2 -إننا نعلم قطعًا، أن جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض بلفظه، ويقطع به، ويتيقنه، فقول القائل: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، قدح في العلوم الضرورية التي اشترك الناس في العلم بها.
3 -إن أهل اللغة لم يشرعوا للمتكلم أن يتكلم بما يريد خلاف الظاهر إلا مع قرينة تبيّن المراد، فحيث تجرد الكلام عن القرائن علمنا قطعًا أن ظاهره مراد، ولا يعدل عن الظاهر إلا بقرينة، سواء كانت عقلية أو لفظية أو حالية، لابد من وجودها، إلا إذا كان مراد المتكلم التلبيس والتعمية، وقد علم أن الشارع الحكيم إنما يريد الهداية والإرشاد، فإذا تجرد كلامه عن القرائن فهم معناه المراد عند الاقتران؟ فلا يقع اللبس، لا في مجرد الكلام، ولا في الكلام المقيد [1] .
الحمد لله .. وبعد فمن خلال ثنايا ما تقدم من مباحث ومسائل يظهر لنا ولو بصورة مختصرة شيء من معالم اليقين في شواهد التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا منه خلفه تنزيل من حكيم حميد.
ولعل خلاصة ما تقدم أن شواهد القرآن الكريم مما علم المسلمون لفظه ومعناه وتلقوه عن الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وقرروه فيما بينهم، فكان ذلك إجماعًا منهم على الاعتماد الجازم والتصديق الأكيد بدلالة تلك الشواهد على الحق، وهذا الإجماع من ضروريات الدين وهو داحض لكل خلاف وشقاق لاحق في أوساط المسلمين.
ولعل من أبرز النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة ما يلي:
1 -إن الشواهد القرآنية هي: الألفاظ أو الكلمات أو الجمل من كلام الله ـ تعالى ـ وكلام الله صفة ذاتية فعلية وهو من صفات الكمال.
2 -إجماع السلف المستند إلى شواهد التنزيل والأثر على العلم بمعاني القرآن الكريم المستفاد من ألفاظه التي بلغت أعلى درجات الفصاحة والبيان.
3 -إن ما يزعمه بعض المتكلمين من تعارض الدلائل العقلية والسمعية أمر مخالف للإجماع القديم وبدعة شنيعة ترتب عليها تفريق الأمة واتباع غير سبيل المؤمنين.
4 -إن الزعم إن الدلائل اللفظية (شواهد التنزيل) لا تفيد اليقين أمر مخالف للحسّ والضروريات من حياة بني آدم، كما أنه قدح في التنزيل الذي وصفه الله بأنه هدى ورحمة ونور وشفاء، وآيات بينات، فإذا لم يفد اليقين، فمن ابن يستفاد إذًا؟
5 -إن الله تبارك جعل الحق في نفسه واحدًا غير متعدد فلله في كل واقعة وفي كل عين حكم، علمه من علمه، وجهله من جهلة، ومع ذلك فلا يكلف الله نفسًا ألا وسعها.
(1) المرجع السابق (633 - 690) وانظر: الرسالة، للشافعي (42 - 50) تحقيق: أحمد شاكر، ومجموع الفتاوى، لابن تيمية (16/ 442) ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 15) .