وكيف أن الله سبحانه بقدرته اخرس هذه المسببات حينما نزلت المشيئة فمع كل هذه العوارض من الله سبحانه وتعالى عليه بيحيى وكانت من الآيات العجيبة انتقل منها إلى ما هو أعجب تدريجيًا من الأدنى إلى الأعلى إلا وهي ولادة عيسى عليه السلام من غير أب، فان إتيان المرأة بولد من دون زوج ودعواها انه من غير واحد من اكبر الدعاوى التي لو أقيم عليها عدة شهود لم تصدق وبما انه أمر عظيم كان لابد أن يكون المفند له أمرًا أعظم منه وأبهت للعقل فجعلت بينة هذا الخارق أمرًا من جنسه خارقًا أيضا، وان دل هذا على شيء إنما يدل على كمال قدرة الله تعالى، وعلى أن الأسباب جميعها لا تستقل بالتأثير وإنما تأثيرها بتقدير الله، فيري عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية لئلا يقفوا مع الأسباب ويقطعوا النظر عن مقدرها ومسببها، وسنبين هذه الأمور المعجزة في هذا التفسير لهذه الآية بخوارقها الكونية العظيمة
فيقول جل من قائل: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [1]
إذ قدم سبحانه في هذه الآية الأكل على الشرب لان احتياج النفساء إلى أكل الرطب اشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من دماء [2] . وقد كان جاريا وهو الأظهر في إزالة الحزن وأخر الشرب للعادة [3] .
{ ... وقري عينا} وقري عينا وطيبي نفسا وارفضي عنها ما أحزنك، وهو من القر بمعنى السكون فان العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره أو بمعنى البرد فان دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ويشهد له قولهم (قرة العين وسخنتها للمحبوب) وقرئ بكسر القاف وهي لغة نجد وهم يفتحون عين الماضي ويكسرون عين المضارع [4] .
وهنا سؤال: وهو أن مضرة الخوف اشد من مضرة الجوع والعطش والدليل أن الخوف الم الروح والجوع الم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن وروي انه أجيعت شاة ثم قدم العلف إليها وربط عندها ذئب فبقيت الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف
(1) سورة مريم: 26.
(2) التفسير الكبير: 21/ 207.
(3) روح المعاني: 16/ 86.
(4) روح المعاني: 16/ 86.