الصفحة 9 من 14

وقد أيد مبدأ التسوية بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني، عدد من كبار الفقهاء المعاصرين، ثم انتهى بعضهم إلى إباحة النوعين، وانتهى آخرون إلى تحريم النوعين.

وممن سوى بين النوعين، أستاذنا الكبير مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى، وقال وهو يرد على بعض من يفرق بينهما ويدعي أن التأمين التجاري معاوضة، والتأمين التبادلي تبرع: (ويُرد على هذا أن عنصر المعاوضة موجود قطعا في التأمين التبادلي وإن لم يكن ظاهرا فيه ظهوره في التجاري، فالمساهم في صندوق التأمين التبادلي إنما يقدم مبلغ مساهمته في الصندوق لترميم أي ضرر يلحق أحد المساهمين(وهو منهم) أي إنما يقدمه على أساس أن يعوِّض الصندوق ضرره هو أيضا، ولولا أنه مشمول بهذا التعويض إن لحقه ضرر لما ساهم أصلا، كما أنه إنما يساهم في الصندوق على أساس أنه لا يعوض منه أي متضرر من غير المساهمين فيه). وقال: (يتضح إذن أن تصور كون التأمين التبادلي(التعاوني) تبرعا محضا لا يؤثر فيه الغرر، وأنه لذلك حلال شرعا، إنما هو وهم في وهم)، ثم تعرض لما قدمه الدكتور الضرير فقال: (وقد وقع الدكتور الضرير أيضا في هذا الوهم، فادعى أن التأمين التعاوني هو من قبيل التبرعات، ولكنه فيما يبدو قد انتبه إلى هذا الإيراد الذي يرد عليه، فادعى أنه عقد تبرع من نوع خاص لا نظير له في عقود التبرعات المعروفة في الفقه الإسلامي) ، ثم تعرض لأدلة من يحرمون التأمين التجاري التي اعتبرها شبهات، وعلق عليها بقوله: (فلا فرق في كل هذه الشبهات المزعومة بين تجاري وتعاوني من حيث طبيعة كل منهما ومضمونه، سوى أن من يقوم بإدارة عملية التأمين فيما يسمى تجاريا وهو شركة التأمين يعود عليه ربح في النتيجة من فرق ما يأخذ من أقساط، وما يؤدي عند وقوع الخطر من تعويضات، وهذه ناحية خارجية لا تغير من طبيعة التأمين شيئا، فكيف تصبح هذه المحاذير في التأمين التعاوني مباحة؟ وهل يجوز شرعا التعاون على القمار والرهان والمراباة؟) ثم قال: (فعلى الذين ينادون بتحريم التأمين التجاري ويهرولون فيه دون تتبصر وتمحيص، إما أن يقولوا بتحريم التعاوني أيضا ليخرجوا من التناقض والعاطفية في الأحكام ... وإما أن يسووا بين التأمين التجاري والتعاوني ... وهذا هو النظر السديد الذي لا مناص منه إذا أريد الخروج من التناقض في التصور والحكم) .

ومنهم الدكتور شوكت محمد عليَّان، حيث قال بعد ما استعرض بعضا مما أوردته عن الأستاذ الزرقاء، مؤيدا له: (وأنا شخصيا أوافق ما ذهب إليه الشيخ مصطفى الزرقاء من عدم الفارق بين التأمين التجاري والتأمين التبادلي، وأن كلا منهما يأخذ حكم الآخر، فهما في الحقيقة سواء، وأخالفه في إباحته للتأمين بصوره الثلاث) .

لهذا فإنني أنتهي إلى أن التأمين التعاوني (التبادلي) محرم شرعا، لما تقدم من أدلة تحريم التأمين التجاري الذي اتجه إليه كثير من الفقهاء، إن لم يكن أكثرُهم، منهم العلامة ابن عابدين ناقل المذهب الحنفي، والشيخ بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، والشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية، والإمام محمد أبو زهرة أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، والشيخ عبد الله القلقيلي مفتي المملكة الأردنية الهاشمية، والشيخ الدكتور محمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت