يحصل به الهدى وبيان الحق، لكن لابد مع ذلك من الفرقان، وهو الفرق بين ذلك الدليل وبين ما عارضه، والفرق بين خبر الرب، والخبر الذي يخالفه، ومن لم يحصل له الفرقان كان في اشتباه وحيرة" [1] ."
ومما يعلم بالضرورة من دين الله، وعليه إجماع السلف من الصحابة والتابعين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيّن القرآن الكريم لفظًا ومعنى، بل كانت عنايته بيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ، وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود، واللفظ وسيلة إليه فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود؟ وكيف يتيقن بيانه للوسيلة ولا يتيقن بيانه للمقصود الذي هو المعنى؟ [2] .
قال الإمام الشافعي رحمه الله:"فإنما خاطب الله بكتابه العرب على ما تعرف من معانيها وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها ... وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به ـ وإن اختلفت أسباب معرفتها ـ معرفة [3] واضحة عندها، ومستنكرًا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة" [4] .
ومراد الشافعي ـ رحمه الله ـ هو بيان أن شواهد القرآن الكريم واضحة المعاني عند أهل اللسان ومعانيها هي المتبادرة إلى الأذهان من ظاهرها، لكن على قانون أهل اللسان وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام، وما يحتف به من قرائن تؤكد أو تنقل المعنى المتبادر. فالخطاب القرآني خطاب يقيني، يحمل في ذاته أدوات تفسيره وإيضاحه، قال تعالى: [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) ] . {القيامة} ، ولا يجوز أن يخضع لجهة خارجة عنه في البيان؛ وإلا لم يكن هدى ولا بيانًا ولا شفاءًا ولا رحمة ولا حقًا ولا صدقًا ولا عدلًا، فهو كلام الخالق ـ تعالى ـ وصفة من صفاته نزل بلسان العرب وعلى قانونهم الأعلى في الفصاحة، ولا يصح هنا الاعتراض بأن السنة مبينة للقرآن الكريم، لأن السنة هنا وحي من الله وبأمره ـ تعالى ـ فلم تكن خارجة عن القرآن في مشروعية البيان، فكلاهما من عند الله بإجماع المسلمين [5] .
(1) النبوات، لابن تيمية (152) وانظر: قواعد المنهج السلفي للدكتور/ مصطفى حلمي (132) .
(2) مختصر الصواعق المرسلة، لابن القيم (1/ 117) . والرسالة للشافعي (51) تحقيق: أحمد شاكر، د. ن.
(3) قال المحقق الشيخ أحمد شاكر: المعرفة مصدر استعمل هنا في معنى اسم المفعول، أي: كانت هذه الوجوه أمرًا معروفًا واضحًا عند أهل العلم باللسان مستنكرًا عند غيرهم. أ. هـ.
(4) الرسالة، للشافعي (51 - 52 - 53) باختصار.
(5) انظر: الرسالة للشافعي (88 - 89) وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبدالبر (2/ 33) والأحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (1/ 97) .