وذلك لما يترتب عليه من إيجاب الإنسان على نفسه شيئا هو في سعة منه، فيخشى أن يقصر في أدائه فيتعرض للإثم، ولما فيه من إرادة المعاوضة مع الله في التزام العبادة وربما ظن والعياذ بالله أن الله تعالى أجاب طلبه ليقوم بعبادته لهذه المحاذير وغيرها نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إيثارًا للسلامة وطمعا في جود الله بلا دالة ولا مشارطه [1] .
ويحتمل أن الناذر يأتي بالقرب مستثقلًا لها لما صارت عليه واجب أو لان الناذر يصير القربة كالعوض عن الذي نذر لأجله فلا تكون خالصة.
ويؤكد الصنعاني هذا بقوله: وأنا أتعجب ممن أطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي الصريح فاقل درجاته أن يكون مكروهًا؛ قال ابن العربي النذر شبيه بالدعاء فانه لا يرد القدر لكنه من القدر وقد ندب إلى الدعاء ونهي عن النذر لان الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله والخضوع والتضرع والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل إلى حين الضرورة [2] .
إن الإقدام على النذر غير مستحب للحديث الذي روي عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن النذر لا يقدم شي ولا يؤخره وإنما يستخرج بالنذر من البخيل [3] ) وفي صحيح مسلم أيضا: (( اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ينهانا ويقول: انه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من الشحيح [4] ) وهذا النهي نهي كراهة لا نهي تحريم، لأنه لو كان حراما لما مدح الله تعالى الموفين به، وكذلك هو غير مستحب لأنه لو كان مستحبًا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم [5] .
وقال أبو عبيد: والتشديد فيه ليس هو أن يكون ماثمًا ولو كان كذلك ما أمر الله تعالى أن يوفى به ولا حمد فاعله ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره لئلا يستهان بشأنه فيفرط في الوفاء به ويترك القيام به، ثم استدل على الحث على الوفاء به من الكتاب والسنة، وإنما كان وجه النهي أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه ضرب لازم، ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لم يبذل القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد فصار كالمعاوضة التي تقدح
(1) تيسير العلام: 2/ 478.
(2) سبل السلام:4/ 112.
(3) صحيح مسلم (1639) : 3/ 1261.
(4) صحيح مسلم (1639) : 3/ 1260.
(5) المفصل في احكام المراة والبيت المسلم: 2/ 429.