ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه تعلق، أما التفسير فقيل مخلصا للعبادة، وقيل خادما للبيعة، وقيل عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفا على طاعة الله [1] .
وكان يجب على هذا المحرر أمورًا عليه الالتزام بها:
(1) أن يكون خالصا لله خادما للكنيسة مفرغا للعبادة [2] .
(2) وكان واجبًا عليه أن لا يتزوج وان يكون متفرغًا لعمل الآخرة فقط ويعبد الله في خدمة الكنيسة قاله ابن عباس [3] .
ولم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا شي، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا، وذلك لان الأمر كان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ويجعلونهم محررين لخدمة الكنيسة وطاعة الله تعالى، وقيل كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ثم يخير بين المقام والذهاب فان أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وان اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ولم يكن نبيًا إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس [4] . وإطلاق المحرر على هذا المعنى إطلاق تشريف لأنه لما خلص لخدمة بيت المقدس فكان حرر من أسر الدنيا وقيودها إلى حرية عبادة الله [5] . وكان على أولادهم فرضا أن يطيعوهم في نذرهم فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادما في معبدهم.
ثم قال الله تعالى حاكيا عنها: {فتقبل مني انك أنت السميع العليم} التقبل اخذ الشيء على الرضا، واصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته ثم قالت بالمعنى: انك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي [6] .
لما ذكر القران الكريم لنا قصة زكريا وكيف انه دعا الله أن يرزقه ولدًا واشتكى أن امرأته عاقرًا ولا تلد أصلًا وانه بلغ عمرا يندر معه وجود الشهوة والولد
(1) التفسير الكبير: 8/ 27.
(2) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 1/ 208.
(3) روح المعاني: 3/ 133.
(4) التفسير الكبير: 8/ 27.
(5) التحرير والتنوير: 1/ 748.
(6) التفسير الكبير: 8/ 28.