أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102] ، ولم يقل: (( ستجدني صابرًا ) )من غير (( إن شاء الله ) )، فكان ذلك أمره تعالى، ولم يكن من إرادته تعالى الأمر ذبحه).
(ش) : (قال في لفقه الأبسط: والله شاء بالمشيئة) العامة للخير والشرّ، كما بيّنه بقوله: (شاء للمؤمنين الإيمان، ولأهل الخير الخير) الذي خلقه فيهم سبحانه، ووفقهم لاختياره، (وشاء للكافر الفر، وللعاصي المعصية) ، اللذين خلقهما عدلًا ومجازاة على سوء اختيارهما.
وفيه إشارة إلى مسائل:
الأولى: أن الإرادة والمشيئة مترادفان، كما دلّ البيان، واختاره عامة المتكلمين، وخالف فيه الكرامية، وفرقوا بينهما بأن المشيئة صفة واحدة أزلية لله تعالى، والإرادة حادثة في ذاته متعددة على عدد المرادات، تحدث كل إرادة منها قبل حدوث المراد، ويعقبها الراد، كما في الاعتماد وشرح المقاصد، وهو باطلٌ لما مرّ، ومخالفٌ للعرف واللغة.
الثانية: أن معنى المشيئة واضحٌ عند العقل، وإليه أشار بالسوق مساق الأمر المسلم الثبوت؛ إذ كل واحد منّا يعلم أنه قبل أن يصدر منه فعلٌ أو تركٌ يظهر فيه حالة ميلانية تقتضي ترجيح أحدهما على الآخر، والاختيار قريتٌ منه، وكأنه مع اعتبار ملاحظة الطرف الآخر دون المسيئة.
الثالثة: الرد على من زعم من المعتزلة أن الإرادة هي الداعية؛ لأن العطشان المخيّر بين قدحين متساويين لابدّ له ميلٍ لأحمدهما مع عدم هذه الداعية؛ لتساويهما في المنافع المعلومة والمظنونة، ولأن الداعية سابقة على الإرادة؛ لأنه إذا حصل علم أو ظن يكون الفعل زائدًا في المصلحة حصل بعد ذلك ميل إليه، كما في شرح المقاصد، وإليه أشار بإطلاق قوله: شاء بالمشيئة.
الرابعة: أنه تعالى شاء: أي خصص الأشياء بالوقوع في وقتٍ بصفة الإرادة والمشيئة؛ إذ لولا ذلك يلزم الترجيح بلا مرجحٍ، فإن شيئًا من غيرها من الصفات لا يصلح لذلك.
وإليه أشار بقوله: شاء بالمشيئة، وما يُقال: إن العلم بالمصلحة صالح لذلك ممنوع؛ إذ قد يكون المصلحة في الفعل أو الترك متساوية، كما في صورة القدحين والرغيفين والطريقين، وما يُقال: إن كان نسبة الإرادة إلى الضدّين والأوقات على السوية كالقدرة فهي أيضًا لا تسلح لذلك، وإلا يلزم الإيجاب وينتفي الاختيار. @