __________ (1) المسلك المتقسط ص 218 (2) شرح الكنز للعيني 1 / 101، 102، والمسلك المتقسط ص 218، 220 بِأَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَذَا الْمَأْخُوذِ كَمْ يَكُونُ مِنْ رُبُعِ اللِّحْيَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِحِسَابِهِ مِنَ الطَّعَامِ (1) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (2) إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ عَشْرَ شَعَرَاتٍ فَأَقَل، وَلَمْ يَقْصِدْ إِزَالَةَ الأَْذَى، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِحَفْنَةِ قَمْحٍ، وَإِنْ أَزَالَهَا بِقَصْدِ إِمَاطَةِ الأَْذَى تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَلَوْ كَانَتْ شَعْرَةً وَاحِدَةً. وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ أَيْضًا إِذَا أَزَال أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ شَعَرَاتٍ لأَِيِّ سَبَبٍ كَانَ. وَشَعْرُ الْبَدَنِ كُلِّهِ سَوَاءٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (3) وَأَحْمَدُ (4) إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ لَوْ حَلَقَ ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فَأَكْثَرَ، كَمَا تَجِبُ لَوْ حَلَقَ جَمِيعَ الرَّأْسِ، بَل جَمِيعَ الْبَدَنِ، بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، أَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَةً أَوْ شَعْرَتَيْنِ فَفِي شَعْرَةٍ مُدٌّ، وَفِي شَعْرَتَيْنِ مُدَّانِ مِنَ الْقَمْحِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ شَعْرُ الرَّأْسِ وَشَعْرُ الْبَدَنِ. 156 - أَمَّا إِذَا سَقَطَ شَعْرُ الْمُحْرِمِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ آدَمِيٍّ فَلاَ فِدْيَةَ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. 157 - إِذَا حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ غَيْرِهِ، أَوْ حَلَقَ غَيْرُهُ رَأْسَهُ - وَمَحَل الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ الْحَلْقُ لِغَيْرِ التَّحَلُّل - فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمَحْلُوقِ الدَّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ كَارِهًا. وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَعِنْدَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي حَقِّ الْحَالِقِ __________ (1) مثاله: لو أخذ من الشارب قدر نصف ثمن اللحية يجب عليه من الطعام ما يساوي ربع الدم. (2) شرح الزرقاني 2 / 302، والشرح الكبير 2 / 64، وحاشية العدوي 1 / 487، وحاشية الصفتي ص 194، وفيها: أكثر من اثنتي عشرة شعرة. (3) المجموع 7 / 351، 356، 367، ونهاية المحتاج 2 / 454 (4) المقنع 1 / 399، 400، والكافي 1 / 562 - 564، ومطالب أولي النهى 2 / 324، 325 وَالْمَحْلُوقِ. وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثُ صُوَرٍ تَقْتَضِيهَا الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ نُبَيِّنُ حُكْمَهَا فِيمَا يَلِي: الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَا مُحْرِمَيْنِ، فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْحَالِقِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، سَوَاءٌ حَلَقَ بِأَمْرِ الْمَحْلُوقِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، مَا لَمْ يَكُنْ حَلْقُهُ فِي أَوَانِ الْحَلْقِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ حَلَقَ لَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ، وَإِنْ كَانَ بِرِضَاهُ فَعَلَى الْمَحْلُوقِ فِدْيَةٌ، وَعَلَى الْحَالِقِ فِدْيَةٌ، وَقِيل حَفْنَةٌ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْحَالِقُ مُحْرِمًا وَالْمَحْلُوقُ حَلاَلاً، فَكَذَلِكَ عَلَى الْحَالِقِ الْمُحْرِمِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَفْتَدِي الْحَالِقُ. وَعِنْدَهُمْ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلاَنِ: قَوْلٌ أَنَّهُ يُطْعِمُ قَدْرَ حَفْنَةٍ، أَيْ مِلْءَ يَدٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ، وَقَوْلٌ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ فِدْيَةَ عَلَى الْحَالِقِ، وَلَوْ حَلَقَ لَهُ الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِذْ لاَ حُرْمَةَ لِشَعْرِهِ فِي حَقِّ الإِْحْرَامِ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْحَالِقُ حَلاَلاً وَالْمَحْلُوقُ مُحْرِمًا، فَعَلَى الْحَالِقِ صَدَقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْمُحْرِمِ أَوْ عَدَمِ مُمَانَعَتِهِ فَعَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ. وَإِنْ كَانَ الْحَلْقُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُحْرِمِ فَعَلَى الْحَلاَل الْفِدْيَةُ (1) . رَابِعًا: تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ: 158 - قَال الْحَنَفِيَّةُ (2) : إِذَا قَصَّ أَظْفَارَ يَدَيْهِ __________ (1) المسلك المتقسط ص 221، وفتح القدير 2 / 233، وشرح الزرقاني 2 / 301 - 304، ونهاية المحتاج 2 / 455، وغاية المنتهى 2 / 325 (2) الهداية 2 / 236 - 238، وشرح الكنز للعيني 1 / 102، والمسلك المتقسط ص 222، 223 وَرِجْلَيْهِ جَمِيعَهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ تَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ. وَكَذَا إِذَا قَصَّ أَظْفَارَ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، تَجِبُ شَاةٌ. وَإِنْ قَصَّ أَقَل مِنْ خَمْسَةِ أَظْفَارٍ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ خَمْسَةً مُتَفَرِّقَةً مِنْ أَظْفَارِهِ، تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِكُل ظُفُرٍ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (1) أَنَّهُ إِنْ قَلَمَ ظُفْرًا وَاحِدًا عَبَثًا أَوْ تَرَفُّهًا، لاَ لإِِمَاطَةِ أَذًى، وَلاَ لِكَسْرِهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ لإِِمَاطَةِ الأَْذَى أَوِ الْوَسَخِ فَفِيهِ فِدْيَةٌ. وَإِنْ قَلَّمَهُ لِكَسْرِهِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا تَأَذَّى مِنْهُ. وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا كُسِرَ مِنْهُ. وَإِنْ قَلَّمَ ظُفْرَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَفِدْيَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ إِمَاطَةَ الأَْذَى، وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ فَإِنْ كَانَا فِي فَوْرٍ فَفِدْيَةٌ، وَإِلاَّ فَفِي كُل ظُفُرٍ حَفْنَةٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (2) وَالْحَنَابِلَةِ (3) : يَجِبُ الْفِدَاءُ فِي تَقْلِيمِ ثَلاَثَةِ أَظْفَارٍ فَصَاعِدًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ فِي الظُّفُرِ وَالظُّفُرَيْنِ مَا يَجِبُ فِي الشَّعْرَتَيْنِ. خَامِسًا: قَتْل الْقَمْل: 159 - وَهُوَ مُلْحَقٌ بِهَذَا الْمَبْحَثِ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِزَالَةَ الأَْذَى، لِذَا يَخْتَصُّ الْبَحْثُ بِمَا عَلَى بَدَنِ الْمُحْرِمِ أَوْ ثِيَابِهِ. فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَدْبِ قَتْل الْمُحْرِمِ لِقَمْل بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ لأَِنَّهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُؤْذِيَةِ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْل الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ، وَأَلْحَقُوا بِهَا كُل حَيَوَانٍ مُؤْذٍ. __________ (1) حاشية العدوي 1 / 487، والشرح الكبير 2 / 64، وحاشية الصفتي ص 193، 194 (2) المهذب والمجموع 7 / 366، 368، ونهاية المحتاج 2 / 454 (3) المقنع 1 / 399 - 400، والكافي 1 / 563، ومطالب أولي النهى 2 / 325. أَمَّا قَمْل شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ خَاصَّةً فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا تَعَرُّضُهُ لَهُ لِئَلاَّ يَنْتَتِفَ الشَّعْرُ. وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمُ الْكَرَاهَةَ بِالْخَوْفِ مِنَ انْتِتَافِ الشَّعْرِ زَوَال هَذِهِ الْكَرَاهَةِ فِيمَا لَوْ قَتَلَهُ بِوَسِيلَةٍ لاَ يَخْشَى مَعَهَا الاِنْتِتَافَ كَمَا إِذَا رَشَّهُ بِدَوَاءٍ مُطَهِّرٍ مَثَلاً. وَعَلَى أَيَّةِ حَالٍ فَإِذَا قَتَل قَمْل شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ الْوَاحِدَةَ مِنْهُ وَلَوْ بِلُقْمَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ إِبَاحَةُ قَتْل الْقَمْل مُطْلَقًا دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ قَمْل الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ لأَِنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ الْهَوَامِّ أَذًى فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَالْبَرَاغِيثِ، وَسَائِرِ مَا يُؤْذِي. وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ يَدُل بِمَعْنَاهُ عَلَى إِبَاحَةِ قَتْل كُل مَا يُؤْذِي بَنِي آدَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ حُرْمَةُ قَتْلِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ جَزَاءَ فِيهِ إِذْ لاَ قِيمَةَ لَهُ وَلَيْسَ بِصَيْدٍ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الصَّدَقَةِ (1) وَلاَ رَيْبَ أَنَّهُ إِذَا آذَاهُ بِالْفِعْل، وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، جَازَ لَهُ قَتْلُهُ طِبْقًا لِقَاعِدَةِ: " الضَّرَرُ يُزَال "، وَقَاعِدَةِ: " الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ". __________ (1) شرح الروض 1 / 514، والمجموع 7 / 323، 324، ونهاية المحتاج 3 / 333، والجمل 2 / 522، ومطالب أولي النهى 2 / 343، وكشاف القناع 2 / 349 ط الرياض، والشرح مع المغني 3 / 304، والمغني 3 / 298 ط الرياض. والمسلك المتقسط ص 252، وفتح القدير 2 / 268، ورد المحتار 2 / 218، وحاشية العدوي 1 / 487، والزرقاني 2 / 302، 303 والدسوقي 2 / 64 الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِي قَتْل الصَّيْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ 160 - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي قَتْل الصَّيْدِ، اسْتِدْلاَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} . (1) أَوَّلاً: قَتْل الصَّيْدِ: 161 - وُجُوبُ الْجَزَاءِ فِي قَتْل الصَّيْدِ عَمْدًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَمَلاً بِنَصِّ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ السَّابِقَةِ. 162 - إِنَّ غَيْرَ الْعَمْدِ فِي هَذَا الْبَابِ كَالْعَمْدِ، يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ؛ لأَِنَّ الْعُقُوبَةَ هُنَا شُرِعَتْ ضَمَانًا لِلْمُتْلَفِ، وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالْجَهْل وَالسَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ (2) . 163 - إِنَّ هَذَا الْجَزَاءَ هُوَ كَمَا نَصَّتِ الآْيَةُ: {مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ} . وَيُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَال الثَّلاَثِ. لَكِنِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ تُقَدَّرُ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ __________ (1) سورة المائدة / 95 (2) المسلك المتقسط ص 200، والهداية 2 / 258، 259 وشرح الزرقاني 2 / 314، والشرح الكبير 2 / 74 والمجموع 7 / 349، 350، ونهاية المحتاج 2 / 460. والمغني 3 / 505، 606 و 501، والمقنع 1 / 424 وانظر التعليل السابق في الحلق والقلم فإنه ينطبق هنا. رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصَّيْدِ الْمَقْتُول نَظِيرٌ مِنَ النَّعَمِ أَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ. وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي مَوْضِعِ قَتْلِهِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ الْجَانِي بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: الأَْوَّل - أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيًا وَيَذْبَحَهُ فِي الْحَرَمِ إِنْ بَلَغَتِ الْقِيمَةُ هَدْيًا. وَيُزَادُ عَلَى الْهَدْيِ فِي مَأْكُول اللَّحْمِ إِلَى اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، لَكِنَّهُ لاَ يَتَجَاوَزُ هَدْيًا وَاحِدًا فِي غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ، حَتَّى لَوْ قَتَل فِيلاً لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ شَاةٍ. الثَّانِي - أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْقِيمَةِ طَعَامًا وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، لِكُل مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْمِسْكِينَ أَقَل مِمَّا ذُكِرَ، إِلاَّ إِنْ فَضَل مِنَ الطَّعَامِ أَقَل مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. وَلاَ يَخْتَصُّ التَّصَدُّقُ بِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ. الثَّالِثُ - أَنْ يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُل مِسْكِينٍ يَوْمًا، وَعَنْ أَقَل مِنْ نِصْفِ صَاعٍ - إِذَا فَضَل - يَوْمًا أَيْضًا (1) . وَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْصِيل فَقَالُوا: الصَّيْدُ ضَرْبَانِ: مِثْلِيٌّ: وَهُوَ مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، أَيْ مُشَابِهٌ فِي الْخِلْقَةِ مِنَ النَّعَمِ، وَهِيَ الإِْبِل وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ. وَغَيْرُ مِثْلِيٍّ، وَهُوَ مَا لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ النَّعَمِ. أَمَّا الْمِثْلِيُّ: فَجَزَاؤُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّعْدِيل، أَيْ أَنَّ الْقَاتِل يُخَيَّرُ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي: الأَْوَّل - أَنْ يَذْبَحَ الْمِثْل الْمُشَابِهَ مِنَ النَّعَمِ فِي الْحَرَمِ، وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. __________ (1) الهداية 2 / 259، 263، وشرح الكنز للعيني 1 / 104، 105، والدر المختار بحاشيته 2 / 294، 295، والمسلك المتقسط ص 258، 259 الثَّانِي - أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْل دَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا، وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَلاَ يَجُوزُ تَفْرِقَةُ الدَّرَاهِمِ عَلَيْهِمْ. وَقَال مَالِكٌ بَل يُقَوِّمُ الصَّيْدَ نَفْسَهُ وَيَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ مَوْضِعِ الصَّيْدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَسَاكِينُ فَعَلَى مَسَاكِينِ أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ فِيهِ. الثَّالِثُ - إِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُل مُدٍّ يَوْمًا. وَفِي أَقَل مِنْ مُدٍّ يَجِبُ صِيَامُ يَوْمٍ. وَيَجُوزُ الصِّيَامُ فِي الْحَرَمِ وَفِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ: فَيَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ وَيَتَخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل - أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ: عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي مَوْضِعِ الصَّيْدِ. الثَّانِي - أَنْ يَصُومَ عَنْ كُل مُدٍّ يَوْمًا كَمَا ذُكِرَ سَابِقًا. ثُمَّ قَالُوا فِي بَيَانِ الْمِثْلِيِّ: الْمُعْتَبَرُ فِيهِ التَّشَابُهُ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ. وَكُل مَا وَرَدَ فِيهِ نَقْلٌ عَنِ السَّلَفِ فَيُتْبَعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، وَمَا لاَ نَقْل فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ عَدْلاَنِ فَطِنَانِ بِهَذَا الأَْمْرِ، عَمَلاً بِالآْيَةِ. وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ الدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ: أَمَّا الدَّوَابُّ فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ إِنْسِيَّةٌ، وَفِي الْغَزَال عَنْزٌ، وَفِي الأَْرْنَبِ عَنَاقٌ (1) ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ (2) . __________ (1) العناق: الأنثى من المعز من حين تولد ما لم تستكمل سنة، والمراد بها ما فوق الجفرة. (2) الجفرة: هي الأنثى من المعز إذا بلغت أربعة أشهر. وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي الأَْرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ وَالضَّبِّ الْقِيمَةُ. وَأَمَّا الطُّيُورُ: فَفِي أَنْوَاعِ الْحَمَامِ شَاةٌ. وَالْمُرَادُ بِالْحَمَامِ كُل مَا عَبَّ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَهُ جَرْعًا، فَيَدْخُل فِيهِ الْيَمَامُ اللَّوَاتِي يَأْلَفْنَ الْبُيُوتَ، وَالْقُمْرِيُّ، وَالْقَطَا. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُل مُطَوَّقٍ حَمَامًا. وَإِنْ كَانَ الطَّائِرُ أَصْغَرَ مِنَ الْحَمَامِ جُثَّةً فَفِيهِ الْقِيمَةُ. وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، كَالْبَطَّةِ وَالإِْوَزَّةِ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ، إِذْ لاَ مِثْل لَهُ. وَقَال مَالِكٌ: تَجِبُ شَاةٌ فِي حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا، وَفِي حَمَامِ وَيَمَامِ غَيْرِهِمَا تَجِبُ الْقِيمَةُ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الطُّيُورِ (1) . 164 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْوَاجِبُ فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالسَّمِينِ وَالْهَزِيل وَالْمَرِيضِ مِنَ الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل} وَهَذَا مِثْلِيٌّ فَيُجْزِئُ. وَقَال مَالِكٌ: يَجِبُ فِيهِ كَبِيرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (2) ؟ وَالصَّغِيرُ لاَ يَكُونُ هَدْيًا، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ مَا يُجْزِئُ فِي الأُْضْحِيَّةِ (3) . __________ (1) المجموع 7 / 408 - 411، وشرح المنهاج 2 / 140، 141، ونهاية المحتاج 2 / 464، 465، والشرح الكبير 2 / 80 - 82، وشرح الزرقاني 2 / 320 - 322، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 427 - 430، والكافي 1 / 568، 569، ومطالب أولي النهى 2 / 369، 370 و 372، وفتح القدير 2 / 268 (2) المائدة / 95 (3) شرح الرسالة 1 / 495، والشرح الكبير 2 / 82، والزرقاني 2 / 322، 323، والمجموع 7 / 420 ونهاية المحتاج 2 / 464، والمغني 3 / 12، والكافي 1 / 569، ومطالب أولي النهى 2 / 372 ثَانِيًا: إِصَابَةُ الصَّيْدِ: 165 - إِذَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِضَرَرٍ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِحَسَبِ تِلْكَ الإِْصَابَةِ عِنْدَ الثَّلاَثَةِ: الْحَنَفِيَّةِ (1) وَالشَّافِعِيَّةِ (2) وَالْحَنَابِلَةِ (3) . فَإِنْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ. ضَمِنَ قِيمَةَ مَا نَقَصَ مِنْهُ، اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُل، فَكَمَا تَجِبُ الْقِيمَةُ بِالْكُل تَجِبُ بِالْجُزْءِ. وَهَذَا الْجَزَاءُ يَجِبُ إِذَا بَرِئَ الْحَيَوَانُ وَظَهَرَ أَثَرُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ فَلاَ يَضْمَنُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لِزَوَال الْمُوجِبِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ جَرَحَ صَيْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ قَدْرُ النَّقْصِ مِنْ مِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلاَّ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِذَا أَحْدَثَ بِهِ عَاهَةً مُسْتَدِيمَةً فَوَجْهَانِ عِنْدَهُمْ، أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ. أَمَّا إِذَا أَصَابَهُ إِصَابَةً أَزَالَتِ امْتِنَاعَهُ عَمَّنْ يُرِيدُ أَخْذَهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ كَامِلاً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الأَْمْنَ بِهَذَا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَضْمَنُ النَّقْصَ فَقَطْ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ (4) فَعِنْدَهُمْ لاَ يَضْمَنُ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَلاَمَتُهُ مِنَ الصَّيْدِ بِإِصَابَتِهِ بِنَقْصٍ، وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ فَرْقُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَقِيمَتِهِ بَعْدَ إِصَابَتِهِ. __________ (1) الهداية 2 / 264، والمسلك المتقسط ص 242، 243 (2) المجموع 7 / 405 و 413، 414. ونهاية المحتاج 2 / 465، 466، ومغني المحتاج 1 / 527، وشرح الكنز 1 / 105 (3) الكافي 1 / 570 و 572، ومطالب أولي النهى 2 / 373 (4) شرح الزرقاني 2 / 315، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 76 ثَالِثًا: حَلْبُ الصَّيْدِ أَوْ كَسْرُ بَيْضِهِ أَوْ جَزُّ صُوفِهِ: 166 - يَجِبُ فِيهِ قِيمَةُ كُلٍّ مِنَ اللَّبَنِ وَالْبَيْضِ وَالصُّوفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) وَالشَّافِعِيَّةِ (2) وَالْحَنَابِلَةِ (3) وَيَضْمَنُ أَيْضًا قِيمَةَ مَا يَلْحَقُ الصَّيْدَ نَفْسَهُ مِنْ نَقْصٍ بِسَبَبٍ مِنْ ذَلِكَ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ (4) عَلَى الْبَيْضِ أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ الأُْمِّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فَرْخٌ وَيَسْتَهِل ثُمَّ يَمُوتُ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً. وَهَذَا الأَْخِيرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. رَابِعًا: التَّسَبُّبُ فِي قَتْل الصَّيْدِ: 167 - يَجِبُ فِي التَّسَبُّبِ بِقَتْل الصَّيْدِ الْجَزَاءُ، وَذَلِكَ: 1 - بِأَنْ يَصِيحَ بِهِ وَيُنَفِّرَهُ، فَيَتَسَبَّبَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ. 2 - بِنَصْبِ شَبَكَةٍ وَقَعَ بِهَا صَيْدٌ فَمَاتَ، أَوْ إِرْسَال كَلْبٍ. 3 - الْمُشَارَكَةُ بِقَتْل الصَّيْدِ، كَأَنْ يُمْسِكَهُ لِيَقْتُلَهُ آخَرُ، أَوْ يَذْبَحَهُ. 4 - الدَّلاَلَةُ عَلَى الصَّيْدِ، أَوِ الإِْشَارَةُ، أَوِ الإِْعَانَةُ بِغَيْرِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْيَدِ، كَمُنَاوَلَةِ آلَةٍ أَوْ سِلاَحٍ، يَضْمَنُ فَاعِلُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (5) وَالْحَنَابِلَةِ (6) ، وَلاَ يَضْمَنُ عِنْدَ __________ (1) المسلك المتقسط ص 243 (2) نهاية المحتاج 2 / 460 (3) مطالب أولي النهى 2 / 338 (4) الشرح الكبير 2 / 84 (5) المسلك المتقسط 243، 246 - 248 وفي تفصيل شروط وجوب الجزاء بالدلالة والإعانة وأن يتصل القتل بها، وألا يعلم المدلول بالصيد ولا يراه قبل الدلالة، وأن يصدقه. (6) مطالب أولي النهى 2 / 333 - 336 الْمَالِكِيَّةِ (1) وَالشَّافِعِيَّةِ (2) . خَامِسًا: التَّعَدِّي بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ: 168 - إِذَا مَاتَ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لأَِنَّهُ تَعَدَّى بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ وَلَوْ كَانَ وَدِيعَةً (3) . سَادِسًا: أَكْل الْمُحْرِمِ مِنْ ذَبِيحَةِ الصَّيْدِ أَوْ قَتِيلِهِ: 169 - إِنْ أَكَل الْمُحْرِمُ مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ صَيْدِ مُحْرِمٍ أَوْ ذَبِيحَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلأَْكْل، وَلَوْ كَانَ هُوَ قَاتِل الصَّيْدِ أَيْضًا أَوْ ذَابِحَهُ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ لِلأَْكْل، إِنَّمَا عَلَيْهِ جَزَاءُ قَتْل الصَّيْدِ أَوْ ذَبْحِهِ إِنْ فَعَل ذَلِكَ هُوَ، وَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمُ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (4) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ (5) كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا أَكَل مِنْ صَيْدِ غَيْرِهِ، أَوْ صَيْدِ الْحَرَمِ إِذَا أَكَل مِنْهُ الْحَلاَل الَّذِي صَادَهُ، وَأَوْجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا أَكَل مِنْ صَيْدِهِ أَوْ ذَبِيحَتِهِ مِنَ الصَّيْدِ الضَّمَانَ سَوَاءٌ أَكَل مِنْهُ قَبْل الضَّمَانِ أَوْ بَعْدَهُ. __________ (1) الشرح الكبير 2 / 76، 77 (2) نهاية المحتاج 2 / 461، 462 (3) المسلك المتقسط 245، 246، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 72 ونهاية المحتاج 2 / 462، ومطالب أولي النهى 2 / 341 (4) الشرح الكبير وحاشية 2 / 78، والمجموع 7 / 308، 309، والمغني 3 / 314 (5) الهداية وفتح القدير 2 / 273. والمسلك المتقسط ص 253. وفي قول عن أبي حنيفة: إذا أكل قبل الضمان تداخل مع جزاء الصيد. وقيل لا رواية عنه في هذه الصورة فتكون محتملة. اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ، فَلَمْ يَضْمَنْ ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ الأَْكْل؛ وَلأَِنَّ تَحْرِيمَهُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً، وَالْمَيْتَةُ لاَ تُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ. وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ " حُرْمَتَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَحْظُورٌ إِحْرَامُهُ؛ لأَِنَّ إِحْرَامَهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَالذَّابِحَ عَنِ الأَْهْلِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ، فَصَارَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُل بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ مُضَافَةً إِلَى إِحْرَامِهِ ". الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِي الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ 170 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ جِنَايَةٌ يَجِبُ فِيهَا الْجَزَاءُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَامِدَ وَالْجَاهِل وَالسَّاهِيَ وَالنَّاسِيَ وَالْمُكْرَهَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (1) وَالْمَالِكِيَّةِ (2) وَالْحَنَابِلَةِ (3) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " لأَِنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَاءُ الْحَجِّ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَالْفَوَاتِ ". لَكِنِ اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنَ الْفِدَاءِ الْمَوْطُوءَةَ كُرْهًا، فَقَالُوا: لاَ فِدَاءَ عَلَيْهَا، بَل يَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ فَقَطْ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ (4) : النَّاسِي وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ وَالْمُكْرَهُ وَالْجَاهِل لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ أَوْ نُشُوئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَلاَ يَفْسُدُ الإِْحْرَامُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ بِالْجِمَاعِ. __________ (1) المسلك المتقسط ص 126 (2) الشرح الكبير بحاشيته 2 / 68 (3) الكافي 2 / 561، ومطالب أولي النهى 2 / 348، 350، 351، 352 (4) كما في نهاية المحتاج وحاشيته للشبراملسي 2 / 456 أَوَّلاً: الْجِمَاعُ فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ: يَكُونُ الْجِمَاعُ فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ جِنَايَةً فِي ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ: 171 - الأَْوَّل - الْجِمَاعُ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. فَمَنْ جَامَعَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أُمُورٍ: 1 - الاِسْتِمْرَارُ فِي حَجِّهِ الْفَاسِدِ إِلَى نِهَايَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ " لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ (1) ". 2 - أَدَاءُ حَجٍّ جَدِيدٍ فِي الْمُسْتَقْبَل قَضَاءً لِلْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَوْ كَانَتْ نَافِلَةً. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ هَذِهِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ مُنْذُ الإِْحْرَامِ بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ، وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَيْهِمَا الاِفْتِرَاقَ. 3 - ذَبْحُ الْهَدْيِ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَاةٌ، وَقَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ: لاَ تُجْزِئُ الشَّاةُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَجُلاً جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلاَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال لَهُمَا: اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَأَهْدَيَا هَدْيًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيل وَالْبَيْهَقِيُّ، وَبِمَا رُوِيَ مِنَ الآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ (2) . __________ (1) المجموع 7 / 381، ونهاية المحتاج 2 / 456، 457 والمسلك المتقسط ص 225، 226 (وفيه مزيد تفاصيل) وشرح الكنز للعيني 1 / 102، وشرح الزرقاني لمختصر خليل 2 / 306، والشرح الكبير 2 / 68، والمغني 3 / 334، ومطالب أولي النهى 2 / 247، 348 (2) انظر الهداية وفتح القدير 2 / 238 - 240، وشرح الكنز للعيني 1 / 102. والحديث المذكور مرسل وهو حجة عند الحنفية، وقد تعضد بشواهد تقوية. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا قَال الرَّمْلِيُّ: " لِفَتْوَى جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ ". (1) 172 - الثَّانِي: الْجِمَاعُ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْل التَّحَلُّل الأَْوَّل. فَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْل التَّحَلُّل يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ - كَمَا هُوَ الْحَال قَبْل الْوُقُوفِ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (2) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ بَدَنَةً (3) . اسْتَدَل الثَّلاَثَةُ: بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَال: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ؟ فَقَال: أَفْسَدْتَ حَجَّكَ. انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَهْلُكَ مَعَ النَّاسِ، فَاقْضُوا مَا يَقْضُونَ، وَحُل إِذَا حَلُّوا. فَإِذَا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ، وَأَهْدَيَا هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدَا فَصُومَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعْتُمْ (4) . وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مُطْلَقٌ فِي الْمُحْرِمِ إِذَا جَامَعَ، لاَ تَفْصِيل فِيهِ بَيْنَ مَا قَبْل الْوُقُوفِ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، وَهُوَ الْفَسَادُ وَوُجُوبُ بَدَنَةٍ. وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: __________ (1) نهاية المحتاج 2 / 457، وانظر المغني 3 / 334، والمجموع 7 / 381، والمنتقى شرح الموطأ 3 / 3، والشرح الكبير 2 / 68، وقد أطلق الشراح المالكيون وجوب " هدي " وبين تعيينه في المنتقى أنه بدنة. (2) حاشية العدوي 1 / 485، 486، والشرح الكبير الموضع السابق ونهاية المحتاج 2 / 456، والمغني 3 / 334 (3) الهداية بشرحها 2 / 240، 241، والمسلك المتقسط ص 226 (4) المغني 3 / 335 وانظر نصب الراية فقد رواه بأطول من هذا اللفظ 3 / 127 وقال: " رواه البيهقي وإسناده صحيح " الْحَجُّ عَرَفَةُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ (1) ، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرَّسٍ الطَّائِيِّ: وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْل ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَال الْحَاكِمُ: " صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ". (2) وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل: أَنَّ حَقِيقَةَ تَمَامِ الْحَجِّ الْمُتَبَادِرَةَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ مُرَادَةٍ؛ لِبَقَاءِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ رُكْنٌ إِجْمَاعًا، فَتَعَيَّنَ الْقَوْل بِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ تَمَّ حُكْمًا، وَالتَّمَامُ الْحُكْمِيُّ يَكُونُ بِالأَْمْنِ مِنْ فَسَادِ الْحَجِّ بَعْدَهُ، فَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْحَجَّ لاَ يَفْسُدُ بَعْدَ عَرَفَةَ مَهْمَا صَنَعَ الْمُحْرِمُ (3) . وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الْبَدَنَةَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَ بِمِنًى قَبْل أَنْ يُفِيضَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (4) . __________ (1) المسند 4 / 309، 310 وأبو داود (باب من لم يدرك عرفة) 2 / 196، والترمذي واللفظ له، (باب من أدرك الإمام. . .) 