الصفحة 8 من 14

إلا أنه يرد على ذلك كله بدعوى انتفاء التبرع في هذا العقد أصلا، ذلك أن التبرع معناه الهبة، وهي إعطاء المال إلى الغير بلا مقابل، قال الميداني: (الهبة شرعا تمليك عين بلا عوض) ، وهذا على خلافه، ذلك أن المؤمَّن له يدفع الأقساط بشرط أن يعوَّض عن الضرر الذي قد يتعرض له بعد ذلك، وهو مضمون المعاوضة، وينافي التبرع، فإن قيل: إنه تبرع بشرط العوض وهو من هبة الثواب، كان الجواب: إن هبة الثواب لدى عامة الفقهاء من المعاوضات، ولها أحكامها، قال الكاساني: (وأما العوض المشروط في العقد؛ فإن قال وهبت لك هذا الشيء على أن تعوضني هذا الثوب، فقد اختلف في ماهية هذا العقد، قال أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم إن عقده عقد هبة وجوازه جواز بيع، وربما عبروا أنه هبة ابتداء بيع انتهاء) .

وجاء في المدونة: (الهبة للثواب يصاب بها العيب قلت: أرأيت إن وهبت هبة للثواب وأخذت العوض فأصاب الموهوب له بالهبة عيبا أنه يرجع في عوضه ويرد الهبة؟ قال: نعم. , الهبة على العوض بيع من البيوع يصنع فيها وفي العوض ما يصنع بالبيع. قلت: وهذا قول مالك؟ قال نعم. والهبة على العوض في قول مالك مثل البيوع محملٌ واحدٌ) .

وقال قليوبي: (ولو وهب بشرط ثواب معلوم , فالأظهر صحة العقد، ويكون بيعا على الصحيح، نظرا إلى المعنى، والثاني لا يكون هبة، نظرا إلى اللفظ، فلا يلزم قبل القبض، ومقابل الأظهر بطلان العقد، لمنافاة شرط الثواب للفظ الهبة المقتضي للتبرع، أو بشرط ثواب مجهول كثوب، فالمذهب بطلانه، أي العقد، لتعذر تصحيحه بيعا بجهالة العوض وهبة بذكر الثواب، بناء على أنها لا تقتضيه، وقيل يصح هبة بناء على أنها تقتضيه) .

وقال البهوتي: (وإن شرط الواهب فيها أي الهبة عوضا معلوما صارت الهبة بيعا، فيثبت فيها خيار مجلس، ونحوه، ويثبت فيها شفعة إن كان الموهوب شقصا مشفوعا، ونحوَهما كالرد بالعيب، واللزوم قبل التقابض، وضمان الدرك، ووجوب التساوي مع التقابض قبل التفرق في الربوي المتحد، لأنه تمليك بعوض معلوم أشبه ما لو قال بعتك أو ملكتك هذا بهذا) .

وقد جاء في الموسوعة الفقهية التي تصدرها وزارة الأوقاف في الكويت: (فإن اشتُرِط(أي الثواب) في العقد (أي عقد الهبة) وكان معلوما صح العقد عند الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في الأظهر، نظرا للمعنى عندهم، والقول الثاني للشافعية أن العقد باطل نظرا إلى اللفظ لتناقضه، فإن لفظ الهبة يقتضي التبرع، وإذا صح العقد اعتبر بيعا أو كالبيع في الجملة، ويكون له أحكام البيع .... ).

وعليه فإن عقد التأمين التعاوني (التبادلي) عقد معاوضة، مثله مثل التأمين التجاري، بدون فارق مؤثر بينهما، وعلى من يقول بحرمة التأمين التجاري -وهم عامة فقهاء العصر كما تقدم- أن يقولوا بحرمة التأمين التبادلي، لعدم الفارق المؤثر بينهما.

وربما أثار البعض من الفقهاء بعض الشبهات في ذلك، قائلين -كما تقدم- إن التأمين التجاري يتم بين مؤمن له وشركة غريبة عنه، بينما التأمين التبادلي يتم بين مؤمَّن له ومؤمَّن له آخر، أو بين مؤمن له وجماعة المؤمن لهم.

والجواب أن هذا الفارق فارق غير مؤثر، لأنه لا يخرج العقد عن مضمون المعاوضة التي هي علة التحريم في التأمين التجاري، فلا يؤثر في تغيير الحكم انتفاء أوصاف أخرى غير مؤثرة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت