ومن ذلك حديث عدي بن حاتم في الصيد عندما أجابه عليه الصلاة والسلام بقوله: كل ما أصميت ولا تأكل ما أنصيت". فمنعه من أكل الصيد إذا غاب وفيه السهم ولم يمت فورا، مع حديث أبي ثعلبة الخشني الذي قال: كُل ولو بات ثلاثًا ما لم ينتن".
ووجهه أبو حامد في الإحياء بأن حالة الأول اقتضت التشديد وحالة الثاني وهو فقير يحتاج إلى الطعام اقتضت الترخيص.
وأشار القرطبي إلى هذا الجمع في تفسيره فقال: ولما تعارضت الروايتان رامَ بعضُ أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع وحديث الإباحة على الجواز وقالوا: إن عديًا كان موسَّعًا عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ورعًا وأبا ثعلبة كان محتاجًا فأفتاه بالجواز، والله أعلم [1] .
وبالغ إمام الحرمين فجعل أفكار العلماء في الواقع بمنزلة النسخ على ألسنة الأنبياء.
إن الاختلاف في التعريف هو اختلاف عبارة وإشارة وليس اختلاف دلالة وإيالة والقول الفصل فيه أنه القنطرة الواصلة بين حكم معروف العلة وبين مناط موصوف وبين محل مشخص معين لتحقيقها؛ لجعلها حاقة أي ثابتة تترتب عليها الأحكام المنوطة بتلك العلة، والمحل قد يكون ذاتًا حسية فيعمل الحس فيها، لإصدار حكم بتحقيق مناط الحكم ثم ترتيب الأحكام عليها.
ولهذا افتقر الأمر إلى مقدمتين ككون الماء مطلقًا أو متغيرا لترتيب الأحكام المنوطة بعلة الطهارة.
وهذا من باب تحقيق المناط في الأعيان كما سماه ابن تيمية في قوله: كما اتفقوا على تحقيق المناط، وهو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر
(1) - القرطبي ... الجامع ... 5/ 70