3 / 237، 238، والنسائي 5 / 256، وابن ماجه ص 1003، والمستدرك 1 / 464 قال الذهبي: " صحيح " (2) المسند 4 / 261،262 وأبو داود الموضع السابق، والترمذي واللفظ له في الباب السابق ص 238، 239، والنسائي (باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة) 5 / 263 - 265 وابن ماجه ص 1004، والمستدرك 1 / 463 ووافق الذهبي على صحته. (3) تبيين الحقائق للزيلعي شرح الكنز 2 / 58، وفتح القدير 2 / 240، 241 (4) الموطأ من طريق أبي الزبير (هدي من أصاب أهله قبل أن يفيض) 1 / 273 وابن أبي شيبة من طريق آخر عن ابن عباس. وسنده صحيح. انظر المجموع 7 / 380 173 - الثَّالِثُ: الْجِمَاعُ بَعْدَ التَّحَلُّل الأَْوَّل: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ بَعْدَ التَّحَلُّل الأَْوَّل لاَ يُفْسِدُ الْحَجَّ. وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِهِ الْجِمَاعَ بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ وَلَوْ قَبْل الرَّمْيِ، وَالْجِمَاعَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْل الرَّمْيِ وَالإِْفَاضَةِ. وَوَقَعَ الْخِلاَفُ فِي الْجَزَاءِ الْوَاجِبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ. قَالُوا فِي الاِسْتِدْلاَل: " لِخِفَّةِ الْجِنَايَةِ، لِوُجُودِ التَّحَلُّل فِي حَقِّ غَيْرِ النِّسَاءِ ". وَقَال مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهُ لِعِظَمِ الْجِنَايَةِ عَلَى الإِْحْرَامِ (1) . وَأَوْجَبَ مَالِكٌ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى مَنْ فَعَل هَذِهِ الْجِنَايَةَ بَعْدَ التَّحَلُّل الأَْوَّل قَبْل الإِْفَاضَةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِل، وَيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ. قَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: " وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمَّا أَدْخَل النَّقْصَ عَلَى طَوَافِهِ لِلإِْفَاضَةِ بِمَا أَصَابَ مِنَ الْوَطْءِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ بِطَوَافٍ سَالِمٍ إِحْرَامُهُ مِنْ ذَلِكَ النَّقْصِ، وَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ فِي إِحْرَامٍ إِلاَّ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ". وَلَمْ يُوجِبِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ (2) . ثَانِيًا: الْجِمَاعُ فِي إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ: 174 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ قَبْل أَنْ __________ (1) وقد روى مالك القصة المذكورة في باب (هدي من أصاب أهله تجل أن يفيض) فدل بذلك على أنه مذهبه في جناية الجماع بعد التحلل. والله أعلم. (2) الهداية 2 / 241، وشرح الكنز للعيني 1 / 103، والمنتقى للباجي 3 / 9، 10، والمجموع 7 / 393، 394 والمقنع 1 / 414، ومطالب أولي النهى 2 / 350 يُؤَدِّيَ رُكْنَ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ، أَمَّا لَوْ وَقَعَ الْمُفْسِدُ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ تَفْسُدُ الْعُمْرَةُ؛ لأَِنَّهُ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ أَمِنَ الْفَسَادَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ إِنْ حَصَل قَبْل تَمَامِ سَعْيِهَا وَلَوْ بِشَرْطٍ فَسَدَتْ، أَمَّا لَوْ وَقَعَ بَعْدَ تَمَامِ السَّعْيِ قَبْل الْحَلْقِ فَلاَ تَفْسُدُ؛ لأَِنَّهُ بِالسَّعْيِ تَتِمُّ أَرْكَانُهَا، وَالْحَلْقُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَال عِنْدَهُمْ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِذَا حَصَل الْمُفْسِدُ قَبْل التَّحَلُّل مِنَ الْعُمْرَةِ فَسَدَتْ. وَالتَّحَلُّل بِالْحَلْقِ، وَهُوَ رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (1) . 175 يَجِبُ فِي إِفْسَادِ الْعُمْرَةِ مَا يَجِبُ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ مِنَ الاِسْتِمْرَارِ فِيهَا، وَالْقَضَاءِ وَالْفِدَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي فِدَاءِ إِفْسَادِ الْعُمْرَةِ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَاةٌ؛ لأَِنَّ الْعُمْرَةَ أَقَل رُتْبَةً مِنَ الْحَجِّ، فَخَفَّتْ جِنَايَتُهَا، فَوَجَبَتْ شَاةٌ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ. أَمَّا فِدَاءُ الْجِمَاعِ الَّذِي لاَ يُفْسِدُ الْعُمْرَةَ فَشَاةٌ فَقَطْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَدَنَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (2) . ثَالِثًا: مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ: 176 - الْمُقَدِّمَاتُ الْمُبَاشَرَةُ أَوِ الْقَرِيبَةُ، كَاللَّمْسِ __________ (1) انظر تفصيل هذه الأحكام في مصطلح (عمرة) (2) فتح القدير 1 / 241، وحاشية العدوي 1 / 486، والمنتقى الموضع السابق، والمجموع 7 / 381، 382، وشرح المحلي 2 / 136، والمغني 3 / 486، وحاشية المقفع 1 / 414، ومطالب أولي النهى 2 / 51 بِشَهْوَةٍ، وَالتَّقْبِيل، وَالْمُبَاشَرَةِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ: يَجِبُ عَلَى مَنْ فَعَل شَيْئًا مِنْهَا الدَّمُ سَوَاءٌ أَنْزَل مَنِيًّا أَوْ لَمْ يُنْزِل. وَلاَ يَفْسُدُ حَجُّهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنْ أَنْزَل وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَنْزَل بِمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مَنِيًّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجِمَاعِ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُجَامِعِ مِمَّا ذُكِرَ سَابِقًا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِل فَلْيُهْدِ بَدَنَةً (1) . 