فهرس الكتاب

الصفحة 1543 من 2585

من حيث توحيد الألوهية إلى توحيد ذاته من حيث هو لنفسه لا من حيث المرتبة التي بها يتعلق الممكن فيشاهده في ذلك التوحيد واحدا لا واحدا معرى عن النسب والإضافات مجهولا للممكنات غير منسوب لنفسه بأنه عالم بنفسه لنفسه فهو في ذلك التوحيد عينه لا من حيث هو عينه ولا من حيث لا هو عينه وهذا أسنى المراتب في تجريد الكون عن التعلق به وهو كمال الأحدية لا كمال الوحدانية فإن كمال الوحدانية في سريان أحديته في العقائد فإن الوحداني هو الذي يطلب الموحدين والأحدية لا تطلب ذلك كالجسماني هو الذي يطلب الأجسام ليظهر بها حكمه فاعلم فإذا رأيت عارفا تأتي عليه أسباب الالتذاذ وأسباب التألم ولا يلتذ ولا يتألم لا بالمحسوس ولا بالمعقول في اقتناء العلوم الملذة فتعلم إن وقته التجرد التام عن طبيعته وهذا أقوى التشبه الذي يسعى إليه العلماء بالله وواجده قليل والقليل الذي يجده قليل الاستصحاب لهذا الوجدان وإنما الله يكرم به من شاء من عباده في خطرات ما ليعلمه بالتوحيد الذاتي الذي ذكرناه فإن طائفة من العقلاء نسبوا الالتذاذ والابتهاج إلى ذلك الجناب بالكمال الذي هو عليه تعالى الأحد في ذاته عن هذا الوصف لكن الوحدانية الإلهية هي التي ينظر إليها القائلون بهذا القول ولا يشعرون قال تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ فمن نظر الحق من حيث ذاته عرف ما قلناه ومن نظره من حيث ألوهيته عرف ما قلناه ألا تنظر إلى مبادي الوحي الإلهي النبوي إنما هي المبشرات وهي التي بقيت في الأمة بعد انقطاع النبوة فتخيل من لا علم له بالأمر بما هو عليه إن ذلك نقص في حق هذه الأمة ليس الأمر كما ظنه من لا علم له بتقسيم الوحي فإن وحي المبشرات هو الوحي الأعم الذي يكون من الحق إلى العبد بلا واسطة ويكون أيضا بواسطة والنبوة من شأنها الواسطة ولا بد فلا بد من الملك فيها والمبشرات ليست كذلك فالعبد العارف لا يبالي ما فاته من النبوة مع بقاء المبشرات عليه إلا أن الناس يتفاضلون فيها فمنهم من لا يبرح في بشراه عن الواسطة ومنهم من يرتفع عنها كالخضر والأفراد فلهم المبشرات بارتفاع الوسائط وما لهم النبوة ولهذا ننكر عليهم الأحكام فما كان من حكم في الكون من المبشرات فهو من البشرى بالواسطة وهو تعريف خاصة بما جاء به الرسول وما لم يكن لها حكم الكون إلا العلم المجرد في تكملة ذاته فمن البشرى بترك الواسطة فالرسل فضلت من سواها بتحصيل ضروب مراتب الوحي من المبشرات وغيرها من نزول الأملاك على قلوبهم وعلى حواسهم ولهم المبشرات فهم الأفراد الأقطاب ونحن الأفراد لا الأقطاب وأعني بالأقطاب الشخص الذي تدور عليه رحى السياسات الناموسية المبثوثة في مصالح العالم المؤيدة بالمعجزات والآيات فالله يجعلنا ممن بشره به فنام إلى الأبد ولم ينتبه سأل سهل بن عبد الله رجلا من أهل عبادان عن سجود القلب وكان قد رأى سهل بن عبد الله قلبه قد سجد فعرض ذلك على جماعة من الشيوخ من أهل زمانه فلم يعرفوا ما يقول لأنهم لم يذوقوا ذلك فرحل في طلب من يعرف ذلك فلما وصل إلى عبادان دخل على شيخ فقال له يا أستاذ أ يسجد القلب فقال الشيخ إلى الأبد يعني أنه لا يرفع رأسه من سجدته فعرف سهل بن عبد الله في

سؤاله إن الله أطلعه على سجود قلبه فلازم تلك الصفة فلم يرفع رأسه من سجدته لا في الدنيا ولا يرفعه في الآخرة فما دعا الله بعد ذلك في رفع شي ء نزل ولا في إنزال شي ء رفع وهذا هو المقام المجهول الذي جهله العارفون وما ثبت فيه إلا المفردون ولو لا إن الأنبياء شرع لهم أن يشرعوا للخاص والعام حيث جعلهم الله أسوة لكانت حالتهم ما ذكرناه ولكن صلوات الله عليهم لازموا الحضور في سجود القلب عند التشريع وهذا غاية القوة حيث أعطوا حكم الحال المستصحب الذي لا يرتفع أبدا فغير النبي إذا علمه تكلف فيه وقد أعلمناك في غير ما موضع أن الأوائل في الأشياء هي المعتبرة في النسبة إلى الله وإنها الصدق الذي لا يدخله مين والقوة التي لا يشوبها ضعف في الخاطر الأول والنظرة الأولى والسماع الأول والكلمة الأولى والحركة الأولى كل أول لا يكون إلا مخلصا لله لا يقع فيه اشتراك ثم بعد الأول يدخل

ما يدخل فيصدق ولا يصدق فانظر أول ما بدي ء به رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم من الوحي المبشرات فحازت المبشرات الأولية فكان لا يرى رؤيا إلا خرجت مثل فلق الصبح لأن فلق الصبح انفلق عن الليل كما انفلق صاحب هذه المبشرة عن النوم فانظر ما أحسن هذا التشبيه الذي شبهته به أمنا عائشة رضي الله عنها فأبقى الله على رجال هذه الأمة أول الوحي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت