وأمّا ما يريد بها أهل الحديث, فيُعرف معناها من أخْذِ أحدِ جُزئي لفظِها المركّبة منهما, وهو: (عن) , وقالوا في معاني (عن) ودلالاتها الشيء الكثير, غير أنَّ ذلك راجع إلى"الانحطاط والنزول, تقول: (نزل عن الجبل) , و (نزل عن ظهر الدّابَّة) , و (أخذَ العلمَ عن زيد) ؛ لأنَّ المأخوذ عنه أعلى رُتبةً من الآخِذ" [1] .
وهذا الانحطاط والنزول من معاني (المجاوزة) [2] التي هي أشهر دلالات (عن) , بل لم يذكر البصريون غيرها, وعبّر عنها إمام النُّحاة سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان (ت 180) بقوله:"وأما (عن) فلِما عدا الشيءَ, وذلك قولك: أطعمَهُ عن جوع. جعل الجوع منصرفًا تاركًا له, قد جاوَزَه, وقال: قد سقاه عن العَيمة. والعيمة: شهوة اللبن" [3] , على حين ذَكَرَ غيرُهم - للجارَّة منها- عشرة معانٍ [4] , وكلُّها يمكن إرجاعُها إلى أصل (المجاوزة) بنوعِ تأويلٍ, وليس هذا البحثُ موضعَ التعرُّض لذلك.
وذكَر ابن هشام= جمال الدين ابن هشام الأنصاري (ت 761) أمثلة معنى: (سافرتُ عن البلد) , ونحوها [5] . وقال أبو الفتح ابن جني= أبو الفتح عثمان ابن جني (ت 392) :"ومعنى (عن) : المجاوزة والانتقال, تقول: انصرفت عن زيد. أي: جاوزتُه إلى غيرِه" [6] .
تقدَّمت الإشارة إلى كون الإمام مسلمٍ قد ذكر العنعنة بصورتها لا باسمها الذي استقرّ عليه الاصطلاح بعد الحاكم:"... كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان ..." [7] , لكن
(1) الصاحبي (ص 159) .
(2) مغني اللبيب (ص 196) .
(3) الكتاب (4/ 226) . ومثّلَ له محمد بن عبد الله الورّاق (ت 325) في علل النحو (ص 209) بـ:" (أخذت عنه حديثًا) أي: عدا إليَّ منهُ حديثًا (كذا) ".
(4) مغني اللبيب (ص 196 - 198) .
(5) المرجع السابق (ص 196) .
(6) اللُّمَع في العربيّة (ص 73) .
(7) مقدِّمة صحيح مسلم (1/ 28) .