فهرس الكتاب

الصفحة 1476 من 2585

مرتبته في قلب الملك قبل طلب تلك الحاجة ووزنتها بعد طلب الحاجة نقصت عنها بقدر ما طلب فصفة الحق تعالى حيثما ظهرت محبوبة مطلوبة عند الناس الذين لا يفرقون بين ظهورها عند من يستحقها وبين ظهورها عند من لا يستحقها ولو علم هذا الجاهل أن أفقر الناس إلى المال أكثرهم مالا وذلك أن صاحب الفقر المدقع محتاج بالضرورة إلى ما يسد به خلته فهو فقر ذاتي والغني بالمال مع كثرة ماله بحيث لو قسمه على عمره وعمر بنيه وحفدته لكفاهم ومع هذا يترك أهله وولده ويسافر بماله ويخاطر به في البحار والأعداء وقطع المفازات إلى البلاد القاصية شرقا وغربا في اقتناء درهم زائد على ما عنده لشدة فقره إليه وربما هلك في طلب هذه الزيادة وغرق ماله أو أخذ وربما استؤسر في سفره أو قتل ومع هذه المعضلات كلها لا يترك سفرا في طلب هذه الزيادة فلو لا جهله وشدة فقره ما خاطر بالأنفس في طلب الأخس فالفقير الزاهد يرى أن هذا الغني أفقر منه بكثير وهو في فقره مذموم وأن هذا الزاهد لو لا غناه بربه عن هذه الأعراض لكان أشد حرصا في طلبها من التجار والملوك ولنا في هذا المعنى أبيات منها

بالمال ينقاد كل صعب من عالم الأرض والسماء

يحسبه عالم حجابا لم يعرفوا لذة العطاء

لو لا الذي في النفوس منه لم يجب الله في دعاء

لا تحسب المال ما تراه من عسجد مشرق الراء

بل هو ما كنت يا بنيي به غنيا عن السواء

فكن برب العلا غنيا وعامل الحق بالوفاء

ولنا فيه أيضا من قصيدة

المال يصلح كل شي ء فاسد وبه يزول عن الجواد عثارة

وهذه طريقة أغفلها أهل طريقنا ورأوا أن الغني بالله تعالى من أعظم المراتب وحجبهم ذلك عن التحقيق بالتنبيه على الفقر إلى الله الذي هو صفتهم الحقيقية فجعلوها في الغني بالله بحكم التضمين لمحبتهم في الغني الذي هو خروج عن صفتهم والرجل إنما هو من عرف قدره وتحقق بصفته ولم يخرج عن موطنه وأبقى على نفسه خلعة ربه ولقبه واسمه

الذي لقبه به وسماه فقال أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله والله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فلرعونة النفس وجهالتها أرادت أن تشارك ربها في اسم الغني فرأت إن تتسمى بالغنى بالله وتتصف به حتى ينطلق عليها اسم الغني وتخرج عن اسم الفقير فانظر ما بين الرجلين وما رأيت أحدا من أهل طريقنا أشار إلى ما ذكرناه أصلا من غوائل النفوس المبطونة فيها إلا الله تعالى فهو الذي نبه عباده عليها وبعد هذا فما سمعوا وتعاموا وكم جهدت أن أرى لأحد في ذلك تنبيها عليه فما وجدت وأسأل من الله تعالى أن لا يجعلنا ممن انفرد بها وأن يشاركنا فيها إخواننا من العارفين وأما أصحابنا فإنهم أخذوها عنا وتحققوا بها في نفوسهم وما بقي عليهم فيها إلا التخلق بها وأن تكون صفتهم دائما ولكن بعد أن عرفنا أولادنا فعرفوا هذه المرتبة وتنبهوا إلى ما جهل الناس من العارفين من ذلك فقد حصل لهم خير كثير منعهم هذا القدر إن يسيئوا الأدب مع الله تعالى

[من إساءة الأدب في طريق الله تعالى]

ومن إساءة الأدب في طريق الله تعالى وهو مما يستدرج الله به العارفين عزة الشيوخ على أتباعهم من المريدين بما افتقروا إليهم فيه من التربية وامتيازهم عنهم فإن الشيخ إذا لم يوف هذا المقام حقه يحجبه فقر المريد إليه عن فقره إلى ربه حالا ويكون مشهده عند ذلك غناه بالله والغني بالله يطلب العزة وحال المحقق صاحب هذا المقام إذا رأى المريدين يفتقرون إليه فيما عنده من الله شكر الله على ذلك حيث ألزم الله به فقراء إليه يثبتونه بصفة فقرهم إليه على فقره إلى الله تعالى فإنه ربما لو لم يظهر صفة فقرهم إليه نسي فقره إلى الله تعالى فهكذا هو حال الشيخ المحقق فينظر هذا الشيخ المريدين المفتقرين إليه بعين من يثبته على طريقه لئلا تزل به القدم فيه فهو كغريق وجد من يأخذ بيده كيف يكون حب ذلك الغريق فيه حيث أمسك عليه حياته فيرى هذا الشيخ حق المريد عليه أعظم من حقه على المريد فالمريد هو شيخ الشيخ بالحال والشيخ هو شيخ المريد بالقول والتربية وإن كنت عاقلا فقد نبهتك على الطريق الأنفس فاعمل عليه فما أبقيت لك في النصيحة ولنا

أنا عبد والذل بالعبد أولى لا أراني للعز بالحق أهلا

فانظروني فكلما قلت قولا كان قولي حالا وعقدا وفعلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت