الشاهد القرآني عند علماء العقيدة الإسلامية:
يقول العلامة ابن القيم:"إن كل آية في القرآن الكريم فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهبه وأمره. فهي حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشريك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم" [1] .
وعبارات السلف في معنى (شهد) تدور على الحكم والقضاء، والإعلام والبيان، والإخبار، وهذه المعاني كلها حق ولا تنافي فيما بينها، فإن"الشهادة"تتضمن كلام الشاهد وخبره، وقوله، وتتضمن إعلامه، وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب. فأول مراتبها: علم، ومعرفة أو اعتقاد لصحة المشهود به، وثبوته.
وثانيها: تكلمة بذلك، ونطقه به، وإن لم يُعلم به غيره، بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها، وينطق بها أو يكتبها، وثالثها: أن يُعلم غيره بما شهد به ويخبر به ويبينه له، ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به.
فشهادة الله لنفسه بالوحدانية، والقيام بالقسط المذكورة في قوله تعالى: [شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] {آل عمران:18} .
قد تضمنت هذه المراتب الأربعة: علم الله سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به [2] .
(1) مدارج السالكين، لابن القيم (3/ 450) .
(2) ينظر: مدارج السالكين (3/ 451) وشرح العقيدة الطحاوية (1/ 43 - 49) .