ذكر الله [1] .
والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام [2] ، فليس إطلاقًا للصوم على ترك الكلام ولكن المراد أن الصوم يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال. [3]
وكان هذا من بقية ما زادها به عيسى عليه السلام وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل تلقينا من الله لمريم وإرشادًا لقطع المراجعة مع من يريد مجادلتها فعلمها أن تنذر صوما يقارنه انقطاع عن الكلام فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة [4] . {صوما} يعني صمتا عن الكلام وفيه قولان:
(1) صمتا مكان قوله صوما: قاله ابن عباس وانس بن مالك والضحاك وأبي بن كعب وأبو رزين العقيلي.
(2) صوما عن الطعام والشراب والكلام قاله قتادة، وقال ابن زيد كان المجتهد من بني إسرائيل يصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام إلا من ذكر الله [5] .
وقال ابن الانباري: الصوم في لغة العرب على أربعة معان، يقال صوم لترك الطعام والشراب، وصوم للصمت، وصوم لضرب من الشجر، وصوم لذرق النعام [6] .
قال الرازي: صوما صمتا لأنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم دالا على الصمت وهذا النوع كان جائزًا في شرعهم وهل يجوز مثل هذا النذر في شرعنا؟ قال القفال: لعله يجوز لان الاحتراز عن كلام الآدميين وتجريد الفكر لذكر الله تعالى قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس، وروي انه دخل أبو بكر على امرأة نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر إن الإسلام هدم هذا فتكلمي والله اعلم [7] .
وكان قربة في دينهم فيصح نذره وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فهو منسوخ في شرعنا، وظاهر الأخبار تحريمه فان نذر لا يلزمه الوفاء به ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنفية لما فيه من التضييق وليس في شرعنا وان كان قربة في شرع من قبلنا؛ والظاهر أن نذر الصمت كان من مريم عليها السلام
(1) ينظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 8/ 332؛ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 1/ 679.
(2) تفسير القرآن العظيم: 3/ 159.
(3) التحرير والتنوير: 1/ 513.
(4) التحرير والتنوير: 1/ 594.
(5) زاد المسير في علم التفسير: 5/ 224؛ جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 8/ 332.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.