6 -قياس عقد التأمين على ضمان الدَّرك، فقد قال عامة الفقهاء بجوازه، وعقد التأمين ما هو إلا صورة من صوره، فيكون مباحا لذلك.
ويرد على ذلك بأن بين الموضوعين فارقا مؤثرا لا يصح معه القياس، ذلك أن ضمان الدرك نوع من التبرع، وهذا معاوضة، والقواعد الفقهية تقضي بأن التبرعات مبنيةٌ على التسامح، أما المعاوضات فتبنى على التشاح، فلا يكون القياس صحيحا مع ذلك الفارق.
7 -قياس عقد التأمين على نظام العاقلة في دفع دية المقتول خطأ، حيث يوزع مبلغ الدية المتوجب بالقتل على عدد من أقارب القاتل، مما يهِّون على أهل القتيل أمر المصيبة، ويجعل التعويض موزعا على جماعة، وعقد التأمين قريب من هذا المعنى، حيث يؤدى التعويض من مجموع المال المحصل من عدد كبير من المؤمن لهم، فيكون فيه توزيع للمصيبة ومشاركة جماعية في تحملها.
ويرد على ذلك، بأن نظام العاقلة نظام يقوم على التبرع والتضامن بحكم الشرع من غير سابق عقد، وعقد التأمين عقد معاوضة، وهما مختلفان جدا، ولا يصح القياس مع ذلك.
8 -قياس عقد التأمين على عقد الحراسة، الذي اتفق الفقهاء على صحته، ذلك أن الحارس يتعاقد مع من يحتاج للحراسة على القيام بالحراسة مقابل أجرة معينة على ذلك، وعقد التأمين لا يخرج عن هذا المعنى، ذلك أن شركة التأمين تأخذ مبلغا من المال من المؤمَّن له، مقابل ما تقوم به قِبَلَهُ من الأمان على أمواله ونفسه، فيكون مباحا لذلك.
ويرد على ذلك، بأن بين الأمرين فارقا كبيرا لا يصح معه القياس، ذلك أن الحارس يقوم بعمل معين مقابل الأجر الذي يتقاضاه، فهو لذلك عقد إجارة عادي، أما شركة التأمين في عقد التأمين، فلا تقوم قبل المؤمن له سوى بدفع التعويض له عند حلول الضرر.
إن عقود التأمين التعاوني (التبادلي) من عقود التبرع، يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، وليست من عقود المعاوضات التي تقوم على أساس الربح، والتعاون مبدأ إسلامي دعا إليه القرآن الكريم في قوله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
ولا يؤثر فيه أن فيه غررا، لأن عقود التبرع يغتفر فيها من الغرر الكثير، على خلاف عقود المعاوضات، للقاعدة الفقهية الكلية: (يغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في المعاوضات) .
كما لا يؤثر أن فيه تفاضلا بين ما يدفعه المؤمَّن له وما يأخذه عند حدوث الضرر، وهو ليس من الربا، لأنه خرج عن المعاوضة إلى التبرع، والربا خاص بالمعاوضات، قال الميداني: (الربا في الشرع فضل خال عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة) .
ولا يؤثر أيضا أن فيه جهالة في مقدار التعويض الذي يأخذه المؤمَّن له إذا أصابه ضرر، ولا مقدار الأقساط التي يدفعها المؤمن له، للسبب السابق نفسه.