فهرس الكتاب
[146] ولو عرضت هذه الوجوه على جميع العقلاء لقضت عقولهم السليمة بأن الأمر كما ذكرناه، ولخصناه [والله أعلم [1] ].
وأما الفريق الثاني وهم القائلون بأن العلم بوجود هذه الأبعاد علم استدلالي:
فقد احتجوا عليه من وجوه:
الحجة الأولى: لو لم يكن المكان عبارة عن البعد، بل كان عبارة عن السطح، لزم الحكم على الساكن حال كونه ساكنا بأنه متحرك، ولزم الحكم على المتحرك حال كونه متحركا، بأنه ساكن. ولما كان ذلك باطلا، وجب أن يكون المكان: عبارة عن البعد القائم بنفسه، لا عن السطح الحاوي.
أما بيان أنه يلزم الحكم على الساكن حال كونه ساكنا بأنه متحرك.
فتقريره: أنا لو فرضنا طائرا واقفا في الهواء، والهواء يجري عليه، أو حجرا واقفا في الماء، والماء يجري عليه. فههنا [لا شك [2] ] أن هذا الطير واقف في الهواء، وهذا الحجر واقف في الماء، مع أنه في كل آن، ينتقل من مماسة سطح إلى سطح آخر. فلو كان المكان عبارة عن السطح الحاوي، لكانت الحركة عبارة عن الانتقال من سطح إلى سطح آخر، ولما حصل هذا الانتقال في هذه الصورة من سطح إلى سطح آخر، لزم أن يكون هذا الجسم متحركا مع أنه ساكن في الحقيقة.؟؟؟ ما ذكرنا: أنه لو كان المكان عبارة عن السطح، لزم الحكم على الجسم الساكن، حال كونه ساكنا بأنه متحرك. ومعلوم أن ذلك باطل. فعلمنا: أن المكان لا يجوز أن يكون عبارة عن السطح. أما إذا قلنا:
إن المكان عبارة عن البعد الخالي، والفضاء الصرف، لم يلزم ذلك. لأن ذلك الجسم لما كان واقفا في ذلك الفضاء، وفي ذلك الخلاء، لا جرم كان ساكنا لا متحركا. فإن قيل: إن عنيت بكون ذلك الطير ساكنا في الهواء، وكون ذلك الحجر واقفا في الماء: أن مسامتته مع الأجسام الساكنة باقية. فالأمر كذلك.
(1) سقط (م) .
(2) من (س) .