فهرس الكتاب

الصفحة 1743 من 2585

ما أنزله الله وجهل الحقائق فلا بد للنائب إذا تكلم أن يضاف إليه الكلام على ما قلناه وأن يكون هذا النائب يفصل بذاته بين كل حرفين وكلمتين لتوجد الثانية وتتعلق بها الأولى حتى ينتظم به ما يريد إظهاره للمصلحة التي يعلمها فدل بكلامه على ما في نفسه وما كل من سمع بسمعه عقل جميع ما أراده المتكلم أو بعضه إلا من نور الله بصيرته ولهذا قد يكون حظ السامع من كلام المتكلم ترتيب حروفه من غير أن يعقل ما أراده المتكلم بما تكلم به ويظهر ذلك في السامع إذا كان المتكلم يكلمه بغير لحنه ولغته فإنه لا يفهم منه سوى ما يتعلق به سمعه من ترتيب حروفه فهو التعلق العام من كل سامع ولكن لا يعلم ما أريدت له هذه الكلمات كذلك العالم كله لا يعرف من الموجودات التي هي كلمات الله إلا وجود أعيانها خاصة ولا يعلم ما أريدت له هذه الموجودات إلا أهل الفهم عن الله والفهم أمر زائد على كونه مسموعا فكما ينوب العبد الكامل الناطق عن الله في إيجاد ما يتكلم به بالفصل بين كلماته إذ لو لا وجوده هناك لم يصح وجود عين الكلمة والحرف كذلك ينوب أيضا في الفهم في ذلك مناب الحق في قوله ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ فوصف نفسه بأنه يبلو ليعلم في المستأنف وهذه كلها نيابة أحدية لا نيابة غير الأحدية من حيث إن لها القيومية على أعيان الموجودات بما هي الموجودات عليه من الكسب إذ هو القائم عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أي قيدها كسبها فلو لا الحق ما تميزت الموجودات بعضها عن بعض ولكان الأمر عينا واحدا كما هو من وجه آخر مثال ذلك إن الإنسان من حيث حده الشامل لآحاده واحد العين فإن الآحاد كلها عين واحدة من حيث إنسانيتها مع علمنا بأن زيدا ما هو عين عمرو ولا عين غيره من أشخاص الأناسي فعين تمييز الحق لها وجودها وعين تمييز بعضها عن بعض فلأنفسها ولذلك لم تزد كلمة الحضرة في كل كائن عنها على كلمة كن شيئا آخر بل انسحب على كل كائن عين كن لا غير فلو وقفنا مع كن لم نر إلا عينا واحدة وإنما وقفنا مع أثر هذه الكلمة وهي المكونات فكثرت وتعددت وتميزت بأشخاصها فلما اجتمعت في عين حدها علمنا إن هذه الحقيقة وجدت كلمة الحق فيها وهي كلمة كُنْ وكن أمر وجودي لا يعلم منه إلا الإيجاد والوجود ولهذا لا يقال للموجود كن عدما ولا يقال له كن معدوما لاستحالة ذلك فالعدم نفسي لبعض الموجودات ولبعضها تابع لعدم شرطه المصحح لوجوده وبهذه الحقيقة كان الله خلاقا دائما وحافظا دائما ولو كان على ما يذكره مخالفو أهل الحق القائلون ببقاء الأعراض لم يصح أن يكون الحق خلاقا دائما ولا حافظا على بعض الموجودات وجودها وإذا لم يزل خالقا دائما فلا يزال مع كل مخلوق هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وكنتم أمر وجودي بلا شك فلا شي ء أدق من نيابة الفصل بين الكلمات لمن يعرف ما ذكرناه

[النيابة السابعة فهي النيابة في الأفعال الظاهرة والباطنة في وجود الإنسان]

وأما النيابة السابعة فهي النيابة في الأفعال الظاهرة والباطنة في وجود الإنسان وهو ما يحدثه في نفسه من الأفعال والكوائن لا ما يحدثه في غيره وآيته من كتاب الله قوله تعالى حَتَّى نَعْلَمَ والعلم صفة له قديمة وهذا العلم الخاص الظاهر عن الابتلاء هو ما يريده بالنيابة فيه هنا فقال تعالى عن نفسه إنه يجيب الداعي إذا دعاه وأن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ ءٍ فوصف نفسه بأنه قاهر لكل شي ء في هذه الآية فإذا ادعينا نحن الصبر على ما يكلفنا به وحمل المشقة في ذلك طاعة لله فدعوناه ثم نظرنا أثر ذلك في قلوبنا فوجدنا أنه إذا عم الدعاء ذاتنا كلها بحيث إنه لا يبقى فينا جزء له التفاتة إلى الغير حصلت الإجابة بلا شك على الفور من غير تأخير فعلمنا بهذا الاختبار صدق توجهنا لأنا قد علمنا صدقه فيما أخبر به عن نفسه ولو لا مراعاة الأدب الإلهي لكان قولنا بلوناه بما دعوناه به حتى نعلم قوله أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فإنها كلمة دعوى حتى تكون النيابة صحيحة في قوله ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ثم طردنا ذلك في حق كل مدع دعوى من صادق وكاذب فنبنا عنه سبحانه في الاختبار والابتلاء فإن كان صاحب دعوى صادقة كالرسل ومن صدق في دعواه فإنه يقيم الدلالة على صدقه بما بلوناه به من طلب الدلالة كانت الدلالة ما كانت كما بلونا به الكاذب لما ادعى ما ليس له فلم يقم بوجود ما بلوناه به فقال له النائب فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ من الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها من الْمَغْرِبِ وهو أمر إمكاني فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وقامت الحجة عليه فالابتلاء أصله الدعوى فمن لا دعوى له لا ابتلاء يتوجه عليه ولهذا ما كلفنا الله حتى قال لنا أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فقلنا بلى فأقررنا بربوبيته علينا وإقرارنا بربوبيته علينا عين إقرارنا بعبوديتنا له والعبودية بذاتها تطلب طاعة السيد فلما ادعينا ذلك حينئذ كلفنا ليبتلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت