والنوع الثاني: الوقف الذري، وهو الوقف على الذرية من الأولاد وأولادهم وإن نزلوا، أو على الإخوة وغيرهم من الأقارب أو الأصدقاء أو غيرهم من المعينين باسمهم.
والنوع الثالث: الوقف المشترك، وهو الوقف الذي يعم النوعين الأول والثاني، فيكون بعضه للخيرات وبعضه الآخر للذرية، كأن يقول الواقف: وقفت هذه الدار نصفَها أو ربعَها أو ... للخيرات، والباقي للذريَّة، وهم ... بشرط كذا وكذا ... .
وأول من شرع الوقف في الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رواه البخاري قال: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُ بِهِ قَالَ إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لا يُبَاعُ وَلا يُوهَبُ وَلا يُورَثُ وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالا) .
ولو رجعنا إلى التاريخ الإسلامي، وقلبنا فيه صفحات الوقف، لوجدنا نماذج رائعة من معاونة الفقراء والمساكين والمنكوبين بطريق الأوقاف الذرية والخيرية والوقف المشترك، وقد حدثنا التاريخ أن أوقافا كثيرة كانت توقف للتعويض على أصحاب الكوارث ومن حلت بهم المصائب وناؤوا بحملها، فهنالك أوقاف لمن ماتت دابته ولم يستطع شراء دابة أخرى لفقره، ومن كسر إناؤه ولم يستطع لفقره شراء إناء آخر غيره، وهكذا .... .
وقد أجاز كثير الفقهاء للواقف أن يوقف ماله على نفسه مدة حياته، ثم على من شاء من أناس معينين بذاتهم، كأولاده أو أصحابه أو جيرانه أو العلماء أو الطلاب أو المرضى أو أصحاب العاهات أو أصحاب الكوارث والمصائب أو .... بشروط يحددها في وقفيته، ثم يقيم ناظرا على أوقافه هذه يديرها ويرعاها ويصرفها في مصارفها المنصوص عليها في حجة الوقف، أويترك الأمر للقاضي في حياته أو من بعده ...
ويمكن لنا استغلال هذا المرفق أو هذا النظام الإسلامي الثري بشروطه وأنواعه وأحكامه، التي أثراها فقهاء المسلمين بالدراسة والبحث، وألفوا فيها موسوعات كبيرة، للتخفيف عن أصحاب الكوارث والمصائب، سواء كان سبب ذلك الوفاة أو الحريق أو الغرق أو التصادم بين سيارتين أو .... وهو موضوع متفق عليه بين المسلمين، وهو معلم من معالم التعاون الإسلامي يمكن الاستغناء به تماما عن التأمين بالكلية، وهو تبرع محض ليس فيه شبهة المعاوضة، وهو نوع من الصدقة المثاب عليها، وفيه كل البعد عن الجشع والطمع في الربح الدنيوي، لأن الوقف نوع من الصدقة كما تقدم، بل هو الصدقة الجارية التي تعود على صاحبها بالربح الأخروي أبد الدهر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا) .
وإنني أرى أن يستبدل بالتأمين أصلا نظام الوقف الخيري على أصحاب الكوارث، فيتبرع الواقفون لوجه الله تعالى ببعض أموالهم على سبيل الدفعة الواحدة أو الدفعات