فهرس الكتاب

الصفحة 2039 من 2585

المؤمنين وذلك أني كنت يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة بمكة قد دخلت الطواف فرأيت رجلا حسن الهيئة له هيبة ووقار وهو يطوف بالبيت أمامي فصرفت نظري إليه عسى أعرفه فما عرفته في المجاورين ولم أر عليه علامة قادم من سفر لما كان عليه من الغضاضة والنضارة فرأيته يمر بين الرجلين المتلاصقين في الطواف ويعبر بينهما ولا يفصل بينهما ولا يشعران به فجعلت أتتبع بأقدامي مواضع وطئت أقدامه ما يرفع قدما إلا وضعت قدمي في موضع قدمه وذهني إليه وبصري معه لئلا يفوتني فكنت أمر بالرجلين المتلاصقين اللذين يمر هو بينهما فأجوزهما في أثره كما يجوزهما ولا أفصل بينهما فتعجبت من ذلك فلما أكمل أسبوعه وأراد الخروج مسكته وسلمت عليه فرد علي السلام وتبسم لي وأنا لا أصرف نظري عنه مخافة أن يفوتني فإني ما شككت فيه أنه روح تجسد وعلمت أن البصر يقيده فقلت له إني أعلم أنك روح متجسد فقال لي صدقت فقلت له فمن أنت يرحمك الله فقال أنا السبتي بن هارون الرشيد فقلت له أريد أن أسألك عن حال كنت عليه في أيام حياتك في الدنيا قال قل قلت بلغني أنك ما سميت السبتي إلا لكونك كنت تحترف كل سبت بقدر ما تأكله في بقية الأسبوع فقال الذي بلغك صحيح كذلك كان الأمر فقلت له فلم خصصت يوم السبت دون غيره من الأيام أيام الأسبوع فقال نعم ما سألت ثم قال لي بلغني أن الله ابتدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة فلما كان يوم السبت استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال أنا الملك هذا بلغني في الأخبار وأنا في الحياة الدنيا فقلت والله لأعملن على هذا فتفرغت لعبادة الله من يوم الأحد إلى آخر الستة الأيام لا أشتغل بشي ء إلا بعبادته تعالى وأقول إنه تعالى كما اعتنى بنا في هذه الأيام الستة فإني أتفرغ إلى عبادته فيها ولا أمزجها بشغل نفسي فإذا كان يوم السبت أتفرغ لنفسي وأتحصل لها ما يقوتها في باقي الأسبوع كما روينا من إلقاء إحدى رجليه على الأخرى وقوله أنا الملك الحديث وفتح الله لي في ذلك فقلت له من كان قطب الزمان في وقتك فقال أنا ولا فخر قلت له كذلك وقع لي التعريف قال صدقك من عرفك ثم قال لي عن أمرك يريد المفارقة قلت له ذلك إليك فسلم على سلام محب وانصرف وكان بعض أصحابي والجماعة في انتظاري لكونهم كانوا يشتغلون علي بإحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله فأما فرغت من ركعتي الطواف وجئت إليهم قال لي بعضهم وهو نبيل بن خزر بن خزرون السبتي رأيناك تكلم رجلا غريبا حسن الوجه وسيما لا نعرفه في المجاورين من كان ومتى جاء فسكت ولم أخبرهم بشي ء من شأنه إلا بعض إخواني فإني أخبرتهم بقصته فتعجبوا لذلك

[أن الفراغ الإلهي إنما كان من الأجناس في الستة الأيام]

واعلم أيدنا الله وإياك أن الفراغ الإلهي إنما كان من الأجناس في الستة الأيام وأما أشخاص الأنواع فلا فبقي الفراغ بالأزمان لا عن الأشخاص وهو قوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ من الشئون الذي قال فيها كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ في هذه الدنيا فيفرغ لنا منا وتنتقل الشئون إلى البرزخ والدار الآخرة فلا يزال الأمر من فراغ إلى فراغ إلى أن يصل أوان عموم الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ فلا يقع بعد ذلك فراغ يحده حال ولا يميزه بل وجود مستمر ووجود ثابت مستقر إلى غير نهاية في الدارين دار الجنة ودار النار هكذا هو الأمر في نفسه ففراغه من العالم هذا القدر الذي ذكرته آنفا وفراغ العالم منه من حيث الدلالة عليه لا غير وأما الوهب من العلم به فلا يزال دائما لكن من غير طلب في الآخرة مقالي لكن التجلي دائم والقبول دائم فالعلم متجدد الظهور لي على الدوام.

والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الباب التاسع وأربعمائة في معرفة منازلة أسمائي حجاب عليك فإن رفعتها وصلت إلى»

حجابك أسماء لنا ونعوت وأعياننا أكواننا فنقول

لنا الدولة الغراء ليست لغيرنا ولا غير إلا ربنا فنصول

على من فحقق ما تقول وإنما يقول بهذا ظالم وجهول

فكل مقال فيه غير مقيد فكل مقالاتي إليه تئول

فلا ترفع الأستار بيني وبينه فذاك وجود ما إليه سبيل

[إن الإنسان ضعيف فقير]

اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الإنسان وإن كان في نفس الأمر عبدا ويجد في نفسه ما هو عليه من العجز والضعف والافتقار إلى أدنى الأشياء والتألم من قرصة البرغوث ويعرف هذا كله من نفسه ذوقا ومع هذا فإنه يظهر بالرياسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت