الصفحة 19 من 28

وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال، وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل، لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل إثبات الصانع وصفاته .. ولو جوزنا القدح في العقل صار متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وأنه باطل ..." [1] ."

وحاصل كلام الرازي أو ما عرف لاحقًا بقانون الرازي عند التعارض ـ المزعوم ـ بين العقل والنقل ما يلي:

1 -الجمع بينهما، وهو محال؛ لأنه جمع بين النقيضين.

2 -أن يردّا جميعًا، وهو محال، لأنه رفع للنقيضين.

3 -أن يقدم السمع، وهو محال، لأن العقل ـ عنده ـ أصل النقل، فلو قدمناه كان ذلك قدحًا في العقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه.

4 -أن يقدم العقل، وهو الواجب، ثم النقل بعد ذلك.

أما أن يُتأول، أو يفوّض العلم بمعناه، هذا مُحصّل قانون المتكلمين المرجوع إليه في ما يزعمونه من تعارض الدلائل السمعية والدلائل العقلية.

وهذا القانون الكلامي له صلة وثيقة بأصل الدين وقيام الحجة على المكلفين من جهة، ومن جهة أخرى فرع على قاعدة التنزيهات ومخالفة الحوادث التي هي بدورها ترجع إلى الأصل الأول عند المتكلمين ويعبرون عنه بالعقل أصل النقل كما يقول الرازي في النص المتقدم، وهذا القانون الكلامي يقدح كما هو ظاهر في يقينية الشاهد القرآني.

وقد أجاب أهل الإسلام عن هذه الشبهة الكلامية بما يلي:

أولًا: لا خلاف بأن الكتاب قد ورد بالتنبيه على فضل العقل، كما أن الله ذكر في كتابه أن من خالف هذا الكتاب فإنه من الذين لا يعقلون [2] .

ثانيًا: لا خلاف بين المسلمين أن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز ردّها بالعقل. بل العقل قد دلَّ على وجوب قبولهما والائتمام بهما [3] .

(1) أساس التقديس، للفخر الرازي (220 - 221) وانظر: الإرشاد، للجوني (352) والمستصفى، للغزالي (2/ 137) .

(2) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت، للجزي (95) .

(3) انظر: درء تعارض العقل والنقل (8/ 5 - 349) والملل والنحل للشهرستاني (1/ 101) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت