أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولذلك كانت معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقة لمعانيها المرادة منها، كما وصفه الله تعالى بقوله: [وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا] {الفرقان:33} ، فالحق هو: المعنى المدلول عليه الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن هو: الألفاظ الدالة على ذلك الحق، والتفسير أصله من البيان والظهور [1] ، فقد وصف الله كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير، فالمقصود بالخطاب دلالة المخاطب وإفهامه مراد المتكلم، وأن يبين له ما يريد بيانه من المعاني، وأن يدله على ذلك من أقرب الطرق فلا يكون العبد صادقًا في إسلامه وإيمانه حتى يعقد قلبه على أن الدين كله لله، وأن الهدى هدى الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الحق دائر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجودًا وعدمًا.
وقد تطابقت شواهد القرآن والسنة والآثار على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها أنواعًا توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه تلك الشواهد.
وتسليط التأويل على النصوص المشتملة على إثبات الصفات والأفعال مع كثرة تلك الشواهد ووضوحها أشدُّ من تسليط التأويل على النصوص التي فيها ذكر المعاد والجنة والنار والملائكة، وهذا ما فعلته الباطنية والفلاسفة وسائر الملاحدة، فإن فتح باب التأويل في هذه المسائل قد نهجوا فيه منهج المتكلمين من القول بإذن الظواهر غير مراده، والعقل يحيل ويمنع هذا الظاهر، ـ وهكذا تهدم الشريعة والملة الإسلامية، وذلك أثر واضح من آثار فقد اليقين في الشاهد القرآني [2] .
وأهل الكلام على تنوع مدارسهم يتأولون كثيرًا مما ورد في القرآن الكريم في صفات الله وأفعاله زاعمين أن ذلك هو التنزيه المدلول عليه بقوله تعالى: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] {الشُّورى:11} ، وليس الأمر كذلك في الحقيقة.
وقد لخص الفخر الرازي هذه القضية بقوله:"أعلم إن الدلائل القطعية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين [3] ، وهو محال."
(1) مختصر الصواعق المرسلة (1/ 59) .
(2) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ـ لابن أبي العز (1/ 257) ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 202 - 203) ومجموع الفتاوى (5/ 17) .
(3) النقيضان: هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالعدم والوجود، انظر: التعريفات، للجرجان (92) .