الصفحة 16 من 28

ثانيًا: الحق واحد في نفسه لا يتعدد في الشاهد القرآني.

من مظاهر اليقين في الشاهد القرآني أن الله تبارك وتعالى قد جعل الحق ثابتًا في نفسه، قال تعالى: [مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ] {الأنعام:38} ، وقال: [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ] {الأعراف:157} وقال: [وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ] {النساء:83} [1] ، وقال - صلى الله عليه وسلم:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" [2] ، وقال تعالى: [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا] {الأنبياء:79} ،"فالأحكام الشرعية الأصلية والفرعية لا تتعدد بتعدد اجتهادات المجتهدين وهذا محل إجماع من الصحابة والتابعين [3] ، فقد انتشر عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضًا فيها، وصرحوا بلفظ الخطأ والإنكار مع إقامة العذر للمخطئ وعدم التثريب عليه إذا كان أهلًا للاجتهاد، ومن ذلك قول أبي بكر - رضي الله عنه - في الكلالة:"أقول فيها برأي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، وأستغفر الله" [4] ."

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لكاتبه: اكتب:"هذا ما رآه عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر" [5] .

وقال ابن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ في المفوضة:"أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمن الشيطان ..." [6] .

والأمثلة على ذلك كثيرة مشهورة ومعلومة في مضانها من كتب السنة والسيرة.

وإجماع الصحابة رضي الله عنهم حجة على من بعدهم، وعلى هذا الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجماهير أهل العلم من بعدهم.

وما نقل عن بعض المتكلمين من أن كل مجتهد مصيب فهو لا يتناول الأصول عند من قال به، بل هو محصور في العمليات الفقهية، وهم موافقون للسلف في أن المصيب في الأصول

(1) أخرجه مسلم (1716) .

(2) الملل والنحل، للشهرستاني (1/ 202) والأحكام، للآمدي (4/ 154) ، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي (4/ 107) البحر المحيط، للزركشي (6/ 241) ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (13/ 124) .

(3) الملل والنحل للشهرتاني (2/ 203) والمستصفي (2/ 106) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (2/ 376) .

(4) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم (1/ 54) .

(5) المراجع السابق (1/ 54) .

(6) المراجع السابق (1/ 57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت