الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وأزواجه وذُريَّته وصحابته ومن تَبِعهم بإحسان, وبعد:
فإنَّ لِصِيَغِ الأداء أهميَّةً عظيمةً في واقع الرواية, مِن حيثُ تعلُّقُها بمسائل مؤثِّرةٍ في صحَّتها, راجعةٍ إلى تحقُّق شرط الاتصال, وقد راعى الأئمة هذا الجانب في وقت مبكِّر من زمن الرواية, وذلك في تعرُّف مواطن الإرسال, وازدادت أهمية التنقيب عن السماعات من وقت ظهور التدليس في الرواة, واستمرَّت عناية أهل العلم بصيغ الأداء, ودلالاتها, ومباحثها إلى يوم الناس هذا, وكان من مُخرجات أعمالهم: تقسيم الصيَغ بحسب دلالتها على الاتصال, إلى صريحةٍ فيه, وصريحةٍ في ضدِّه- وهو الانقطاع-, وقسم ثالث متوسِّط بينهما, وهو: ما كان منها محتملًا للأمرين معًا, وكانت (العنعنة) مُندرجةً تحت هذا الأخير, ونالت جانبًا كبيرًا من التداوُل في مسألة عنعنة المعاصر, وجَرَت فيها بحوثٌ لم يخلُ منها كتابٌ مِن كُتب الفن.
فلمَّا وصلت نوبةُ علم الحديث إلى العلاَّمة المعلِّمي اليماني= عبد الرحمن بن يحيى (ت 1386) اختطَّ بحثًا جديدًا فيما يختص بالعنعنة, ذلكَ أنَّه قرَّر كونَها- في الأصل- ليست صيغةَ أداءٍ ممَّن ذُكِرَ اسمُهُ قبلَها, بل هي بدلٌ من صيغةٍ قد تكون صريحةً في الاتِّصال, أو محتملةً له [1] , وقرَّر أنَّ ما يجيء في كتب المصطلح من نسبة العنعنة إلى مَن تليه, من باب السهو, ونسب ذلك عملًا مُطَّردًا لأهل الحديث, وجاء بعده جمعٌ
(1) لم يقرَّ العلاّمة المعلمي بورودها بدلًا من الصيغة الصريحة في الانقطاع في أوَّل تقريره, لكنَّه عادَ وسلَّم به في ترجمة حجَّاج بن محمد المصيصي منَ التنكيل (1/ 227) وقال:"وعلى هذا, فسيان قيل: ابن جريج أُخبرتُ عن الزهري, وابن جريج عن الزهري". وجَزَمَ الدكتور إبراهيم اللاحم في الاتصال والانقطاع (ص 23) بمصيره إليه.