فهرس الكتاب

الصفحة 1090 من 2585

بالمحبوب لا يشبع من مشاهدته ولا يأخذ نهمته منا لأنه كلما نظر إليه زاد وجدا به وشوقا مع حضوره معه كما قيل

ومن عجب إني أحن إليهم وأسأل شوقا عنهم وهم معي

وتبكيهم عيني وهم في سوادها وتشتاقهم نفسي وهم بين أضلعي

وكل حب يبقى في المحب عقلا يعقل به عن غير محبوبه أو تعقلا فليس بحب خالص وإنما هو حديث نفس قال بعضهم

ولا خير في حب يدبر بالعقل

وحكايات المحبين في هذا الباب أكثر من أن تحصى ولنا في ازدياد المحبة مع المشاهدة والشوق

أغيب فيفني الشوق نفسي فالتقى فلا أشتفي فالشوق غيبا ومحضرا

ويحدث لي لقياه ما لم أظنه مكان الشفا داء من الوجد آخرا

لأني أرى شخصا يزيد جماله إذا ما التقيناه نخوة وتكبرا

فلا بد من وجد يكون مقارنا لما زاد من حسن نظاما محررا

أشير إلى تجليه سبحانه في صور مختلفة في الآخرة لعباده وفي الدنيا لقلوب عباده كما ورد في صحيح مسلم من تحوله سبحانه في الصور كما ينبغي لذاته من غير تشبيه ولا تكييف فو الله لو لا الشريعة التي جاءت بالأخبار الإلهي ما عرف الله أحد ولو بقينا مع الأدلة العقلية التي دلت في زعم العقلاء على العلم بذاته بأنه ليس كذا وليس كذا ما أحبه مخلوق فلما جاء الخبر الإلهي بالسنة الشرائع بأنه سبحانه كذا وأنه كذا من أمور تناقض ظواهرها الأدلة العقلية أحببناه لهذه الصفات الثبوتية ثم بعد أن أوقع النسب وثبت السبب والنسب الموجبات للمحبة قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ فثبت الأسباب الموجبة للحب التي نفاها العقل بدليله وهذا معنى

قوله فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني

فما يعرف الله إلا بما أخبر به عن نفسه من حبه إيانا ورحمته بنا ورأفته وشفقته وتحببه ونزوله في التحديد لمثله تعالى ونجعله نصب أعيننا في قلوبنا وفي قبلتنا وفي خيالنا حتى

كأنا نراه لا بل نراه فينا لأنا عرفناه بتعريفه لا بنظرنا ومنا من يراه ويجهله فكما أنه لا يفتقر إلى غيره كذلك والله لا يحب في الموجودات غيره فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب وما في الموجود إلا محب فالعالم كله محب ومحبوب وكل ذلك راجع إليه كما أنه لم يعبد سواه فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الألوهية فيه ولولاها ما عبد يقول تعالى وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وكذلك الحب ما أحب أحد غير خالقه ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد وهند وليلى والدنيا والدرهم والجاه وكل محبوب في العالم فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات وهم لا يعلمون والعارفون لم يسمعوا شعرا ولا لغزا ولا مديحا ولا تغزلا إلا فيه من خلف حجاب الصور وسبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحب سواه فإن الحب سببه الجمال وهو له لأن الجمال محبوب لذاته

والله جميل يحب الجمال

فيحب نفسه وسببه الآخر الإحسان وما ثم إحسان إلا من الله ولا محسن إلا الله فإن أحببت للإحسان فما أحببت إلا الله فإنه المحسن وإن أحببت للجمال فما أحببت إلا الله تعالى فإنه الجميل فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا الله ولما علم الحق نفسه فعلم العالم من نفسه فأخرجه علم صورته فكان له مرآة يرى صورته فيه فما أحب سوى نفسه فقوله يُحْبِبْكُمُ الله على الحقيقة نفسه أحب إذ الاتباع سبب الحب واتباعه صورته في مرآة العالم سبب الحب لأنه لا يرى سوى نفسه وسبب الحب النوافل وهي الزيادات وصورة العالم زيادة في الوجود فأحب العالم نافلة فكان سمعه وبصره حتى لا يحب سوى نفسه وما أغمضها من مسألة وما أسرع تفلتها من الوهم فإنه اتفق في الوجود أمر غريب وذلك أن ثم أمورا يتحقق بها العقل ويثبت عليها ولا يتزلزل وتتفلت من الوهم ولا يقدر يبقى على ضبطها مثل هذه المسألة يثبتها العقل ولا يقدر يزول عنها وتتفلت من الوهم ولا يقدر على ضبطها وثم أمور أخر بالعكس تتفلت من العقل وتثبت في الوهم ويحكم عليها ويؤثر فيها كمن يعطيه العقل بدليله أن رزقه لا بد أن يأتيه سعى إليه أو لم يسع فيتفلت هذا العلم عن العقل ويحكم عليه الوهم بسلطانه إنك إن لم تسع في طلبه تموت فيغلب عليه فيقوم يتعمل في تحصيله فحقه من جهة عقله زائل وباطله من جهة وهمه ثابت لا يتزلزل وكمن يرى حية أو أسدا على صورة لا يتمكن فيما يغطيه العقل أن يصل ضرره إليه فيغيب عن ذلك الدليل ويتوهم ضرره فينفر منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت