الحمد لله الذي من علينا بالأيمان وشرفنا بتلاوة القرآن فأشرقت علينا بحمد الله أنواره وبدت لذوي المعارف عند التلاوة أسراره وفاضت على العارفين عند التدبر والتأمل بحاره فسبحان من أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ولم يروا في الدارين غيره فهم بمشاهدة كماله وجلاله يتنعمون وبين أثار قدرته وعجائب عظمته يترددون وبالانقطاع إليه والتوكل عليه يتعززون يلهجون بصادق قوله تعالى {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [1] .
ان إنزال القرآن الكريم على هذه الأمة منة عظمى لأنه سبيل الهداية وطريق السلامة من الضلال والغواية فمن المعلوم أن كتاب الله تعالى تتفاوت دلالة آياته على المعاني وضوحًا وخفاءًا، ولو كانت آياته تتساوى في إدراكها العقول لخمدت الهمم وركدت الأفهام، يشملها الجهل لعدم وجود ما يحملها على الغوص والتفكير العميق لكن الله جلت حكمته جعل كتابه الكريم تختلف الإفهام والقرائح في إدراك أسراره واجتلاء معانيه.
قال ابن مسعود: من أراد العلم فليؤثر القران فان فيه علم الأولين والآخرين؛ وعن على ابن أبي طالب كرم الله وجهه قال: ما من شيء إلا وعلمه في القران غير أن آراء الرجال تعجز عنه [2] .
ومن هذا المنطلق كان سبب اختياري لهذا الموضوع الذي يحتاج إليه القاصي والداني إذ انه يعتبر بابًا من أبواب التفسير يجهل مغزاه الحقيقي كثير من الناس مع انه يلازمنا في كل وقت وحين ويفعله بعض الناس تقربًا منهم إلى الذات العلية، ألا وهو النذر بكسر النون والذي معناه التقرب إلى الله تعالى كما سنبين ذلك في تجوالنا بأروقة هذا العمل البسيط.
وقد اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه على هذه المقدمة ومبحثين:
المبحث الأول: نبذة مختصرة عن مفهوم النذر في القران الكريم وجذوره التاريخية وفيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول: تعريف النذر لغة واصطلاحًا.
(1) سورة الأنعام: 91.
(2) بحر العلوم: 1/ 35.