الصفحة 2 من 14

من التجار مال السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تمامًا، والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله، لأنَّ هذا التزام ما لا يلزم.

فإن قلت: إنَّ المودعَ إذا أخذ أجرة على الوديعة يضمنها إذا هلكت. قُلْتُ: ليست مسألتنا من هذا القبيل، لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة، بل في يد صاحب المركب، وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيرًا مشتركًا قد أخذ أُجْرة على الحفظ، وعلى الحمل، وكل من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، كالموت والغرق ونحو ذلك.

فإن قلت: سيأْتي قبيل «باب كفالة الرجلين» قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فسلك وأخذ ماله لم يضمن، ولو قال: إن كان مخوفًا وأخذ مالك فأنا ضامن: ضمن، وعلله الشَّارح هناك بأنه ضمن الغار صفة السَّلامة للمَغْرور نصًا. اهـ. أي بخلاف الأولى، فإنه لم ينص على الضمان بقوله: «فأنا ضامن» ، وفي «جامع الفصولين» : الأَصْل أنَّ المَغْرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرور في ضمن المعاوضة، أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور فيصار كقول الطحان لرب البرّ: اجعله في الدلو فجعله فيه، فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالمًا به يضمن، إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة. اهـ.

قُلْتُ: لا بدَّ في مَسْأَلة التغرير من أن يكون الغار عالمًا بالخطر كما يدل عليه مسألة الطَّحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم، إذ لا شك أن ربّ البرّ لو كان عالمًا بنقب الدلو يكون هو المضيع لما له باخْتياره، ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة لما في «القاموس» : غره غرًا وغرورًا فهو مغرور وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو. اهـ. ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا. وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار، لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلاَّ عند شدَّة الخوف طمعًا في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل أيضًا، نعم: قد يكون للتاجر شريك حربي في بلاد الحرب، فيعقد شريكه هذا العقد مع صاحب السَّوكرة في بلادهم، ويأخذ منه بدل الهالك ويرسله إلى التاجر، فالظاهر أن هذا يحل للتاجر أخذه لأنَّ العقدَ الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إليه مالهم برضاهم فلا مانع من أخذه، وقد يكون التاجر في بلادهم، فيعقد معهم هناك، ويقبض البدل في بلادنا أو بالعَكْس، ولا شك أنه في الأولى إن حصل بينهما خصام في بلادنا لا نقضي للتاجر بالبدل، وإن لم يحصل خصام ودفع له البدل وكيله المُسْتأمن هنا يحل له أخذه، لأن العقد الذي صار في بلادهم لا حكم له، فيكون قد أخذ مال حربي برضاه. وأما في صورة العكس، بأن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم، فالظَّاهر أنه لا يحل أخذه، ولو برضا الحربي لابتنائه على العقد الفاسد الصَّادر في بلاد الإسْلام، فيعتبر حكمه، هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المَسْأَلة فاغتنمه فإنه لا تجده في غير هذا الكتاب.

يعرف علماء القانون التأمين عامة بأنه: (نظام تعاقدي يقوم على أساس المعاوضة، غايته التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بواسطة هيئات منظمة تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أسس وقواعد إحصائية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت