مع جوعها الشديد خوفا من الذئب، ثم كسرت رجلها وقدم العلف إليها فتناولت العلف مع الم البدن فدلت هذه الحكاية على أن الم الخوف اشد من الم البدن، وإذا ثبت هذا فنقول فلم قدم الله تعالى في الحكاية دفع ضرر الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف؟ والجواب: أن هذا الخوف كان قليلا لان بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدمت فما كانت تحتاج إلى التذكير مرة أخرى [1] .
وتسليتها عليها السلام من إجراء الماء وإخراج الرطب من حيث أنهما أمران خارقان للعادة فكأنه قال لها لا تحزني فان الله تعالى قدير على أن ينزه ساحتك عما يختلج في صدور المتقدمين بالأحكام العادية بان يرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك بما اظهر لهم من البسائط العنصرية والمركبات النباتية وما يخرق العادات التكوينية وفرغ على تسلية الأمر بالأكل والشرب ومن فسر السري برفع الشأن سامي القدر جعل التسلية بإخراج الرطب فكأنه قيل لا تحزني فان الله سبحانه قد اظهر لك ما ينزه ساحتك قالًا وحالًا [2] :
ويؤيد هذا ما رواه ابن زيد قال: قال عيسى عليه السلام لها. لا تحزني فقالت كيف لا احزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة فأي شيء عذري عند الناس ليتني مت قبل هذا فقال لها عليه السلام: أنا أكفيك الكلام [3] .
فان رأيت احدًا من بني ادم يكلمك أو يسألك كائن من كان عن شيء من أمرك وأمر ولدك وأراد أن يستنطقك وسبب ولادته {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [4] [5]
وقال صاحب الكشاف: قرأ (ترئن) بالهمز ابن الرومي عن أبي عمرو وهذا من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين في الإبدال [6] .
إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا اكلم احدًا من بني ادم اليوم، قال الضحاك: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام إلا من ذكر الله فقال لها ذلك فقالت إني أصوم من الكلام كما أصوم من الطعام إلا من
(1) التفسير الكبير: 21/ 207.
(2) روح المعاني: 16/ 86.
(3) تفسير القرآن العظيم: 3/ 159؛ روح المعاني: 16/ 86.
(4) سورة مريم: 26.
(5) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 8/ 332؛ روح المعاني: 16/ 86.
(6) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل: 1/ 729؛ ينظر التفسير الكبير: 21/ 208.