177 - الْمُقَدِّمَاتُ الْبَعِيدَةُ: كَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ وَالتَّفَكُّرِ كَذَلِكَ، صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا الْفِدَاءُ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى الإِْنْزَال. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فِي الْفِكْرِ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا فَعَل أَيَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِقَصْدِ اللَّذَّةِ، وَاسْتَدَامَهُ حَتَّى خَرَجَ الْمَنِيُّ، فَهُوَ كَالْجِمَاعِ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ. وَإِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ فَلاَ يَفْسُدُ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْهَدْيُ (بَدَنَةٌ) . وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ نَظَرَ فَصَرَفَ بَصَرَهُ فَأَمْنَى فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ. رَابِعًا: فِي جِمَاعِ الْقَارِنِ: 178 - قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي جِمَاعِ الْقَارِنِ - بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ - التَّفْصِيل الآْتِيَ (2) : 1 - إِنْ جَامَعَ قَبْل الْوُقُوفِ، وَقَبْل طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ كِلاَهُمَا، وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ __________ (1) الهداية 2 / 237، 238 وحاشية العدوي 1 / 489، ونهاية المحتاج 2 / 456، ومختصر الخرقي، والمغني شرحه 3 / 338 - 340 (2) كما في المسلك المتقسط 227، 228 شَاتَانِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى إِحْرَامِهِمَا، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا، وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ. 2 - إِنْ جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ كُل أَشْوَاطِهِ أَوْ أَكْثَرَهَا فَسَدَ حَجُّهُ دُونَ عُمْرَتِهِ لأَِنَّهُ أَدَّى رُكْنَهَا قَبْل الْجِمَاعِ، وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَعَلَيْهِ دَمَانِ لِجِنَايَتِهِ الْمُتَكَرِّرَةِ حُكْمًا، دَمٌ لِفَسَادِ الْحَجِّ، وَدَمٌ لِلْجِمَاعِ فِي إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ لِعَدَمِ تَحَلُّلِهِ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ فَقَطْ، لِصِحَّةِ عُمْرَتِهِ. 3 - إِنْ جَامَعَ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَبَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْل الْحَلْقِ وَلَوْ بِعَرَفَةَ لَمْ يَفْسُدِ الْحَجُّ وَلاَ الْعُمْرَةُ، لإِِدْرَاكِهِ رُكْنَهُمَا، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِصِحَّةِ أَدَاءِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لَكِنْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ. 4 - لَوْ لَمْ يَطُفْ لِعُمْرَتِهِ - ثُمَّ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ - فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ، وَشَاةٌ لِرَفْضِ الْعُمْرَةِ، وَقَضَاؤُهَا. 5 - لَوْ طَافَ الْقَارِنُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ قَبْل الْحَلْقِ، ثُمَّ جَامَعَ، فَعَلَيْهِ شَاتَانِ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الْجِنَايَةِ عَلَى إِحْرَامَيْهِ؛ لِعَدَمِ التَّحَلُّل الأَْوَّل الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ التَّحَلُّل الثَّانِي. الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِي أَحْكَامِ كَفَّارَاتِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ كَفَّارَاتُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ، هِيَ: الْهَدْيُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْقَضَاءُ، وَالْكَلاَمُ هُنَا عَلَى أَحْكَامِهَا الْخَاصَّةِ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ: الْمَطْلَبُ الأَْوَّل الْهَدْيُ. 179 - تُرَاعَى فِي الْهَدْيِ وَذَبْحِهِ وَأَنْوَاعِهِ الشُّرُوطُ وَالأَْحْكَامُ الْمُوَضَّحَةُ فِي مُصْطَلَحِ " هَدْيٌ ". الْمَطْلَبُ الثَّانِي الصَّدَقَةُ 180 - يُرَاعَى فِي الْمَال الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأَْصْنَافِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ، كَمَا تُرَاعَى أَحْكَامُ الزَّكَاةِ فِي الْفَقِيرِ الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ. وَيُرَاعَى فِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَمِقْدَارِ الصَّدَقَةِ لِكُل مِسْكِينٍ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَهَذَا فِي الإِْطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْفِدْيَةِ. وَأَمَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لَمْ يُقَيِّدُوا الصَّدَقَةَ فِيهِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ. وَتَفْصِيلاَتُ ذَلِكَ وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ هَدْيٌ وَكَفَّارَةٌ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ. الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ الصِّيَامُ 181 - أَوَّلاً: مَنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ يُرَاعِي فِيهِ أَحْكَامَ الصِّيَامِ وَلاَ سِيَّمَا تَبْيِيتَ النِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاجِبِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ (ر: صَوْمٌ) . 182 - ثَانِيًا: الصِّيَامُ الْمُقَرَّرُ جَزَاءً عَنِ الْمَحْظُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ وَلاَ مَكَانٍ وَلاَ تَتَابُعٍ اتِّفَاقًا، إِلاَّ الصِّيَامَ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ هَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. فَلاَ يَصِحُّ صِيَامُ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ قَبْل أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلاَ قَبْل إِحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْقَارِنِ، وَلاَ قَبْل إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ اتِّفَاقًا. أَمَّا تَقْدِيمُهَا لِلْمُتَمَتِّعِ عَلَى إِحْرَامِ الْحَجِّ فَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ (1) وَالشَّافِعِيَّةُ (2) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ __________ (1) الشرح الكبير 2 / 84 (2) نهاية المحتاج 2 / 446 أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} (1) وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ (2) وَالْحَنَابِلَةُ (3) لأَِنَّهُ كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " وَقْتٌ كَامِلٌ جَازَ فِيهِ نَحْرُ الْهَدْيِ، فَجَازَ فِيهِ الصِّيَامُ، كَبَعْدَ إِحْرَامِ الْحَجِّ. وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى (فِي الْحَجِّ) أَيْ فِي وَقْتِهِ ". وَأَمَّا الأَْيَّامُ السَّبْعَةُ الْبَاقِيَةُ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ هَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، فَلاَ يَصِحُّ صِيَامُهَا إِلاَّ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَجُوزُ صِيَامُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَال الْحَجِّ، وَلَوْ فِي مَكَّةَ، إِذَا مَكَثَ بِهَا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (4) . وَالأَْفْضَل الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَهَا إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّ الأَْظْهَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصُومُ الأَْيَّامَ السَّبْعَةَ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا فِي الطَّرِيقِ، إِلاَّ إِذَا أَرَادَ الإِْقَامَةَ بِمَكَّةَ صَامَهَا بِهَا (5) . وَالدَّلِيل لِلْجَمِيعِ قَوْله تَعَالَى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} . (6) فَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَال غَيْرُهُمْ: إِنَّ الْفَرَاغَ مِنَ الْحَجِّ هُوَ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ، فَكَأَنَّهُ بِالْفَرَاغِ رَجَعَ عَمَّا كَانَ مُقْبِلاً عَلَيْهِ. 183 - ثَالِثًا: مَنْ فَاتَهُ أَدَاءُ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ فِي الْحَجِّ يَقْضِيهَا عِنْدَ الثَّلاَثَةِ، وَيَرْجِعُ إِلَى الدَّمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (7) ، لاَ يُجْزِيهِ غَيْرُهُ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. ثُمَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ صَامَ بَعْضَهَا قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ كَمَّلَهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ __________ (1) سورة البقرة / 196 (2) المسلك المتقسط ص 75 (3) الكافي 1 / 538، 539 (4) المراجع السابقة للمذاهب الثلاثة. (5) نهاية المحتاج 2 / 446 (6) سورة البقرة / 196 (7) المسلك المتقسط ص 176 أَخَّرَهَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَامَهَا مَتَى شَاءَ، وَصَلَهَا بِالسَّبْعَةِ أَوْ لاَ. وَلَمْ يُجِزِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَهُمْ صِيَامَهَا أَيَّامَ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ، بَل يُؤَخِّرُهَا إِلَى مَا بَعْدُ. 184 - وَيَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ فِي قَضَاءِ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ: " أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ بِقَدْرِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَمُدَّةِ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَى أَهْلِهِ، عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، كَمَا فِي الأَْدَاءِ، فَلَوْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَالِيَةً حَصَلَتِ الثَّلاَثَةُ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِالْبَقِيَّةِ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ ". الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ فِي الْقَضَاءِ 185 - وَهُوَ مِنْ وَاجِبِ إِفْسَادِ النُّسُكِ بِالْجِمَاعِ. وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَلِي: أَوَّلاً: يُرَاعَى فِي قَضَاءِ النُّسُكِ أَحْكَامُ الأَْدَاءِ الْعَامَّةِ، مَعَ تَعْيِينِ الْقَضَاءِ فِي نِيَّةِ الإِْحْرَامِ بِهِ. ثَانِيًا: قَال الْحَنَفِيَّةُ (1) وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ أَيْ مِنْ سَنَةٍ آتِيَةٍ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (2) وَالشَّافِعِيَّةِ (3) وَالْحَنَابِلَةِ (4) أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ كَانَ النُّسُكُ الْفَاسِدُ تَطَوُّعًا، فَيَأْتِي بِالْعُمْرَةِ عَقِبَ التَّحَلُّل مِنَ الْعُمْرَةِ __________ (1) الهداية وفتح القدير 2 / 240، والمسلك المتقسط ص 287 (2) الشرح الكبير 2 / 69 (3) نهاية المحتاج 2 / 458 (4) مطالب أولي النهى 1 / 349 الْفَاسِدَةِ، وَيَحُجُّ فِي الْعَامِ الْقَادِمِ. ثَالِثًا: قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُفْسِدَ عِنْدَمَا يَقْضِي نُسُكَهُ الْفَاسِدَ يُحْرِمُ فِي الْقَضَاءِ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي النُّسُكِ الْمُفْسَدِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْجُحْفَةِ مَثَلاً أَحْرَمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ سَلَكَ فِي الْقَضَاءِ طَرِيقًا آخَرَ أَحْرَمَ مِنْ مِثْل مَسَافَةِ الْمِيقَاتِ الأَْوَّل مَا لَمْ يَجْعَلْهُ ذَلِكَ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْعَامِ الأَْوَّل قَبْل الْمَوَاقِيتِ لَزِمَهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجِبُ الإِْحْرَامُ بِالْقَضَاءِ إِلاَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ. أَمَّا إِنْ جَاوَزَ فِي الْعَامِ الأَْوَّل الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَإِنَّهُ فِي الْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فِي عَامِ الْفَسَادِ لِعُذْرٍ مَشْرُوعٍ " كَأَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ حَلاَلاً لِعَدَمِ إِرَادَتِهِ دُخُول مَكَّةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَادَ الدُّخُول، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ يُحْرِمُ مِمَّا أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلاً ". (1) __________ (1) كما صرح به الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير 2 / 70، وانظر المذاهب الباقية في نهاية المحتاج 2 / 428، ومطالب أولي النهى 2 / 349 |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الفصل الأول: تعريف الصيام وأركانه
• تمهيد. • المبحث الأول: الركن الأول: الإمساك عن المفطِّرات. • المبحث الثاني: الركن الثاني: استيعاب زمن الإمساك. |