واحد، والحق فيها واحد لا يتعدد [1] ، والجمهور من هؤلاء أيضًا يقولون بأن الحق في نفسه واحد حتى في الفقهيات العلمية [2] ، وإن ما ورد من ترتيب الأجر لكل مجتهد فليس لأجل أن الحق متعدد والكل مصيب، بل هو لبذل الجهد واستفراغ الوسع كما دلّ عليه منطوق الحديث فقد أثبت للمجتهد إصابة وخطأً.
قال ابن تيمية:"وقد تبين أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم، واتبعوا العلم ... وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في الأصول والفروع ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع".
ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية هو الرد على من يقسمون مسائل الدين إلى أصول وفروع ويرتبون على هذا التقسيم أحكامًا لا دليل عليها كقبول المتواتر ورد الآحاد، وكما في هذه المسألة من العذر في الفروع دون العذر في الأصول وغير ذلك، وليس هذا محل بحث هذه المسألة.
كما أنه ينبه إلى أن مسائل الفقه مبنية على العلم وكثير منها قطعي وليس الأمر كما قاله أهل الكلام من أن الفقه ظني، ويجعلون هذا التقسيم مأخذًا آخر للتفريق بين أصول الدين وفروعه، ويبين رحمه الله أن هذا الزعم لا يعرف عند السلف [3] .
قال الجويني:"المجتهد مصيب من حيث عمل بموجب الظن بأمر الله، مخطئ إذا لم يُنِه اجتهاده إلى منتهى حَصْل العثور على حكم الله في الواقعة" [4] .
فالقول بأن لا حكم لله في الوقائع والأعيان يفضي إلى إفراغ عملية الاجتهاد من معناها، إذ لا مطلوب للمجتهد يسعى لتحصيله وهذا عبث ينزه الشارع عن الإتيان به كما يرده الإجماع الأول من الصحابة والتابعين المستند إلى النصوص القاطعة من الكتاب والسنة كما تقدم.
(1) انظر: الملل والنحل، للشهرستاني (2/ 203) والمستصفى (2/ 106) وفواتح الرحموت (2/ 376) .
(2) انظر: المصادر السابقة.
(3) انظر: الاستقامة، لابن تيمية (1/ 48 - 49) والفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (3/ 291 - 292) .
(4) البرهان في أصول الفقه (2/ 424) .