ذهب جماعة من المتكلمين إلى أن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين لشبهات ذكروها، قال الرازي:"الدلائل اللفظية لا تكون قطعية، لأنها موقوفة على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وعدم الاشتراك والمجاز والتخصيص والإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي [1] ، وكل واحد من هذه المقدمات مظنونة والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنونًا، فثبت أن شيئًا من الدلائل اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًا" [2] .
ومفاد كلام الرازي وجماعته أن العلم بمراد المتكلم موقوف على حصول العلم بما يدل على مراده، ولا سبيل إلى العلم بمراده إلا بانتفاء هذه الأمور التي ذكرها من الاشتراك والتخصيص والإضمار ... إلخ.
والجواب العام الإجمالي عن هذه الشبهة هو أن قول القائل: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين إلا عند انتفاء الأمور العشرة المذكورة في كلام الرازي، نفي عام وقضية سالبة كلية، فإن أراد قائلها: أن أحدًا من الناس لا يعلم مراد متكلم"ما"يقينًا إلا عند انتفاء هذه الأمور العشرة؟ فكذب ظاهر، وإن خصَّ ذلك بنصوص الكتاب والسنة ففرية ظاهرة أيضًا؟ فإن الصحابة كلهم والتابعين كلهم، وأئمة الفقه والتفسير والحديث كلهم لم يتوقف علمهم بمراد الله ورسوله على انتفاء هذه الأمور العشرة المذكورة، بل لم تخطر لهم على بال ولم يذكروها في كلامهم [3] .
فالناقلون لكلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهموا مراد المتكلم، ونقلوا إلينا ذلك المراد كما نقلوا اللفظ الدال عليه.
وكلا المقدمتين معلومة بالاضطرار، فإن الذين خاطبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بدلائل الوحدانية والصفات والأفعال الإلهية، والصلاة والزكاة، والصوم، وغيرها من ألفاظ القرآن الكريم، يُعلم بالاضطرار أنهم فهموا مراده من تلك الألفاظ التي خاطبهم بها أعظم من حفظهم لها، ولهذا يضبط الناس من معاني المتكلم أكثر مما يضبطون من لفظه، فإن المقتضي لضبط المعنى أقوى من المقتضي لحفظ اللفظ؛ لأنه هو المقصود واللفظ وسيلة إليه [4] .
كذلك مما يبطل هذا الزعم الكلامي ما يلي:
1 -إن فهم مراد المتكلم ضروري في حياة بني آدم، فلابد من وجوده، فلو لم تفد الأدلة اللفظية العلم بمراد المتكلم لم يعش بنو آدم، واللازم منتف فالملزوم مثله.
(1) تقدم في الفقرة السابقة الجواب عن شبهة إفادة النقل لليقين.
(2) أساس التقديس، للرازي (222) وانظر: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، له أيضًا (51) وشرح المواقف، للجرجاني (2/ 51 - 52) .
(3) انظر: الصواعق المرسلة، لابن القيم، تحقيق، د. علي الدخيل الله (2/ 693) .
(4) المرجع السابق (1/ 633 - 634) .