قال ابن تيمية: الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب؛ لما جعله الله سببًا له، فمن قال: ما قدر لي فهو يحصل لي، دعوت أو لم أدع، وتوكلت أو لم أتوكل، فهو بمنزلة من يقول: ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن، وأطعت أم عصيت، ومعلوم أن هذا ضلال وكفر، وإن كان الأول ليس مثل هذا في الضلال، إذ ليس تعليق المقاصد بالدعاء والتوكل كتعليق سعادة الآخرة بالإيمان، لكن لا ريب أن ما جعل الله الدعاء سببًا له فهو بمنزلة ما جعل العمل الصالح سببًا له، وهو قادر على أن يفعله سبحانه بدون هذا السبب، وقد يفعله بسبب آخر. أ. هـ) [1] .
وقال ابن تيمية في موضع آخر: الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات، ومن قال: إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤل ليس بسبب، أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودًا ولا عدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه فهما قولان ضعيفان فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله ? وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ? [2]
وفي الصحيحين عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - أنه قال: {ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر} [3] . فعلق العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به، وقال عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه) [4] .
(1) مجموع الفتاوى: ابن تيميه: 8/ 176، 177 ... .
(2) سورة غافر: 60.
(3) أحمد: 4/ 37، في مسند أبي سعيد الخدري رقو 1133، المكتبة التجارية، مكة المكرمة.
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية: 8/ 192، 193.